«حروف من نور ـ سطور نكتبها»... تأملات في الخيال والاختلاف

في عمل الفنان السعودي مهند شونو ضمن بينالي الفنون الإسلامية بجدة

ثنائية الضوء والظلام في «حروف من نور، سطور نكتبها» لمهند شونو (الشرق الأوسط)
ثنائية الضوء والظلام في «حروف من نور، سطور نكتبها» لمهند شونو (الشرق الأوسط)
TT

«حروف من نور ـ سطور نكتبها»... تأملات في الخيال والاختلاف

ثنائية الضوء والظلام في «حروف من نور، سطور نكتبها» لمهند شونو (الشرق الأوسط)
ثنائية الضوء والظلام في «حروف من نور، سطور نكتبها» لمهند شونو (الشرق الأوسط)

للفنان السعودي مهند شونو ولع باللون الأسود وبالخط وأيضاً بالأعمال الضخمة التي تواجه الناظر بكل قوتها ودلالاتها، لتسحبه إلى عوالم يلعب فيها الخيال دورا كبيرا يدفع الزائر نحو التفكير في أساسيات الحياة. ولا أدل على ذلك من عمله الهائل الذي مثل السعودية في بينالي فينيسيا للفنون والذي أطلق عليه اسم «منطق الشجر». يغزل شونو أعماله من العنصر الواحد المتفرد ليضمه لعناصر مشابهة، تتكاثر وتتشعب لتكون عملا ضخما يحتوي الناظر ويدخله لعالم من صنع الفنان يتفاعل مع أفكاره ليعيش فيه تجربة حسية متفردة يتناغم فيها الضوء والظلام والأبيض والأسود.

من عمل مهند شونو في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

قدم شونو عملا متفردا في بينالي الفنون الإسلامية بجدة، تحت عنوان «حروف من نور، سطور نكتبها» امتد على قاعتين منفصلتين. بداية، يجب القول بأن العمل مبهر بصريا وجاذب للزائر بشكل كبير، وبحكم تشكيلاته الهندسية المحكمة والمتنوعة تحول لمادة خصبة للتصوير ومصدر للقطات منوعة على موقع إنستغرام.

الفنان مهند شونو (الفنان)

يأخذني الفنان في جولة على عمله ويتحدث حول المضمون الذي يحرص على نقله للناظر. نخطو داخل الغرفة الأولى، ظلام دامس يغلف خطواتنا ولكن بصرنا يتعلق بذلك الضوء الباهر المنبعث من مستطيل مضيء، يشع الضوء ليشد البصر والأحاسيس، يتوهج في الظلمة ويصبح هو الأساس، من ذلك الكيان الوحيد تنبثق المئات من الخيوط المضيئة أيضاً تتشكل وتمتد لتصبح مثل الخيمة التي تنفرج أطرافها لتدعو الناظر لداخلها. الكتلة المضيئة لها ما يقابلها في الغرفة المجاورة ولكننا نظل هنا مع شونو الذي يتحدث عن مدلولاتها. تحت الخيمة المضيئة نسمع همهمات متناغمة ومستمرة، أسأله عن نوع الموسيقى ويشير: «هي نغمات بالصوت فقط لفنان بريطاني من أصل صومالي يدعى فيصل أو «صول فيس» بحسب اسمه الفني، عملت معه لوضع الخلفية الصوتية لعملي المشارك في احتفالية (نور الرياض) أعماله تدور دائما حول الروح والروحانية، همهماته تبعث الحياة في المعاني المستترة».

خيوط الضوء تمتد لتكون أشكالا هندسية مختلفة (الشرق الأوسط)

إشارته إلى عمله في «نور الرياض» تذكرنا بأن العمل هنا هو امتداد لعمله هناك، استخدم الخيوط والضوء لعرض فكرته في عمله في (نور الرياض)، الخيوط التي تنتظم سويا وتمتد وتسري لتخلق لنفسها حياة خارج السيطرة وخارج الإطار. بشكل ما يتماثل عمله في البينالي مع عمله السابق في نور الرياض، أسأله عن الخيوط المضيئة وعن تركيبها، يقول إنها «مصنوعة يدويا وكل منها معقود بشكل منفرد». أعلق بأن العمل على تكوين هذا الكيان الهائل من الخيوط والضياء من المؤكد أنه استغرق جهدا ووقتا كبيرين، يوافقني ويضيف «بالفعل، في الحقيقة أنا بصدد عمل فيلم وثائقي حول عملية صنع العمل».

من عمل مهند شونو في «نور الرياض» (رياض آرت)

هنا الوحدانية هي الأساس وفي الغرفة التالية المجموع وكيف يشكل المجموع التجربة المنفردة، المعنى فلسفي ويحمل خلفه الكثير، كيف يتفاعل الإنسان مع التجربة الروحية وكيف تشكلها بعد ذلك روح الجماعة.
ما الذي أراد الفنان تحقيقه في هذا العمل المشارك في أول بينالي للفنون الإسلامية في العالم؟ يقول: «أتحدث بشكل مفاهيمي عن مفهوم الروحانية، وعن مفهوم الفرد للإيمان. أعتقد أنه من المهم أن نبحث عن الضوء الحاني أو اللين، الضوء مثل الخطاب الجماعي، كان حادا بشكل كبير في الماضي، أرى أننا ينبغي علينا الدخول لمنطقة بها بعض الغموض تتسم بالمرونة والتفهم».

من عمل مهند شونو في «نور الرياض» (رياض آرت)

تتنوع الإضاءة ما بين القوي الصريح وما بين الخافت الهادئ: «اخترت عنوانا أوليا للعمل (نحو ضوء ألطف)، يمر بنا العمل من الضوء الساطع ليأخذنا نحو مناطق تزداد فيها الظلال ثم نحو الظلام لتخرجنا مرة أخرى نحو ضياء أقل حدة».
في الغرفة التالية تنتظم خيوط الضوء لتشكل محطات منفصلة ولكنها مرتبطة، تبدو منظمة ومرتبة تعتمد على التكرار يشير إلى أن العمل يتحدث عن العلاقة بين مفهوم الجماعة والفرد وكيف يؤثر الفرد على الجماعة. «هذه الغرفة تتناول الطقوس وتتساءل عن الضوء ومصدره. من يحدد درجة حدة الضوء؟ هل المشاهد له القدرة على الاختيار في رؤيته للعمل أن يتحول ببصره للمناطق الأخفت ضوءا؟» يجيب قائلا «بالتأكيد الأمر متروك للمشاهد، هذا ما أردت التعبير عنه في العمل، لرؤية الضوء لا بد من تمييز الظلام، المفارقة بين الأبيض والأسود بين الضوء والظلمة هي ما تصنع التجربة الجماعية لنا جميعا».
تبدو الخيوط المضيئة بمثابة إيماءة لموضوع أثير لدى شونو وهو الخط الوحيد، طالما مثل الخط الأسود البدايات لأعمال شونو، مثل له الخط معضلة «من يكتب هذه الخطوط؟»
يشير إلى التشكيلات المتماثلة في الحجرة الثانية قائلا «يمكننا النظر لها كمحطات للتعلم».
أسأله عن افتتانه الدائم بثنائية الأبيض والأسود، الضوء والظلام، يقول «الأسود يطغى في أعمالي، أرى فيه رد فعل على رقابة الماضي، عندما كان اللون الأسود يستخدم لحجب الصور وحجب الكلمات. لم يمنعني الأسود في ذلك الوقت من الفهم ولكنه أشعل خيالي حيث قام عقلي بتخيل الاحتمالات ما خلف السواد، وبمعنى ما كانت تلك الخيالات بمثابة استعادة حق فيما حملته الخطوط تحت اللون الأسود. هذا الخط المحمل بالحبر الأسود الذي كان يستخدم لقطع رأس الصورة والرسمة ولإخفاء الكلمة والوصف. أعيد هنا امتلاك ذلك الخط لخلق عوالم خيالية ولدفع المشاهد للتفكير».
الغرفة الثانية لها أوجه عدة «نرى فيها الأشياء من أكثر من منظور. الأعمال بها متفردة في ذاتها ولكنها أيضاً تحمل روح الجماعة». تبدو أيضاً دقيقة وهندسية، أعلق ويجيب: «فعلا ولكن أيضاً هي جامدة وثابتة، ورغم أنها مصنوعة بنفس المواد إلا أنها محددة جدا ومحسوبة، كل عنصر في مكانه».
يشير أيضاً إلى أن الأشكال المتتالية أمامنا تعكس عامل التكرار «نحن مسحورون بالتكرار، بعد الأشياء وترقيمها وهو ما يبعدنا عن الأصل، عن الخط الواحد. فلا يوجد هنا مجال للاختلاف الفردي، يجب أن تنتظم في الخط لجانب الخطوط الأخرى... لا مكان للخيال هنا».
الخيال والإبداع لدى شونو لهما مراتب عالية يرى فيهما الملجأ من قسوة العالم «عندما يصبح الواقع حولنا مبهماً وعصياً على الفهم مثل الكابوس، فليس أمامنا سوى التراجع داخل مخيلتنا، وخلق عوالم وأشخاص لتصبح هي ملجأنا». لا تظل المخيلة الإنسانية مقيدة طويلاً، فمن طبائعها التسرب لتغير العالم، «أرى أنه من الخطر أن نحاول تقييد الخيال أو تحجيمه». ويرى أن العواقب تتمثل في «تكلس العقل والخيال، فمن المهم أن نحافظ على تدفق الخيال وسيولته».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.


سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.