«حروف من نور ـ سطور نكتبها»... تأملات في الخيال والاختلاف

في عمل الفنان السعودي مهند شونو ضمن بينالي الفنون الإسلامية بجدة

ثنائية الضوء والظلام في «حروف من نور، سطور نكتبها» لمهند شونو (الشرق الأوسط)
ثنائية الضوء والظلام في «حروف من نور، سطور نكتبها» لمهند شونو (الشرق الأوسط)
TT

«حروف من نور ـ سطور نكتبها»... تأملات في الخيال والاختلاف

ثنائية الضوء والظلام في «حروف من نور، سطور نكتبها» لمهند شونو (الشرق الأوسط)
ثنائية الضوء والظلام في «حروف من نور، سطور نكتبها» لمهند شونو (الشرق الأوسط)

للفنان السعودي مهند شونو ولع باللون الأسود وبالخط وأيضاً بالأعمال الضخمة التي تواجه الناظر بكل قوتها ودلالاتها، لتسحبه إلى عوالم يلعب فيها الخيال دورا كبيرا يدفع الزائر نحو التفكير في أساسيات الحياة. ولا أدل على ذلك من عمله الهائل الذي مثل السعودية في بينالي فينيسيا للفنون والذي أطلق عليه اسم «منطق الشجر». يغزل شونو أعماله من العنصر الواحد المتفرد ليضمه لعناصر مشابهة، تتكاثر وتتشعب لتكون عملا ضخما يحتوي الناظر ويدخله لعالم من صنع الفنان يتفاعل مع أفكاره ليعيش فيه تجربة حسية متفردة يتناغم فيها الضوء والظلام والأبيض والأسود.

من عمل مهند شونو في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

قدم شونو عملا متفردا في بينالي الفنون الإسلامية بجدة، تحت عنوان «حروف من نور، سطور نكتبها» امتد على قاعتين منفصلتين. بداية، يجب القول بأن العمل مبهر بصريا وجاذب للزائر بشكل كبير، وبحكم تشكيلاته الهندسية المحكمة والمتنوعة تحول لمادة خصبة للتصوير ومصدر للقطات منوعة على موقع إنستغرام.

الفنان مهند شونو (الفنان)

يأخذني الفنان في جولة على عمله ويتحدث حول المضمون الذي يحرص على نقله للناظر. نخطو داخل الغرفة الأولى، ظلام دامس يغلف خطواتنا ولكن بصرنا يتعلق بذلك الضوء الباهر المنبعث من مستطيل مضيء، يشع الضوء ليشد البصر والأحاسيس، يتوهج في الظلمة ويصبح هو الأساس، من ذلك الكيان الوحيد تنبثق المئات من الخيوط المضيئة أيضاً تتشكل وتمتد لتصبح مثل الخيمة التي تنفرج أطرافها لتدعو الناظر لداخلها. الكتلة المضيئة لها ما يقابلها في الغرفة المجاورة ولكننا نظل هنا مع شونو الذي يتحدث عن مدلولاتها. تحت الخيمة المضيئة نسمع همهمات متناغمة ومستمرة، أسأله عن نوع الموسيقى ويشير: «هي نغمات بالصوت فقط لفنان بريطاني من أصل صومالي يدعى فيصل أو «صول فيس» بحسب اسمه الفني، عملت معه لوضع الخلفية الصوتية لعملي المشارك في احتفالية (نور الرياض) أعماله تدور دائما حول الروح والروحانية، همهماته تبعث الحياة في المعاني المستترة».

خيوط الضوء تمتد لتكون أشكالا هندسية مختلفة (الشرق الأوسط)

إشارته إلى عمله في «نور الرياض» تذكرنا بأن العمل هنا هو امتداد لعمله هناك، استخدم الخيوط والضوء لعرض فكرته في عمله في (نور الرياض)، الخيوط التي تنتظم سويا وتمتد وتسري لتخلق لنفسها حياة خارج السيطرة وخارج الإطار. بشكل ما يتماثل عمله في البينالي مع عمله السابق في نور الرياض، أسأله عن الخيوط المضيئة وعن تركيبها، يقول إنها «مصنوعة يدويا وكل منها معقود بشكل منفرد». أعلق بأن العمل على تكوين هذا الكيان الهائل من الخيوط والضياء من المؤكد أنه استغرق جهدا ووقتا كبيرين، يوافقني ويضيف «بالفعل، في الحقيقة أنا بصدد عمل فيلم وثائقي حول عملية صنع العمل».

من عمل مهند شونو في «نور الرياض» (رياض آرت)

هنا الوحدانية هي الأساس وفي الغرفة التالية المجموع وكيف يشكل المجموع التجربة المنفردة، المعنى فلسفي ويحمل خلفه الكثير، كيف يتفاعل الإنسان مع التجربة الروحية وكيف تشكلها بعد ذلك روح الجماعة.
ما الذي أراد الفنان تحقيقه في هذا العمل المشارك في أول بينالي للفنون الإسلامية في العالم؟ يقول: «أتحدث بشكل مفاهيمي عن مفهوم الروحانية، وعن مفهوم الفرد للإيمان. أعتقد أنه من المهم أن نبحث عن الضوء الحاني أو اللين، الضوء مثل الخطاب الجماعي، كان حادا بشكل كبير في الماضي، أرى أننا ينبغي علينا الدخول لمنطقة بها بعض الغموض تتسم بالمرونة والتفهم».

من عمل مهند شونو في «نور الرياض» (رياض آرت)

تتنوع الإضاءة ما بين القوي الصريح وما بين الخافت الهادئ: «اخترت عنوانا أوليا للعمل (نحو ضوء ألطف)، يمر بنا العمل من الضوء الساطع ليأخذنا نحو مناطق تزداد فيها الظلال ثم نحو الظلام لتخرجنا مرة أخرى نحو ضياء أقل حدة».
في الغرفة التالية تنتظم خيوط الضوء لتشكل محطات منفصلة ولكنها مرتبطة، تبدو منظمة ومرتبة تعتمد على التكرار يشير إلى أن العمل يتحدث عن العلاقة بين مفهوم الجماعة والفرد وكيف يؤثر الفرد على الجماعة. «هذه الغرفة تتناول الطقوس وتتساءل عن الضوء ومصدره. من يحدد درجة حدة الضوء؟ هل المشاهد له القدرة على الاختيار في رؤيته للعمل أن يتحول ببصره للمناطق الأخفت ضوءا؟» يجيب قائلا «بالتأكيد الأمر متروك للمشاهد، هذا ما أردت التعبير عنه في العمل، لرؤية الضوء لا بد من تمييز الظلام، المفارقة بين الأبيض والأسود بين الضوء والظلمة هي ما تصنع التجربة الجماعية لنا جميعا».
تبدو الخيوط المضيئة بمثابة إيماءة لموضوع أثير لدى شونو وهو الخط الوحيد، طالما مثل الخط الأسود البدايات لأعمال شونو، مثل له الخط معضلة «من يكتب هذه الخطوط؟»
يشير إلى التشكيلات المتماثلة في الحجرة الثانية قائلا «يمكننا النظر لها كمحطات للتعلم».
أسأله عن افتتانه الدائم بثنائية الأبيض والأسود، الضوء والظلام، يقول «الأسود يطغى في أعمالي، أرى فيه رد فعل على رقابة الماضي، عندما كان اللون الأسود يستخدم لحجب الصور وحجب الكلمات. لم يمنعني الأسود في ذلك الوقت من الفهم ولكنه أشعل خيالي حيث قام عقلي بتخيل الاحتمالات ما خلف السواد، وبمعنى ما كانت تلك الخيالات بمثابة استعادة حق فيما حملته الخطوط تحت اللون الأسود. هذا الخط المحمل بالحبر الأسود الذي كان يستخدم لقطع رأس الصورة والرسمة ولإخفاء الكلمة والوصف. أعيد هنا امتلاك ذلك الخط لخلق عوالم خيالية ولدفع المشاهد للتفكير».
الغرفة الثانية لها أوجه عدة «نرى فيها الأشياء من أكثر من منظور. الأعمال بها متفردة في ذاتها ولكنها أيضاً تحمل روح الجماعة». تبدو أيضاً دقيقة وهندسية، أعلق ويجيب: «فعلا ولكن أيضاً هي جامدة وثابتة، ورغم أنها مصنوعة بنفس المواد إلا أنها محددة جدا ومحسوبة، كل عنصر في مكانه».
يشير أيضاً إلى أن الأشكال المتتالية أمامنا تعكس عامل التكرار «نحن مسحورون بالتكرار، بعد الأشياء وترقيمها وهو ما يبعدنا عن الأصل، عن الخط الواحد. فلا يوجد هنا مجال للاختلاف الفردي، يجب أن تنتظم في الخط لجانب الخطوط الأخرى... لا مكان للخيال هنا».
الخيال والإبداع لدى شونو لهما مراتب عالية يرى فيهما الملجأ من قسوة العالم «عندما يصبح الواقع حولنا مبهماً وعصياً على الفهم مثل الكابوس، فليس أمامنا سوى التراجع داخل مخيلتنا، وخلق عوالم وأشخاص لتصبح هي ملجأنا». لا تظل المخيلة الإنسانية مقيدة طويلاً، فمن طبائعها التسرب لتغير العالم، «أرى أنه من الخطر أن نحاول تقييد الخيال أو تحجيمه». ويرى أن العواقب تتمثل في «تكلس العقل والخيال، فمن المهم أن نحافظ على تدفق الخيال وسيولته».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«كونتيسة الدم»... عودة أسطورة قديمة برؤية سينمائية معاصرة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

«كونتيسة الدم»... عودة أسطورة قديمة برؤية سينمائية معاصرة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

عودة غامضة لـ«كونتيسة الدم» بعد اختفاء طويل، حيث تظهر من جديد في قلب فيينا الحديثة، وكأنها خرجت من زمن آخر لتستأنف وجودها وسط عالم تغيّر كثيراً، هذه العودة لا تأتي بدافع الحنين فحسب، بل مدفوعة بهدف محدد وغامض، يضعها في مواجهة واقع جديد تحاول فهمه والسيطرة عليه في عمل يفتح الباب أمام إعادة قراءة الأسطورة من منظور معاصر، وذلك في فيلم «كونتيسة الدم» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان برلين السينمائي.

تلتقي «الكونتيسة» بخادمتها المخلصة التي ظلت على ولائها، لتبدأ معها رحلة بحث معقدة عن كتاب خطير يُعتقد أنه يمتلك القدرة على إنهاء الشر، بما في ذلك مصاصو الدماء أنفسهم. هذه المفارقة تمنح القصة بُعداً درامياً لافتاً، إذ تجد البطلتان نفسيهما تسعيان وراء شيء قد يعني فناءهما، في لعبةٍ تتداخل فيها الرغبة بالبقاء مع احتمالات الزوال.

تنطلق الرحلة عبر شوارع فيينا وأماكنها التاريخية، حيث تتحول المدينة إلى مسرح مفتوح للأحداث، قبل أن تتوسع الدائرة لتشمل مناطق أخرى مثل بوهيميا. وخلال هذا المسار، لا تقتصر الرحلة على البحث الجغرافي، بل تتحول إلى استكشاف لعوالم مختلفة تتقاطع فيها الأزمنة والطبقات الاجتماعية، كاشفة عن تناقضات حادة بين الماضي والحاضر.

شهد الفيلم اهتماماً نقدياً منذ عرضه الأول في برلين (إدارة المهرجان)

في أثناء ذلك، تستعين «الكونتيسة» بابن شقيقها، وهو مصاص دماء مختلف عن الصورة التقليدية، يعيش صراعاً داخلياً مع طبيعته ويحاول التكيف معها بطريقته الخاصة، إلى جانب مُعالجه النفسي الذي يمثل حضوراً غريباً داخل هذا العالم، في ثنائي يضيف بُعداً إنسانياً وساخراً للأحداث، ويعكس محاولة لفهم الهوية والاختلاف داخل إطار فانتازي.

وبالتوازي مع رحلة البحث، تتعقب مجموعة من الشخصيات «الكونتيسة» ومُرافقيها، من بينهم خبراء في مصاصي الدماء وضابط شرطة، يسعون لكشف حقيقتهم والسيطرة عليهم، في مطاردةٍ تخلق توتراً مستمراً، حيث تتقاطع مسارات الصيادين والفريسة، ضِمن لعبة لا تخلو من المفارقات والسخرية السوداء.

بطلة الفيلم الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير أكدت، لـ«الشرق الأوسط»، أن حماسها للمشاركة في العمل جاء من طبيعته المختلفة، بعدما شعرت بدهشة لفكرة تقديم شخصية مصاصة دماء، للمرة الأولى في مسيرتها، رغم تاريخها الطويل مع الأدوار المعقدة، مشيرة إلى أنها فضّلت الاقتراب من التجربة بعفوية دون الاعتماد على مراجع جاهزة.

وأوضحت أن ما جذبها أكثر هو الرؤية الخاصة للمُخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر، التي منحت الفيلم طابعاً حراً بعيداً عن القوالب التقليدية، فلا تُقدَّم الشخصيات من منظور نفسي صارم، بل داخل عالم أقرب إلى الحكاية أو الأسطورة، ما أتاح لها مساحة واسعة للعب والتجريب، لافتة إلى أن شخصية الكونتيسة نفسها كانت مليئة بالتناقضات، وهو ما جذبها إليها، فهي ليست مجرد شخصية شريرة تقليدية، بل تحمل جانباً ساخراً وغامضاً في الوقت نفسه، مؤكدة أنها استمتعت بالتوازن بين القسوة واللعب.

تحمست النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير للفيلم لطبيعته المختلفة (مهرجان برلين)

وأضافت أن هذه الحرية كانت من أهم أسباب قبولها الدور، خاصة أن المخرجة أتاحت لها الانخراط في العمل بخفة ومرونة، دون التقيد بصرامة تفسير الشخصية، مشيرة إلى أن الطابع المسرحي للفيلم منحها مساحة أكبر في الأداء، وحرَّرها من النزعة الواقعية، وفتح المجال أمام الخيال.

ووصفت مشاركتها في الفيلم بـ«المغامرة الفنية»، موضحة أن العمل يتحرك في مساحة «خارج الزمن»، فلا يرتبط بمرحلة محددة، بل يخلق عالماً خاصاً بين الواقع والخيال، وهو ما تعدُّه جوهر السينما التي تبحث عنها. وأردفت: «هذا الإحساس بالتحرر من الزمن جعلها تتعامل مع الشخصية بوصفها حالة أكثر منها بناءً نفسياً تقليدياً»، مؤكدة أن الأداء هنا قائم على الإحساس والحدس، لا على التحليل المباشر، وهو ما منحها خفة وجرأة في تقديم الدور.

وفي ختام حديثها أشارت إلى أن هذه التجربة تميزت بحالة من عدم اليقين داخل موقع التصوير، حيث لم يكن العمل يسير وفق قواعد ثابتة، بل كان يتشكل تدريجياً، ما منحها إحساساً حقيقياً بالمغامرة، مؤكدة أن «هذا النوع من المشاريع يتطلب من الممثل أن يثق في اللحظة ويتخلى عن السيطرة، وهو ما يجعل التجربة أكثر حيوية وصدقاً».


قطرة فعّالة للسيطرة على قِصر النظر

قطرة للعين تسهم في تقليل مضاعفات قصر النظر على المدى الطويل (جامعة هيوستن)
قطرة للعين تسهم في تقليل مضاعفات قصر النظر على المدى الطويل (جامعة هيوستن)
TT

قطرة فعّالة للسيطرة على قِصر النظر

قطرة للعين تسهم في تقليل مضاعفات قصر النظر على المدى الطويل (جامعة هيوستن)
قطرة للعين تسهم في تقليل مضاعفات قصر النظر على المدى الطويل (جامعة هيوستن)

كشفت دراسة أميركية أن جرعة واحدة من قطرة «الأتروبين» (Atropine) بتركيزات منخفضة كافية لإحداث تأثيرات إيجابية وملموسة في التحكم بقِصر النظر، تمتد على مدار 24 ساعة متواصلة. وقدم باحثون من جامعة هيوستن نتائج دقيقة حول تأثير جرعة «الأتروبين» على العين خلال يوم كامل، ونُشرت الدراسة، الاثنين، بدورية «Eye and Vision».

ويُعد قِصر النظر اضطراباً بصرياً شائعاً يصيب نحو ثلث البالغين في الولايات المتحدة، حيث يرى المصاب الأشياء القريبة بوضوح، بينما تبدو الأجسام البعيدة ضبابية. ويحدث ذلك عندما تطول كرة العين أكثر من الطبيعي، أو عندما تنكسر الأشعة الضوئية بشكل غير صحيح فتتركز أمام الشبكية بدلاً من أن تقع عليها. وتختلف شدته من حالات بسيطة إلى درجات متقدمة قد تؤثر في جودة الحياة اليومية، خصوصاً مع الاستخدام المتزايد للشاشات وقلة التعرض للضوء الطبيعي.

طريقة جديدة

وبينما لا يوجد علاج شافٍ للمرض، يمكن تصحيح قِصر النظر باستخدام النظارات الطبية أو العدسات اللاصقة، وفي بعض الحالات عبر الجراحة، بينما تتجه الأبحاث الحديثة إلى استخدام علاجات دوائية مثل «الأتروبين»، وهو دواء يُستخدم في طب العيون بتركيزات مختلفة؛ إذ تعمل الجرعات العالية منه على توسيع حدقة العين وإرخاء عضلات التركيز مؤقتاً لتسهيل الفحص، في حين تُستخدم الجرعات المنخفضة جداً للمساعدة في إبطاء تطور قِصر النظر، خاصة لدى الأطفال.

وشملت الدراسة تجربة مزدوجة التعمية على 20 مشاركاً، تلقّى كل منهم جرعة واحدة في العين اليمنى، إما من «الأتروبين» أو من محلول وهمي، خلال 5 جلسات منفصلة. واستخدم الباحثون تراكيز منخفضة من الأتروبين تبلغ 0.01 في المائة، وهو تركيز أقل بـ100 مرة من التركيز المستخدم لتوسيع حدقة العين وهو 1 في المائة. وقام الفريق البحثي بقياس طول العين، وسُمك الشبكية، وتدفق الدم في الأوعية الدموية بعد ساعة واحدة، ثم بعد 24 ساعة من الاستخدام.

وأظهرت النتائج أن «الأتروبين» بتركيزات منخفضة يُحدث تغيّرات واضحة في حجم حدقة العين وقدرتها على التركيز، واستمرت هذه التأثيرات طوال اليوم. في المقابل، لم تُسجّل أي تغيّرات في طول العين أو سُمك الشبكية أو المشيمية، وهي مؤشرات مهمة؛ إذ يرتبط ازدياد طول العين بتفاقم قِصر النظر. كما رُصدت تغيّرات مؤقتة في تدفق الدم داخل الأوعية الدقيقة في الشبكية، لكنها كانت محدودة زمنياً ولم تُرافقها أي أضرار بنيوية في العين.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج تكتسب أهمية خاصة في ظل الانتشار المتزايد لقِصر النظر عالمياً؛ إذ تشير إلى إمكانية استخدام «الأتروبين» منخفض الجرعة كخيار علاجي آمن وفعّال، لإبطاء تطور هذه الحالة. وأضافوا أن الدراسة تمهّد الطريق لتطوير أساليب علاجية أكثر دقة وتخصيصاً، تعتمد على استجابة العين الفردية، ما قد يسهم في تحسين جودة الرؤية وتقليل مضاعفات قِصر النظر على المدى الطويل.


واحدة من أكبر مدن العالم تغرق... وملايين السكان مهددون

مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)
مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)
TT

واحدة من أكبر مدن العالم تغرق... وملايين السكان مهددون

مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)
مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)

تواجه مدينة مكسيكو، إحدى أكبر الحواضر في العالم، خطراً بيئياً متصاعداً قد يعيد رسم ملامحها الديموغرافية والعمرانية، ويهدد بنزوح ملايين السكان إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

فهذه المدينة الضخمة لا تعاني فقط من الاكتظاظ أو التوسع العمراني، بل تشهد ظاهرة أكثر خطورة: تغرق تدريجياً بمعدل يُعد من بين الأعلى عالمياً، في مشهد يثير قلق العلماء وصناع القرار على حد سواء.

تشهد أكبر مدن أميركا الشمالية انحداراً فعلياً وملموساً، إذ تشير التقارير إلى أن مدينة مكسيكو (مكسيكو سيتي) تهبط بوتيرة سريعة لدرجة أن هذا الهبوط أصبح مرئياً من الفضاء، وفقاً لما أوردته صحيفة «نيويورك بوست».

وتُظهر صور الأقمار الاصطناعية التابعة لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا) أن المدينة تهبط بمعدل يقارب 25 سنتيمتراً سنوياً، ما يجعلها واحدة من أسرع المدن غرقاً في العالم. هذا التراجع المستمر في مستوى الأرض يهدد بشكل مباشر البنية التحتية الحيوية، كما نقلت وكالة «أسوشييتد برس».

وفي هذا السياق، يوضح إنريكي كابرال، الباحث في مجال الجيوفيزياء في الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك، خطورة الوضع بقوله: «إنها مشكلة كبيرة للغاية... إذ تُلحق أضراراً جسيمة بجزء مهم من البنية التحتية لمدينة مكسيكو، بما في ذلك مترو الأنفاق، وأنظمة الصرف الصحي، وشبكات المياه، ومرافق مياه الشرب، فضلاً عن المساكن والطرق».

وتُعدّ مدينة مكسيكو موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة، وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع. وقد أُقيمت المدينة في الأصل فوق قاع بحيرة قديمة، وهو ما يفسّر الطبيعة الهشة لتربتها، ويظهر بوضوح في كون عدد من شوارعها الحالية كان في السابق قنوات مائية، بحسب تقرير لصحيفة «إندبندنت».

ويرتبط تفاقم هذه الظاهرة بعوامل متداخلة، أبرزها الضخ المفرط للمياه الجوفية إلى جانب التوسع العمراني المتسارع. وقد أدى ذلك إلى استنزاف طبقات المياه الجوفية إلى مستويات خطيرة، ما تسبب في هبوط تدريجي ومستمر للمدينة على مدى أكثر من قرن.

فبينما كان معدل الهبوط في أواخر القرن التاسع عشر يناهز بوصتين سنوياً (نحو 5 سنتيمترات)، ارتفع هذا المعدل بشكل كبير ليصل إلى نحو 18 بوصة (45 سنتيمتراً) بحلول عام 1950. وعلى المدى الطويل، شهدت بعض مناطق المدينة انخفاضاً هائلاً بلغ مئات الأقدام، وهو ما انعكس بوضوح على ميلان عدد من المباني التاريخية، مثل كاتدرائية متروبوليتان التي يعود تاريخ بدء بنائها إلى عام 1573.

ورغم أن ظاهرة غرق المدينة معروفة منذ زمن بعيد، فإن رصد معدل الهبوط بدقة واستمرارية لم يكن ممكناً إلا مؤخراً، بفضل التطور التكنولوجي في مجال الاستشعار عن بُعد. فقد اعتمد الباحثون على بيانات قمر اصطناعي متقدم تابع لوكالة «ناسا» يُعرف باسم NISAR، وذلك خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر (تشرين الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026.

وقد أتاح هذا القمر الاصطناعي جمع بيانات دورية كل 12 يوماً، ما مكّن العلماء من تتبع التغيرات في حركة سطح الأرض بدقة عالية، ورصد ما يحدث تحتها بشكل شبه فوري. وكشفت هذه القياسات عن أن بعض مناطق المدينة، بما في ذلك المطار المركزي ونصب «ملاك الاستقلال»، تشهد هبوطاً أرضياً بمعدل يصل إلى نحو 0.78 بوصة شهرياً (قرابة 2 سنتيمتر). ويعادل هذا المعدل نحو 9.5 بوصة سنوياً (24.13 سنتيمتر)، ما يعني أن هذه المناطق قد انخفضت بأكثر من 39 قدماً (نحو 11 متراً) خلال أقل من قرن.

وفي مناطق أخرى، وصل إجمالي التغير في الارتفاع إلى نحو 127 قدماً (ما يقارب 38.7 متراً)، وهو رقم يعكس حجم التحول الجيولوجي الذي تشهده المدينة. ولا تقتصر خطورة هذه الظاهرة على الهبوط الأرضي وحده؛ إذ يحذر الخبراء من أن الانكماش المستمر في طبقات المياه الجوفية قد يؤدي أيضاً إلى نقص حاد في الموارد المائية، ما يفاقم التحديات البيئية ويضع مستقبل المدينة وسكانها أمام اختبار صعب.

اقرأ أيضاً