السودان في قلب اهتمام عالمي بـ«المعادن الخضراء»

عبد الله لـ «الشرق الأوسط» : نعمل على إحياء اتفاقية «البحر الأحمر» مع السعودية بمنظور جديد

محمد بشير عبد الله وزير المعادن السوداني (الشرق الأوسط)
محمد بشير عبد الله وزير المعادن السوداني (الشرق الأوسط)
TT

السودان في قلب اهتمام عالمي بـ«المعادن الخضراء»

محمد بشير عبد الله وزير المعادن السوداني (الشرق الأوسط)
محمد بشير عبد الله وزير المعادن السوداني (الشرق الأوسط)

الرياض: فتح الرحمن يوسف

في وقت تتجه فيه الخرطوم والرياض لرفع مستوى التعاون الثنائي الشامل، كشف محمد بشير عبد الله وزير المعادن السوداني، مساعي جارية حالياً، لإحياء اتفاقية البحر الأحمر مع السعودية بمنظور جديد، مبيناً أن الفترة المقبلة، ستشهد مباحثات مشتركة لوضع تصور جديد ومن ثم رفْعِه للجهات المعنية في البلدين، يمنح بموجبه تراخيص لشركات سعودية بأسس جديدة ورؤى جديدة.
وقال وزير المعادن السوداني، لـ«الشرق الأوسط» من الرياض: «إن مؤتمر التعدين الدولي الذي انعقد في الرياض أخيراً أتاح فرصة كبيرة لتبادل التجارب والأفكار واستكشاف فرص جديدة للتعاون الثنائي والدولي، ووفر فرصة لإظهار لمحة عامة عن التعدين في السودان ومشاكله والفرص الاستثمارية والشركات المستثمرة».
وأضاف: «شاركت في مؤتمر التعدين، على مستويين على مستوى الاجتماع الوزاري للمائدة المستديرة المخصص لوزراء المعادن المشاركين والمسؤولين الحكوميين ذوي العلاقة من بلاد مختلفة، حيث دار النقاش حول سلاسل الإمداد، بينما خصص برنامج خاص عن التجربة السودانية في قطاع التعدين بالمؤتمر».
إسهام القطاع الاقتصادي
وعن إنتاج السودان من الذهب، أوضح عبد الله، أنه في عام 2021 كان الإنتاج في حدود 50 طناً من الذهب، ما وفّر 1.3 مليار دولار كمساهمة في الخزينة العامة، بينما في أول 9 أشهر من عام 2022 بلغ الإنتاج 42 طناً من الذهب، مبيناً أنه رغم أن الحجم نقص فإن الأسعار زادت العائد بما يقدر بـ1.6 مليار دولار في 9 شهور.
ومع ذلك، يتوقع أن يأتي عام 2023 وحساب التقديرات للموازنة الجديدة، بعائد أقل قليلاً، موضحاً أن هناك مشكلات في المخلفات التعدينية، حيث إن «التقليديين» يعملون عليها، غير أنه يحتوي على زئبق ما يخلّف مخاطر بيئية وصحية، مشيراً إلى أن المصانع العاملة في تعدين الذهب بالطرق التقنية الحديثة في حدود 70 مصنعاً.
ولفت إلى عدد 179 شركة امتياز كبيرة «سودانية وأجنبية» موقّعة اتفاقية إنتاج لمدة 6 شهورِ استكشافٍ، من 13 انطلقت حالياً في العمل بشكل فعلي وتعمل بالتقنية الحديثة، مبيناً أن هناك مجموعة شركات فازت بالامتياز، لكنها في مرحلة التطوير غير أن هناك مجموعة من الشركات منتجة ولكن حصتها ليست كبيرة، وعلى هذا الأساس يأتي الاعتماد بشكل أساسي حتى الآن على الذهب.
وكشف وزير المعادن السوداني، عن مساعٍ جارية حالياً لإطلاق محفظة تنوع تعديني بجانب الذهب، تشمل إنتاج الكروم والنحاس والحديد والمعادن الصناعية (الجبس) والرصاص والفولورايت والملح: «بدأنا في عمل دراسات بهذا الشأن، ومنحنا بعض الشركات ترخيصاً، وننتظر اكتمال دراسات الجدوى ومن بعد ذلك الإنتاج».

المعادن الخضراء
على صعيد آخر كشف وزير المعادن السوداني، أن بلاده تقترب من التنقيب عن المعادن الخضراء وإنتاجها، في سبيل تقليل المنتجات ذات الانبعاثات الكربونية، والاتجاه نحو الطاقات البديلة، مشيراً إلى أن كل المعادن الخضراء متوافرة في السودان بما في ذلك «الكوبالت» و«الليثيوم» و«اليورانيوم» و«الألمونيوم»، حيث تعد مسار اهتمام واتجاه عالمي جاد للتخلص من الانبعاثات الكربونية.
وزاد: «نتفاوض مع شركات عالمية متخصصة للعمل في هذا النوع من التعدين، وأطلقنا أبحاثاً، وحددنا مواقع اختبار، وتم عمل مسوحات جيولوجية أكدت تواجد هذه المعادن بوفرة، وهي المعادن الحرجة أو المعادن الخضراء الـ4، غير أن مشكلتنا حالياً تتمحور في التمويل لإنتاج المعادن الخضراء».
وأضاف عبد الله: «فيما يتعلق بمعدن الليثيوم، نفذنا قبل مدة مأمورية جيولوجية في منطقة بشمال السودان، في صحراء بيوضة، وكذلك سعينا لإعادة تقييم معدن الكوبالت في مواقع معروفة لدينا، من حيث الكمية والنوعية، وبشأن معدن النحاس، هناك بعض الشركات تعمل في هذا المجال، ووصلت إلى مراحل متقدمة في مناطق معروفة بما فيها مناطق في البحر الأحمر».
وأوضح أن النيكل متوافر كمعدن مصاحب للمعادن الأخرى، مبيناً أن الدراسات بشأنه في طور تطوير وتقسيم الأبحاث للمعادن الأربعة، مشيراً إلى أنها متوافرة في السودان، والعالم كله متجه نحوها «الأمر الذي يعظم توجهنا لتحويل الطاقة من الطاقة التقليدية إلى الطاقة من المعادن الخضراء في توفراها بالسودان».

خريطة تعدين
قال وزير المعادن السودانية: «سنصدر قريباً ثلاث خرائط تعدين، بالاستعانة بالخبرة الروسية، وقطعنا شوطاً متقدماً، وانتهينا من المرحلة الثانية، ونتجه نحو المرحلة الثالثة وهي التعدين، وتشمل أولاً الخريطة الميتالوجية، وهي تحدد حجم المعادن في البلاد ونوعها، والعمل جارٍ حالياً عليها، بينما أطلقنا الخريطة الميتاهيدروجينية وهي تحدد حجم وأنواع المعادن في البلاد، ونعمل عليها حالياً في مرحلتها الأولى».
ووفق عبد الله، تم إطلاق خريطة جيولوجية للسودان كله «أنجزت ونعمل على تحديث بياناتها بشكل مستمر وفقاً لآخر مستجدات البحوث، أما الثانية فهي الخريطة المعدنية، حيث تعاقدنا مع شركة روسية، وأنجزت أيضاً غير أننا نعمل على تحديث مستجدات بياناتها، ونضيف معلومات جديدة».

خطة العمل
وحول خطة العمل التي تعمل عليها الحكومة، قال عبد الله: «نعظّم الإنتاج من خلال السيطرة على التعدين التقليدي، وتعظيم التعدين الحديث، والإحاطة بالمنتج، إذ نحتاج إلى مجهود كبير للإحاطة بالمنتج على مستوى البلاد»، مشيراً إلى حزمة جهود حالياً لتوفير التمويل والاستكشافات المحفزة للاستثمار والسياسات.
ولفت إلى أن الشركة «السودانية للمعادن»، تقوم بالرقابة وبتحصيل الرسوم الحكومية، مبيناً أن هناك شركات تعمل في مجال التعدين تسمى شركة (سودامين) وشركة أخرى وهي شركة حكومية منتجة تسمى شركة «أرياب»، بجانب شركة توزيع تم إنشاؤها العام الماضي، مهتمة بتوزيع الكوادر الفنية للتعدين وهي ستكون من الشركات السودانية المهمة التي ستقوم بتوفير العمالة الفنية للتعدين بقسميه العام والخاص على مستوى السودان.
وتابع: «الدولة تقوم حالياً بالأبحاث كافة ومعظمها قامت بها الدولة، بينما تتكئ على إرث تليد، وهو الهيئة الجيولوجية الأم، التي انبثقت منها هيئات المعادن والطاقة والبترول، إذ إنها عريقة جداً فقد تم إنشاؤها عام 1905، وهي من أقدم الهيئات البحثية على مستوى العالم».

تحديات
أقر وزير المعادن السوداني بعدة تحديات تواجه التعدين في بلاده، من بينها ضعف التمويل وضعف البنية التحتية والطاقة الكهربائية والطرق المعبّدة، غير أنه يرى أن أكبر التحديات هو بسط هيبة الدولة حتى تُحكم السيطرة على الانفلات الأمني وزرع الثقة في الاستثمار الأجنبي والشركات المنتجة، فضلاً عن سبل الإفلات من آثار العقوبات المفروضة على السودان.
وأضاف إلى التحديات القائمة، عدم الاستقرار السياسي وعدم استقرار سعر الصرف، مؤكداً في الوقت نفسه قوة ومرونة قانون الاستثمار السوداني، حيث أصبح نسخة أساسية لعدد من دول العالم، ولكن بعض الدول طورتها، مشيراً إلى أن السودان موعود بمستقبل كبير في مجال التعدين، في ظل مساعٍ جادة لتعزيز البنية التحتية وحشد التمويل وجذب الاستثمار للقطاع.
وأقرّ بأن التعدين التقليدي معرّض للتهريب، بسبب انتشاره في كل مناطق السودان، وأنهم موقّعون على اتفاقية عالمية للحد من الزئبق و«حالياً في طريقنا لإيقاف الزئبق بشكل نهائي، حيث نعمل على توفير بدائل، وفي تواصل مستمر مع شركات تعمل بتكنولوجيا بديلة للزئبق».
وقال وزير المعادن السوداني: «نسعى لتحجيم التعدين التقليدي وأن نجعله في حيز ضيق، وهناك إجراءات لتحويله إلى مجموعات تعدينية صغيرة، في حدود إنتاج لا تتجاوز الـ5 كيلو جرامات لتعزيز الرقابة، ونعمل حالياً على أن نقدم لهم تكنولوجيا حديثة، من بعض المنظمات ذات الصلة صديقة للبيئة».
ومع ذلك شدد على أن كل الإنتاج تسيطر عليه الدولة من خلال شركة وطنية تسمى (سودامين)، حيث تمتلك الحق الحصري في إدخال كل الخدمات المتصلة باستخلاص الذهب والمعادن.

التعدين التقليدي
إلى ذلك، أقرّ الوزير السوداني، بأن التعدين التقليدي في بلاده، يمثل أحد أكبر التحديات التي يواجهها القطاع بحكم أنه تعدين غير مسؤول ويتم بعشوائية مضرة بيئياً وصحياً، كاشفاً عن مساعٍ لتقنينه ومعالجات المشكلات التي نجمت عنه، بسبب التوسع الذي شهده على مستوى معظم مناطق السودان، ما صعّب السيطرة عليها والإحاطة بحجم الإنتاج الفعلي له.
وزاد: «التعدين التقليدي بشكل العشوائي، أفقد البلاد عوائد كبيرة، غير أننا نعمل حالياً على معالجة هذه الأشكال بوسيلتين أساسيتين، الأولى، حاولنا حصر التعدين التقليدي واستخراج تراخيص وهويات في إطار مجموعات تسمى (مجموعات تعاونية)، لتسهيل التعامل معها، إذ من خلالها نمنح أراضي ومساحات وتراخيص، بطريقة تمكننا من السيطرة على الإنتاج والقدرة على الرقابة المطلوبة».
وتابع: «المنحى الثاني، اتبعنا ما يسمى العقد الثلاثي، وهو يضم شركات الامتياز لمواجهة، مشكلة تعدي بعض المعدنيين التقليديين بالتغول على المساحات التي تعمل عليها هذه الشركات، ما ينجم عن ذلك صعوبة؛ ولذلك اتبعنا بالتنسيق مع الشركات العقد الثلاثي: أطرافه الحكومة وشركات الامتياز والمعدنيون التقليديون».
ولفت إلى أن الاتفاق مع التقليديين يقضي بتسليم الحجر المستخرج من المساحات الخاصة بالشركات المخصص لها المساحة، ومن ثم قيام الشركات باستخلاص المادة الحجرية، ومن ثم توزيع الإنتاج وفق الأسس المتفق عليها بين الأطراف، كإحدى المعالجات التي تسير حالياً بصورة طيبة، في هذا الاتجاه لتحسين خدمات الإنتاج التعديني.

نهب الثروات
على صعيد آخر، نفى وزير المعادن نفياً قاطعاً حدوث حالات نهب للثروات المعدنية السودانية خارج نطاق النظم والقوانين إلى خارج البلاد، مؤكداً أن ما تردده بعض وسائط السوشيال ميديا وبعض الصحف والأسافير عن تهريب ثروات بشكل منظم مجرد افتراء.
وأضاف عبد الله: «لا توجد شركة مسجلة لدينا يمكنها أن تنهب الثروات؛ لأن أي شركة تبلغ مرحلة الإنتاج يكون لدينا تجاهها مراقب مقيم في الموقع على مدار الساعة، وهناك كاميرات على مستوى المواقع والمصانع، وهناك ممثلون للوزارة وللشركة وللأمن، وكلهم مقيمون في المواقع».
ومع ذلك أقر الوزير السوداني بحدوث حالات تهريب للذهب إلى خارج البلاد، بعيداً عن عيون الحكومة والشركات المراقبة، مبيناً أن هذا غالباً ما يحدث بسبب انتشار التعدين التقليدي في معظم أنحاء البلاد وفي مناطق نائية، مؤكداً أن هذا التهريب يجد طريقه عبر بعض الحدود المفتوحة مع بعض دول الجوار.


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)

خريف الائتمان الخاص... هل تكرر «بنوك الظل» مأساة 2007؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

خريف الائتمان الخاص... هل تكرر «بنوك الظل» مأساة 2007؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تشهد الأسواق المالية العالمية حالة من الاستنفار مع ظهور تصدُّعات واضحة في قطاع الائتمان الخاص، وهي السوق التي طالما اعتُبرت «نظام ظل» بعيداً عن الرقابة الصارمة.

بدأت ملامح الأزمة تتبلور مع لجوء كبار مديري الأصول في العالم إلى تقييد عمليات السحب، مما أعاد إلى الأذهان ذكريات عام 2007 عندما بدأت صناديق الرهن العقاري في الولايات المتحدة بفرض قيود مماثلة قبل الانفجار الكبير للأزمة المالية العالمية. ورغم أن حجم سوق الائتمان الخاص حالياً يبلغ نحو تريليونَي دولار، وهو أقل بكثير من حجم سوق الرهن العقاري في 2007 الذي تجاوز 7 تريليونات دولار، غير أن الضبابية التي تلف هذا القطاع وتشابكه مع النظام المصرفي التقليدي ترفع من وتيرة القلق.

أزمة السيولة وتخبط الكبار

بدأت ملامح الضغط تظهر بوضوح عندما أعلنت شركة «بلاك روك»، أكبر مدير للأصول في العالم، وضع قيود على عمليات الاسترداد من أحد صناديق الديون الرئيسية لديها البالغ قيمته 26 مليار دولار، إثر قفزة مفاجئة في طلبات السحب.

شعار شركة «بلاك روك» ومعلومات التداول الخاصة بها معروضة على شاشة في بورصة نيويورك (رويترز)

ومع تسارع وتيرة الذعر، شهدت كواليس كبار مديري الأصول حالة من التخبط بين محاولات التهدئة والواقع المرير لنقص السيولة؛ ففي البداية، حاولت شركة «بلاكستون» احتواء الموقف عبر رفع سقف الاسترداد في صندوقها الضخم «BCRED» إلى 7 في المائة لتلبية طلبات السحب القياسية، بل وذهب كبار شركائها إلى ضخ 150 مليون دولار من أموالهم الخاصة لسد فجوة السيولة وتجنب فرض قيود قسرية. غير أن هذه الخطوة «الإسعافية» سرعان ما فقدت أثرها وتحولت إلى مصدر قلق إضافي عندما قامت «بلاك روك» باتخاذ إجراء صادم، حيث شطبت قيمة ديون ثانوية من قيمتها الكاملة إلى «صفر» في غضون ثلاثة أشهر فقط، معلنةً في الوقت ذاته فرض قيود صارمة على عمليات السحب بنسبة 5 في المائة رغم وصول طلبات الاسترداد إلى 9.3 في المائة.

شعار شركة «بلاكستون» في مانهاتن (رويترز)

هذا التضارب الصارخ بين محاولات «بلاكستون لشراء الوقت» بضخ السيولة، واعتراف «بلاك روك» بانهيار قيمة الأصول وشطبها تماماً، كان بمثابة «رصاصة الرحمة» التي كشفت للأسواق هشاشة التقييمات الورقية، وأكدت أن الأزمة لم تعد مجرد نقص في النقد، بل هي تآكل عميق في صلب الأصول الائتمانية، وهو ما أجبر شركات أخرى مثل «بلو أول» (Blue Owl) و«كليف ووتر» على تقييد السحب تباعاً.

نظرية «الصراصير»

لم تقتصر التحذيرات على خبراء الاستثمار، بل دخل الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، جيمي ديمون، على خط الأزمة ليطلق تحذيراً مدوياً وصفه المحللون بـ«توصيف اللحظة»، حيث استند إلى حكمة قديمة في الأسواق المالية قائلاً: «عندما ترى صرصاراً واحداً، فمن المرجح أن هناك الكثير غيره»؛ في إشارة واضحة إلى أن حالات الإفلاس والتعثر التي ظهرت في شركات مثل «تريكولور» لبيع السيارات و«فيرست براندز» ليست حوادث فردية، بل هي نذير بوجود عيوب هيكلية عميقة في قطاع الائتمان الخاص برمته.

الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان» جيمي ديمون خلال مشاركته في منتدى دافوس (رويترز)

ولم يتوقف «جي بي مورغان» عند حدود التحذير اللفظي، بل اتخذ خطوات عملية تعكس حجم التوجس، حيث بادر البنك إلى تخفيض القيمة التقديرية للقروض التي منحتها بعض صناديق الائتمان الخاص لشركات البرمجيات، وقام بتقليص خطوط الائتمان الممنوحة لتلك الصناديق.

هذه الخطوة من أكبر بنك في الولايات المتحدة كانت بمثابة اعتراف رسمي بأن المخاطر قد انتقلت بالفعل من «نظام الظل» لتطرق أبواب النظام المصرفي التقليدي، مما وضع ضغوطاً هائلة على مديري الأصول الذين يعتمدون على هذه الخطوط الائتمانية لتمويل عملياتهم اليومية.

فخ قطاع البرمجيات

أحد أكثر التفاصيل إثارة للقلق هو الانكشاف الهائل للصناديق على قطاع التكنولوجيا والبرمجيات. تشير البيانات إلى أن قروض البرمجيات تشكل ما يصل إلى 55 في المائة من بعض المحافظ الائتمانية.

ومع الثورة المفاجئة في الذكاء الاصطناعي، تغيرت قواعد اللعبة؛ حيث بدأت الأسواق تتساءل عن الجدوى الاقتصادية للعديد من شركات البرمجيات التقليدية التي اقترضت بمليارات الدولارات.

هذا الشك أدى إلى انهيار أسعار أسهم عمالقة الائتمان مثل «كي كي آر» و«أبولو» بنسبة تتراوح بين 30 في المائة إلى 45 في المائة.

المثير للدهشة أن معدلات التخلف عن السداد قفزت إلى مستوى قياسي بلغ 9.2 في المائة في عام 2025، ومع ذلك، لم تشمل هذه النسبة بعدُ قطاع البرمجيات بشكل كامل، مما يعني أن «موجة التعثر الكبرى» لم تأتِ بعد.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تسلل الأزمة للشرايين المصرفية

لم تعد الأزمة حبيسة صناديق الاستثمار، بل بدأت تظهر في الميزانيات العمومية للبنوك الكبرى. «دويتشه بنك» أصبح المثال الحي لهذا التداخل، حيث بلغت محفظته من الائتمان الخاص نحو 30 مليار دولار، وهو رقم ضخم يمثل 5 في المائة من إجمالي قروض البنك.

وتكمن الخطورة في أن هذه القروض مسجلة بـ«التكلفة المطفأة»، أي أنها لا تعكس القيمة السوقية الحقيقية المتدهورة.

الفساد وسوء الاكتتاب

تؤكد شركة «بيمكو» أن الأزمة الحالية ليست مجرد تقلبات سوق، بل هي نتيجة «اكتتاب سيئ للغاية» مبني على افتراضات واهمة بأن «الاحتياطي الفيدرالي» لن يرفع الفائدة أبداً.

والأخطر من ذلك هو ظهور تقارير عن حالات احتيال وتراخٍ تقني في فحص الضمانات والتدقيق في بيانات المقترضين. هذا الغموض جعل المستثمرين يفترضون أن «الفساد موجود في كل مكان»، مما أدى إلى انهيار الثقة تماماً، وهو ما يفسر تراجع سندات الائتمان عالي العائد (CLO) بنسبة 4.1 في المائة في شهر واحد فقط، بعد أن كانت تحقق مكاسب مستقرة.

تداعيات اجتماعية واقتصادية

ما يجعل هذه الأزمة «اجتماعية» بامتياز هو تورط المستثمرين الأفراد. لقد تم تسويق الائتمان الخاص لهؤلاء كبديل آمن ومدر للدخل، لترتفع حصتهم إلى 16.6 في المائة من السوق. اليوم، هؤلاء المستثمرون محاصرون داخل صناديق «مغلقة البوابات». وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، فإن هذا التدهور سيؤدي حتماً إلى «تضيق ائتماني»؛ حيث ستتوقف الصناديق عن الإقراض، وسترفع البنوك معاييرها، مما سيحرم آلاف الشركات المتوسطة من التمويل، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تقلبات حادة في أسعار الطاقة وشبح «الركود التضخمي».


«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكَّدت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى «إي +/إيه-1» (A+/A-1) مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرة إلى أن المملكة في وضع جيد ومتميز يسمح لها بتجاوز الصراع الدائر في الشرق الأوسط بفاعلية.

وأوضحت الوكالة في تقرير لها أن تأكيدها تصنيف المملكة الائتماني مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، «يعكس ثقتنا بقدرة المملكة العربية السعودية على تجاوز تداعيات النزاع الإقليمي الراهن. ويستند هذا التوقع إلى قدرتها على تحويل صادرات النفط إلى البحر الأحمر، والاستفادة من سعتها التخزينية النفطية الكبيرة، وزيادة إنتاج النفط بعد انتهاء النزاع. كما يعكس هذا التوقع ثقتنا بأن زخم النمو غير النفطي والإيرادات غير النفطية المرتبطة به، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق الاستثماري بما يتماشى مع (رؤية 2030)، من شأنه أن يدعم الاقتصاد والمسار المالي».

حصانة لوجيستية

وفي ظل تأكيدها على عدم وضوح الرؤية تجاه مسار حرب إيران، قالت الوكالة إن «السيناريو الأساسي الحالي يتلخص في أن التهديدات الرئيسية التي تواجه السعودية ستبدأ بالتلاشي بحلول نهاية مارس (آذار) مع بدء تراجع التوترات في المنطقة».

وتستند هذه الرؤية إلى الحصانة اللوجيستية التي تتمتع بها المملكة، والتي تمكنها من تحييد الآثار المترتبة على إغلاق الممرات البحرية؛ إذ يبرز خط أنابيب «شرق-غرب» بطول 1200 كيلومتر كبديل استراتيجي فائق الكفاءة، بقدرته على نقل نحو 5 ملايين برميل من الخام يومياً من منطقة بقيق في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مع احتمالية رفع هذه القدرة إلى 7 ملايين برميل يومياً، مما يضمن تدفق الصادرات نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية بعيداً عن تقلبات المضيق.

أضافت أن القدرة الاستيعابية الإجمالية لخط «شرق-غرب» توفر للمملكة «صمام أمان» لوجيستياً قادراً على امتصاص الصدمات وتخفيف حدة أي اضطرابات في الصادرات، حتى في حال امتدت فترة الإغلاق الفعلي للمضيق، مما يعزز من مرونة سلسلة الإمداد السعودية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية رغم الظروف الاستثنائية.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (موانئ)

الإنتاج والتخزين

ولا تتوقف عناصر القوة السعودية عند البدائل اللوجيستية، بل تمتد لتشمل استراتيجية إدارة الإنتاج والتخزين، وفق «ستاندرد آند بورز»؛ حيث تمتلك المملكة فائضاً إنتاجياً يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يومياً، بالإضافة إلى سعات تخزينية ضخمة تقارب 30 مليون برميل.

وأشارت إلى احتفاظ السعودية بقدرات تخزين وتكرير في الخارج، في آسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك في الشركات التابعة لشركة «أرامكو» (إس-أويل) في كوريا الجنوبية و«موتيفا» في الولايات المتحدة- وهو ما اعتبرته أمراً يمنح المملكة طبقة حماية إضافية تتيح لها تعويض أي نقص في الإمدادات فور انحسار الأعمال العدائية.

وعلى الصعيد المالي والاقتصادي، تتبنى الحكومة السعودية نهجاً يتسم بالبراغماتية والحرص على استدامة المالية العامة؛ إذ تعمل السلطات على مراجعة شاملة للأولويات الاقتصادية ومشاريع «رؤية 2030» لضمان مواءمتها مع المعطيات الراهنة.

ولفتت الوكالة إلى أن إن هذا التوجُّه، الذي يهدف إلى ضبط الإنفاق المالي دون التفريط في الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد، يعكس التزاماً راسخاً بحماية الموازنة العامة من الضغوط التضخمية التي قد يفرزها استمرار الصراع. وشدَّدت على أن تركيز المملكة على الإصلاحات الهيكلية يجعلها في وضع مالي واقتصادي قوي يتيح لها امتصاص الصدمات وتجاوز تبعات المرحلة الراهنة بأقل قدر من التأثير على مسارها التنموي المستقبلي.

رافعات مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (روسترز)

زخم غير نفطي

بجانب الدور المحوري لقطاع الطاقة، أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن التحول الهيكلي الذي يشهده الاقتصاد السعودي يمثل الركيزة الثانية لاستقرار التصنيف الائتماني، حيث يواصل النشاط غير النفطي نموه القوي ليشكل حالياً قرابة 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعاً بشكل ملموس من 65 في المائة في عام 2018. واعتبرت أن هذا الزخم الملحوظ في الأنشطة غير النفطية لا يعكس فقط توسعاً في القطاعات التقليدية، بل هو نتاج مباشر لبرامج «رؤية 2030» التي أحدثت نقلة نوعية في بيئة الأعمال؛ إذ تُسهم الاستثمارات الضخمة التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار سنوياً، في خلق قاعدة اقتصادية متنوعة لا ترتهن بتقلبات الأسواق العالمية للنفط، مما يوفر للمالية العامة تدفقات إيرادية أكثر استدامة وتنوعاً.

وأشارت الوكالة إلى أن هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن الإصلاحات الاجتماعية وسوق العمل، حيث ساهم الارتفاع الملحوظ في مشاركة المرأة في القوى العاملة في تعزيز الطلب المحلي ودعم مرونة الاستهلاك الخاص. ولفتت إلى أن هذا التطور في سوق العمل، إلى جانب نمو الائتمان وتزايد الدخل المتاح للأسر، يعمل كحائط صد يمتص الصدمات الخارجية ويحافظ على وتيرة النمو الاقتصادي رغم أي ضغوط جيوسياسية محتملة.

ورأت الوكالة في هذا المسار التنموي «فك ارتباط» تدريجي ومدروس، مدعوماً ببيئة تنظيمية جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، مما يجعل من الاقتصاد غير النفطي محركاً ذاتي الدفع لا يكتفي بدعم النمو فحسب، بل يرسخ الثقة في ملاءة المملكة وقدرتها على تحقيق التوازن المالي على المدى المتوسط والطويل، حتى في أكثر الظروف الإقليمية تحدياً.

آفاق النمو والتحول الهيكلي

توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن يواصل الاقتصاد السعودي مسار نموه رغم التحديات الإقليمية الراهنة، حيث تُقدر نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة خلال عام 2026، مع توقعات بمتوسط نمو يبلغ 3.3 في المائة للفترة ما بين 2027 و2029.

وأوضحت الوكالة في تقريرها بأنه على الرغم من الزيادة المتوقعة في الدين العام، فإنها تتوقع أن تحافظ المملكة على احتياطات مالية قوية، بالإضافة إلى ذلك، كانت المملكة قد بادرت - قبل حدوث التطورات الجيوسياسية الراهنة - في منح الأولوية لمشاريع التنويع المرتبطة برؤية السعودية 2030 لإدارة الخطط بشكل يتماشى مع الموارد المتاحة.

ومع إبقاء الحكومة الإنفاق الاجتماعي على رأس أولوياتها، رأت «ستاندرد آند بورز» أن إعادة تقييمها «المستمر لمشاريع الاستثمار، إلى جانب إصلاحات صناديق التقاعد، يُظهر التزامها باستدامة المالية العامة. ومن شأن ذلك أيضاً أن يُخفف من مخاطر نمو النشاط الاقتصادي بشكل مفرط، ويفتح المجال لانتعاش الاستثمار الأجنبي من مستوياته الراهنة».


مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
TT

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية حتى قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن الأسعار ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة في يناير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو مستوى يقل قليلاً عن الزيادة المسجلة في ديسمبر (كانون الأول). وجاء صدور هذا التقرير متأخراً بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي استمر 6 أسابيع خلال خريف العام الماضي، ما أدى إلى تراكم البيانات وتأجيل نشرها، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي بنسبة 3.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عامين.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.3 في المائة في يناير، بينما صعد التضخم الأساسي بنسبة 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو معدل، إذا استمر، قد يدفع التضخم إلى مستويات تتجاوز بكثير الهدف السنوي البالغ 2 في المائة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي.

لكن البيانات الاقتصادية طغت عليها تداعيات الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما عطّل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ بدء الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40 في المائة، بينما قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.60 دولار للغالون، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل شهر، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ويتوقع اقتصاديون أن يؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى زيادة ملموسة في معدلات التضخم خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

وفي ظل هذه التطورات، أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بهدف كبح التضخم عبر إبطاء وتيرة الاقتراض والإنفاق والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي صناع السياسات في البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل، في ظل المخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تغذية الضغوط التضخمية، ولو على المدى القصير.