رياح التصعيد تهب... لكنها هنا ليست حالة استثنائية

الدم يطلب الدم في مزاج عام انتقامي.. وحكومة أكبر معتدل فيها هو نتنياهو

نقل جريح إسرائيلي أصيب بالرصاص في القدس القديمة (رويترز)
نقل جريح إسرائيلي أصيب بالرصاص في القدس القديمة (رويترز)
TT

رياح التصعيد تهب... لكنها هنا ليست حالة استثنائية

نقل جريح إسرائيلي أصيب بالرصاص في القدس القديمة (رويترز)
نقل جريح إسرائيلي أصيب بالرصاص في القدس القديمة (رويترز)

بعد وقت وجيز من تشكيل الحكومة الاسرائيلية «اليمينية»، أبلغ مسؤولون فلسطينيون نظراءهم الاسرائيليين في خضم مناقشات حول القرار الاسرائيلي بفرض عقوبات على السلطة، شملت مصادرة أموال كبيرة، وسحب تصاريح وبطاقات VIP وايقاف مشاريع اقتصادية ومشاريع بناء، انه إذا كان هذا ما يبدو عليه الأسبوع الأول للحكومة، فإنه واضح الى أين تهب الرياح.
لم تكن توجهات الحكومة التي يظهر فيها زعيم الليكود بنيامين نتنياهو أكثر «المعتدلين»، بحاجة الى مسؤوليين في مواقع سياسية أو أمنية، أو محللين سياسيين، لكي يبصروا أن الرياح متجهة الى تصعيد وستجري بما لا تشتهي السفن.
وعلى الرغم من أن الرئاسة الفسطينية حذرت من انفجار لا يمكن السيطرة عليه وهددت بإجراءات فورية ردا على السيف الاسرائيلي الذي انغمس في دماء الفلسطينيين كل يوم، وتدخل الاميركيون والمصريون والاردنيون والقطريون من اجل كبح جماح التصعيد الاسرائيلي، وهو تصعيد يمثل فقط رأس جبل جليدي بالقياس لما يخطط له وزراء مثل وزير الأمن القومي ايتمار بن غفير الذي يريد تسليح كل الاسرائيليين وتغيير تعليمات إطلاق النار ضد الفلسطينيين كي يصبح القتل أسرع وأسهل، ووزير المالية المسؤول عن الادارة المدنية في الجيش الاسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الذي يعمل على خطة ضم أجزاء من الضفة الغربية، فإن الحكومة المنفلتة مضت قدما بما يرضي المتعصبين المسيطرين في اسرائيل، وقتلت في ضربة واحدة 10 فلسطينيين في جنين شمال الضفة في يوم دام وحزين، أوقف بعده الرئيس الفلسطيني محمود عباس التنسيق الأمني مع اسرائيل، وهبت رياح الانتقام.
لقد بدا انها بداية عاصفة قد لا تهدأ قريبا...
عندما قتل الشاب الفلسطيني خيري علقم يوم الجمعة 7 اسرائيليين في القدس بعد يوم واحد من قتل اسرائيل 10 فلسطينيين في جنين، كان يمكن قراءه المزاج العام الفلسطيني في مسيرات عفوية خرجت في كل مكان، المدن والمخيمات والقرى، ابتهاجا بالعملية، إطلاق نار ومفرقعات وتكبيرات وحلوى وأبواق سيارات بلا توقف، حتى ان الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن قبل يوم واحد خرجن لتوزيع الحلوى في جنين فيما تبدل المشهد في بيوت العزاء من حزن الى فرح وهتاف.
أما الفصائل الفلسطينية التي باركت العملية ولم تكن تقف خلفها فتوعدت بمزيد من «الثارات».
كان يمكن ايضا قراءة المزاج العام المسيطر في اسرائيل، بعدما توعد نتنياهو برد حازم فيما كان يهتف بن غفير أمام مستوطنين غاضبين «الموت للإرهابيين»، ويكتبون على مواقع التواصل الاجتماعي «شردوهم» و «لا ترحموهم».
لكن كيف سيرد نتنياهو وهل سيؤدي رده إلى زيادة رياح التصعيد حدة أم إلى تخفيفها؟
يفترض ان يتضح ذلك أكثر في اجتماع للمجلس الأمني المصغر سيعقد بعد انتهاء يوم السبت (مساء) غير ان أدواته ستظل مكبلة في مواجهة من يحلوا للمؤسسة الأمنية الاسرائيلية تسميتهم «الذئاب المنفردة» الذين ينطلقون وحدهم بدون تنظيم ولا تخطيط ولا تمويل ولا اتصالات ولا قرارات، في أي وقت في أي مكان وينفذون عملياتهم، ويزيد الطين بله بالنسبة للاسرائيليين اذا كانوا يحملون جنسية اسرائيلية أو هوية زرقاء وإقامة.
بعد الهجوم على جنين كانت أبرز مخاوف المؤسسة الأمنية الاسرائيلية ان يتحرك هؤلاء في القدس، وبعد اقل من 24 ساعه ضرب علقم في قلب المنطقة.
وقال قائد شرطة القدس دورون تورجمان «المنفذ تصرف كذئب منفرد وكان في موقع العملية وحده، ويجري التحقيق في ما إذا كان هناك من ساعده. رجال الشرطة وجدوه بالقرب من بيت حنينا وقاموا بتحييده، نحن نحقق لنفهم ما جرى».
ما اكتشفه الاسرائيليون لاحقا انه فعلا تحرك بمفرده، انتقاما لجنين وربما لجده الذي قتله مستوطن قبل 25 عاما في القدس. انها في كلا الحالتين مسألة ثأر لا تنتهي.
وقال المحلل الأمني والعسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، رون بن يشاي، إن اختبار الرد على العملية في القدس يعد أكثر صعوبة من أي وقت مضى، بما أن المنفذ ذئب منفرد. وأضاف أن المؤسسة الأمنية أدركت في السنوات الأخيرة أنه ليس لديها الكثير لتقوم به تجاه هذا النوع من العمليات.
لكن المخاوف ليست متعلقة بكيف ستتصرف المؤسسة الأمنية وانما مجلس الوزراء المصغّر الذي لا يضم الكثير من الأشخاص ذوي الخبرة، وهو يتألف بشكل أساسي من وزراء ذوي آراء قومية متشددة، وأغلب الظن انهم سيضغطون من أجل إجراءات جذرية قد تؤجج النيران أكثر.
وقال يؤآف ليمور الصحافي في «إسرائيل اليوم» ان ما يحدث يشير إلى حقيقة أن الساحة الفلسطينية تشهد اتجاهاً تصعيدياً انفجارياً بشكل خاص.
وحذر مراسل الشؤون الإسرائيلية في موقع «واللا» العبري أمير بوخبوط من أن تتحول العملية الى مصدر إلهام لاخرين.
ولتجنب كل ذلك، دفعت اسرائيل بقوات معززة الى القدس والى مناطق التماس مع الضفة الغربية. لكن الذي خشيت منه حدث، فقد استلهم اخرون التجربة، وهذه المره طفل من القدس عمره 13 عاما كان يتجول قرب سلوان في البلدة القديمة في القدس ثم شاهد مستوطنا وابنه فأخرج مسدسا مثلما فعل علقم واطلق النار تجاههما.
لقد ضربهم فلسطيني اخر في القلب في ذروة التأهب والتهديد والوعيد.
وفورا باركت الفصائل الفلسطينية وقالت ان الدم يطلب الدم، أما بن غفير فتعهد بـ«رد قوي وبتغيير الأوامر المنظمة لإطلاق النار»، وقال ان هذا الوضع لا يمكن السكوت عنه.
طلب بن غفير أيضا تسليح كل اسرائيلي، وبناء عليه دعت الشرطة الاسرائيليين الى حمل السلاح وأعلنت رفع مستوى اليقظة، فيما أمر رئيس أركان الجيش هرسي هاليفي بتعزيز الأمن أكثر في الضفة الغربية استعدادا لتصعيد محتمل.
وهو تصعيد تحدث عنه وزير الدفاع، يؤاف غالانت، الذي أمر كذلك بالاستعداد لاحتمال حدوث تطورات ميدانية أخرى وحماية المستوطنات.
ان سياسة «طنجرة الضغط» الذي اتبعها الاسرائيليون في جنين، ترتد عليهم في القدس، وشظاياها قد تصل في أي لحظة الى أي مكان، تل أبيب مثلا او نابلس، وربما بشكل لا يتمناه الطرفان قطاع غزة، خصوصا ان شهر رمضان على الأبواب وهو شهر كان يخشى معه الاسرائيليون حتى قبل كل هذه الموجة من تصعيد لافت.
التصعيد هنا ليس حالة استثنائية. انه حلقة مستمرة منذ عقود. الهدوء طالما كان يثير الريبة.


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي «مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

«مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

قتلت إسرائيل 3 فلسطينيين في الضفة الغربية، الخميس، بعد حصار منزل تحصنوا داخله في نابلس شمال الضفة الغربية، قالت إنهم يقفون خلف تنفيذ عملية في منطقة الأغوار بداية الشهر الماضي، قتل فيها 3 إسرائيليات، إضافة لقتل فتاة على حاجز عسكري قرب نابلس زعم أنها طعنت إسرائيلياً في المكان. وهاجم الجيش الإسرائيلي حارة الياسمينة في البلدة القديمة في نابلس صباحاً، بعد أن تسلل «مستعربون» إلى المكان، تنكروا بزي نساء، وحاصروا منزلاً هناك، قبل أن تندلع اشتباكات عنيفة في المكان انتهت بإطلاق الجنود صواريخ محمولة تجاه المنزل، في تكتيك يُعرف باسم «طنجرة الضغط» لإجبار المتحصنين على الخروج، أو لضمان مقتلهم. وأعلنت وزارة

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

في وقت اقتطعت فيه الحكومة الإسرائيلية، أموالاً إضافية من العوائد المالية الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، لصالح عوائل القتلى الإسرائيليين في عمليات فلسطينية، دفع الكنيست نحو مشروع جديد يتيح لهذه العائلات مقاضاة السلطة ورفع دعاوى في المحاكم الإسرائيلية؛ لتعويضهم من هذه الأموال. وقالت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، الخميس، إن الكنيست صادق، بالقراءة الأولى، على مشروع قانون يسمح لعوائل القتلى الإسرائيليين جراء هجمات فلسطينية رفع دعاوى لتعويضهم من أموال «المقاصة» (العوائد الضريبية) الفلسطينية. ودعم أعضاء كنيست من الائتلاف الحكومي ومن المعارضة، كذلك، المشروع الذي يتهم السلطة بأنها تشجع «الإرهاب»؛

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

دخل الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب وقصف بدباباته موقعاً في شرق مدينة غزة، أمس الثلاثاء، ردّاً على صواريخ أُطلقت صباحاً من القطاع بعد وفاة القيادي البارز في حركة «الجهاد» بالضفة الغربية، خضر عدنان؛ نتيجة إضرابه عن الطعام داخل سجن إسرائيلي.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

صمد اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الذي دخل حيز التنفيذ، فجر الأربعاء، منهيا بذلك جولة قصف متبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية استمرت ليلة واحدة (أقل من 24 ساعة)، في «مخاطرة محسوبة» بدأتها الفصائل ردا على وفاة القيادي في «الجهاد الإسلامي» خضر عدنان في السجون الإسرائيلية يوم الثلاثاء، بعد إضراب استمر 87 يوما. وقالت مصادر فلسطينية في الفصائل لـ«الشرق الأوسط»، إن وساطة مصرية قطرية وعبر الأمم المتحدة نجحت في وضع حد لجولة القتال الحالية.

كفاح زبون (رام الله)

إسرائيل تعمق التوتر بين النازحين اللبنانيين والمجتمعات المضيفة

جنود لبنانيون يتفقدون موقع استهداف إسرائيلي على واجهة بيروت البحرية في الرملة البيضاء (د.ب.أ)
جنود لبنانيون يتفقدون موقع استهداف إسرائيلي على واجهة بيروت البحرية في الرملة البيضاء (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تعمق التوتر بين النازحين اللبنانيين والمجتمعات المضيفة

جنود لبنانيون يتفقدون موقع استهداف إسرائيلي على واجهة بيروت البحرية في الرملة البيضاء (د.ب.أ)
جنود لبنانيون يتفقدون موقع استهداف إسرائيلي على واجهة بيروت البحرية في الرملة البيضاء (د.ب.أ)

توسّعت رقعة الغارات الإسرائيلية داخل لبنان لتطول مناطق سكنية في بيروت وجبل لبنان، كانت تُعد، حتى وقت استهدافها، ملاذاً نسبياً للنازحين، ما خلق أزمة بين النازحين والمجتمع المضيف.

واستهدفت طائرة مسيَّرة إسرائيلية شقة سكنية في محيط المشروع الكندي في عرمون، قبل أن تعقبها غارة ثانية طالت المنطقة نفسها، ما أدى، بحسب وزارة الصحة، إلى مقتل 3 أشخاص وإصابة طفل. كما استهدفت غارة إسرائيلية فجر الخميس منطقة الرملة البيضاء في العاصمة بيروت، في تطور يعكس انتقال الضربات إلى مناطق مدنية مكتظة داخل العاصمة ومحيطها، ويثير مخاوف متزايدة بشأن سلامة النازحين والمجتمعات المضيفة.

ويُعدّ هذا الهجوم الثالث الذي يطول قلب العاصمة بيروت منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، بعد استهداف شقة سكنية في أحد أحياء المدينة يوم الأربعاء، وغرفة في فندق مطل على البحر يوم الأحد.

وتكتسب هذه الضربة حساسية إضافية نظراً لوجود نازحين في محيط المنطقة الساحلية، إذ لجأت بعض العائلات إلى الشاطئ أو الأحياء المجاورة بعد مغادرتها مناطق القصف، ما أثار مخاوف متزايدة من تضاؤل المساحات التي يُعتقد أنها آمنة داخل البلاد.

وفي سياق الغارات نفسها، استهدفت ضربة إسرائيلية شقة سكنية في منطقة عرمون بجبل لبنان، ما أدى، بحسب وزارة الصحة، إلى مقتل 3 أشخاص وإصابة طفل. كما قُتل شخصان وأصيب 6 آخرون في غارة استهدفت بلدة دير أنطار في قضاء بنت جبيل جنوب لبنان، وفق ما أفادت به الوكالة الوطنية للإعلام.

مقاربة إنسانية لملف النزوح

ولا تقتصر تداعيات هذه الضربات على الخسائر البشرية والمادية، بل تمتد إلى تفاقم أزمة النزوح الداخلي التي تتوسع مع استمرار القصف، في وقت تحاول البلديات والمجتمعات المحلية استيعاب أعداد متزايدة من العائلات التي غادرت منازلها.

وفي هذا السياق، قال عضو كتلة «اللقاء الديمقراطي» (الحزب التقدمي الاشتراكي) النائب هادي أبو الحسن، لـ«الشرق الأوسط»، إن «مقاربة ملف النزوح الداخلي الناجم عن الحرب يجب أن تنطلق من اعتبارات وطنية وإنسانية وأخلاقية واجتماعية»، مشدداً على أن «النازحين هم أبناء هذا الوطن، وقد هُجّروا قسراً من بيوتهم من دون أن يكون لهم أي دور في قرار الحرب». مؤكداً ضرورة الفصل بين الموقف السياسي من خيارات «حزب الله» في الانخراط بالحرب، وهو موقف سبق أن عارضه «اللقاء الديمقراطي»، وبين الموقف الإنساني من النازحين. وقال: «موقفنا من الحرب شيء، وموقفنا من أبناء شعبنا الذين اضطروا إلى النزوح شيء آخر، ونحن نتعامل مع هذا الملف بروح المسؤولية الوطنية».

وشدّد أبو الحسن على ضرورة تجنّب أي ممارسات قد تؤدي إلى توتير العلاقة بين النازحين والبيئات المضيفة، قائلاً: «نؤكد بوضوح أنه يجب عدم تعريض البيئة الحاضنة والبيئة النازحة لأي مخاطر أمنية أو عسكرية. لذلك نطالب بإبعاد أي مظاهر أو أذرع أمنية أو عسكرية عن مراكز الإيواء وعن البيوت التي تستضيف النازحين». وأضاف أن هذا الموقف جرى إبلاغه «بمختلف الوسائل، مع التشديد على ضرورة حماية النازحين وحماية المجتمعات التي تستضيفهم من أي خروق أمنية»، داعياً القوى الأمنية والبلديات إلى «التنبه لهذا الأمر واتخاذ الإجراءات اللازمة». وقال: «نحن نرفض بشكل قاطع أي محاولة لتحويل أماكن النزوح أو المناطق المضيفة إلى ساحات أمنية أو عسكرية».

وأشار إلى أن «ضبط هذه المسائل بشكل كامل ليس أمراً سهلاً في ظل طبيعة التداخل السكاني في عدد من المناطق»، مؤكداً على أن «المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق السلطات المحلية والبلديات، إضافة إلى الأجهزة الأمنية التابعة للدولة»، قائلاً: «يبقى الدور الأساسي للسلطات المحلية وللقوى الأمنية في منع أي محاولة اختراق أمني لبيئة النازحين وللبيئة الحاضنة لهم، وعلى الدولة أن تقوم بما يلزم بالشكل الذي تراه مناسباً لضمان الاستقرار وحماية الجميع».

مخاوف من توتر العلاقة

من جهته، دعا الوزير اللبناني السابق رشيد درباس إلى التحلّي بالحكمة وضبط النفس في التعامل مع ملف النزوح الداخلي، محذّراً من محاولات استغلال الظروف الحالية لإثارة توترات بين اللبنانيين.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط» إن «المطلوب اليوم قدر كبير من الحكمة والانضباط من الجميع، لأن ما تسعى إليه إسرائيل، برأيي، هو تقليب المجتمع اللبناني على نفسه، أي تحويل المضيف إلى خصم للضيف وإثارة الشكوك بين مكوّنات المجتمع».

وأضاف أن «بعض الحوادث التي شهدناها، ومنها ما حصل في عرمون من إشكالات، قد يُفهم في سياق محاولة خلق فتنة داخلية بين اللبنانيين»، معتبراً أن «الهدف هو دفع المجتمع إلى الانقسام بين أبناء المناطق المضيفة والنازحين».

عائلات نازحة من ضاحية بيروت الجنوبية إلى الكورنيش البحري في بيروت (د.ب.أ)

وأشار درباس إلى أن «كثيراً من النازحين، ولا سيما أبناء الطائفة الشيعية، اضطروا إلى ترك منازلهم قسراً تحت ضغط الحرب، وهؤلاء مواطنون لبنانيون ينبغي التعامل معهم بروح التضامن الوطني»، محذّراً من أن «أي توتر أو تعامل قائم على الشك يخدم في النهاية محاولات بثّ الفتنة بين اللبنانيين».

وأوضح أن «النازح الذي يُجبر على مغادرة منزله يفقد فجأة شعوره بالأمان، ويعيش حالة قلق وترقب لأنه اقتُلع من بيئته ومن حياته الطبيعية»، لافتاً إلى أن «هذا الواقع يفرض حساسية إضافية في طريقة التعامل مع هذه العائلات».

وفي المقابل، لفت درباس إلى أن «المجتمعات المضيفة قد تشعر أيضاً بشيء من القلق في ظل الظروف الأمنية الراهنة»، لكنه أشار إلى أن «هناك هذه المرّة مستوى أفضل من التنظيم في إدارة ملف النزوح».

وقال: «الحكومة ووزارة الشؤون الاجتماعية تقومان بدور في تنظيم هذا الملف، كما أن البلديات تتولى متابعة أوضاع الوافدين وتسجيلهم»، مضيفاً أن «المرحلة الأولى من النزوح شهدت اندفاعة تضامنية كبيرة، حيث فتح كثير من اللبنانيين بيوتهم للنازحين من دون أي إجراءات أو تدقيق». وتابع: «اليوم بات هناك تنظيم أكبر، إذ يجري التحقق من الهويات وتسجيل الوافدين، وهو أمر طبيعي في ظل الظروف الحالية».


لبنان يتحضّر لاحتمال إطلاق مفاوضات مع إسرائيل: تشكيل الوفد وتنسيق مع دمشق

خلال استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره اللبناني جوزيف عون بقصر الإليزيه يوم 28 مارس 2025 (أرشيفية - رويترز)
خلال استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره اللبناني جوزيف عون بقصر الإليزيه يوم 28 مارس 2025 (أرشيفية - رويترز)
TT

لبنان يتحضّر لاحتمال إطلاق مفاوضات مع إسرائيل: تشكيل الوفد وتنسيق مع دمشق

خلال استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره اللبناني جوزيف عون بقصر الإليزيه يوم 28 مارس 2025 (أرشيفية - رويترز)
خلال استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره اللبناني جوزيف عون بقصر الإليزيه يوم 28 مارس 2025 (أرشيفية - رويترز)

بدأ لبنان باتخاذ خطوات تمهيدية تحضيراً لاحتمال إطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، استناداً إلى المبادرة التي سبق أن أعلنها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لإنهاء الحرب الإسرائيلية، في وقت تتكثف فيه الاتصالات السياسية والدبلوماسية لمواكبة التطورات الأمنية المتسارعة في لبنان والمنطقة.

ويأتي ذلك فيما أجرى الرئيس عون مساء الأربعاء اتصالاً ثلاثياً، جمعه بالرئيس السوري أحمد الشرع، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جرى خلاله التشاور في الأوضاع الراهنة في لبنان والمنطقة، في ضوء التصعيد الأمني المتسارع. وتبادل الرؤساء الثلاثة التقييمات حيال التطورات الجارية وتداعياتها المحتملة على الاستقرار الإقليمي، قبل أن يتفقوا على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة في ما بينهم لمتابعة المستجدات والتشاور في المرحلة المقبلة، بحسب بيان رئاسة الجمهورية.

من جهته، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه أجرى محادثات مع نظيريه اللبناني جوزيف عون، والسوري أحمد الشرع، مشيراً إلى أن التنسيق الذي بدأته القيادتان اللبنانية والسورية أمر مهم، وأن فرنسا ستواصل دعمه، وأكد أن الرئيس السوري يدعم جهود السلطات اللبنانية لاستعادة السيطرة الكاملة للدولة على أراضيها.

ودعا الرئيس الفرنسي إسرائيل أن تتخلى عن أي هجوم بري في لبنان، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن «(حزب الله) ارتكب خطأ فادحاً بجرّ لبنان إلى مواجهة مع إسرائيل، ويجب عليه وقف هجماته فوراً».

مفاوضات «ثلاثية»

وكشفت مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية لـ«الشرق الأوسط» أن الاتصال الثلاثي جاء انطلاقاً من طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يقوم على مقاربة «أن تكون المفاوضات متوازية بين أكثر من مسار، حيث لا تقتصر على التفاوض بين لبنان وإسرائيل فحسب، بل تشمل أيضاً مساراً تفاوضياً بين سوريا وإسرائيل، يتناول القضايا الحدودية والملفات العالقة بين البلدين». وبحسب هذا الطرح، «فإن إجراء مفاوضات متزامنة بين لبنان وإسرائيل من جهة، وسوريا وإسرائيل من جهة أخرى، أو ثلاثية مشتركة، قد يسهم في الوصول إلى نتائج مترابطة، ولا سيما ما يتعلق بملفات الحدود، في ظل التداخل القائم في بعض المناطق بين الدول الثلاث، على غرار ملف مزارع شبعا، ما يتيح معالجة ما يشبه (مثلثاً حدودياً) يحتاج إلى تسوية مشتركة».

خطوات تمهيدية للتفاوض وبدء تشكيل الوفد

وفيما لم يتلقَّ لبنان أي ردّ أو تجاوب من قبل المعنيين، ولا سيما إسرائيل أو أميركا، التي يفترض أن ترعى أي تفاوض محتمل، أفادت المصادر الوزارية لـ«الشرق الأوسط» أن «لبنان بدأ خطوات الدخول في مسار تفاوضي مع إسرائيل، من دون أن يكون قد تلقى حتى الآن أي تأكيد رسمي من الجانب الإسرائيلي عبر القناة القبرصية»، مرجّحة «أن يكون الردّ قد تبلور خلال الساعات المقبلة».

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

وبحسب المصادر، يجري التحضير لتشكيل وفد لبناني قد يتوجه إلى قبرص في حال تبلور مسار التفاوض، كاشفة أن «التشكيلة المقترحة للوفد تضم السفير عبد الستار عيسى، الذي اختاره رئيس الحكومة نواف سلام ممثلاً للحصة السنية، والوزير السابق سيمون كرم عن المقعد الماروني، إضافة إلى شوقي أبو نصر عن الطائفة الدرزية. كما يجري التداول بضم شخصية أرثوذكسية، لم يُحسم اسمها بعد، وفي انتظار حسم مسألة مشاركة مدير معهد الشرق الأوسط بول سالم».

وتلفت المصادر إلى أنه «لم يتم حتى الآن إدراج أي اسم شيعي ضمن الوفد»، مشيرة «إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري لم يوافق على تسمية ممثل للطائفة الشيعية، متمسكاً باعتماد لجنة (الميكانيزم) كآلية للتفاوض في المرحلة الراهنة إلى حين التوصل إلى وقف لإطلاق النار».

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية، تتواصل الاتصالات الدبلوماسية الدولية مع لبنان. فقد تلقّى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي اتصالاً هاتفياً من وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالكونر، الذي استفسر عن آخر تطورات الوضع في لبنان، معرباً عن تضامن بلاده واستعدادها لتقديم الدعم الإنساني والعمل مع الأطراف المعنية بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار.

عناصر في «الصليب الأحمر» بموقع تم استهدافه في بلدة دورس بالبقاع (أ.ف.ب)

وشكر الوزير رجي نظيره البريطاني على هذا الموقف، مثمّناً الدور البريطاني الداعم لاستقرار لبنان وسيادته، ومطالباً بالضغط في اتجاه تحييد البنى التحتية المدنية عن دائرة الاستهداف.

كما تلقّى رجي اتصالاً من وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بوينو، الذي أكد دعم بلاده للبنان واستنكر بشدة الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيه، مشدداً على أن إسبانيا ستبذل ما في وسعها للمساهمة في استعادة الاستقرار.


الحكومة اللبنانية تنفي شائعات تمرد ضباط في الجيش على قراراتها

قائد الجيش العماد رودولف هيكل محاطاً بضباط وعسكريين خلال تقديم العزاء بمقتل كاهن بقذيفة إسرائيلية في جنوب لبنان (مديرية التوجيه)
قائد الجيش العماد رودولف هيكل محاطاً بضباط وعسكريين خلال تقديم العزاء بمقتل كاهن بقذيفة إسرائيلية في جنوب لبنان (مديرية التوجيه)
TT

الحكومة اللبنانية تنفي شائعات تمرد ضباط في الجيش على قراراتها

قائد الجيش العماد رودولف هيكل محاطاً بضباط وعسكريين خلال تقديم العزاء بمقتل كاهن بقذيفة إسرائيلية في جنوب لبنان (مديرية التوجيه)
قائد الجيش العماد رودولف هيكل محاطاً بضباط وعسكريين خلال تقديم العزاء بمقتل كاهن بقذيفة إسرائيلية في جنوب لبنان (مديرية التوجيه)

نفت الحكومة اللبنانية وقيادة الجيش صحة بيان منسوب إلى «الضباط الوطنيين» يرفضون فيه تنفيذ قرارات مجلس الوزراء حول تطبيق حصرية السلاح، وذلك في جلسة لمجلس الوزراء خُصّصت لمناقشة التطورات الأمنية، وتداعيات الحرب، وأزمة النزوح المتفاقمة.

وعقد مجلس الوزراء الجلسة في السراي الحكومي، برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، وتطرّق إلى ما جرى تداوله في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي حول بيان منسوب لما سُمّي «الضباط الوطنيين».

وأكد رئيس الحكومة نواف سلام «أن مثل هذه الأخبار تمسّ بوحدة المؤسسة العسكرية وبالسلم الأهلي»، مشيراً إلى «وجود شكوك جدية في صحة البيان، وإلى أن المسألة قد تدخل ضمن إطار المخالفات التي يعاقب عليها القانون لما تنطوي عليه من مساس بوحدة الجيش ودوره الوطني».

من جهته، أوضح وزير الدفاع اللبناني موريس سليم «أن الجهات المختصة بدأت التحقق من الخبر تمهيداً لاتخاذ الإجراءات المناسبة».

وسارعت قيادة الجيش إلى نفي الخبر بشكل قاطع، مؤكدة في بيان أن «ما ورد عن صدور بيان عن (الضباط الوطنيين) لا أساس له من الصحة، وأن عناصر المؤسسة العسكرية ملتزمون بالولاء للمؤسسة والوطن فقط»، مشددة على «أن البيان المتداول لا يمت إلى الجيش بصلة لا من قريب ولا من بعيد».