هجوم روسي جديد ضد منشآت الطاقة الأوكرانية

كييف تقول إنها أسقطت معظم الصواريخ و«المسيّرات الإيرانية»

أوكرانيون يحتمون في محطة لقطارات الأنفاق بكييف (رويترز)
أوكرانيون يحتمون في محطة لقطارات الأنفاق بكييف (رويترز)
TT

هجوم روسي جديد ضد منشآت الطاقة الأوكرانية

أوكرانيون يحتمون في محطة لقطارات الأنفاق بكييف (رويترز)
أوكرانيون يحتمون في محطة لقطارات الأنفاق بكييف (رويترز)

شنت روسيا أحدث هجوم جوي لها على معظم المناطق الأوكرانية، خصوصاً العاصمة كييف ومدينة أوديسا، خلال ساعة الذروة صباح أمس الخميس، وجرى تفعيل صافرات الإنذار من الغارات الجوية. ويأتي الهجوم صباح الخميس غداة تعهد حلفاء أوكرانيا الغربيين، بما فيهم ألمانيا والولايات المتحدة، تزويد كييف بدبابات حديثة. وبعد ساعات على إعلان برلين وواشنطن موافقتهما على إرسال دبابات ثقيلة متطورة إلى كييف، قالت نائبة وزير الدفاع الأوكرانية غانا ماليار عبر تطبيق تليغرام إنّ «المعارك تحتدم» في محيط باخموت التي تحاول القوات الروسية منذ أشهر السيطرة عليها، وكذلك أيضاً في محيط فوغليدار، المدينة الواقعة جنوب غربي دونيتسك.
وطلب مسؤولون أوكرانيون من السكان الاحتماء في الملاجئ، بينما أسقطت قوات الدفاع الجوي معظم الصواريخ و«مسيّرات إيرانية الصنع»، حسب بيانات الجيش الأوكراني. وقال الناطق باسم الجيش يوري إيغنات: «أقلعت ستّ قاذفات من طراز تو - 95 من منطقة مورمانسك (الروسية) وأطلقت صواريخ. نتوقّع أكثر من 30 صاروخاً بدأ بعضها يظهر في مناطق مختلفة». وأُسقط 15 صاروخاً منها على الأقلّ. وأشار حكّام مناطق إلى تشغيل أنظمة الدفاع المضادة للطائرات. وكان سلاح الجو الأوكراني قد أعلن في وقت سابق إسقاط مجموعة مسيّرات هجومية إيرانية الصنع أطلقتها القوات الروسية من بحر آزوف بجنوب أوكرانيا. وقال سلاح الجو الأوكراني في بيان على تليغرام: «أُطلقت طائرات من دون طيار من الساحل الشرقي لبحر آزوف. بحسب المعلومات الأولية، استخدم العدو 24 مسيّرة شاهد (إيرانية الصنع). دُمّرت جميعها».
وقال جنرال أوكراني كبير إن الدفاعات الجوية لبلاده أسقطت 47 من 55 صاروخاً أطلقتها روسيا صوب أوكرانيا أمس الخميس. وأضاف الجنرال فاليري زالوجني عبر قناته على تليغرام أن موسكو استخدمت الصاروخ كينجال كيه إتش - 47 الأسرع من الصوت وصواريخ أخرى. وذكر أن 20 من الصواريخ التي أطلقتها موسكو أُسقطت حول منطقة العاصمة كييف. وقتل 11 شخصاً على الأقل وأصيب 11 آخرون، وفق ما أفادت أجهزة الإسعاف الأوكرانية. وقال المتحدث باسم أجهزة الإسعاف أولكسندر خورونيغي للتلفزيون الأوكراني: «أصيب 11 شخصا وقضى 11 آخرون للأسف»، موضحاً أن الضربات استهدفت 11 منطقة.

بقايا صاروخ كروز أسقط في منطقة العاصمة كييف (رويترز)

وأعلن فيتالي كيم حاكم منطقة ميكولايف عبر تطبيق المراسلة تليغرام رصد صاروخين روسيين فوق المنطقة. وقال: «الصواريخ تحلق داخل الأراضي الأوكرانية. اثنان على الأقل (متجهان) إلى الشمال الغربي عبر منطقة ميكولايف». ودوت الإنذارات من الغارات الجوية في جميع أنحاء البلاد، بينما كان الناس يتجهون إلى أعمالهم. وفي العاصمة، احتمى الناس في محطة لقطارات الأنفاق، وجلس بعضهم على بطانيات ومقاعد بلاستيكية صغيرة. وقال أندريه يرماك مدير مكتب الرئيس الأوكراني: «تم إسقاط أول صاروخ من الصواريخ الروسية».
وكتبت الإدارة العسكرية لمنطقة أوديسا على تليغرام «هناك معلومات بالفعل عن الأضرار التي لحقت بمنشأتين حيويتين بالبنية التحتية للطاقة» في المنطقة، مضيفة أنه لم تقع إصابات في تلك الهجمات.
قال حاكم منطقة ميكوليف في جنوب أوكرانيا، عبر تطبيق تليغرام، إنه يتم إطلاق صواريخ روسية باتجاه أوكرانيا، بحسب وكالة «بلومبرغ». وبشكل منفصل، قال رئيس الإدارة العسكرية في كريفي ريه بوسط أوكرانيا عبر تليغرام أيضا، إن هناك تهديداً «حقيقياً» بشن ضربة صاروخية روسية.
وتستهدف روسيا البنية التحتية المهمة في أوكرانيا بضربات صاروخية وطائرات مسيرة منذ أكتوبر (تشرين الأول)، مما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي على نطاق واسع. وقالت شركة الكهرباء «دي تي إي كيه» إنها تنفذ قطعاً طارئاً للطاقة الكهربائية في العاصمة وبقية منطقة كييف، وكذلك في منطقتي أوديسا ودنيبروبتروفسك بسبب خطر الهجوم صاروخي. وقال الجيش الأوكراني الليلة الماضية إن دفاعاته المضادة للطائرات أسقطت جميع الطائرات الروسية المسيرة البالغ عددها 24 التي أُطلقت في هجوم. وتم إسقاط 15 من هذه الطائرات المسيرة حول العاصمة كييف، حيث لم ترد تقارير عن وقوع أي أضرار.
قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن القوات الروسية تهاجم بلاده من دون النظر للخسائر البشرية. واعترف زيلينسكي في حوار مع شبكة سكاي نيوز البريطانية في بثها باللغة الأوكرانية والإنجليزية أن القوات الأوكرانية تواجه ضغطاً في منطقة زابوريجيا في جنوب البلاد بالإضافة إلى الشرق. وأضاف «أنه مجرد رقم غير عادي. فهم لا يهتمون. أعني، فهم لا يحصون أفرادهم... ولكن وفقاً لما رأينا وأحصيناه، هناك الآلاف من القتلى من جانبهم، هم فقط يقومون بإلقائهم والاستمرار في ذلك».
وقال زيلينسكي في خطابه الليلي عبر الفيديو، الأربعاء: «المهم الآن هو السرعة والأعداد. السرعة في تدريب قواتنا، والسرعة في إمداد أوكرانيا بالدبابات. وأعداد الدبابات». وأضاف «علينا أن نشكل ما يشبه (قبضة من الدبابات) لتكون (قبضة الحرية)». وقال زيلينسكي إنه تحدث إلى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، وطلب صواريخ بعيدة المدى وطائرات.
وجدد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، رفضه للمفاوضات مع روسيا قبل انسحاب القوات الروسية. وقال زيلينسكي في المقابلة مع محطة سكاي نيوز إن المحادثات لن تكون ممكنة إلا إذا سحبت روسيا جنودها، واعترفت بخطئها، وتم تشكيل حكومة جديدة في موسكو. وكان الرئيس الأوكراني قد حظر بالفعل المفاوضات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بموجب مرسوم وقعه في نهاية سبتمبر (أيلول). وشدد زيلينسكي على أن لقاء بوتين لا معنى له، وقال بالإنجليزية: «هذا ليس أمراً مهماً بالنسبة لي، لست مهتماً بالاجتماع، ولست مهتماً بالحديث». وتابع بالقول: «هم لا يريدون إجراء محادثات، وكانت هذه هي الحال حتى قبل الغزو، الرئيس بوتين هو من قرر ذلك». وقال زيلينسكي، إنه مقتنع بأن أوكرانيا ليست سوى الخطوة الأولى لبوتين، وأشار إلى أنه قبل الحرب كانت هناك اجتماعات مع الرئيس الروسي. وأضاف زيلينسكي «رأيت رجلاً يقول شيئاً ثم يفعل شيئاً آخر».
وتدور بعض أعنف المعارك حالياً حول باخموت، وهي مدينة في شرق أوكرانيا كان يقطنها 70 ألف شخص قبل الحرب. وقال الجيش الأوكراني إن روسيا تهاجم «بهدف الاستيلاء على منطقة دونيتسك بأكملها، بغض النظر عن خسائرها». وقال حاكم دونيتسك، المعين من جانب روسيا الأربعاء، إن «وحدات من المقاتلين التابعين لشركة فاغنر الروسية الخاصة تتقدم داخل باخموت، فيما يدور قتال على الأطراف وفي الأحياء التي سيطرت عليها أوكرانيا في الآونة الأخيرة». لكن معهد دراسات الحرب، وهو مؤسسة لا تهدف للربح مقرها الولايات المتحدة، قال إن الهجمات على باخموت تعطلت فيما يبدو، حيث وجهت روسيا قواتها التقليدية إلى الشمال في محاولة لاستكمال الهيمنة على منطقة لوغانسك الأوكرانية.


مقالات ذات صلة

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطاً للنفط

أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (أ.ف.ب) p-circle

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطاً للنفط

أعلنت المجر أنها لن تصادق على حزمة العقوبات الـ20 التي يعتزم الاتحاد الأوروبي فرضها على روسيا، ما لم تُعِد كييف فتح خط أنابيب نفط رئيسي يزوّد البلاد بالنفط.

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا جندي أوكراني يُطلق طائرة استطلاع متوسطة المدى من طراز «فيكتور» للتحليق فوق مواقع القوات الروسية بالقرب من بلدة باخموت في منطقة دونيتسك (أرشيفية - رويترز)

مطارات في موسكو تقيد الرحلات الجوية وسط هجوم بطائرات مسيرة

فرضت أربعة مطارات في موسكو قيوداً على الرحلات الجوية لأسباب أمنية.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
أوروبا البابا ليو الرابع عشر (أ.ب)

البابا ليو: السلام في أوكرانيا «لا يمكن تأجيله»

قال البابا ليو الرابع عشر، في خطاب ألقاه يوم الأحد قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي، إن السلام في أوكرانيا «ضرورة ملحة».

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا تظهر هذه الصورة التي التقطها ونشرها المكتب الصحافي لـ«اللواء الآلي 65» التابع للقوات المسلحة الأوكرانية يوم 20 فبراير 2026 عناصر إنفاذ القانون الأوكرانيين وهم يقفون بين الأنقاض أمام مبنى سكني متضرر عقب غارة جوية في كوميشوفاخا بمنطقة زابوريجيا (أ.ف.ب) p-circle

انقطاع الكهرباء في زابوريجيا بعد هجوم أوكراني على بنى تحتية للطاقة

قال مسؤول عيَّنته روسيا، اليوم (الأحد)، إن الجزء الخاضع لسيطرة موسكو من منطقة زابوريجيا الأوكرانية يعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي بعد هجوم أوكراني.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز) p-circle

روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

سُمِع دوي انفجارات، صباح الأحد، في العاصمة الأوكرانية كييف، بعدما كانت السلطات حذّرت من خطر هجوم بصواريخ باليستية، قبل يومين من الذكرى السنوية الـ4 للغزو الروسي

«الشرق الأوسط» (كييف)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended