لبنان يزجّ بالمؤسسات المالية الدولية في متاهة مؤشراته الاقتصادية

الأمم المتحدة تتوقع نمواً إيجابياً... والتباين يعود إلى حالة «عدم اليقين» السياسي

TT

لبنان يزجّ بالمؤسسات المالية الدولية في متاهة مؤشراته الاقتصادية

في ظل حجب لبنان عن رادار الترقبات لدى أكبر المؤسسات المالية الدولية، انفرد تقرير دولي صادر عن الأمم المتحدة بتوقع استعادة لبنان لمسار النمو الاقتصادي الإيجابي، وبنسب مشجعة تقارب 4.6 في المائة خلال العام الحالي، و4.4 في المائة للعام المقبل. فيما أشار التقرير عينه إلى ترقب تقلص كبير في نسبة التضخم لتسجل 50.7 و21.6 في المائة على التوالي خلال العامين الحالي والمقبل.
وتكتسب هذه التوقعات أهمية بالغة واستثنائية في ظل تفاقم الأوضاع العامة في البلاد على كافة المستويات، سنداً إلى واقع الشغور الرئاسي، والخلافات المستحكمة بمهام حكومة تصريف الأعمال وصلاحياتها، والشلل في أداء القطاع العام ومؤسساته، فضلاً عن التمادي في تأخير الصياغة النهائية والمكتملة لخطة التعافي الحكومية، والمماطلة في إقرار مشاريع القوانين الإصلاحية التي وردت كموجبات وشروط لازمة في متن الاتفاق الأولي الذي أبرمته الحكومة مع بعثة صندوق النقد الدولي في أبريل (نيسان) الماضي، ومعززاً بالتزامات رئاسية تشريعية وتنفيذية تضمن مندرجاته.
وبخلاف التقديرات الصادرة عن مرجعيات مالية دولية، وفي مقدمها «البنك الدولي» الذي أشار في تقرير حديث إلى استمرار انكماش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 5.4 في المائة في العام السابق، ناسفاً بذلك توقعات سابقة لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة بتحقيق نمو بنسبة 2 في المائة، قدّر التقرير الأممي أن تكون نسبة تعافي الاقتصاد اللبناني وصلت إلى 5.7 في المائة خلال العام 2022 الماضي، مقابل انكماش بنسبة 11.7 في المائة في عام 2021.
وفي المقابل، تلتقي وكالة التصنيف الدولية «موديز» جزئياً مع ترقبات الأمم المتحدة بتوقع عودة الاقتصاد اللبناني إلى النمو الإيجابي بدءاً من عام 2024 المقبل، وبنسبة تقديرية تبلغ 3.5 في المائة، إنما هي تختلف معها في ترقبات العامين الحالي والسابق، مبقية إياها سلبية بنسبة 1 و3.4 في المائة على التوالي.
بذلك قد يصح، بحسب قراءة مسؤول مالي بارز لهذه المعطيات والتقديرات المتباينة إلى حدود التناقض، الاستنتاج بأن محلّلي المؤسسات الدولية يقعون أيضاً ضحية الالتباسات الكامنة في البيانات المالية المتاحة، وما تنتجه من مؤشرات أساسية، جراء الضبابية الكثيفة التي تكتنف المجريات الاقتصادية والمالية والنقدية في لبنان، وربطاً بتفاقم أزماته المتنوعة وانغماسه المتواصل في الاقتصاد النقدي الذي يصعب تقصي حجمه ووقائعه في الأسواق.
وليس غريباً، وفقاً للمسؤول المالي، أن تدفع التعقيدات المتكاثرة في الميدان المحلّي بالبنك الدولي إلى الإعلان رسمياً عن حذف التوقّعات الاقتصادية الخاصة بلبنان لما بعد عام 2022، نتيجة تعاظم درجة عدم اليقين. ويتماهى بذلك مع إشهار سابق لصندوق النقد الدولي، أكد فيه حجب توقعاته ومؤشراته بالنسبة للبنان للسنوات 2021 – 2027، والامتناع فعلياً عن تضمينها في تقريره حول «آفاق الاقتصاد العالمي»، بسبب الدرجة المرتفعة وغير المسبوقة من حالة عدم اليقين. وبالتوازي، لا يبرر الغموض في التحليلات الدولية وتبايناتها، بحسب المسؤول المالي، التمعن في القراءة الإيجابية التي وردت في التقرير الأحدث الصادر عن الأمم المتحدة حول آفاق الاقتصاد العالمي للعام 2023. فهذه الخلاصات أعدتها إدارة الشؤون الاقتصاديّة والاجتماعيّة في الأمم المتّحدة (UN/DESA)، ومؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD). فضلاً عن خمس لجان إقليميّة موزّعة في أوروبا (ECE)، وأفريقيا (ECA)، وأميركا اللاتينيّة ومنطقة البحر الكاريبي (ECLAC)، وآسيا والمحيط الهادئ (ESCAP)، وغربي آسيا (ESCWA).
ولم يخل التقرير الأممي، الذي أوردته نشرة دائرة الأبحاث في مجموعة «الاعتماد اللبناني»، من تعداد وتسليط الضوء على الجوانب الغارقة في السلبية التي يتسم بها أداء الاقتصاد اللبناني؛ فمستوى البطالة بلغ نسبة 29.6 في المائة، مقارنةً بنسبة 11.4 في المائة، في فترة ما قبل اندلاع الأزمة الماليّة والاقتصاديّة في عام 2019. كذلك فإن نسبة التضخم ارتفعت من 150.7 في المائة في عام 2021 إلى 176.4 في المائة في عام 2022.
وفي معرض تحديد العوامل المؤثرة، يشير إلى استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسيّة وتدهور قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي، ومضافاً إليها عوامل خارجيّة كفاتورة الاستيراد الكبيرة. كما يقدّر بأنّ أسعار الغذاء قد ارتفعت بنسبة 332 في المائة سنويّاً خلال عام 2022. منوهاً بأن لبنان يستورد أكثر من 50 في المائة من حاجاته من الحبوب من روسيّا وأوكرانيا، فضلاً عن الضرر الجسيم الذي لحق بصوامع القمح والقدرة على تخزينه جراء الانفجار الهائل في مرفأ بيروت، لينوّه بأنه تمّ إعداد خطّة لإعادة بناء مرافق تخزين في المرفأ، ولمساندة المزارعين المحليّين لزيادة الإنتاج المحلّي.
تزامناً، حافظت وكالة «موديز»، في تحليل ائتماني حديث، على تصنيف لبنان السيادي عند الدرجة «C»، والذي يعكس احتماليّة كبيرة بأن تتخطّى خسائر حاملي السندات الحكومية نسبة 65 في المائة من القيمة الاسمية، مؤكدة أن نقطة القوَة الوحيدة للتصنيف تكمن في التزام الدول المانحة بدعم لبنان، شرط تطبيق برنامج الإصلاح المعدّ من قبل صندوق النقد الدولي.
وفي المقابل، عدّدت أبرز التحدّيات القائمة لجهة التعرّض المستمر بالارتفاع لأزمة اقتصاديّة وماليّة واجتماعيّة حادّة، وضعف المؤسّسات وسوء نظام الحوكمة الذي يؤخّر الدعم الخارجي، واندثار القوة الشرائيّة بسبب التراجع الكبير في سعر الصرف، والارتفاع المتوالي في مستويات التضخّم.
وأكدت «موديز» أنّها لا تترقب أي تحسّن في تصنيف لبنان في المدى القريب، ذلك أنّ أيّ تحسين في تصنيف البلد يعتمد على تطبيق إصلاحات جوهرية على مدى سنوات عدّة من جهة، وحصول تقدّم ملحوظ في ديناميكيّة الدين كالنموّ الاقتصادي ومستويات الفوائد وإيرادات الخصخصة والقدرة على تسجيل فوائض أولّية كبيرة من جهة مقابلة؛ وذلك لضمان استدامة الدين في المستقبل.
وفي معرض ربط تقييم الجدارة الائتمانية للدولة بالأداء السياسي السلبي، تشير إلى أن المجلس النيابي لم يتمكن من انتخاب رئيس جمهوريّة جديد، على الرغم من عقد 11 جلسة حتى 19 يناير (كانون الثاني) الحالي. كذلك لم يتم تشكيل حكومة جديدة منذ إتمام الانتخابات النيابيّة الأخيرة في شهر مايو (أيار) من العام الماضي.
وتؤكد الوكالة الدولية في تحليلها أن حالة الجمود السياسيّ هي السبب الرئيسي لعدم قدرة الأفرقاء السياسيّين على الالتزام بمتطلّبات صندوق النقد الإصلاحية، كاستعادة السيولة في المالية العامة والنظام المصرفي، وتشريع قانون تقييد الرساميل والسحوبات (الكابيتال كونترول)، والتخلّص من تعدّد أسعار الصرف، وإتمام تدقيق شامل لأرقام المصرف المركزي وللشركات المملوكة من الدولة. من منظار آخر، وفي ظل تدهور سعر صرف الليرة في الأسواق الموازية، رصدت الوكالة اعتماد البنك المركزي لسعر جديد عند مستوى 15 ألف ليرة، بدءاً من مطلع شهر فبراير، للسحوبات النقدية من الحسابات المحررة بالدولار الأميركي، مع سقف شهري يبلغ 1600 دولار. وهو «الأمر الذي قد يحفّز أصحاب القرار باعتماد هذا التعديل في سعر الصرف لجهة إعادة هيكلة الدين واعتماد برنامج إصلاحي بمساعدة التمويل الخارجي»، إنما ينبغي التحذير من إثر تعديل سعر الصرف الرسمي على حجم الخسائر التي سيتم تسجيلها في ميزانيات المؤسسات المالية ومصرف لبنان.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

حصار يطبق على ترشيح المالكي

Previous meeting of the "Coordination Framework" forces (Iraqi News Agency)
Previous meeting of the "Coordination Framework" forces (Iraqi News Agency)
TT

حصار يطبق على ترشيح المالكي

Previous meeting of the "Coordination Framework" forces (Iraqi News Agency)
Previous meeting of the "Coordination Framework" forces (Iraqi News Agency)

يتعرض ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية الجديدة لحصار خانق، إذ يواجه ضغوطاً داخلية متصاعدة وتلويحاً بعقوبات أميركية قد تطول عائدات النفط.

وتراجع المالكي في اللحظات الأخيرة عن حضور اجتماع حاسم لتحالف «الإطار التنسيقي» كان مخصصاً ليل الاثنين - الثلاثاء، لحسم مصير ترشيحه، متمسكاً بالاستمرار «حتى النهاية».

وتتزايد الانقسامات داخل التحالف بين من يفضّل منحه فرصة للانسحاب الطوعي حفاظاً على وحدته، ومن يدعو إلى حسم المسألة عبر تصويت داخلي قد يطيح به.

وقال وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري إن «الأحزاب الشيعية» تلقت رسالتي رفض جديدتين من البيت الأبيض بشأن ترشيح المالكي، مشيراً إلى أن «رئيس الجمهورية الجديد لن يُكلّفه تشكيل الحكومة».


عبيدات: وصفي التل ضحى بنفسه وقناص غامض اغتاله

رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات (الشرق الأوسط)
رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات (الشرق الأوسط)
TT

عبيدات: وصفي التل ضحى بنفسه وقناص غامض اغتاله

رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات (الشرق الأوسط)
رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات (الشرق الأوسط)

لعب رئيس الوزراء الأردني الأسبق، أحمد عبيدات، الذي رحل مطلع الشهر الحالي، أدواراً أساسيةً في مرحلة مضطربة من تاريخ بلاده. فعلى مدى عقد ونصف العقد تدرج من قيادة المخابرات إلى وزارة الداخلية، ثم رئاسة الحكومة التي تولى معها حقيبة الدفاع.

روى الرجل شهادته على هذه الفترة لـ«الشرق الأوسط» قبل «طوفان الأقصى» بأسابيع. وحالت تبعات «الطوفان» دون نشرها. في الحلقة الأولى، يقول عبيدات إن «قناصاً لم يُعرف لليوم» هو من اغتال رئيس الوزراء الأردني الأسبق وصفي التل، لا رصاصات المجموعة التي هاجمته عند مدخل فندقه في القاهرة.

واعتبر عبيدات أن التل «ضحى بنفسه» حين تحمل مسؤولية قرار الجيش مهاجمة فدائيين فلسطينيين في جرش وعجلون، مشيراً إلى أن ما حدث كان «رد فعل عفوياً من الجيش» لم يستشر فيه. واستبعد أن يكون أبو إياد اتخذ قرار اغتيال التل منفرداً، مؤكداً أن «القيادة الفلسطينية أخذته».


الخروج المفاجئ للأمير «حسن الأطرش» من السويداء قد يقلب الموازين

الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)
الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)
TT

الخروج المفاجئ للأمير «حسن الأطرش» من السويداء قد يقلب الموازين

الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)
الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)

بعد الخروج المفاجئ، لحسن الأطرش أمير «دار عرى» في محافظة السويداء، باتجاه محافظة درعا، ليلة الاثنين - الثلاثاء، توقع مصدر سوري رسمي أن هذا الخروج ستتبعه حالات أخرى هرباً من مناطق سيطرة شيخ العقل، حكمت الهجري، في جبل العرب.

وقال مدير العلاقات الإعلامية في السويداء، قتيبة عزام، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمير حسن الأطرش «أصبح في دمشق»، ويمكنه أن «يوضح الكثير من الحقائق ويقلب الموازين في جبل العرب، كونه شخصية عامة».

ولم يذكر عزام الجهة التي أمنت عملية الخروج للأمير حسن، لكنه ذكر أن السويداء تشهد حالة تململ واسعة جراء السياسة المتبعة في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة السورية. وأضاف: «هناك «سياسة ترهيب وابتزاز وتكتيم للأصوات الوطنية بالسلاح والاغتيال والاختطاف».

حسن الأطرش أمير «دار عرى» في محافظة السويداء (متداولة)

من جهة أخرى، بينت مصادر درزية مقيمة في مدينة السويداء لـ«الشرق الأوسط»، أن «أقارب للأمير حسن ذكروا خلال تواصل معهم، أنه غادر منزله، الاثنين، رفقة زوار كانوا عنده ولم يعد لمنزله بعدها».

وبحسب المعلومات، فإن شخصاً من ريف درعا استضافه وأمن وصوله إلى دمشق».

وذكرت المصادر الدرزية، نقلاً عن شخص لم تسمه وهو على تواصل مع الحكومة السورية، أن «خروج الأمير حسن يأتي ضمن خطة جديدة لحل الأزمة في السويداء».

وتداولت مواقع إلكترونية تعنى بنقل أخبار محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية والواقعة جنوب سوريا، خبر «تأمين خروج» الأمير الأطرش، «الشخصية الاجتماعية والتقليدية البارزة في محافظة السويداء، من ريف المحافظة الجنوبي الغربي، ووصوله إلى محافظة درعا».

صورة أرشيفية لحسن الأطرش أمير «دار عرى» في محافظة السويداء مع شيخ العقل حكمت الهجري

ولم تأت هذه المواقع على ذكر الجهة التي أمنت عملية الخروج. وفي الوقت نفسه، وصفت ما جرى بأنه «سابقة نوعية تتعلق بشخصية اجتماعية وازنة بهذا الحجم من السويداء، حيث يُعد الأمير حسن من الزعماء التقليديين لآل الأطرش، وله دور بارز في المشهد الاجتماعي والسياسي المحلي».

ويأتي خروج الأمير الأطرش من السويداء، في وقت يسيطر فيه الهجري وما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له، على أجزاء واسعة من السويداء من ضمنها قرية عرى التي توجد فيها «دار عرى»، وذلك ضِمن السعي لما يسمى «دولة باشان» في المحافظة، بدعم من إسرائيل، وبعد رفضه «خريطة الطريق» التي جرى الإعلان عنها من دمشق بدعم أميركي وأردني، سبتمبر (أيلول) الماضي، لحل أزمة السويداء، وكذلك رفض مبادرات للحل أطلقها لاحقاً محافظ السويداء مصطفى البكور.

حديث بين الأمير حسن الأطرش ومحافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)

المصادر الدرزية المقيمة في مدينة السويداء عدّت خلال حديثها، أن خروج الأمير حسن «يمكن أن يؤثر على الوضع القائم في مناطق سيطرة الهجري بحكم أن (دار عرى) شكلت عبر التاريخ مركز القرار في جبل العرب، كما أنها مثلت تاريخياً الزعامة السياسية في السويداء، بينما مشيخة العقل مثلت زعامة دينية، وهي أقل مرتبة من الزعامة السياسية».

تضيف المصادر: «(دار عرى) تحظى برمزية كبيرة، والأمير حسن له دور في المشهد الاجتماعي والسياسي المحلي، وقد خرج من السويداء وإذا أطلق التصريحات فقد يوضح الكثير من الحقائق ويقلب الموازين كونه شخصية عامة».

ويتمتع الأمير حسن بمكانة اجتماعية كبيرة في السويداء، وله دور بارز في المشهد الاجتماعي السياسي المحلي في المحافظة، كونه من أحفاد قائد الثورة السورية الكبرى، سلطان باشا الأطرش، التي اندلعت ضد الاستعمار الفرنسي، في عشرينات القرن الماضي.

وأبدى الأمير حسن تأييداً واضحاً للقيادة والحكومة السورية عقب إسقاط نظام حكم بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024.

صورة ذاتية التقطها الأمير حسن الأطرش قرب لوحة لجده سلطان الأطرش أبرز الشخصيات السياسية الدرزية (مواقع)

ومع انفجار أزمة السويداء منتصف يوليو (تموز) الماضي، دعا إلى إنهاء الاقتتال وعدم الانجرار وراء الفتن، مؤكداً ضرورة التواصل مع الدولة ومشايخ العقل ووجهاء المنطقة، للتوصل إلى حل يرضي الجميع.

ومنذ ظهور الهجري بوصفه زعيماً معارضاً للحكم الجديد في سوريا وسيطرته على مناطق في السويداء، عمل على الاستئثار بالقرار في مناطق نفوذه، وهمش باقي المرجعيات الدينية الدرزية (شيخَي العقل يوسف جربوع، وحمود الحناوي) والنخب الثقافية والفكرية.

وأوضحت المصادر الدرزية أن «دار عرى» رمزياً وتاريخياً أعلى سلطة ومكانة من «دار قنوات»، التي يقيم فيها الهجري وتعد مقر الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية.

من جهة أخرى، يقلل اتباع الهجري من أهمية خروج الأطرش ولجوئه إلى دمشق، على مشروعهم، وبحسب متابعين للأوضاع، فإن «الهجمة التي شنت عليه تعبر عن مدى خطورة هذا الأمر على هذا المشروع».

هذا، وتزامن خروج الأمير حسن من جبل العرب مع إعلان مدير الأمن الداخلي لمدينة السويداء، سليمان عبد الباقي، عبر حسابه في «فيسبوك»، أن دخول قوى الأمن الداخلي الحكومية إلى مدينة السويداء سيتم «قريباً»، وأن الهدف من العملية هو «إعادة هيبة القانون وحماية المدينة لا كسرها».