مهرجان برلين السينمائي يعود بزخم وتنوّع

غيَّر لون الدب الألماني تحيَّة لأوكرانيا

من الفيلم الألماني «مشتعل»
من الفيلم الألماني «مشتعل»
TT

مهرجان برلين السينمائي يعود بزخم وتنوّع

من الفيلم الألماني «مشتعل»
من الفيلم الألماني «مشتعل»

بعد عامين عكسا أزمة مهرجان برلين مع نفسه والعالم، تنطلق الدورة الـ73 منه، ما بين 16 و26 من الشهر المقبل حاملة الوعد بالعودة إلى مكانته السابقة كأحد أهم ثلاثة مهرجانات دولية إلى جانب كل من «فينيسيا» و«برلين».
في عام 2020 اضطر المهرجان إلى إغلاق أبوابه والاتكال على العروض الإلكترونية بديلاً. في عام 2021 عاد للعروض الفعلية، لكن على نحو غير متكامل ولا يشبه ما كان عليه وضعه في السنوات السابقة لوباء «كورونا» ومشتقاته.
جهد المهرجان العام الحالي لتفعيل نشاطاته على نحو كامل: 18 فيلماً في المسابقة، مئات المدعوين بأفلامهم في جميع الأقسام المعهودة وفوقها تظاهرتان جديدتان. سوق أوروبية واسعة ولجنة تحكيم بقيادة الممثلة كريستين ستيوارت.
هذا إلى جانب انغماسه في السياسة عبر محورين: هناك وقفتا تضامن، واحدة مع أوكرانيا، والثانية مع إيران. الأولى تحمل في طيّاتها فيلماً من إخراج الأميركي شون بن بعنوان «سوبرباور». جلس بن والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وأجرى معه حواراً مصوّراً ومدعوماً بمشاهد للحياة تحت القصف وبموقف الممثل - المخرج حولها.

شون بن يجالس زيلينسكي في «سوبرباور»

لا يُخفى أن بن كان أول هوليوودي أعلن تأييده لأوكرانيا في هذه المواجهة، وعليه وُضع على القائمة الروسية السوداء.
بعده توالى المهتمّون فزارت كل من أنجلينا جولي وجيسيكا شستين (كل منفردة)، العاصمة كييف للقاء مع زيلينسكي، وجمع الممثل ليف شرايبر (المولود في أوكرانيا) 30 مليون دولار للمساعدات الإنسانية. كذلك أعلن الممثل الكوميدي بن ستيلر تأييده السياسي لحاكم كييف.
تأييد المهرجان المطلق لأوكرانيا يتبدّى بتغيير لون الدب الألماني، الذي داوم المهرجان على إعلانه شعاراً منذ بداياته في الخمسينات، من اللون الأزرق كاملاً إلى اللونين الأزرق (النصف الأعلى) والأصفر تشابهاً مع اللون الأوكراني.

الفيلم الياباني «سوزومي» مشاركاً

رقعة كبيرة
وقفة عند هذا الحد تذكرنا بأن المهرجان في معظم سنواته السابقة لم يتأخر عن احتواء السياسة في عصب تأسيسه. سنة 1951 كانت الحرب العالمية انتهت قبل سنوات قليلة. ألمانيا منقسمة. أوروبا تداوي جروحها أيضاً، كان كل من مهرجان «فينيسيا» ومهرجان «كان» انطلق قبل سنوات. «فينيسيا» الذي سبق الحرب العالمية الثانية ببضع سنوات، ومن ثم «كان» الذي تلاها ببضع سنوات.
كلاهما كان قراراً سياسياً، فالمهرجان الإيطالي سار قبيل الحرب، وخلالها، في ركب سياسة الدولة الإيطالية وانتخب أفلامه من الدول الحليفة ومنع عنه أفلام الدول المعادية ومن بينها فرنسا، مما دفع الحكومة لإطلاق مهرجان مضاد يشتغل على رقعة أكبر وكل هذا قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، وتقويم المهرجانين اتجاههما بحيث ما عادت هناك أهمية إلا لمنافسة شريفة وخالية من السياسة استمرت حتى يومنا هذا.
«برلين» يدخل في الصلب، من حيث إنه البلد الذي خرج جريحاً من الحرب والنية كانت، آنذاك، المشاركة في تعافي السينما الألمانية والصورة الألمانية كذلك. أريد له أن يكون منبراً مفتوحاً من دون أن يعني ذلك نبذ السياسة. الموقف الذي ارتاح إليه المهرجان الألماني هو أن يتوسط الشرق الأوروبي وغربه (حينها كانت أوروبا انقسمت إلى شرق وغرب)، وهذا التوسط كان فاعلاً بحيث إن المعسكرين (الشرقي والغربي) استخدماه لنشر الآيديولوجيات طوال السنوات التي سبقت توحيد ألمانيا.
في السنوات الثلاثين الأخيرة دفع المهرجان حثيثاً باتجاه التوسع والانتقال من الخانة الثالثة بعد «كان» و«فينيسيا» إلى الأولى أو الثانية. ما نجح فيه هو تشديد دوره وحضوره كضلع ثالث في هذا المثل، بحيث إن نجاح أي ضلع منه يتوقف على عدد الأفلام المهمّة، والمخرجين الكبار الذي يستطيع كل منهم تأمينه.
الحاصل العام الحالي، هو العودة لهذه السنوات النضرة، والتأكيد على دور المهرجان ونشاطه في الحياة السينمائية.

أفلام ودول
للإحاطة بهذا الجانب، فإن أفلام المسابقة تتضمن أفلاماً من الولايات المتحدة (بعدد محدود داخل المسابقة وخارجها) ومن كوريا الجنوبية، وإسبانيا، وإيطاليا، واليابان، وفرنسا، وبالطبع ألمانيا (لجانب التظاهرة الخاصة بالأفلام الألمانية الجديدة ككل سنة).
هناك، كما تقدم، 18 فيلماً في المسابقة من بينها 15 فيلماً تشهد عرضها العالمي الأول. من بينها كذلك 6 أفلام من إخراج نساء، ومن بين المخرجين جميعاً يوجد 11 سبقاً لهم، وإن ترددوا على المهرجان الألماني سابقاً. 8 من هؤلاء سيعرضون أفلامهم في المسابقة والباقي خارج المسابقة.
3 من المخرجين المشتركين في المسابقة يقدّمون أولى أعمالهم.
فيلم الافتتاح سيكون للمخرجة ريبيكا ميلر «هي التي جاءت إليّ» (She Came to Me) الذي سيعرض خارج المسابقة، وهو من بطولة بيتر دنكلاج، وماريسا توماي، وآنا هاذاواي.

الأوسكار... العنصر الخفي
> مسعى المهرجان الألماني لاسترداد مكانته قد يكلَّل بالنجاح إذا ما ارتفعت أفلامه داخل المسابقة (خصوصاً) إلى مستوى لا يمكن معه إلا اعتبار الدورة ناجحة من دون استثناءات تُذكر. لكن هناك عنصراً خفياً يعمل ضد هذا المهرجان في وسط عالم ما عادت تحكمه النجاحات الفنية على النحو الذي كان الأمر عليه قبل ولولوجنا العقدين السابقين من هذا القرن.
إنه عنصر «الأوسكار» الذي يستند إليه مهرجانا «كان» و«فينيسيا» للتأكيد على دورهما الفاعل في ترويج السينما. فالفيلم الواصل إلى سدّة الأوسكار (كما هي حالة «مثلث الحزن» الذي ربح ذهبية «كان» في العام الماضي ودخل ترشيحات الأوسكار العام الحالي) يشجّع المنتجين والمخرجين على اعتماد هذين المهرجانين سبيلاً لوضع قدم لأفلامهم في السوق الأميركية ودخول المسابقة السنوية الكبرى.
ما لا يستطيع «برلين» توفيره على نحو دائم هو التأكيد على أن أفلامه (أو بعضها بالأحرى) تستطيع دخول السباق الأميركي الكبير؛ هذا بسبب أن المدة التي تفصل بين «برلين» و«الأوسكار» تبلغ نحو سنة كاملة، في حين أنها بين «كان» و«الأوسكار» تبلغ نحو 8 أشهر، وبين «فينيسيا» و«الأوسكار» نحو 4 أشهر ونيف.

أفلام المسابقة تتوزع حسب بلدانها على النحو التالي:

فرنسا
< «ديسكو بوغ»
(Disco Boy)
لجياكومو أبروتزيزي
< «المحراث»
(The Plough)
لفيليب غارل
ألمانيا

< «مشتعل» (Afire) لكريستيان بيتزولد
< «رحلة إلى الصحراء» (Journey into the Desert) لمارغريت فون تروتا
< «يوماً ما سنخبر بعضنا كل شيء»
(Someday We‪›‬ll Tell Each Other Everything) < لأنيلي عاطف‬
«حتى نهاية الليل»
(Till the End on the Night)
لكريستوف هوشباوزلر

فرنسا ـ ألمانيا
< «موسيقى» (Music) لأنجيلا شانيلك.
< «إصرار» (Adamant) لنيكولاس فيلبرت

اليابان
< «سوزومي» (Suzume) لماكوتو شنكاي

المكسيك
< «توتم» (Totem)
ليلى أفيليس.
الصين
< «البرج الذي لا ظل له»
(The Shadowless Tower) لجانغ لو

إسبانيا
< «20 ألف فصيل
من النحل»
(20. 000Species of Bees) لاستباليتز سولاغورن.

كندا
< «توت أسود»
(Black Berry)
لمات جونسون

أستراليا
< «فراغ» (Limbo)
لإيفان سن.
< «ديمومة الطيبة»
(The Survial of
Kindness)
لرولف د هير
البرتغال
< «عيش سيىء»
(Bad Living)
لخاو كانيو
بريطانيا
< «مانددروم»
(Manodrome)
لجون ترنغوف
الولايات المتحدة
< «حيوات سابقة»
(Past Lives)


مقالات ذات صلة

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز