مهرجان برلين السينمائي يعود بزخم وتنوّع

غيَّر لون الدب الألماني تحيَّة لأوكرانيا

من الفيلم الألماني «مشتعل»
من الفيلم الألماني «مشتعل»
TT

مهرجان برلين السينمائي يعود بزخم وتنوّع

من الفيلم الألماني «مشتعل»
من الفيلم الألماني «مشتعل»

بعد عامين عكسا أزمة مهرجان برلين مع نفسه والعالم، تنطلق الدورة الـ73 منه، ما بين 16 و26 من الشهر المقبل حاملة الوعد بالعودة إلى مكانته السابقة كأحد أهم ثلاثة مهرجانات دولية إلى جانب كل من «فينيسيا» و«برلين».
في عام 2020 اضطر المهرجان إلى إغلاق أبوابه والاتكال على العروض الإلكترونية بديلاً. في عام 2021 عاد للعروض الفعلية، لكن على نحو غير متكامل ولا يشبه ما كان عليه وضعه في السنوات السابقة لوباء «كورونا» ومشتقاته.
جهد المهرجان العام الحالي لتفعيل نشاطاته على نحو كامل: 18 فيلماً في المسابقة، مئات المدعوين بأفلامهم في جميع الأقسام المعهودة وفوقها تظاهرتان جديدتان. سوق أوروبية واسعة ولجنة تحكيم بقيادة الممثلة كريستين ستيوارت.
هذا إلى جانب انغماسه في السياسة عبر محورين: هناك وقفتا تضامن، واحدة مع أوكرانيا، والثانية مع إيران. الأولى تحمل في طيّاتها فيلماً من إخراج الأميركي شون بن بعنوان «سوبرباور». جلس بن والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وأجرى معه حواراً مصوّراً ومدعوماً بمشاهد للحياة تحت القصف وبموقف الممثل - المخرج حولها.

شون بن يجالس زيلينسكي في «سوبرباور»

لا يُخفى أن بن كان أول هوليوودي أعلن تأييده لأوكرانيا في هذه المواجهة، وعليه وُضع على القائمة الروسية السوداء.
بعده توالى المهتمّون فزارت كل من أنجلينا جولي وجيسيكا شستين (كل منفردة)، العاصمة كييف للقاء مع زيلينسكي، وجمع الممثل ليف شرايبر (المولود في أوكرانيا) 30 مليون دولار للمساعدات الإنسانية. كذلك أعلن الممثل الكوميدي بن ستيلر تأييده السياسي لحاكم كييف.
تأييد المهرجان المطلق لأوكرانيا يتبدّى بتغيير لون الدب الألماني، الذي داوم المهرجان على إعلانه شعاراً منذ بداياته في الخمسينات، من اللون الأزرق كاملاً إلى اللونين الأزرق (النصف الأعلى) والأصفر تشابهاً مع اللون الأوكراني.

الفيلم الياباني «سوزومي» مشاركاً

رقعة كبيرة
وقفة عند هذا الحد تذكرنا بأن المهرجان في معظم سنواته السابقة لم يتأخر عن احتواء السياسة في عصب تأسيسه. سنة 1951 كانت الحرب العالمية انتهت قبل سنوات قليلة. ألمانيا منقسمة. أوروبا تداوي جروحها أيضاً، كان كل من مهرجان «فينيسيا» ومهرجان «كان» انطلق قبل سنوات. «فينيسيا» الذي سبق الحرب العالمية الثانية ببضع سنوات، ومن ثم «كان» الذي تلاها ببضع سنوات.
كلاهما كان قراراً سياسياً، فالمهرجان الإيطالي سار قبيل الحرب، وخلالها، في ركب سياسة الدولة الإيطالية وانتخب أفلامه من الدول الحليفة ومنع عنه أفلام الدول المعادية ومن بينها فرنسا، مما دفع الحكومة لإطلاق مهرجان مضاد يشتغل على رقعة أكبر وكل هذا قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، وتقويم المهرجانين اتجاههما بحيث ما عادت هناك أهمية إلا لمنافسة شريفة وخالية من السياسة استمرت حتى يومنا هذا.
«برلين» يدخل في الصلب، من حيث إنه البلد الذي خرج جريحاً من الحرب والنية كانت، آنذاك، المشاركة في تعافي السينما الألمانية والصورة الألمانية كذلك. أريد له أن يكون منبراً مفتوحاً من دون أن يعني ذلك نبذ السياسة. الموقف الذي ارتاح إليه المهرجان الألماني هو أن يتوسط الشرق الأوروبي وغربه (حينها كانت أوروبا انقسمت إلى شرق وغرب)، وهذا التوسط كان فاعلاً بحيث إن المعسكرين (الشرقي والغربي) استخدماه لنشر الآيديولوجيات طوال السنوات التي سبقت توحيد ألمانيا.
في السنوات الثلاثين الأخيرة دفع المهرجان حثيثاً باتجاه التوسع والانتقال من الخانة الثالثة بعد «كان» و«فينيسيا» إلى الأولى أو الثانية. ما نجح فيه هو تشديد دوره وحضوره كضلع ثالث في هذا المثل، بحيث إن نجاح أي ضلع منه يتوقف على عدد الأفلام المهمّة، والمخرجين الكبار الذي يستطيع كل منهم تأمينه.
الحاصل العام الحالي، هو العودة لهذه السنوات النضرة، والتأكيد على دور المهرجان ونشاطه في الحياة السينمائية.

أفلام ودول
للإحاطة بهذا الجانب، فإن أفلام المسابقة تتضمن أفلاماً من الولايات المتحدة (بعدد محدود داخل المسابقة وخارجها) ومن كوريا الجنوبية، وإسبانيا، وإيطاليا، واليابان، وفرنسا، وبالطبع ألمانيا (لجانب التظاهرة الخاصة بالأفلام الألمانية الجديدة ككل سنة).
هناك، كما تقدم، 18 فيلماً في المسابقة من بينها 15 فيلماً تشهد عرضها العالمي الأول. من بينها كذلك 6 أفلام من إخراج نساء، ومن بين المخرجين جميعاً يوجد 11 سبقاً لهم، وإن ترددوا على المهرجان الألماني سابقاً. 8 من هؤلاء سيعرضون أفلامهم في المسابقة والباقي خارج المسابقة.
3 من المخرجين المشتركين في المسابقة يقدّمون أولى أعمالهم.
فيلم الافتتاح سيكون للمخرجة ريبيكا ميلر «هي التي جاءت إليّ» (She Came to Me) الذي سيعرض خارج المسابقة، وهو من بطولة بيتر دنكلاج، وماريسا توماي، وآنا هاذاواي.

الأوسكار... العنصر الخفي
> مسعى المهرجان الألماني لاسترداد مكانته قد يكلَّل بالنجاح إذا ما ارتفعت أفلامه داخل المسابقة (خصوصاً) إلى مستوى لا يمكن معه إلا اعتبار الدورة ناجحة من دون استثناءات تُذكر. لكن هناك عنصراً خفياً يعمل ضد هذا المهرجان في وسط عالم ما عادت تحكمه النجاحات الفنية على النحو الذي كان الأمر عليه قبل ولولوجنا العقدين السابقين من هذا القرن.
إنه عنصر «الأوسكار» الذي يستند إليه مهرجانا «كان» و«فينيسيا» للتأكيد على دورهما الفاعل في ترويج السينما. فالفيلم الواصل إلى سدّة الأوسكار (كما هي حالة «مثلث الحزن» الذي ربح ذهبية «كان» في العام الماضي ودخل ترشيحات الأوسكار العام الحالي) يشجّع المنتجين والمخرجين على اعتماد هذين المهرجانين سبيلاً لوضع قدم لأفلامهم في السوق الأميركية ودخول المسابقة السنوية الكبرى.
ما لا يستطيع «برلين» توفيره على نحو دائم هو التأكيد على أن أفلامه (أو بعضها بالأحرى) تستطيع دخول السباق الأميركي الكبير؛ هذا بسبب أن المدة التي تفصل بين «برلين» و«الأوسكار» تبلغ نحو سنة كاملة، في حين أنها بين «كان» و«الأوسكار» تبلغ نحو 8 أشهر، وبين «فينيسيا» و«الأوسكار» نحو 4 أشهر ونيف.

أفلام المسابقة تتوزع حسب بلدانها على النحو التالي:

فرنسا
< «ديسكو بوغ»
(Disco Boy)
لجياكومو أبروتزيزي
< «المحراث»
(The Plough)
لفيليب غارل
ألمانيا

< «مشتعل» (Afire) لكريستيان بيتزولد
< «رحلة إلى الصحراء» (Journey into the Desert) لمارغريت فون تروتا
< «يوماً ما سنخبر بعضنا كل شيء»
(Someday We‪›‬ll Tell Each Other Everything) < لأنيلي عاطف‬
«حتى نهاية الليل»
(Till the End on the Night)
لكريستوف هوشباوزلر

فرنسا ـ ألمانيا
< «موسيقى» (Music) لأنجيلا شانيلك.
< «إصرار» (Adamant) لنيكولاس فيلبرت

اليابان
< «سوزومي» (Suzume) لماكوتو شنكاي

المكسيك
< «توتم» (Totem)
ليلى أفيليس.
الصين
< «البرج الذي لا ظل له»
(The Shadowless Tower) لجانغ لو

إسبانيا
< «20 ألف فصيل
من النحل»
(20. 000Species of Bees) لاستباليتز سولاغورن.

كندا
< «توت أسود»
(Black Berry)
لمات جونسون

أستراليا
< «فراغ» (Limbo)
لإيفان سن.
< «ديمومة الطيبة»
(The Survial of
Kindness)
لرولف د هير
البرتغال
< «عيش سيىء»
(Bad Living)
لخاو كانيو
بريطانيا
< «مانددروم»
(Manodrome)
لجون ترنغوف
الولايات المتحدة
< «حيوات سابقة»
(Past Lives)


مقالات ذات صلة

«مطلوب عائلياً»... عودة «غير مقنعة» لكريم عبد العزيز إلى الكوميديا

يوميات الشرق كريم مع صناع الفيلم على السجادة الحمراء (الشركة المنتجة)

«مطلوب عائلياً»... عودة «غير مقنعة» لكريم عبد العزيز إلى الكوميديا

يعود الفنان المصري كريم عبد العزيز إلى الكوميديا الاجتماعية عبر فيلمه الجديد «مطلوب عائلياً».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «سما» لرباب خميس (إدارة مهرجان الدوحة السينمائي)

مهرجان «الدوحة» يحتفي بالسينما المستقلة وقصص المهمَّشين

أعلن مهرجان «الدوحة السينمائي» قائمة أفلام «المسابقة الدولية»، التي ستشهد تنافس 15 فيلماً، حظي 11 منها بدعم «برنامج المنح» التابع لـ«مؤسسة الدوحة للأفلام».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق بيرس بروسنان وجوني ديب وأدريان برودي وأنتوني هوبكنز برعوا في الرسم كما في التمثيل

جوني ديب يبيع لوحاته بالملايين وأنتوني هوبكنز يرسم ليشفى... ممثّلون من أمام الكاميرا إلى أمام اللوحة

من أنتوني هوبكنز إلى سيلفستر ستالون مروراً بجوني ديب وغيرهم... نجوم هوليوود يفجّرون مواهب خفيّة بالريشة والألوان.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

اختارت السعودية الفيلم الروائي «مسألة حياة أو موت» لتمثيلها رسمياً في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم دولي خلال الدورة 99 في خطوة تعزز حضور سينما المملكة دولياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يشكل المنتدى منصة تجمع المستثمرين وصناع الأفلام (هيئة الأفلام)

«منتدى الأفلام السعودي» يعود إلى الرياض أواخر أكتوبر

تنطلق النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي يومي 28 و29 أكتوبر في استوديوهات جاكس للأفلام بالرياض، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان


«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.