العلاقات المصرية ـ الأميركية: مناقشات تعكس «نهجاً عملياً»

وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيره الأميركي أنتوني بلينكن (الاثنين) في القاهرة (رويترز)
وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيره الأميركي أنتوني بلينكن (الاثنين) في القاهرة (رويترز)
TT

العلاقات المصرية ـ الأميركية: مناقشات تعكس «نهجاً عملياً»

وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيره الأميركي أنتوني بلينكن (الاثنين) في القاهرة (رويترز)
وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيره الأميركي أنتوني بلينكن (الاثنين) في القاهرة (رويترز)

سيكون من شأن التدقيق في مفردات وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، خلال مؤتمر صحافي مع نظيره المصري سامح شكري، وكذلك مراجعة إفادات رسمية صادرة عن وزارته قبل وصوله إلى القاهرة، أن «يعكسا نهجاً عملياً» أميركياً في العلاقات مع مصر، وذلك حسب تقديرات لخبراء ومحللين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» عن دلالات ما أُعلن عن محتوى المباحثات.
والوزير بلينكن الذي زار القاهرة بعد أكثر من شهرين من وجود، الرئيس الأميركي، جو بايدن في مصر، للمشاركة في فعاليات «مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ» (كوب 27)، والتي استضافتها مدينة شرم الشيخ بجنوب سيناء، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بدا «أكثر تركيزاً على ملفات الأمن الإقليمي» ذات الصلة بين القاهرة واشنطن ومنها، ليبيا، والسودان، مع تركيز من بلينكن على «ملف إيران».
وتُظهر قراءة في «مستند حقائق» صادر عن الخارجية الأميركية ونشرته سفارة واشنطن بالقاهرة، قبيل بدء زيارة بلينكن، أن ترتيب «رؤية واشنطن» لموضوعات العلاقة بين الطرفين، جاءت منطلقة من تمهيد عن «العلاقات التاريخية»، وأعقبها بند عن «تعزيز الأمن الإقليمي»، ثم «العلاقات الاقتصادية»، وبرامج «التبادل الثقافي»، و«أزمة المناخ»، و«الشراكة الدفاعية»، وأخيراً جاء بند «مستقبل الديمقراطية».
وصحيح أن البند «الحقوقي» غالباً ما كان يأتي باقتضاب وعلى استحياء أحياناً، في ذيل إفادات رسمية بشأن مباحثات أو اتصالات المسؤولين المصريين والأمريكيين، في محاولة لـ«إثبات موقف» أو تجنب «انتقادات داخلية» أميركية؛ غير أن أسلوب التناول الذي انتهجه بلينكن خلال المؤتمر، مع شكري، عندما سُئل تحديداً عن قضية ناشطين مصريين، هما: «علاء عبد الفتاح، ومحمد باقر» بدا لافتاً.
لقد حرص بلينكن على التأكيد على أنه أثار قضايا حقوق الإنسان، معرباً عن حرص بلاده على رؤية «تغيير مستدام» في الملف، مستدركاً أن «مصر اتخذت خطوات مهمة في مسار حماية الحريات الدينية، وتمكين المرأة والحوار الوطني، وهنالك الكثير المتبقي».
ثم عاد بلينكن للرد على السؤال: «لا يمكنني أن أجيب عن: لماذا تقوم أو لا تقوم الحكومة (المصرية) بأشياء مختلفة؟... هذا يرجع إلى تقديرها الخاص، لكن نعبر عن قلقنا وندعو إلى اتخاذ إجراءات مستمرة».
ويرى الدكتور، جمال عبد الجواد، مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، أن «الإدارة الأميركية الحالية أظهرت لأكثر من مرة خلال عامين تقريباً، إدراكاً لأهمية الملفات الإقليمية وأدوار اللاعبين الرئيسيين ومنهم مصر بالتأكيد». متابعاً: «في ضوء ذلك فإن (الإدارة) توصلت إلى أن حصر السياسة الأميركية في المنطقة على عنصر واحد هو المتعلق بحقوق الإنسان، سيضر بالمصالح والإقليم».
عبد الجواد قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك تمييزاً حدث داخل الإدارة، بين المسارين الحقوقي والأمني، فأولت اهتماماً أقل بالأول مقابل زيادة التركيز على الثاني بأبعاده المختلفة والمعقدة».
لكن هل أثرت الحرب الروسية - الأوكرانية على التعاطي الأميركي مع دول الإقليم وبينها مصر؟ يجيبنا عبد الجواد أن «الأمر سابق على الحرب الأوكرانية، مع التأكيد على تأثيرها طبعاً، إذ ظهر ذلك في مايو (أيار) 2021 عندما حدث التوتر بين حماس والجهاد من جهة، وإسرائيل من جانب آخر، فأدركت إدارة بايدن أنه لكي تستعيد الهدوء، فعليها تغيير مقاربتها مع القوى الإقليمية، وحدثت أول مكالمة بين الرئيس جو بايدن، ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي».
وبالعودة إلى «مستند الحقائق» الذي أصدرته واشنطن، فإنه تضمن تجاوباً مع استراتيجية القاهرة لحقوق الإنسان، إذ يقول الناطق باسم الخارجية الأميركية إن بلاده تحافظ على «حوار نشط يعزز الخطوات الملموسة» في مجالات مختلفة «بما يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية المصرية لحقوق الإنسان».
ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق صلاح حليمة أن «هناك رؤية أميركية جديدة مع القارة الأفريقية والمنطقة العربية، بما يقلل من أولوية مسألة حقوق الإنسان والديمقراطية، وتدفع ببنود الشراكات الأمنية والسياسية والاقتصادية إلى مقدمة الاهتمام الأميركي»، حسب تقييمه.
حليمة قال لـ«الشرق الأوسط» أيضاً إن «بلينكن خلال مباحثاته في مصر جاء متسقاً مع الرؤية السابقة، وهو ما يعكس (نهجاً عملياً) نتيجة التطورات التي شهدها العالم بعد جائحة (كورونا)، وتغيرات المناخ، والأهم تداعيات الأزمة الروسية - الأميركية، وما أسفرت عنه من تغييرات محتملة في التكتلات الدولية».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


نواكشوط تعلن فتح تحقيق في مقتل موريتانيين داخل مالي

وزير خارجية مالي في لقاء سابق مع الرئيس الموريتاني (الرئاسة الموريتانية)
وزير خارجية مالي في لقاء سابق مع الرئيس الموريتاني (الرئاسة الموريتانية)
TT

نواكشوط تعلن فتح تحقيق في مقتل موريتانيين داخل مالي

وزير خارجية مالي في لقاء سابق مع الرئيس الموريتاني (الرئاسة الموريتانية)
وزير خارجية مالي في لقاء سابق مع الرئيس الموريتاني (الرئاسة الموريتانية)

قررت الحكومة الموريتانية، أمس الاثنين، منع الانتجاع في أراضي مالي على جميع المنمين الموريتانيين، وخاصة في المنطقة الحدودية التي تشهد تصاعداً في التوتر منذ عدة أيام، على أثر مقتل مواطنيْن موريتانيين بعد توقيفهما من طرف الجيش المالي، وقرار الحكومة فتح تحقيق في الحادثة.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وينشط أغلب سكان المحافظات الشرقية من موريتانيا في مجال التنمية الحيوانية، ويعتمدون، بشكل كبير، على الانتجاع في مناطق داخل أراضي مالي، خاصة حين تتأخر الأمطار وينتشر الجفاف في مناطق موريتانيا، حتى إن البلدين وقَّعا اتفاقية تُنظم انتجاع المواشي والحيوانات الموريتانية في محافظات مالي.

لكن الحرب الدائرة في مالي بين الجيش والجماعات المسلَّحة جعلت دخول أراضي مالي ينطوي على خطورة كبيرة، حيث تعرَّض عشرات الموريتانيين للتصفية والقتل في حوادث أثارت كثيراً من الجدل خلال السنوات الأخيرة.

وقالت وزارة الداخلية الموريتانية، أمس، إنها على أثر «الحادثة الأليمة» التي أودت بحياة مواطنيْن موريتانييْن داخل الأراضي المالية، تعبّر عن «إدانتها واستنكارها الاعتداءات المتكررة على أرواح وممتلكات مواطنينا فى الأراضي المالية». وشددت على «ضرورة التزام كل المواطنين بتعليمات السلطات الإدارية والدبلوماسية بخصوص الانتجاع في الأراضي المالية، والتنقل خارج البلاد»، مشيرة إلى أنها «أصدرت تعميماً إلى السلطات الإدارية يقضي بمنع الانتجاع داخل الأراضي المالية».

وأضافت الوزارة أنها طلبت من السلطات الإدارية المحلية «إطلاق حملات تحسيس واسعة النطاق لحث المنمين على عدم التوجه إلى المناطق غير الآمنة؛ حفاظاً على أرواحهم وممتلكاتهم»، مبرزة أنها شكّلت «لجاناً قروية لليقظة» على مستوى المناطق الحدودية، ضِمن ما سمّته «جهود القطاع الهادفة إلى تعزيز الأمن وتحسين آليات الرصد والتنسيق في المناطق الحدودية». كما أوضحت الوزارة أن «هذه اللجان تُعد حلقة ربط بين السكان المحليين والسلطات الإدارية والمصالح الأمنية، وقد زوّدت هذه اللجان بهواتف ذكية مع رصيد للاتصال، بما يمكّنها من أداء مهامّها على أحسن وجه»، وفق نص البيان، مشيرة إلى ضرورة الابتعاد عن عبور الحدود مع مالي، وأكدت أن «الحكومة باشرت تنفيذ برنامج واسع لحفر الآبار في المناطق الرعوية، بهدف توفير المياه والحيلولة دون تنقل المواطنين».

صهاريج أحرقها «تنظيم القاعدة» وهي في طريقها إلى باماكو (تواصل اجتماعي)

وأعلنت وزارة الداخلية، في بيانها، أنها استدعت زعيم مؤسسة المعارضة الديمقراطية ورئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل»، حمادي ولد سيدي المختار، على خلفية بيان أصدره الحزب تحدّث فيه عن مقتل موريتانيين على يد الجيش المالي داخل أراضي موريتانيا، وهو ما نفاه الجيش الموريتاني، في وقت لاحق.

وقالت الوزارة إن زعيم المعارضة «جرى تنبيهه إلى أن من مسؤوليات الأحزاب السياسية تعبئة المواطنين حول ضرورة الالتزام بتوجيهات السلطات الإدارية على الشريط الحدودي، بدل التوظيف السياسي».

وأضافت أنها «تهيب بالأحزاب السياسية وكل القوى الحية؛ من مجتمع مدني، وإعلاميين ومدوِّنين وصُناع رأي، التركيز على توعية المواطنين وتحسيسهم حول كل ما له صلة بالمصلحة العامة، وخاصة حماية أمنهم وممتلكاتهم، وتفادي الانتجاع داخل الأراضي المالية خلال الفترة الحالية، بدل استغلال الحادثة لأغراض سياسية آنية».

ولم يصدر أي توضيح من طرف حزب «تواصل» أو مؤسسة المعارضة الديمقراطية حول هذا «الاستدعاء» و«التنبيه».

في غضون ذلك، أعلن الوزير الناطق باسم الحكومة الموريتانية، الحسين ولد أمدو، خلال مؤتمر صحافي، مساء أمس الاثنين، أن السلطات «تبذل جهوداً مكثفة للتحقق من ملابسات هذه الحادثة»، في إشارة إلى مقتل الموريتانيين في مالي.

وأضاف الوزير أن الحكومة «تعمل على تعبئة المواطنين، وتعزيز وعيهم بالمخاطر المرتبطة بالوجود في المناطق التي تشهد اضطرابات أمنية»، مشيراً، في السياق نفسه، إلى أن «حرص موريتانيا على سيادتها الترابية لا يوازيه إلا حرصها على سلامة مواطنيها وكرامتهم أينما كانوا».

وتمر العلاقات بين موريتانيا ومالي بفترة من التوتر بسبب احتكاكات على الحدود، ناتجة عن تصاعد وتيرة الحرب بين الجيش المالي والجماعات المُوالية لـ«تنظيم القاعدة» في المنطقة، وهي حربٌ راح ضحيتها موريتانيون، تقول مصادر أهلية ومحلية إن الجيش المالي متورط في تصفيتهم.


نشاط دبلوماسي يعيد «مسار برلين» للواجهة لحلحلة الأزمة الليبية

المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)
المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)
TT

نشاط دبلوماسي يعيد «مسار برلين» للواجهة لحلحلة الأزمة الليبية

المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)
المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)

يستعيد «مسار برلين» حضورَه في المشهد الليبي عبر نشاط دبلوماسي يهدف إلى حلحلة الأزمة وكسر الجمود السياسي في البلاد، فيما تواصل البعثة الأممية تحركاتها لاستكمال مراحل «خريطة الطريق»، التي تعمل عليها.

ويستند المسار إلى مبادرة دولية انطلقت قبل 5 سنوات في ألمانيا، وتضم دولاً غربية وإقليمية لدعم الحل السياسي في بلد يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.

ويرى دبلوماسيون وسياسيون ليبيون أن «مسار برلين»، الذي انطلق منذ عام 2020، «لعب دوراً محورياً» في إعادة هيكلة المؤسسات السياسية الليبية، ووضع اللبنات الأساسية لحكومة «الوحدة الوطنية»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة. غير أن تساؤلات مستمرة لا تزال تحيط بمدى قدرته على تحويل هذه الجهود الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة على الأرض.

سامي المنفي مستشار رئيس المجلس الرئاسي خلال لقاء مع المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي بول سولير في باريس الاثنين (إعلام المجلس الرئاسي)

ويرى الدبلوماسي الليبي والقائم السابق بأعمال السفارة الليبية لدى سوريا، محمد المرداس، أن «مسار برلين» هو «الأهم في الحالة الليبية»، معيداً التذكير بأن مؤتمر 2020 وأعضاء مساره «وضعوا الأساس» لخريطة الطريق، التي انتهى إليها اجتماع جنيف، وأسفرت عن تشكيل المجلس الرئاسي الحالي وحكومة «الوحدة»، بما يمنحه تأثيراً ملموساً لدى الأطراف الليبية.

وفي امتداد للرؤية نفسها، يشدِّد عضو الأمانة العامة لحزب «ليبيا النماء»، حسام فنيش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن «مسار برلين يجمع معظم القوى الدولية والإقليمية المؤثرة، ما يمنحه ثقلاً سياسياً يتيح تنسيق مواقفها، والحد من تضارب السياسات داخل الساحة الليبية».

ووفق هذا التقدير، ينظر مراقبون باهتمام إلى اجتماع رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، مع سفراء دول «مسار برلين» قبل أسبوع، حيث كانت أبرز مخرجاته تأكيد حرص الأطراف الدولية على تكثيف الدعم للمسار السياسي، بما يعكس استمرار دوره المحوري في المشهد السياسي الليبي، رغم الانشغال العالمي بالتطورات الإقليمية.

الكوني نائب رئيس المجلس الرئاسي في لقاء مع السفير البريطاني بتاريخ 11 مارس الحالي (مكتب الكوني)

ويضم «مسار برلين» مجموعةً واسعةً من الدول والمنظمات الدولية، منها ألمانيا، والولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، ومصر، والجزائر، وتونس، وتركيا، والصين، وهولندا، والإمارات العربية المتحدة، إلى جانب الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية. ويختلف حضور بعض الدول بحسب طبيعة الاجتماعات وتطورات الملف الليبي.

وتتميَّز باريس بنشاط ملحوظ ضمن «مسار برلين»، حيث التقى في باريس باول سولير المبعوثُ الخاص للرئيس الفرنسي، سامي المنفي مستشارَ رئيس المجلس الرئاسي وشقيقه؛ وذلك بهدف دعم توحيد المؤسسات، في صدارة المخرجات.

وسبقت ذلك لقاءات للسفير الفرنسي تيري فالا والمنفي ونائبه موسى الكوني، ومع وزير الخارجية المكلف بحكومة «الوحدة»، طاهر الباعور، بما يعكس حرص باريس على تعزيز تأثيرها في المسار، وفقاً لمتابعين.

واستكمالاً لذلك، شهدت ألمانيا، صاحبة المبادرة الأولى للمسار، نشاطاً دبلوماسياً تَمثَّل في اجتماع السفير الألماني رالف تراف، قبيل إجازة عيد الفطر، مع مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا هانا تيتيه. كما حرصت الصين على تسجيل حضورها في المشهد عبر لقاء سفيرها ما شيوي ليانغ مع تيتيه؛ سعياً إلى مواصلة التنسيق بين القوى الدولية ضمن المسار، مع الحفاظ على الدور المحوري للبعثة الأممية.

ومع ذلك، يبقى التساؤل قائماً حول مدى فاعلية «مسار برلين» على الأرض. وفي هذا السياق يعتقد المرداس أن «الضغوط الدولية على الأطراف الليبية، بالتوازي مع ضغط الشارع، سيكون لها تأثير قوي على المواقف السياسية».

تيتيه مستقبلة السفير الألماني لدى ليبيا رالف تراف في 18 مارس الحالي (البعثة الأممية)

من جهته، يعتقد الباحث السياسي الليبي مصطفى الفيتوري أن «مسار برلين جمع بين الإيجابيات والسلبيات، إذ أسهم في تفكيك جزء من الأزمة، لكنه فتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية عبر مسارات موازية، رغم اعتماد مجلس الأمن منذ 2015 على مبدأ أن الحل بيد الليبيين».

وقال الفيتوري، لـ«الشرق الأوسط»، إن المسار «يفتقر إلى أدوات تأثير حقيقية على الأرض، ولا يملك قدرةً تنفيذيةً واضحةً حتى داخل البعثة الأممية، رغم تبني بعض مخرجاته في ملفات الاقتصاد وحقوق الإنسان والحوكمة».

ووفق رؤية فنيش، فإنَّ «المشهد الليبي اعتاد على موجات من النشاط الدبلوماسي تتبعها فترات من الجمود»، ويرى أن «السؤال الحقيقي ليس عن كثافة اللقاءات، بل حول قدرتها على إنتاج تفاهمات واضحة حول قواعد العملية السياسية وآليات تنفيذها».

يُشار إلى أن «مسار برلين» استأنف اجتماعاته في يونيو (حزيران) الماضي بصيغة لجنة متابعة دولية، بعد غياب دام أكثر من 4 سنوات عن التحركات الدولية في المشهد الليبي. ووجَّه المشاركون حينها رسائل تحذيرية بأن «مَن يعرقلون العملية السياسية ستتم مساءلتهم، بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة».


مقتل أكثر من 500 مدني بضربات بمسيّرات في السودان هذا العام

سودانية تتلقى العلاج فى أحد مستشفيات أم درمان (رويترز)
سودانية تتلقى العلاج فى أحد مستشفيات أم درمان (رويترز)
TT

مقتل أكثر من 500 مدني بضربات بمسيّرات في السودان هذا العام

سودانية تتلقى العلاج فى أحد مستشفيات أم درمان (رويترز)
سودانية تتلقى العلاج فى أحد مستشفيات أم درمان (رويترز)

أعلنت الأمم المتحدة، الثلاثاء، أنَّ أكثر من 500 مدني قُتلوا بضربات نُفِّذت بمسيّرات في السودان بين يناير (كانون الثاني) ومنتصف مارس (آذار)، قضى معظمهم في منطقة كردفان الاستراتيجية.

وأفادت الناطقة باسم مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مارتا هورتادو، الصحافيين في جنيف بأن «الزيادة الكبيرة في استخدام المسيّرات لتنفيذ ضربات جوية في السودان هذا العام تسلّط الضوء على الأثر المُدمِّر للتكنولوجيا المتطوِّرة والأسلحة زهيدة الثمن نسبيًا في المناطق المأهولة».

وأضافت: «بحسب المعلومات التي تمَّ تلقيها، قُتل أكثر من 500 مدني بضربات من هذا النوع، منذ الأول من يناير وحتى 15 مارس».