«صفقة الغاز» بين ليبيا وإيطاليا تصعّد خلافات أذرع السلطة في طرابلس

وزارة النفط اعتبرت توقيع «المؤسسة الوطنية» عليها «غير قانوني»

محمد عون وزير النفط والغاز في حكومة «الوحدة» الليبية (المكتب الإعلامي للوزارة)
محمد عون وزير النفط والغاز في حكومة «الوحدة» الليبية (المكتب الإعلامي للوزارة)
TT

«صفقة الغاز» بين ليبيا وإيطاليا تصعّد خلافات أذرع السلطة في طرابلس

محمد عون وزير النفط والغاز في حكومة «الوحدة» الليبية (المكتب الإعلامي للوزارة)
محمد عون وزير النفط والغاز في حكومة «الوحدة» الليبية (المكتب الإعلامي للوزارة)

فاقمت «صفقة الغاز» التي وقعتها حكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مع شركة «إيني» الإيطالية، الخلافات بين أذرع السلطة التنفيذية في طرابلس، من بينهم وزارة النفط، التي تحفظت عليها.
فبعد مرور 4 أيام على إبرام المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، اتفاقية استكشاف وتطوير ومشاركة الإنتاج مع شركة «إيني» الإيطالية للنفط والغاز بقيمة ثمانية مليارات دولار، لا يزال غبار الأزمة يتصاعد وسط اعتراض من وزارة النفط والغاز برئاسة محمد عون، على الصفقة.
ويتمسك عون، بـ«عدم قانونية» الاتفاقية، وقال إن توقيعها كان يتطلب «موافقة مسبقة من وزارة النفط لرفع حصة الشريك الأجنبي وبدورها تحيلها إلى مجلس الوزراء للبت فيها، لكن هذا لم يحدث».
وعون، الذي تتبع وزارته حكومة الدبيبة، يعد من أذرع السلطة التنفيذية بطرابلس، كما رفضت الاتفاقية قوى أخرى موالية للحكومة من بينهم مشايخ قبائل بالبلاد. وسبق وأقال الدبيبة، مصطفى صنع الله الرئيس السابق للمؤسسة الوطنية للنفط بعد خلافات عديدة مع عون.
وعدّلت الاتفاقية، التي كانت مبرمة بين ليبيا وشركة «إيني» منذ عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، بزيادة حصة الشريك الأجنبي من 30 في المائة إلى 37 في المائة، وهو ما أثار غضب مناوئي حكومة الدبيبة.
وقال عون في بيان أصدرته وزارته مساء (الأحد) إن الاتفاق، الذي حضرته رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، «تم بطريقة مخالفة تماماً للتشريعات القانونية المنصوص عليها في قانون النفط رقم (25) لسنة 1955، وقانون تأسيس المؤسسة رقم (24) لسنة 1970م، والقرار رقم (10) لسنة 1970، حيث كان يتطلب موافقة مسبقة من وزارة النفط».
وأضاف أن «وزارة النفط والغاز تتقيد باتباع المسارات القانونية في كل معاملاتها باعتبارها الجهة المسؤولة قانوناً أمام الجهات التشريعية والرقابية».
ونوه عون إلى أن وزارته «تدعم وتشجع الاستثمار في مجال النفط والغاز مع الشركاء الدوليين بما يفيد مصلحة الطرفين»، متابعاً: «يجب على رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط اتباع الآليات القانونية في هذا الشأن، وإحالة المبررات الفنية والاقتصادية التي تمّ على أساسها إجراء تعديل الاتفاقية إلى وزارة النفط».
ورأى عون أن «استفراد المؤسسة بقرار تعديل الاتفاقيات يفتح المجال للشركاء الآخرين على أنه بالإمكان إجراء أي تعديل على ما اتفق عليه سابقاً دون المرور بالإجراءات والتشريعات المنصوص عليها في القانون الليبي».
وكانت وزارة النفط استبقت توقيع الاتفاقية مع إيطاليا، ونصحت «بعدم إجراء أي تعديل على اتفاقيات مستقرة»، ورأت أن ذلك «قد يفتح الباب أمام مطالب أخرى بالتعديل لحصص الإنتاج مع الشركاء الآخرين، بما سيربك النمط التعاقدي الليبي».
وفي تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» رأى عضو مجلس النواب الليبي ميلود الأسود، أن تغير نسبة الشريك الأجنبي «يأتي في إطار استغلال الظروف التي تمر بها ليبيا لمزيد من الابتزاز، والحصول على أكبر قدر من التنازلات»، خصوصاً عقب ما وصفه بـ«الصفقة المشبوهة»، التي حصلت بفضلها «توتال إنرجي» على نسبة كبيره في (شركة الواحة الليبية) على مرحلتين، «دون وجود أي مبرر لتلك التنازلات إلا استغلال ظروف البلاد».
وتحدث الأسود، وهو عضو بلجنة الطاقة بالمجلس، عن أن «ما ورد في بيان المؤسسة الوطنية للنفط حول استثمار ثمانية مليارات دولار في صفقة الغاز مع (إيني) غير حقيقي؛ كون ليبيا ستدفع نصف هذا المبلغ أصلاً بطبيعة التعاقد نفسه»، وهذا ما أكد عليه عون، في جلسة نقاشية عبر منصة «كلوب هاوس» مساء (الأحد) بأن ليبيا ستتحمل 4 مليارات دولار وهو ما يعادل نصف قيمة الصفقة مع «إيني».
ووسط تخوف المشاركين في الجلسة النقاشية بشأن مدى التزام الجانب الإيطالي بضخ 4 مليارات دولار في المشروع، تحدث عون عن ضرورة توثيق الاتفاقية، وقال إن ليبيا «لا تضمن حصتها في كمية الغاز المستخرجة إذا لم يكن الاتفاق موثقاً».
ولمزيد من الجدل حول الاتفاقية، التي تدافع عنها حكومة «الوحدة» والمؤسسة الوطنية للنفط، قال عون إنه «لا يمتلك نسخة من الاتفاقية»، لكن محمد حمودة المتحدث باسم حكومة «الوحدة» مضى مدافعاً عن الاتفاقية، وقال إنها «تعد استكمالاً لكل الاستثمارات السابقة بين البلدين»، مشيراً إلى أنها «مسألة اقتصادية فنية أكثر من كونها سياسية».
وذهب حمودة في تصريح لقناة «ليبيا الأحرار» إلى أن «العجز سيكون كبيراً خلال السنوات الخمس المقبلة إذا لم تستثمر ليبيا في حقول غاز جديدة لتغطية حاجة المستهلك والدولة من الغاز»، لافتاً إلى أن «العائد الذي قد تجنيه ليبيا من الاتفاقية يقدر بـ13 مليار دولار خلال مدة وجيزة مقدرة بثلاثة أعوام».


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

مجلس الأمن يبحث «خريطة ليبيا»... نقطة تحول أم فرصة أخرى للأفرقاء؟

تيتيه خلال إحاطتها أمام جلسة مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)
تيتيه خلال إحاطتها أمام جلسة مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)
TT

مجلس الأمن يبحث «خريطة ليبيا»... نقطة تحول أم فرصة أخرى للأفرقاء؟

تيتيه خلال إحاطتها أمام جلسة مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)
تيتيه خلال إحاطتها أمام جلسة مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)

استعرضت مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، في إحاطتها الدورية أمام مجلس الأمن، الأربعاء، مسارات ومآلات «خريطة الطريق» التي أقرها المجلس في أغسطس (آب) الماضي لحل الأزمة الليبية. لكن تيتيه تركت خلفها تساؤلات بين أوساط النخب السياسية حول ما إذا كان ما طرحته في إحاطتها «حلاً جذرياً»، أم مجرد محطة جديدة في سياق الجهود الدبلوماسية المتعثرة.

وسادت في الأوساط الليبية حالة ترقّب واسعة قبيل جلسة مجلس الأمن، في ظل تقديراتٍ لمراقبين رجّحت احتمال طرح خيارات بديلة، وُصفت بـ«الجذرية»، كانت تيتيه قد لمّحت إليها مراراً.

وتشمل هذه الخيارات، وفق تلك التقديرات، مساراتٍ قد تتجاوز دور مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في ملفات تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، وصياغة القوانين الانتخابية، بهدف الدفع نحو إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية طال انتظارها.

لكن حديث المبعوثة الأممية، خلال جلسة مجلس الأمن عن أن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة «غير قادرين أو غير راغبين في إنجاز أول معلم لخريطة الطريق»، ترافق مع إفصاحها عن عزم البعثة على «تشكيل مجموعة صغيرة مكلفة بحل الخطوتين الأساسيتين من خريطة الطريق»، وقالت إنه «في حال فشلها سيكون من الضروري عقد اجتماع أوسع للمضي قدماً في تنفيذ الخريطة».

تيتيه خلال جلسة مسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان المنبثق عن الحوار المهيكل الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

ولم تعرض المبعوثة الأممية تفاصيل وملامح الحل السياسي، الذي اقترحته أمام الدول الأعضاء بالمجلس، غير أن عضو ملتقى الحوار السياسي الليبي السابق في جنيف أبو بكر مصباح أبدى تشاؤمه حيال فرص التوصل إلى حل جذري عبر المسارات الدولية في مجلس الأمن، عاداً أن «جوهر المشكلة في ليبيا يتمثل في صراع سياسي مصطنع، ازداد تعقيداً بفعل تدخلات الأطراف الخارجية».

وقال مصباح لـ«الشرق الأوسط» إن تجربة ملتقى جنيف «وما تلاها من مسارات» تؤكد أن «الحل لن يكون مستداماً؛ إلا إذا كان ليبياً خالصاً»، مشيراً إلى أن الطروحات المتداولة بشأن «خيارات جذرية بديلة تزيح الأجسام السياسية، وتؤسس لمرحلة انتقالية جديدة» تبدو «غير قابلة للتحقق في الظروف الراهنة».

وانتقد مصباح ما وصفه بـ«نزوع لإعادة إنتاج جولات وحلول سابقة تعطلت بفعل التدخلات الدولية»، عاداً أن هذا المسار يعكس «إدارة للأزمة أكثر من كونه حلاً لها»، كما وجّه انتقاداً للبعثة الأممية، قائلاً إن هناك «رغبة في إطالة أمد الأزمة وإدارة الصراع بدلاً من حسمه»، محذراً من أن استمرار حالة الجمود «قد يفاقم الانقسامات ويطيل أمد المرحلة الانتقالية».

وتستند «خريطة الطريق» التي عرضتها المبعوثة الأممية أمام مجلس الأمن، في أغسطس (آب) الماضي، إلى 3 ركائز أساسية: اعتماد قانون انتخابي سليم للرئاسية والبرلمانية، وتوحيد المؤسسات عبر حكومة موحدة، ومواصلة «الحوار المهيكل» لمعالجة ملفات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة، مع تعزيز قدرة واستقلالية المفوضية الوطنية العليا للانتخابات كمحور أي استحقاق انتخابي.

ورغم أن المحلل السياسي حسام العبدلي يرى أن تيتيه لم تأتِ بجديد في إحاطتها، بل إنها «منحت فرصة أخرى» للأفرقاء الليبيين، فإنه يلحظ دخولاً أميركياً قوياً مباشراً في تفاعلات العملية السياسية؛ خصوصاً مع حديث مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، في مداخلة أمام مجلس الأمن، الأربعاء، عن الجهود الأميركية لحل الأزمة السياسية.

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الطرف الدولي الذي سيتدخل على نحو مباشر في العملية هو الطرف الأميركي بكل تأكيد، مقابل تراجع متوقع لدور البعثة الأممية على مسار الحل السياسي في ليبيا.

وضمن مداخلته أمام مجلس الأمن، قال بولس، الأربعاء، إن بلاده تعمل على جمع كبار المسؤولين بين الشرق والغرب في ليبيا لوضع خطوات ملموسة للاندماج والتكامل الاقتصادي والعسكري، مشيراً إلى أن القوات الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» ستشرف في أبريل (نيسان) على تدريبات سنوية في سرت مع القوات الليبية من الشرق والغرب، جنباً إلى جنب، وهذه خطوة أولى نحو المزيد من التدريب المشترك.

هذا التطور بدا من وجهة نظر الباحث في «المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة» جلال حرشاوي إشارة إلى أن الحديث عن «خيارات بديلة» لم يتعدَّ «نطاق التصريحات»، ما لم يقترن بدعم قوي من دول ذات نفوذ مباشر مثل الولايات المتحدة أو تركيا.

ويشير حرشاوي، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة الأممية تعمل منذ أغسطس الماضي على الدفع نحو انتخابات عبر مسارات سياسية واقتصادية وأمنية، ضمن إطار «حوار مهيكل»، مؤكداً أن هذا النهج الشامل يجعل أي تحول مفاجئ «أمراً غير مرجح».

في المقابل، بدا قطاع من السياسيين الليبيين أقل تشاؤماً، منهم عضو الأمانة العامة لحزب «ليبيا النماء» حسام فنيش، الذي رأى أن إحاطة تيتيه أمام مجلس الأمن «قد تعيد ترتيب أولويات المسارات السياسية». وأوضح أن السيناريو الذي طرحته المبعوثة الأممية يقوم على «تفعيل آلية تشاورية جديدة بين المؤسسات الرئيسية» لإدارة المرحلة الانتقالية زمنياً، مع وضع محددات قابلة للقياس تتعلق بالانتخابات وتوحيد بعض الملفات السيادية.

وقال فنيش إن هذا الخيار «قد يكون الأكثر واقعية في حال استمرار الانسداد السياسي»، محذراً من أن أي تباطؤ سياسي «ينعكس مباشرة على الاستقرار والخدمات العامة». وانتهى إلى القول إن المجتمع الدولي «يبدو أكثر ميلاً لربط التقدم السياسي بتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية»، متوقعاً تكثيف الوساطة والضغط المنسق لتفادي إطالة أمد الجمود المؤسسي.


تيتيه: الوساطة الأممية أخفقت في إحراز «تقدم ملموس» بين «النواب» و«الأعلى للدولة» الليبيين

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)
رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)
TT

تيتيه: الوساطة الأممية أخفقت في إحراز «تقدم ملموس» بين «النواب» و«الأعلى للدولة» الليبيين

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)
رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

أبلغت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا «أنسميل» الممثلة الخاصة للأمين العام أنطونيو غوتيريش، هانا تيتيه، أعضاء مجلس الأمن بأن الوساطة التي تقودها أخفقت في إحراز «أي تقدم ملموس» بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في إنجاز الخطوتين الأوليين من «خريطة الطريق» الأممية، نحو التسوية في البلاد.

وكانت المبعوثة الأممية تقدم إحاطة أمام أعضاء مجلس الأمن، الأربعاء، حيث ذكّرت أولاً بجهود «أنسميل» في تحريك خريطة الطريق السياسية، بما في ذلك إطلاق الحوار المنظم، عبر مجموعات العمل الخاصة بالاقتصاد والحوكمة والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، مضيفة أن «الشعور بضرورة حل المأزق السياسي وإجراء إصلاحات في الحوكمة والاقتصاد يتجلى بوضوح». لكنها سارعت مع ذلك إلى التعبير عن «الأسف» لأنه «لم يُحرز أي تقدم ملموس بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في إنجاز الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق، على الرغم من جهود (أنسميل)».

وعلاوة على ذلك، كشفت تيتيه أن «المؤسستين توصلتا إلى اتفاق بشأن وضع آلية لاختيار مجلس إدارة المجلس الأعلى للكفاءة الاقتصادية بحلول 11 ديسمبر (كانون الأول) الماضي». غير أن «هذا الاتفاق لم يُنفذ»، بل «اتُّخذت إجراءات أحادية لاحقة، أولاً من مجلس النواب، ثم من قبل المجلس الأعلى، مما زاد الوضع تعقيداً، ويهدد الآن وحدة اللجنة الوطنية العليا للانتخابات». مبرزة أنه «على الرغم من استمرار تواصل (أنسميل) مع المؤسستين، فإن عجزهما عن استخدام الآلية المتفق عليها والإجراءات الأحادية اللاحقة أدى إلى مزيد من تآكل صدقيتهما»، ومؤكدة أن الهيئتين «غير قادرتين أو غير راغبتين في العمل سوية لإنجاز المرحلتين الأوليين من خريطة الطريق».

في سياق ذلك، أشارت تيتيه إلى أنها حاولت اعتماد «نهج بديل» من خطوتين: «تشكيل فريق صغير لحل المرحلتين الحاسمتين من خريطة الطريق اللازمتين لإجراء الانتخابات»، وقالت إنه «في حال فشل هذه المجموعة في التوصل إلى اتفاق، فسيكون من الضروري عقد اجتماع أوسع نطاقاً للمضي في تنفيذ خريطة الطريق. ونحن لدينا فرصة لاستخدام الأدوات المتاحة ضمن الاتفاقيات الليبية القائمة لكسر هذا الجمود المطول، ونُقدّر دعم المجلس لتمكيننا من المضي قدماً».

من إحاطة رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه أمام أعضاء مجلس الأمن (المجلس)

وأضافت تيتيه: «يتدهور الوضع في ليبيا على جبهات كثيرة. فالنظام القضائي الليبي - الذي ظل تاريخياً موحداً إلى حد كبير على الرغم من التحديات السياسية المطولة، حيث تُعدّ المحكمة العليا في طرابلس، بما فيها غرفتها الدستورية، أعلى هيئة قضائية دستورية - يشهد الآن انقساماً كبيراً، مما يُنذر بتداعيات خطيرة على وحدة البلاد». وحذّرت من أنه «إذا لم تُتخذ إجراءات للحفاظ على وحدة القضاء وتماسكه واستقلاليته، فإن الأنظمة القانونية المتضاربة التي ستظهر ستؤثر على الاقتصاد والانتخابات والحكم والأمن وحقوق الإنسان». وقالت إنه «خط أحمر، وتجاوزه يُقوّض وحدة الدولة»، داعية القادة الليبيين إلى «الامتناع عن اتخاذ إجراءات تصعيدية، والتعاون مع لجنة الوساطة الليبية المستقلة، المشكّلة من خبراء قضائيين وقانونيين ليبيين ملتزمين بالحفاظ على قضاء موحد».

كما تحدثت المبعوثة الأممية أيضاً عن أوجه القصور المتواصلة في الحوكمة، وتشتت الرقابة، والتسربات المستمرة عبر التهريب، وشبكات المراجحة والإيجارات غير المشروعة في استنزاف الموارد السيادية. ونقلت عن تحقيقات مكتب المدعي العام أن آلية «الوقود مقابل النفط الخام»، التي انتهت في عام 2025، استنزفت ميزانية الدولة بمقدار 1.5 مليار مليار دولار سنوياً، مقارنةً بأسعار السوق العالمية. منبهة أيضاً إلى أن الأوضاع الاقتصادية تتدهور، والفقر والضغط على المجتمع يزداد، وقالت إن هذا الوضع، بالإضافة إلى هشاشة الوضع الأمني «يدعو للقلق، إذ قد تؤدي هذه الظروف إلى تحديات سياسية وأمنية غير متوقعة».


تعديل الدستور المصري... مقترحات مستمرة فهل تجد صدى؟

مناقشات داخل مجلس الشيوخ بشأن انتخابات المحليات تطرقت إلى مسألة تعديل الدستور (وزارة الشؤون النيابية)
مناقشات داخل مجلس الشيوخ بشأن انتخابات المحليات تطرقت إلى مسألة تعديل الدستور (وزارة الشؤون النيابية)
TT

تعديل الدستور المصري... مقترحات مستمرة فهل تجد صدى؟

مناقشات داخل مجلس الشيوخ بشأن انتخابات المحليات تطرقت إلى مسألة تعديل الدستور (وزارة الشؤون النيابية)
مناقشات داخل مجلس الشيوخ بشأن انتخابات المحليات تطرقت إلى مسألة تعديل الدستور (وزارة الشؤون النيابية)

تكررت مقترحات وأحاديث عن تعديل الدستور المصري، بعد ما يقرب من 6 سنوات على آخر تعديلات جرت عليه، وقبل نحو 4 سنوات على نهاية الولاية الأخيرة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ما طرح تساؤلات حول إمكانية أن تلقى تلك المقترحات أصداء تحولها إلى خطوات فعلية خلال الفترة المقبلة، مع بدء فصل تشريعي جديد للبرلمان المصري.

وجاء المقترح الأخير داخل لجنة الإدارة المحلية بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، الثلاثاء، حين طالب المستشار عدلي حسين، محافظ القليوبية الأسبق، بـ«تغيير الدستور الحالي شكلاً وموضوعاً».

وأرجع حسين، الذي كان يحضر مناقشات بالمجلس تتعلق بمشروع «قانون الإدارة المحلية»، بصفته خبيراً قانونياً، مقترحه بتعديل الدستور إلى أن «دستور 2012» القائم حالياً بتعديلاته وضعه «تنظيم الإخوان» أثناء وجوده في السلطة آنذاك، وما حدث عامي 2014 و2019 «ما هو إلا تعديلات»، مضيفاً: «مصر تستحق دستوراً يُلغي بصمات الإخوان وإضافة أمور مختلفة».

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُثار فيها مسألة تعديل الدستور المصري، ففي يونيو (حزيران) العام الماضي، طالب عضو مجلس الشيوخ آنذاك المستشار فرج حافظ الدري بتعديل الدستور «بهدف منح صلاحيات أوسع لمجلس الشيوخ ترسيخاً لمكانته في النظام السياسي».

أعقبه مقترح من الإعلامي محمد الباز في يوليو (تموز) العام الماضي بـ«إعادة النظر في مواد الدستور لتعديل مدة رئيس الجمهورية».

وينص الدستور، وفق التعديل الأخير، على انتخاب رئيس الجمهورية لمدة 6 سنوات، ولا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين.

وسمحت مادة انتقالية بتمديد فترة رئاسة السيسي، التي فاز بها في 2018 ومدتها أربع سنوات إلى 6 سنوات، كما سمحت له بالترشح لفترة ثالثة عام 2024، لتنتهي ولايته الأخيرة عام 2030.

وسبق أن طالب رئيس حزب «الوفد» السابق، عبد السند يمامة، في يوليو الماضي، بإجراء تعديلات دستورية في باب نظام الحكم، مشيراً إلى أن «دستور (الإخوان) وتعديلاته منحت الأولوية للسلطة التشريعية على التنفيذية».

واتفقت النائبة الحالية بمجلس الشيوخ، أمينة النقاش، على ضرورة وضع دستور جديد للبلاد، وقالت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «المصريين شاركوا عام 2014 باستفتاء على تعديل الدستور وليس بشأن دستور جديد». وأضافت «الدستور الحالي مليء بالثغرات».

وعدّت أن «معظم أعضاء (لجنة الخمسين) المُشكّلة لتعديل دستور 2012، كانوا سابقاً يعملون في ظل حكم الإخوان، وتأثيرهم (الإخوان) المجتمعي كان لا يزال طاغياً في ذلك الوقت».

وتم طرح دستور 2012 للاستفتاء الشعبي، حيث وافق عليه الناخبون بنسبة 63.8 في المائة، مقابل 36.2 في المائة بالرفض. وفي 3 يوليو 2013 تم تعطيل العمل به، عقب سقوط حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، قبل أن يخضع للتعديل ويُطرح مجدداً على الاستفتاء مطلع عام 2014.

مقترحات تعديل الدستور المصري تثير نقاشات سياسية في مصر (وزارة الشؤون النيابية)

وأوضحت النقاش أن «مصر بحاجة إلى دستور جديد يحمي العدالة الاجتماعية، ويضع قيوداً وشروطاً صريحة لحماية حرية الاعتقاد، ويمنع بشكل نهائي قيام أحزاب على أساس ديني»، متوقعة أن «تأخذ مسارات المطالب الحالية بتعديل الدستور خطوات إجرائية مع طرح المسألة في مجالات عامة».

وفي حال تم أخذ فكرة التعديل بمحمل الجد من جانب القوى السياسية «يمكن أن تنتقل إلى المجالس التشريعية»، حسب النقاش.

في المقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إكرام بدر الدين، أن «الدساتير يجب أن تحظى بدرجة من الثبات والاستمرارية، ولا يجب أن تخضع لتعديلات كثيرة عبر فترات زمنية قصيرة، ويعد استقرارها أمراً مطلوباً، لكن في الوقت نفسه إذا كانت هناك حاجة ملحة للتعديل، فليس هناك ما يمنع في حدود ما هو مطلوب تغييره».

ولفت بدر الدين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الدستور المصري جرى إدخال أكثر من تعديل عليه في غضون سنوات قليلة، وأن أي تعديلات مستقبلية من المفترض أن تحظى بتوافق المجتمع وتحقق الصالح العام».

وتعجب المحلل السياسي جمال أسعد، من «عمومية مطالب تغيير الدستور»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن معظم تلك المطالب «لم تحدد المواد الخلافية التي تثير أزمات في الوقت الحالي»، وأضاف: «هناك مواد لديها أهمية مجتمعية وسياسية في الدستور الحالي لم يتم تطبيقها أصلا، أبرزها حرية تداول المعلومات، وإنشاء آلية لمكافحة التمييز».