معضلة جديدة أمام واشنطن وموسكو... لا سلام في أوكرانيا من دون أوروبا

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)
جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

معضلة جديدة أمام واشنطن وموسكو... لا سلام في أوكرانيا من دون أوروبا

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)
جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

كان الكثيرون في أوروبا، وربما لا يزال بعضهم كذلك، يشعرون بالذعر من احتمال توصل الرئيسين الأميركي، دونالد ترمب، والروسي، فلاديمير بوتين، إلى اتفاق بشأن أوكرانيا، يتم التفاوض عليه دونهم. ومن المفارقات أن بعض الأطراف في موسكو كانت تتطلع إلى مثل هذا الترتيب، الذي من شأنه أن يجبر الأوكرانيين والأوروبيين معاً على قبول شروط واشنطن.

ويقول عبد الله إبراهيم، وهو باحث أول بـ«مركز النزاع والتنمية وبناء السلام»، في «معهد جنيف للدراسات العليا»، في تحليل نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية، إن هذا السيناريو يبدو معقولاً حال كانت أميركا لا تزال تؤدي دورها، الذي اضطلعت به خلال الحرب الباردة، باعتبارها الضامن الأمني الرئيس لأوروبا.

ويضيف أن مطالب إدارة ترمب بأن تعزز أوروبا الإنفاق الدفاعي، إلى جانب الخلافات الجوهرية بشأن قضايا رئيسة بداية من التجارة إلى مسألة جزيرة غرينلاند، قلصت بشكل كبير نفوذ واشنطن على سياسة أوروبا تجاه أوكرانيا.

صورة للمحادثات بين أوكرانيا وروسيا بقيادة واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب 17 فبراير 2026 (رويترز)

ويرى عبد الله أنه حتى إذا ما توصلت واشنطن وموسكو إلى تفاهم ثنائي، فإن تنفيذه سوف يعتمد بدرجة كبيرة على قرارات أوروبية تتعلق بالعقوبات، وتمويل إعادة الإعمار، ونشر القوات، ونقل الأسلحة. وبالتالي، فإن أوروبا ليست طرفًا ثانوياً في إنهاء حرب أوكرانيا، بل تمثل قيداً هيكلياً رئيساً.

وخلقت هذه الحقيقة البسيطة معضلة استراتيجية لموسكو وواشنطن، ليس فقط فيما يتعلق بأوكرانيا، بل أيضاً بأمن أوروبا على نطاق أوسع. وفي حين قد تقلل روسيا وأميركا من شأن القدرات الأوروبية، لم يعد بإمكان الاثنتين تجاهل أوجه التفضيل الأوروبية على المدى القصير، ولا القدرات العسكرية الأوروبية المتنامية على المديين المتوسط، والطويل.

ومع ذلك، يطرح إشراك أوروبا تحديات بسبب هياكل صنع القرار المجزأة لديها، وهيمنة المواقف المتشددة تجاه روسيا في عدد من الدول الأوروبية الرئيسة. وتخشى أميركا وروسيا من أن يؤدي إشراك الأوروبيين إلى تعقيد مفاوضات هي معقدة بالفعل. علاوة على ذلك، يفضل الطرفان التعامل مع أسباب التعطيل لاحقاً بدلاً من السماح لهم بإفشال التوصل إلى اتفاق.

ومع زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، والتحسن المتوقع في قدرات الردع، فإن حل هذه المعضلة يكمن في تعزيز ثقة الأوروبيين بقدراتهم، والانخراط في حوار مع واشنطن، أولاً من أجل تقريب وجهات النظر بشأن أوكرانيا، وأوروبا بعد الحرب، وبالتوازي مع روسيا بشأن معالم الأمن الأوروبي أيضاً بعد الحرب.

قادة أوروبيون يحضرون مراسم رفع العلم لإحياء ذكرى بداية الحرب بأوكرانيا خارج مقر جهاز العمل الخارجي الأوروبي في بروكسل 23 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

أوروبا تعيد التفكير في استراتيجيتها

وتشير دعوات أخيرة من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، إلى فتح قنوات اتصال مباشرة مع روسيا، واحتمال تحول في النهج، من افتراض الهزيمة الكاملة لموسكو إلى نهج مزدوج المسار: ردع مضمون، وحوار حذر.

وظاهرياً، يبدو هذا التوجه مشجعاً، ومن المرجح أن ترحب موسكو بإجراء حوار مباشر. وفي الوقت نفسه لن تعترض واشنطن.

لكن الأوروبيين يشككون، على نحو مفهوم، في نوايا روسيا. وفي المقابل، تشعر موسكو بالقلق من التصريحات الغربية، ومن زيادة القدرات الغربية على المدى المتوسط.

ويؤكد عبد الله إبراهيم أن التوصل لاتفاق سلام بشأن أوكرانيا لن يوقف خطط التسلح، إذ سيواصل الطرفان تعزيز قدراتهما. لكن من المهم أن يترافق ذلك مع حوار لتوضيح النوايا، وتجنب الإجراءات التي قد تفسر على أنها استفزازية.

استقرار أوكرانيا أولوية

ويقول الباحث عبد الله إبراهيم إنه يجب أولاً، قبل التعامل مع قضايا الأمن في مرحلة ما بعد الحرب، تحقيق الاستقرار في أوكرانيا من خلال ترتيبات، تتراوح بين وقف إطلاق نار محدود، والتسوية الشاملة. ويتطلب أي ترتيب من هذا النوع تفاهماً روسياً-أوروبياً بشأن تداعياته على العلاقات الأوسع في مرحلة ما بعد الحرب.

مجندون جدد أوكرانيون يتدربون بالقرب من خط المواجهة في منطقة زابوريجيا... أوكرانيا 22 فبراير 2026 (رويترز)

كما أن من المهم التذكير بأن الحوار ليس تفاوضاً، وأن التفاوض ليس اتفاقاً. وسيكون الطريق طويلاً أمام الأوروبيين والروس لتحقيق نتائج ملموسة، وسيتطلب ذلك جولات عديدة من الحوار، والاستعداد لاتخاذ تدابير مكلفة لبناء الثقة. ومن المرجح أن تكون أي تفاهمات غير رسمية، ومشروطة بمراقبة صارمة، وقابلة للتراجع.

ورغم الحرب، لا تزال مستويات التجارة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا كبيرة، وإن كانت انخفضت بشكل حاد. ووفقاً لبيانات مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات) تراجعت صادرات الاتحاد الأوروبي لروسيا بنسبة 61 في المائة، والواردات بنسبة 89 في المائة بين عامي 2022 و2025. كما تراجعت حصة روسيا في تجارة الاتحاد الأوروبي الخارجية من 2.‏3 في المائة إلى 1.‏1 في المائة للصادرات، ومن 3.‏9 في المائة و9.‏0 في المائة للواردات. ومع ذلك، لم تنعدم التجارة بالكامل، إذ لا تزال تمثل نحو 18 في المائة من مستويات ما قبل عام 2022. ولا يستطيع أي من الطرفين تغيير المسار بسرعة، لكن اتباع نهج توازني خاضع للإدارة يخدم مصالح الطرفين.

ويخشى بعض الأوروبيين من أن يؤدي الانفتاح المحدود على روسيا إلى تقويض وحدة الصف. لكن استمرار عزلة موسكو ينطوي أيضاً على مخاطر أخرى، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، والانقسامات السياسية الداخلية، وزيادة الهشاشة نتيجة الإفراط في تنويع العلاقات الاقتصادية. ولذلك، فإن مقارنة المخاطر والفوائد طويلة الأجل لكلا الخيارين أمر ضروري.

أميركا والأمن الأوروبي و«الناتو»

إن إقامة علاقة أوروبية-روسية موازية أمر ضروري، لكنه سيظل محدوداً من دون تنسيق مع المسار الأميركي-الروسي بشأن قضايا الأمن الأوروبي بعد الحرب.

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)

وقد يكون التوصل إلى رؤية موحدة داخل المعسكر الغربي أمراً صعباً، لكن خفض أوجه التباين بين وجهات النظر الأميركية والأوروبية تجاه روسيا وأوروبا بعد الحرب أمر أساسي.

وأشارت استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية الأخيرة إلى استعداد واشنطن لاستخدام القوة لدعم جهود الدفاع الذاتي الأوروبي.

وتوفر هذه الإشارات أرضية مشتركة للحوار الأوروبي-الأميركي بشأن التداعيات العملية لمواقف الردع المستقبلية بقيادة أوروبية. ومن دون وضوح في هذه القضايا بين الولايات المتحدة وأوروبا، سيظل أي حوار جاد مع روسيا موضع شك.

من يتحدث باسم أوروبا؟

وتحافظ العديد من الدول الأوروبية بالفعل على قنوات اتصال مع روسيا، مثل المجر وسلوفاكيا، أو تدرس ذلك. لكن تحقيق الأهداف أهم من مجرد الوصول إلى قنوات الاتصال. وقد يحمل لقاء بين ماكرون وبوتين أهمية رمزية، لكنه من دون دعم أوروبي أوسع لن يختلف كثيراً عن لقاءات ثنائية أخرى.

ويطرح ذلك معضلة هيكلية: من يتحدث باسم أوروبا؟ وبشأن أي قضايا؟ وما المتوقع من روسيا؟ وما الضمانات الممكنة؟ وما الذي يمكن أن تقدمه أوروبا في المقابل؟

وفي نهاية المطاف، يجب أن تشارك جهة أوروبية تتمتع بالسلطة في القضايا الرئيسة، أو تمنح العملية دعمها السياسي. ويمكن للمحادثات الثنائية، خاصة من جانب فرنسا وربما إيطاليا، أن تساعد في الإجابة عن الأسئلة، وإقناع الآخرين بدعم النهج. وسيكون على موسكو إثبات جديتها في الانخراط، أو تأكيد الصورة النمطية عن تعنتها.

ويؤكد الباحث عبد الله إبراهيم في ختام تحليل مستفيض أنه يتعين على واشنطن أن تدرك أن الأمن الأوروبي لا يمكن إدارته عن بعد، كما لم يعد بإمكان موسكو التعامل مع أوروبا باعتبارها مجرد ساحة سلبية للتفاوض الأميركي-الروسي. إن تحقيق نظام مستدام يتطلب توافقاً بين الأطراف الثلاثة. وإذا غاب أحد أضلاع هذا المثلث، فلن يصمد البناء.


مقالات ذات صلة

ترمب يذكر أرقاماً صادمة لعدد القتلى في الحرب الروسية الأوكرانية

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يذكر أرقاماً صادمة لعدد القتلى في الحرب الروسية الأوكرانية

ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب السبت، أن 25 ألف شخص قُتلوا الشهر الماضي، و32 ألفاً آخرين في الشهر الذي سبقه، وذلك في الحرب الدائرة بين أوكرانيا وروسيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)

لافروف: روسيا ستحقق أهدافها في أوكرانيا «مهما كانت الظروف»

شدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، السبت، في الأمم المتحدة على أن موسكو ستحقق أهدافها العسكرية في أوكرانيا «مهما كانت الظروف».

أوروبا رجال إطفاء يعملون في موقع تعرّض لضربة بطائرة مسيّرة روسية بالقرب من أوديسا (رويترز)

روسيا: استهداف سفينة شحن قرب ميناء أوديسا الأوكراني

​قالت وزارة الدفاع الروسية اليوم السبت إن ‌قواتها ‌قصفت ​سفينة ‌شحن ⁠محملة ​بإمدادات عسكرية بالقرب ⁠من ميناء أوديسا الأوكراني ⁠على ‌البحر الأسود.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا كيم يتابع الاختبارات الصاروخية برفقة ابنته المراهقة (أ.ف.ب)

سيول تتهم كييف بخرق اتفاقية أسرى الحرب من كوريا الشمالية وتعرضهم للخطر

سيول تتهم كييف بخرق اتفاقية أسرى الحرب من كوريا الشمالية، و«الدومينيكان» تحذر مواطنيها من القتال في روسيا.

«الشرق الأوسط» (سيول - سانتو دومينغو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب) p-circle

أميركا ستلتزم بالموعد النهائي لتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا

إدارة ترمب تقدم تعهدات ملزمة لإنفاق معظم المبلغ الذي أقره الكونغرس لتقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا، وبوتين يدرس كل الخيارات المطروحة على طاولة المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - موسكو)

لافروف: روسيا ستحقق أهدافها في أوكرانيا «مهما كانت الظروف»

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
TT

لافروف: روسيا ستحقق أهدافها في أوكرانيا «مهما كانت الظروف»

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)

شدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، السبت، في الأمم المتحدة على أن موسكو ستحقق أهدافها العسكرية في أوكرانيا «مهما كانت الظروف».

وقال لافروف من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة: «سيتم تحقيق أهداف العملية العسكرية الخاصة، والقضاء على التهديد الذي يواجه الأمن الروسي، مع عودة الحياة الهادئة. وسيحدث ذلك مهما كانت الظروف».

واتهم وزير الخارجية الروسي الدول الأوروبية، السبت، بأنها «تبذل كل ما في وسعها» لعرقلة المفاوضات الرامية إلى إنهاء النزاع بين موسكو وكييف.

وقال: «تبذل أوروبا كل ما في وسعها لعرقلة محادثات السلام التي ترعاها إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب».

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2023 (رويترز)

كما دعا لافروف الولايات المتحدة إلى رفع «الحصار» المفروض على كوبا، وكذلك القيود المفروضة على التجارة مع أكبر جزيرة في منطقة البحر الكاريبي.

وقال لافروف إن على الولايات المتحدة رفع اسم كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وشنت الولايات المتحدة حملة ضغوط على كوبا أدت إلى حد كبير لمنع وصول النفط إلى الجزيرة، مما تسبب في انقطاع الكهرباء على نطاق واسع.

فاديفول يلتقي لافروف

إلى ذلك، دعا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول خلال لقائه نظيره الروسي على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، السبت، موسكو إلى «التخلّي عن نهج التصعيد الخطير» الذي تتبنّاه، وفق ما أفاد به دبلوماسي ألماني.

وجرت المحادثات، وهي الأولى من نوعها منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، على وقع تصاعد التوتر بين برلين وموسكو في الأسابيع الأخيرة، إذ حمّلت ألمانيا روسيا مسؤولية محاولة هجوم بطائرة مسيّرة استهدفت مطار لايبزيغ. وعلى الأثر، أمر كل من البلدين بإغلاق قنصلية البلد الآخر.

وقال الدبلوماسي الألماني إن فاديفول «دعا روسيا الاتحادية إلى التخلّي عن نهجها الخطير المتمثّل في التصعيد تجاه ألمانيا وأوروبا وحلف شمال الأطلسي».

وأوضح فاديفول، بحسب ما نقل عنه الدبلوماسي، أن «حوادث مثل محاولة الهجوم الأخيرة في لايبزيغ أو غيرها من الهجمات المتعدّدة الوسائل لن تزعزع عزم ألمانيا على دعم أوكرانيا التي تتعرّض لهجوم».

وتُعد ألمانيا من أبرز داعمي أوكرانيا، فيما اتهمها لافروف أخيراً بأنها «تريد الحرب مجدداً»، رافضاً اتهامات برلين لموسكو بالمسؤولية عن هجوم مطار لايبزيغ الشهر الماضي.


البابا ليو يحشد 700 ألف شخص في قلب باريس

حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)
حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)
TT

البابا ليو يحشد 700 ألف شخص في قلب باريس

حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)
حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)

عبَر البابا ليو الرابع عشر جادة الشانزليزيه، السبت، على وقع هتافات حشود غفيرة، قبل أن يترأس قداساً ضخماً هو أبرز فعاليات اليوم الثاني من زيارته لفرنسا. وعلى متن سيارته «بابا موبيلي»، حيَّا الحبر الأعظم مبتسماً الأطفال ورحَّب بحشود المصلِّين الذين وصل كثير منهم قبل ساعات لرؤيته وهو يتَّجه نحو ساحة الكونكورد؛ حيث أُقيم مذبح أبيض يعلوه صليب بارتفاع عدة أمتار.

وبدأ القداس بُعَيد الساعة الثالثة عصراً بالتوقيت المحلي، مع اصطفاف نحو 700 ألف شخص -حسب الفاتيكان- على امتداد أكثر من كيلومترين وصولاً إلى شارع الجيش الكبير، خلف قوس النصر؛ حيث أمكنهم متابعة القداس الذي استمر ساعة ونصف ساعة عبر شاشات عملاقة.

وقالت ماري هيلين، التي قدمت من ضواحي باريس: «قد لا أرى شيئاً، ولكن لا يهم، المهم هو وجودنا بهذا العدد الكبير، ومشاركتنا في القداس».

شعبية واسعة

وفي ساحة الكونكورد؛ حيث كان الواصلون ينتظرون بصبر ويتناولون طعامهم، صرَّحت فيرجيني كورتو الآتية من نانتير مع عائلتها، والبالغة 51 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بأن «البابا هو النجم!». وأضافت: «إنه يخاطب جمهوراً يتجاوز الديانة الكاثوليكية، إنه البابا الذي نحتاج إليه في هذا العصر، البابا الذي يُضفي عمقاً وتأملاً».

وفي الشوارع المجاورة للشانزليزيه، ومع إغلاق عشرات محطات المترو، حملت عشرات الحافلات المصلِّين من مناطق عدة طوال الصباح، وغالباً ما كانت مجهزة بمقاعد قابلة للطي، استعداداً لانتظار وصول البابا.

حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

وأوردت أبرشية باريس أن كثيراً من السياسيين حضروا للمشاركة في القداس؛ بينهم المرشحون للرئاسة: إدوارد فيليب، وغابرييل أتال، ومارين لوبان التي رافقها رئيس حزبها «التجمع الوطني» جوردان بارديلا، بالإضافة إلى رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، والرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، ورئيسَي مجلسَي البرلمان، يائيل براون بيفيت، وجيرار لارشيه.

وغاب الرئيس إيمانويل ماكرون الذي استقبل البابا ليو الجمعة لدى وصوله إلى المطار، ثم في قصر الإليزيه، ومثَّلته زوجته بريجيت.

وتحاط هذه الزيارة البابوية الأولى منذ زيارة بنديكتوس السادس عشر عام 2008، والتي تنتهي الاثنين في ميتز، بعد محطة في لورد بدءاً من مساء السبت، بتدابير أمنية بالغة الشدة. وتشهد تعبئة 17 ألف متطوع، و15 ألف عنصر من الشرطة والدرك، و2500 صحافي معتمَد، وخُصصت لها ميزانية هائلة قدرها 27 مليون يورو.

«كرامة وسلام»

وبدأ ليو الرابع عشر -وهو نفسه ابن مهاجرين- يومه الثاني في فرنسا بزيارة «دار باخيتا» وهي جمعية أبرشية لاستقبال المهاجرين أسسها البابا فرنسيس عام 2017، وتحمل اسم القديسة جوزفين باخيتا، وهي راهبة سودانية عانت من العبودية في صغرها قبل أن تتحرر وتصبح رمزاً عالمياً لمكافحة الاتجار بالبشر.

وشدد البابا خلال لقائه عدداً من المغتربين والمهاجرين المسلمين والمسيحيين من جنسيات مختلفة، على أهمية «الالتقاء والعيش معاً بكرامة وسلام». وقال إن «تاريخ الكنيسة والبشرية... لم يكتبه الذين يعطون الانطباع بالانتصار من خلال فرض أنفسهم واحتلال المساحة؛ بل الذين يُفسحون المجال لغيرهم، ويُوجدون آليات سلام، ويبعثون الثقة، ويشجعون الحياة». ودعا إلى «الإقرار بدور النساء الجوهري في بناء حضارة تقوم على المحبة».

البابا ليو الرابع عشر يحيي الحشود في جادة الشانزليزيه يوم 26 سبتمبر (أ.ف.ب)

وتبعث هذه الزيارة للدار -حسب مسؤوليها- «رسالة» قبل أشهر من انتخابات رئاسية في فرنسا، يتوقع أن تعود فيها مسألة الهجرة إلى الواجهة. ودعا البابا على الدوام منذ انتخابه في مايو (أيار) 2025 إلى الحفاظ على كرامة المهاجرين واللاجئين. ولم يتردد البابا الأميركي في انتقاد سياسة الرئيس دونالد ترمب بهذا الصدد.

وزار البابا بعد ذلك المعهد الكاثوليكي في باريس؛ حيث التقى بمُعَمَّدين جدد ومقبلين، ما يشهد على حيوية الكنيسة لدى شريحة من الشباب. وقال البابا خلال اللقاء في المقر التاريخي للمعهد: «قد يبدو من المستغرب أن نشهد هذه الظاهرة في إطار مجتمع كالمجتمع الفرنسي (...) مطبوع بثقافة شديدة العلمانية». وكان قد تطرق الجمعة إلى العلمانية في كلمته بقصر الإليزيه، معتبراً أن «العلمانية السليمة لا تعني استبعاد الدين من الفضاء العام».

وتلقى زيارة البابا اهتماماً شعبياً لافتاً منذ يومها الأول؛ إذ اصطف 300 ألف شخص -حسب الفاتيكان- الجمعة للترحيب به لدى عبوره في السيارة البابوية بوسط باريس، قبل أن يستقبله 80 ألف شاب استقبال النجوم مساء الجمعة، في ملعب «استاد دو فرنس».


ألمانيا تقترح قوة تدخل سريع أوروبية للتعامل مع أزمات الهجرة

قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)
قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)
TT

ألمانيا تقترح قوة تدخل سريع أوروبية للتعامل مع أزمات الهجرة

قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)
قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)

دعت ألمانيا إلى تشكيل قوة تدخل سريع تابعة للوكالة الأوروبية لحرس الحدود (فرونتكس)، لمساعدة الدول في حال حدوث «ضغط» مفاجئ للهجرة عند الحدود الخارجية للاتحاد، على غرار ما حدث في جيب سبتة الإسباني هذا الصيف.

وصرّح وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت، خلال مؤتمر صحافي السبت في ميونيخ، بأن على أوروبا إرساء «آلية دعم جديدة للبلدان التي تواجه ضغطاً كهذا عند حدودها الخارجية».

وأضاف الوزير المحافظ قبيل اجتماع مع 16 من نظرائه في الاتحاد الأوروبي والمفوض الأوروبي ماغنوس برينر لمناقشة ملفات الهجرة، قائلاً: «بعبارة أخرى، قوة تدخل سريع تابعة لوكالة (فرونتكس)، تكون قادرة على تقديم الدعم اللازم للدول الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي في غضون 24 ساعة».

قارب إنقاذ يرافق قارباً صغيراً يحمل مهاجرين بينما تقوم سفينة تابعة لوكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» بدورية في الخلفية قبالة جزيرة ليسبوس اليونانية (رويترز - أرشيفية)

من جهته، أشار برينر إلى أن المفوضية الأوروبية ستقدم «في المستقبل القريب» تفويضاً «معزّزاً» لوكالة «فرونتكس»، لتكون قادرة على «التحرك بسرعة، ومرونة أكبر، قبل أن تتحول الأحداث إلى أزمات حقيقية».

وأكد دوبريندت أن الحكومة الألمانية بقيادة المستشار فريدريش ميرتس التي جعلت من تشديد سياسة الهجرة أولوية لكبح صعود اليمين المتطرف «على قناعة بإمكان الاستعانة بشكل أكبر بوكالة (فرونتكس) في إجراءات إعادة المهاجرين»، ولا سيما عبر الدول الثالثة التي يمرون بها، وكذلك في إطار «اتفاقية دبلن» داخل الاتحاد الأوروبي التي تحدد الدولة المسؤولة عن البتّ في طلب اللجوء.

واعتبر المفوض برينر أن على وكالة «فرونتكس» أن تؤدي «دوراً أكثر أهمية وكثافة في عمليات الإعادة».

تعمل ألمانيا حالياً، بالتعاون مع الدنمارك وهولندا والنمسا واليونان، على إنشاء مراكز لإعادة المهاجرين (مراكز ترحيل) في دولة خارج الاتحاد الأوروبي، بهدف إعادة طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم.

وتمسّك دوبريندت بالهدف الذي أعلنته هذه الدول الخمس، والمتمثل في تقديم اتفاقات أولية مع دول من خارج التكتل «بحلول نهاية العام».

من جانبها، نددت لجنة الإنقاذ الدولية، الخميس، بمراكز الإعادة، واصفة إياها بأنها «نهج قاسٍ، ومكلف، ويجرّد الأشخاص من كرامتهم، وحقوقهم الأساسية».