غضب إيراني من تصريح مساعد زيلينسكي حول هجوم أصفهان

الكرملين يقيّم الوضع... وتحذير أوروبي من التوترات الإقليمية

لحظة انفجار في مصنع للصناعات العسكرية في أصفهان أول من أمس (رويترز)
لحظة انفجار في مصنع للصناعات العسكرية في أصفهان أول من أمس (رويترز)
TT

غضب إيراني من تصريح مساعد زيلينسكي حول هجوم أصفهان

لحظة انفجار في مصنع للصناعات العسكرية في أصفهان أول من أمس (رويترز)
لحظة انفجار في مصنع للصناعات العسكرية في أصفهان أول من أمس (رويترز)

غداة الهجوم بطائرات مسيرة على منشأة عسكرية في أصفهان، احتجّت طهران على كييف باستدعاء القائم بالأعمال الأوكراني بعدما قال مستشار بارز للرئيس الأوكراني إن ما حدث في إيران له صلة مباشرة بالحرب في بلاده.
وقالت إيران الأحد إنها أحبطت هجوماً بطائرات مسيرة استهدفت مصنعاً عسكرياً في مدينة أصفهان بوسط البلاد، مضيفة أنه لم تقع إصابات أو أضرار جسيمة.
وقالت وزارة الدفاع الإيرانية إن الانفجار لم يسبب إلا أضراراً مادية محدودة دون سقوط قتلى أو مصابين. ولم تحمّل طهران أي جهة مسؤولية ما وصفه وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان بالهجوم «الجبان» الذي كان يستهدف إثارة «حالة من عدم الأمن» في إيران. لكن قناة «دانشجو (إس إن إن)» التلفزيونية التابعة لـ«الحرس الثوري» بثت تصريحات للنائب المشدد حسين ميرزايي قال فيها إن هناك «تكهنات قوية» بأن إسرائيل وراء ذلك.
وقد انتقدت طهران إشارة ميخايلو بودولياك، مستشار الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في تغريدة، إلى هجوم على منشآت عسكرية في أصفهان (وسط البلاد) مساء السبت، واندلاع حريق في مصنع لزيت المحركات تابع للدولة في الشمال، دون أن يكون هناك رابط بينهما.
وكتب المستشار الأوكراني في تغريدة: «ليلة متفجرة في إيران - إنتاج مسيرات وصواريخ ومصافٍ للنفط»، مضيفاً أن «أوكرانيا حذرتكم». وأشار إلى أن «منطق الحرب... يجعل المرتكبين والمتواطئين يدفعون الثمن».
وكان بودولياك قد نشر تغريدة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حذّر فيها إيران من تفاقم التوترات بسبب تزويد روسيا بالمسيرات.
ووصفت الخارجية الإيرانية في بيان موقف المستشار بأنه «غريب ومنحاز»، مطالبة «بتفسير رسمي وفوري من الحكومة الأوكرانية» بشأن هذا التصريح، حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.
وأفادت وکالة «إرنا» الرسمية نقلاً عن الخارجية الإيرانية بأنها سلمت القائم بالأعمال الأوكراني مذكرة احتجاج طالبت فيها توضيحاً عاجلاً من الحكومة الأوكرانية. وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني إن «الموقف العدائي والاستفزازي لمستشار الرئيسي الأوكراني مشبوه». وتابع: «(الجمهورية الإسلامية) تحتفظ بحقوقها المشروعة والقانونية في الانتقام من الأطراف التي شاركت في أعمال تتعارض مع القانون الدولي»، وفقاً لوكالة «إرنا» الحكومية.
وتتهم كييف وحلفاؤها الغربيون إيران بتزويد روسيا بمئات الطائرات المسيرة التي تستخدمها في مهاجمة أهداف مدنية في مدن أوكرانية بعيدة عن جبهات القتال. واعترفت إيران بإرسال طائرات مسيرة إلى روسيا، لكنها تقول إنها وصلتها قبل أن تبدأ موسكو غزو أوكرانيا العام الماضي. وتنفي موسكو استخدام قواتها طائرات مسيرة إيرانية في أوكرانيا رغم إسقاط عدد منها وانتشال بقاياه هناك.
وكتب مستشار الفريق المفاوض النووي الإيراني محمد مرندي على تويتر: «هل يريد زيلينسكي أن يجرب القوة التدميرية للصواريخ والأسلحة الأخرى الإيرانية؟ من المؤكد سيندم على هذه الحماقة». وتابع: «على ما يبدو أشار أحد مستشاري زيلينسكي ضمناً إلى أن أوكرانيا أسهمت في حملة المسيرات الإسرائيلية على أصفهان».
وأبلغ مسؤول أميركي وكالة «رويترز» الأحد، أن إسرائيل هي المسؤولة على ما يبدو عن الهجوم الذي نُفذ خلال الليل بالطائرات المسيرة. وقالت صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلاً عن مسؤولين أميركيين وأشخاص مطلعين، إن إسرائيل نفذت هجوماً سرياً بطائرة مسيرة استهدف مجمعاً دفاعياً في إيران.
وبدورها، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين مطلعين على الحوار الأمني بين إسرائيل والولايات المتحدة، أن الهجوم على المنشأة العسكرية في أصفهان من عمل الموساد. وأشارت الصحيفة إلى الغموض الذي يحيط بطبيعة المنشأة التي وصفت بـ«العسكرية». وأكدت وزارة الدفاع الإيرانية ذلك بإصدارها بياناً رسمياً حول الانفجار. وقالت نيويورك تايمز في تحليلها للحادث إن «أصفهان هي مركز رئيسي لإنتاج الصواريخ والبحث والتطوير في إيران، بما في ذلك تجميع العديد من صواريخ شهاب متوسطة المدى، التي يصل مداها إلى إسرائيل».
وفي الوقت نفسه، رجحت «نيويورك تايمز» ألا تكون المنشأة التي تتوسط مدينة أصفهان، ذات صلة بالأسلحة النووية أو المنشآت النووية الأربعة في محافظة أصفهان.
وقال وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان في تصريحات صحافية: «مثل هذه التصرفات لن تؤثر في تصميم خبرائنا على إحراز تقدم في عملنا النووي».
وفي يوليو (تموز)، قالت إيران إنها اعتقلت مجموعة مخربة مؤلفة من أعضاء حزب «كومولة» الكردي المعارض تعمل لصالح إسرائيل، كانت تخطط لتفجير مركز صناعي دفاعي «حساس» في أصفهان.
وأحجم متحدث باسم الجيش الإسرائيلي عن التعليق. وتهدد إسرائيل منذ وقت طويل بالقيام بعمل عسكري ضد إيران إذا فشلت الدبلوماسية في الحد من برامج إيران النووية أو الصاروخية، لكنها تتبع نهجاً بالإحجام عن التعليق على وقائع بعينها.
ونقلت «رويترز» عن المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) البريجادير جنرال باتريك رايدر قوله إنه لم تشارك أي قوات عسكرية أميركية في ضربات بإيران، لكنه أحجم عن الإدلاء بمزيد من التفاصيل.
وخلال العامين الماضيين، تعرضت منشآت عسكرية ونووية لهجمات مماثلة، وكان أبرزها الهجوم بطائرة مسيرة على ورشة لإنتاج المسيرات الإيرانية في قاعدة بارشين الحساسة في جنوب شرقي طهران مايو (أيار) الماضي. وقبل ذلك بعام، تعرضت ورشة «تيسا» لتطوير الأجهزة المركزية بمدينة كرج (الإيرانية)، لهجوم أيضاً. وكان الهجومان بطائرات مسيرة أقلعت من مسافة قريبة، وهو ما يشير إلى تكنولوجيا متطورة بيد المهاجمين، تمكنهم من حمل متفجرات على الطائرات المسيرة الخفيفة.
وفي أبريل (نيسان) الماضي، نقلت إيران معدات تصنيع أجهزة الطرد المركزي إلى ورشتين جديدتين في أصفهان، وكذلك إلى مجمع نطنز النووي. وأثارت الخطوة تساؤلات لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حول كمية أجهزة الطرد التي سيتم إنتاجها في الموقعين. ورغم أن الوكالة قامت بتركيب كاميرات مراقبة، لكنها لم تحصل على تسجيلاتها منذ فبراير (شباط) العام الماضي، بعدما تخلت طهران عن البروتوكول الإضافي في فبراير 2021، والذي كان يسمح بتفتيش المنشآت النووية الإيرانية من قبل خبراء الأمم المتحدة.
* الكرملين يعكف على تحليل هجوم أصفهان
دخلت روسيا، غريمة أوكرانيا، على خط الهجوم في أصفهان، وحذرت مما وصفتها بالتصرفات «الاستفزازية» التي قد تثير تصعيداً في وضع ملتهب بالفعل. وصرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا: «مثل هذه التصرفات المدمرة قد تكون لها تبعات غير متوقعة على السلام والاستقرار في الشرق الأوسط». ونقلت روسيا اليوم قولها: «ندين بشدة كل العمليات الاستفزازية القادرة على إثارة تصعيد لا يمكن التحكم فيه في هذه المنطقة غير الهادئة».
من جانبه، قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف للصحافيين: «ليس بوسع المرء سوى إدانة مثل هذه التصرفات الموجهة ضد دولة ذات سيادة»، وقال إن الكرملين يعكف على تحليل ما حدث.
غير أن نائب وزير الخارجية الروسي أندريه رودينكو، قال إن إيران لم تلجأ حتى الآن إلى روسيا للمساعدة في التحقيق في هجمات المسيرات على أصفهان.
ورداً على سؤال صحافي في هذا الشأن، أجاب رودينكو: «لم تصل إلينا أي دعوات من هذا النوع عبر القنوات الرسمية»، حسبما أوردت وكالة «تاس» الروسية.
* «الأوروبي» يحذر من تصعيد التوترات
وقال الناطق باسم الاتحاد الأوروبي بيتر ستانو، إن التكتل يطالب جميع الجهات الفاعلة في المنطقة بتجنب الأعمال التي تسهم في تصعيد التوترات بعد الهجوم في أصفهان، دون الخوض في مسألة المسؤولية عن الهجوم.
وقال ستانو خلال مؤتمر صحافي عقده في بروكسل اليوم (الاثنين): «نتابع الأنباء الواردة من إيران، ولا نعرف من يقف وراء الهجوم، ولا نعرف ما حدث بالضبط».
قفزت أسعار النفط في بداية التعاملات الآسيوية اليوم، مدعومة بتوترات في الشرق الأوسط في أعقاب هجوم أصفهان. ونقلت «رويترز» عن مسؤول في مجال النفط، أن أي تصعيد في إيران يمكن أن يعطل تدفق النفط الخام.


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

نددت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع علم بنما في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

قالت منظمات غير حكومية إن فرنسا احتجزت العديد من الإيرانيين في مراكز اعتقال في الأسابيع الأخيرة، معتبرة ذلك إشارة إلى أنّ الحكومة «تصر على رغبتها في ترحيلهم إلى إيران» رغم نفي وزير الداخلية جيرالد دارمانان. وكتبت منظمات العفو الدولية، و«لا سيماد»، و«إيرانيان جاستس كوليكتيف» في بيان الأربعاء: «تواصل الحكومة إبلاغ قرارات الترحيل إلى إيران مهددة حياة هؤلاء الأشخاص وكذلك حياة عائلاتهم». واعتبرت المنظمات أن «فرنسا تصرّ على رغبتها في الترحيل إلى إيران»، حيث تشن السلطات قمعاً دامياً يستهدف حركة الاحتجاج التي اندلعت إثر وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني في سبتمبر (أيلول)، أثناء احتجازها لدى شرط

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قال مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، إسماعيل قاآني، إن قواته انتقمت جزئيا من القوات الأميركية بطردها من المنطقة، مضيفا في الوقت نفسه «القدس ليست الهدف النهائي وإنما هدف وسط»، مشددا على ضرورة أن تجد إيران موقعها في انتقال القوة من الغرب إلى الشرق. ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن قاآني قوله خلال اجتماع الجمعية العامة لطلاب الحوزات العلمية في قم إن «أميركا وإسرائيل وحتى الناتو و... تقوم بالتعبئة لتخريب إيران». وقال قاآني «مثلما قال المرشد فإن إيران من المؤكد لن تبقى بعد 25 عاماً، وهم (الإسرائيليون) يستعجلون ذلك».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)

أفريقيا وحرب إيران... «تحوط استراتيجي» خشية «الاصطفاف الكامل»

دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

أفريقيا وحرب إيران... «تحوط استراتيجي» خشية «الاصطفاف الكامل»

دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

رغم بُعد ساحة الحرب الإيرانية الدائرة حالياً عن أفريقيا، فإن تداعياتها تمتد لمساحات جغرافية أبعد لتُعقد أزمات القارة أمنياً واقتصادياً، وتسهم بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» في اتخاذ مواقف يغلب عليها «التحوط الاستراتيجي» خشية «الاصطفاف الكامل» مع أي من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، أو طهران على الجانب الآخر.

وفور بدء الحرب، دعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في بيان، إلى «ضبط النفس»، مُعرباً عن «قلقه البالغ»، إزاء ما وصفه بـ«التصعيد الخطير في الأعمال العدائية». وحذّر الاتحاد الأفريقي من تداعيات التصعيد التي «تُهدّد بزعزعة استقرار الاقتصاد العالمي واضطراب أسواق الطاقة، ما ينعكس سلباً على الأمن الغذائي». كما حذرت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) من «عواقب وخيمة على السلام العالمي وسلاسل الإمداد» نتيجة «تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي».

التحوط الاستراتيجي

بحسب الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية المقيم في الولايات المتحدة، إبراهيم إدريس، فإن «علاقات إيران الوثيقة مع بعض الدول الأفريقية تخلق شبكة مُعقّدة من التفاعلات التي تجمع بين الضغوط الدولية، والحسابات الأمنية، والتوازنات الاقتصادية، والعوامل الاجتماعية الداخلية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن حرب إيران «لن تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي، بل تحوّلت إلى مُتغيّر يُعيد تشكيل بيئة صنع القرار في أفريقيا، ويجبر الدول على إعادة تقييم موقعها في خريطة الاصطفافات الدولية».

وأوضح أن «الدول الأفريقية التي ترتبط مع إيران بعلاقات تاريخية أو اقتصادية تجد نفسها أمام معادلة دقيقة؛ الحفاظ على قنوات التعاون مع طهران من جهة، وتجنب الاصطدام مع القوى الغربية من جهة أخرى»، لافتاً إلى أن «هذا الوضع يدفع دولاً مثل تنزانيا وأوغندا إلى تبنِّي سياسة الحذر، بينما قد ترى زيمبابوي في عزلة إيران فرصة لتعميق التعاون معها، وإن كان ذلك محفوفاً بمخاطر العقوبات الثانوية».

أما جنوب أفريقيا، ذات الإرث الطويل في التعاون مع طهران، فتواجه معضلة أكثر تعقيداً تتعلق بضرورة الحفاظ على استقلالية قرارها الخارجي دون الإضرار بمصالحها الاقتصادية الواسعة مع الغرب، وفقاً لإدريس. وأكد «أن التطورات الراهنة تدفع العديد من الدول إلى تبنِّي سياسة التحوّط الاستراتيجي بدلاً من الاصطفاف، في محاولة للحفاظ على أكبر قدر من المرونة في بيئة دولية مضطربة».

وغلبت صيغة التحذير والإدانة والدعوة لضبط النفس على بيانات العواصم الأفريقية المختلفة، فأدانت كينيا والصومال وإثيوبيا الضربات الإيرانية على دول الخليج. وأعلنت السنغال رفضها استخدام العنف، داعية إلى «ضبط النفس وتغليب لغة الحوار». بينما أعربت جنوب أفريقيا عن «قلقها البالغ إزاء التصعيد»، ودعا رئيسها سيريل رامافوزا، في بيان، إلى الالتزام بمبادئ القانون الدولي. وقال إن «الدفاع عن النفس لا يُسمح به إلا في حالة تعرُّض دولة لغزو مسلح. أما الدفاع الاستباقي عن النفس، فهو غير مسموح به بموجب القانون الدولي، ولا يمكن أن يستند إلى افتراضات أو توقعات».

ودعت نيجيريا وغانا إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، كما حثت أوغندا رعاياها على مغادرة الأراضي الإيرانية، بينما أوصت تنزانيا رعاياها في المناطق المتأثرة بالتوتر بممارسة أقصى درجات اليقظة والحذر.

دعوات لضبط النفس

وقال إدريس إن «التوتر في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التجارة وتعريض الممرات البحرية للخطر، ما يؤثر على اقتصادات تعتمد على هذه الممرات مثل إثيوبيا وتنزانيا»، مشيراً إلى أن «المشهد يزداد تعقيداً، مع الأخذ في الحسبان وجود تيارات متعاطفة مع إيران في غرب أفريقيا؛ ما قد يؤدي لتوترات داخلية حال تصاعد الصراع».

ردود الأفعال الأفريقية تراوحت ما «بين الدبلوماسية والدعوة إلى ضبط النفس، على مستوى المؤسسات القارية والإقليمية وبعض البلدان، واختارت دول موقف الحزم ضد طهران، بينما اختارت أخرى مبدأ القانون والنظام والسوابق الدولية، وعمدت ثالثة إلى مبدأ التحوط»، بحسب تقرير نشره دكتور مجدي محمد محمود آدم في مجلة «قراءات أفريقية»، أشار فيه إلى «حرص الدول الأفريقية على اختيار كلماتهم بعناية محاولين تجنّب استعداء أيٍّ من الطرفين».

لقاء بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرستوغ (حساب الرئيس الإسرائيلي على منصة إكس)

ويؤكد الرئيس التنفيذي لمركز (BRCSOM) للدراسات الاستراتيجية في الصومال، شافعي يوسف عمر، أن «تأثير الحرب لن يتوقف عند إيران، بل سيمتد حتماً ليغير خريطة شرق أفريقيا، ويخلق كيانات وهمية على الحدود، تمهيداً للسيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا «أسوأ سيناريو كارثي كان بالإمكان تجنبه بالكامل لو توفرت الإرادة السياسية الدولية». وأضاف: «نحن في أفريقيا لسنا طرفاً في صنع هذه الحرب، ولم نُستشر في قراراتها، لكننا مع الأسف أول ضحاياها وأكثر المتضررين منها».

تداعيات اقتصادية وخيمة

منذ اندلاع الحرب، تتوالى التحذيرات في دول القارة من تداعياتها الاقتصادية على الأسعار وعلى سلاسل الإمداد الغذائي، لا سيما مع ارتفاع أسعار الوقود والتخوف من أزمة طاقة عالمية والتأثير في ممرات الملاحة الدولية.

«على الصعيد الاقتصادي، تؤدي الحرب إلى اضطراب أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن؛ ما ينعكس مباشرة على الدول الأفريقية المستوردة للنفط، كما أن التوتر في البحر الأحمر يهدد سلاسل الإمداد، ويزيد هشاشة الاقتصادات الأفريقية»، بحسب إدريس.

بدوره، يلفت عمر إلى «تأثير الحرب على الصومال التي تعاني من موجة جفاف قاسية تهدد حياة 6.8 مليون إنسان، ترافقت مع ارتفاع الأسعار بفعل تأثير الحرب على سلاسل الإمداد»، كما يشير إلى أن «الحرب قد تزيد من عمق الصراعات الداخلية في إثيوبيا»، محذراً من استغلال التوتر الحالي في «إشعال المنطقة». وقال إن «الدول الفقيرة هي أول من يدفع الثمن عبر ارتفاع جنوني في الأسعار، وشُحّ في السلع الأساسية، وانهيار في سلاسل التوريد، وفوق هذا كله جفاف يضرب القرن الأفريقي، ويهدد ملايين البشر بالمجاعة».

وفي رأي الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية، فإن «تأثير الحرب الإيرانية لا يمكن فهمه بمعزل عن التداخل بين العوامل الخارجية والداخلية. فالدول الأفريقية ليست مجرد أطراف متلقية للضغوط الدولية، بل فاعلون يحاولون إعادة صياغة مصالحهم في بيئة عالمية مضطربة».


تخبط إيراني حول استهداف دول الجوار

ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)
ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)
TT

تخبط إيراني حول استهداف دول الجوار

ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)
ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)

برزت مؤشرات على تخبط داخل مؤسسات الحكم في طهران بشأن استهداف دول الجوار، بعدما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اعتذاراً لتلك الدول مع دخول الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني.

وتعهد بزشكيان وقف الهجمات على دول الجيران ما لم تستخدم أراضيها لشن هجمات على إيران، في حين واصلت القيادات العسكرية إطلاق تهديدات بتوسيع الأهداف. وأقر بأن «الحرس الثوري» اتخذ قرارات ميدانية بعد مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من القادة في بداية الحرب.

وأثار الاعتذار سجالاً سياسياً داخل طهران؛ إذ شدد رئيس السلطة القضائية وعضو مجلس القيادة المؤقت، غلام حسين محسني إجئي على أن «الهجمات الشديدة ستستمر» لأن «جغرافيا بعض دول المنطقة وُضعت في خدمة العدو». كما تمسكت غرفة عمليات هيئة الأركان بمواصلة الهجمات، قائلة إن أي نقطة تُستخدم لشن هجوم على إيران «ستعد هدفاً مشروعاً»، وهو ما كرره رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

تزامن ذلك مع تصعيد ميداني واسع وغارات إسرائيلية مكثفة على طهران ومدن إيرانية أخرى، قابلها إطلاق صواريخ ومسيّرات إيرانية باتجاه إسرائيل وقواعد في المنطقة.

وتوعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب طهران بضربات أشد و«قوية جداً»، قائلاً إن واشنطن تدرس استهداف «مناطق وأشخاص لم يكن يجري النظر في استهدافهم». وقال إن اعتذار بزشكيان لدول الجوار يعكس تراجعاً تحت ضغط الضربات، مضيفاً أنه «اعتذر واستسلم لجيرانه ووعد بعدم استهدافهم».

ميدانياً، شنّت إسرائيل موجة غارات شاركت فيها أكثر من 80 طائرة مقاتلة استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت صاروخية في طهران وأصفهان، بينما دوت انفجارات في مطارات مهرآباد وشيراز وأصفهان وهمدان، وشملت الضربات أجزاء من مصفاة طهران.

وأطلقت إيران دفعات صاروخية باتجاه إسرائيل، فيما أعلن «الحرس الثوري» إطلاق صواريخ «فتاح» و«عماد» و«خيبر»، مستهدفاً مصفاة حيفا، فيما اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة باستهداف محطة تحلية مياه في جزيرة قشم، محذراً من «عواقب وخيمة».


ترمب يستبعد انضمام الأكراد إلى الحرب مع إيران

ترمب يتحدث في معهد «أميركا أولاً» في 26 يوليو 2022 (رويترز)
ترمب يتحدث في معهد «أميركا أولاً» في 26 يوليو 2022 (رويترز)
TT

ترمب يستبعد انضمام الأكراد إلى الحرب مع إيران

ترمب يتحدث في معهد «أميركا أولاً» في 26 يوليو 2022 (رويترز)
ترمب يتحدث في معهد «أميركا أولاً» في 26 يوليو 2022 (رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يستبعد انضمام الأكراد إلى الحرب مع إيران، وأضاف أنهم يرغبون في ذلك، ولكن «الحرب معقدة بما فيه الكفاية»، وأضاف: «نريد اختيار رئيس في إيران لا يقودها إلى الحرب».

وكذلك ذكر ترمب أن بريطانيا تفكر بجدية في إرسال ‌حاملتي ‌طائرات ​إلى الشرق ‌الأوسط، ⁠لكنه ​أوضح أنه ⁠لا يحتاج إليهما في الحرب مع إيران.

وكتب ⁠ترمب في ‌منشور ‌على ​منصة ‌«تروث سوشيال»: «لا ‌بأس يا رئيس الوزراء ستارمر، لسنا بحاجة ‌إليهما بعد الآن، لكننا لن ⁠ننسى... لسنا ⁠بحاجة إلى أشخاص ينضمون إلى الحروب بعد أن نحقق فيها الانتصار بالفعل!».

وفي سياق متصل، أشرف ترمب على مراسم قصيرة على مدرج قاعدة دوفر الجوية (شمال شرقي) لإعادة جثامين الجنود الأميركيين الستة الذين قتلوا في الحرب على إيران.

ووضع الرئيس قبعة بيضاء تحمل أحرف «يو إس إيه» مذهّبة، وأدى التحية العسكرية مع مرور النعوش المغطاة بالعلم الأميركي ونقلها من طائرة عسكرية إلى مركبة.

كان العناصر الستة الذين قتلوا في أعقاب شن الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران، جنود احتياط تم نشرهم في الكويت، وكانوا تابعين لقيادة الدعم 103 التي تتخذ من دي موين بولاية أيوا مقراً لها.