أوين دمبسي: أية تجربة توسع رؤيتنا للعالم تجعلنا كتّاباً أفضل

الكاتب الآيرلندي يقول إن رواياته خيال تاريخي وشخصياتها محاكاة موازية لوقائع حقيقية

اوين دمبسي
اوين دمبسي
TT

أوين دمبسي: أية تجربة توسع رؤيتنا للعالم تجعلنا كتّاباً أفضل

اوين دمبسي
اوين دمبسي

تعرَّف القارئ العربي على الكاتب الآيرلندي أوين دمبسي من خلال روايته الأكثر شهرة ومبيعاً «الوردة البيضاء والغابة السوداء»، التي صدرت ترجمتها العربية عن دار «العربي» بالقاهرة.
تدور أحداث الرواية في زمن الحرب العالمية الثانية، وتروي محنة فتاة ألمانية فقدت عائلتها على يد النازيين، وتقع في حب ضابط طيار مجهول الهوية.
وُلد دمبسي في مدينة دبلن، وانتقل إلى الولايات المتحدة وعمل مدرساً لفترة طويلة في فيلادلفيا، حيث أمدته تلك المهنة بمصدر إلهام وأطلعته على تجارب إنسانية مشوقة.
جاءت روايته الأولى «العثور على ريبيكا» ضمن الكتب العشرة الأكثر مبيعاً على موقع «أمازون».
من أعماله «العاصفة القادمة» و«الصدى الأطول»، وهو أيضاً مؤلف كتاب «فتيان بوجسايد».
هنا حوار معه أُجري عبر الإنترنت حول أبرز ملامح تجربته الإبداعية:
> تستهل روايتك «الوردة البيضاء والغابة السوداء» بالتنويه بأنها مأخوذة عن أحداث حقيقية وهو ما أبرزته الترجمة العربية على الغلاف، هل تظن أن هذا التنويه يسهم في رفع مبيعات الرواية، هل يتحمس القراء أكثر للأعمال المأخوذة عن الواقع بشكل مباشر؟
- أعتقد بأن الناس يقرأون الروايات التاريخية؛ لأنهم يريدون أن يتعلموا شيئاً من التاريخ، كما يريدون بالطبع أن يستمتعوا بالنص. وإذا كانت الأحداث التي يقرأون عنها تستند إلى أحداث حقيقية فإنهم يشعرون بأنهم أكثر ارتباطاً بالأحداث الموجودة في الكتب. وبشكل عام، فإن التنويه إلى أن نصاً ما مستلهماً من وقائع جرت بالفعل في الواقع، يحقق شيئين مهمين؛ الأول فكرة المصداقية لدى المؤلف ومدى أمانته مع القارئ، الشيء الثاني هو مزيد من ارتباط القارئ بالنص؛ لأنه يشعر بأن الأخير يحتوي على عنصر من التاريخ الفعلي والوقائع التي شهدها العالم يوماً ما. بالطبع هذا شيء يحدث فارقاً.
> أشرت أيضاً في التنويه الذي يتصدر العمل إلى أنك أجريت بعض التغييرات في القصة الأصلية على الشخصيات والتواريخ «لأسباب أدبية»... ترى ما أبرز هذه التغييرات ولماذا هي ضرورية؟
- حسناً، أبرز التغييرات تكاد تشمل جميع الشخصيات في النص، إنها إبداعات وُلدت في مخيلتي! هذه التغييرات كانت ضرورية للغاية لأنني لست مؤرخاً وإنما روائي. ونحن هنا إزاء نص عمل إبداعي قائم على الخيال ولسنا بصدد حقائق تاريخية يجب أن أنقلها للأجيال الجديدة بموضوعية وتجرد. في النهاية أنا لا أضع كتاباً تاريخياً. رواياتي هي خيال تاريخي، وأحتاج إلى إنشاء شخصيات موازية تحاكي الشخصيات الحقيقية أو تتجاوزها لتوضيح الأحداث التي أريد أن يتعلمها القارئ. أهم شيء أكتبه هو قصة جيدة، هذا هو التحدي الحقيقي بصرف النظر عن أي إطار آخر يحيط بالنص، أما الخلفية التاريخية فتظل مجرد خلفية. هذا هو مفهومي للعمل الأدبي التاريخي، أن يحتفظ المؤلف بخياله مشتعلاً.
> لماذا أهديت الرواية لابنك روبي بالذات؟ هل هناك رسالة في العمل تريده أن يتابعها في المستقبل؟
- لأنه كان الطفل الوحيد الذي أنجبته في ذلك الوقت! ولأخويه الصغيرين روايات مخصصة لهما أيضاً. الرسالة التي أود أن يتبعها روبي هي أنه إذا عملت بجد لتحقيق حلم، يمكن أن يصبح حقيقة. القصة التي بدأت في مخيلتي استمتعَ بها الآن الناس في أنحاء العالم جميعها. الفكرة هنا قد تبدو بسيطة للغاية ومباشرة كذلك، لكنها مهمة وعميقة في آن واحد، لقد كانت رواية «الوردة البيضاء والغابة السوداء» محض خيال يداعبني بين الحين والآخر، لكنه تحول بالجدية والمجهود والمثابرة إلى نص يجلب للآخرين حول العالم كثيراً من المتعة.
> تتناول الرواية ثنائية «الحب والحرب» في مرحلة قاسية من تاريخ أوروبا والعالم هي الحرب العالمية الثانية، هل يمكن فعلاً أن يتفوق الحب على مشاعر الكراهية وأعمال القتل والدماء... أم أنها خيالات الأدباء الحالمين؟
- أتمنى أن يتفوق الحب على مشاعر الكراهية وأعمال القتل بالتأكيد، وإلا فإن هذا العالم لا يستحق العيش فيه! أعتقد بأن الأمر كذلك. الحب في كل مكان. نستطيع أن نلمسه بسهولة في العلاقات التي يقيمها الناس مع عائلاتهم وأصدقائهم، وحتى في الكياسة واللطف التي نظهرها للغرباء. الكراهية نادرة للغاية، على الرغم من أنها تأتي مع عواقب وخيمة وبعيدة المدى في كثير من الأحيان. الحب إذن حقيقي ورائع ومدهش وليس مجرد خيالات مبعثرة في ذهن حفنة من الحالمين.
> على ذكر الحرب، هل ترى أوجه شبه بين الحرب الأوكرانية الروسية، والحرب العالمية الثانية التي جاءت خلفية تاريخية لروايتك، هل يمكن أن تلهمك الأحداث الجارية حالياً فكرة ما لعمل روائي؟
- أعتقد أنه يوجد كثير من أوجه التشابه بين جنون الحرب العالمية الثانية، وما يتابعه العالم حالياً لحظة بلحظة من حرب دموية فتاكة. الاختلاف الرئيسي هو أنه أثناء الحرب القديمة لم تكن لدى هتلر أسلحة نووية. لو امتلك الرجل هذه النوعية من الأسلحة وسارع في الاستفادة منها لكان تاريخ أوروبا مختلفاً كثيراً. أما فيما يتعلق بمصادر الإلهام وهل تصلح الحرب الحالية مصدراً في هذا السياق، فأعتقد بأنها بالفعل تلهم الأدباء كل يوم، لكن ليس هذا ما حدث معي بالتحديد، حتى الآن!
> عندما يعود الروائي إلى التاريخ ويستلهم قصة حقيقية هل يعني ذلك أنه يعاني من إفلاس ما، جدب في الخيال، سوء علاقة مع واقعه الراهن، أم أن هناك مبررات أخرى وراء عودتك للتاريخ ليكون منبعك الذي تنهل منه في هذا النص؟
- كنت أرغب في إعادة رسم خريطة الظروف والملابسات المحيطة بدولة ألمانيا أثناء الحرب، وتبديد الأسطورة القائلة إن الألمان جميعاً كانوا نازيين مخلصين. أفضل طريقة لفعل ذلك كانت من خلال سرد قصة خيالية. بهذه الطريقة، تمكنت من نسج كل القصص التي أردت عرضها معاً، وحقنها بالقلب والإنسانية والعمل. أنا أؤلف الكتب التي أريد أن أقرأها، وهذا ما أردت أن أقرأه عندما كتبتها.
> جاءت روايتك الأولى «العثور على ريبيكا» ضمن الأكثر مبيعاً على موقع «أمازون»، هل تشغلك فكرة المبيعات والأرقام. وما معيار النجاح بالنسبة لك؟
- معاييري للنجاح مختلفة، تفاصيل إنسانية أكثر بساطة ووضوحاً. أذهب للسباحة صباح كل ثلاثاء مع ابني البالغ من العمر ثلاث سنوات. أُحضر عائلتي كل صيف لرؤية جدتهم في آيرلندا. هذا نجاح لي!
> انتقلت للعمل مدرساً في الولايات المتحدة عام 2008، هل تأثر إنتاجك الأدبي بالسفر، وماذا عن مهنة التدريس، ألا تعد مملة ومضادة لفكرة الإبداع إلى حد ما؟
- كوني مدرساً هو أحد أكثر الطرق المدهشة لتجربة الحياة التي يعيشها الآخرون. إنه لمن الرائع رؤية التجارب المختلفة التي يمر بها أناس غيرك. عملت في بعض المدارس الفقيرة داخل المدينة، حيث كانت تحدث أشياء كل يوم لم أكن أتخيلها أبداً... أي شيء يوسع رؤيتنا للعالم سيجعلنا كتّاباً أفضل، والتعليم يفعل ذلك كل يوم. لم أعد مدرساً، لكنني أذهب إلى المدارس في منطقتي لإجراء ورش للكتابة مع الأطفال، أنا أحب ذلك جداً.
لا أتفق مع من يصف مهنة التدريس بأنها مملة أو مضادة للإبداع بطبيعتها. تجربتي تؤكد العكس. هناك مهن أو أنشطة تمنحك فرصة ذهبية لرصد انفعالات وقصص بشر آخرين. هذه المهن تعد فرصة ذهبية للمؤلف. التدريس واحدة من تلك المهن.
> السيرة الذاتية الخاصة بك في موقع «جود ريدز» تشير إلى أن حلمك الأكبر كان يتمثل في ممارسة لعبة «الرغبي» وفي مرحلة أخرى أن تكون أحد نجوم موسيقى الروك، ما الذي ألقى بك إلى شواطئ الأدب والكتابة إذن؟
- حقيقة، لم أكن أجيد هذين الأمرين! لقد تخليت عن حلمي في أن أكون نجماً للرغبي أو ألعب موسيقى الروك لشيء تمكنت بالفعل من القيام به! الكتابة بالنسبة لي نشاط ممتع أتواصل من خلاله مع قراء عبر العالم. هذا ما يهم في النهاية، قدرتك على تحقيق ذاتك من خلال عمل محدد يهبك السعادة والمتعة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
TT

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فحسب، بقدر ما ينطلق من فكرة اكتشاف، قائمة على تجربة مشتركة بين الفنان والمتلقي، وذلك عبر نحو 50 عملاً فنياً في مساحة يستضيفها غاليري «تام» غرب القاهرة، حتى نهاية أبريل (نيسان) الحالي. وفي هذه المساحة المفتوحة، يطرح الفنان تباينات مشروعه الممتد، كاشفاً التحولات التي واكبته عبر السنوات، ومختبراً انطباعات جمهور جديد تجاه أعمال تعود إلى فترات زمنية مختلفة.

وفي هذا الإطار، يصف حسان تجربته بأنها «اختبار للأصالة»، حيث «لا تتحدد قيمة العمل بلحظة عرضه الأولى فقط، بل بقدرته على تجديد أثره عند إعادة مشاهدته بعد سنوات، ومدى احتفاظه بطاقته على إحداث الدهشة والانجذاب والجمال مع كل مواجهة جديدة، على نحو يشبه العودة إلى فيلم أو كتاب تتكشف طبقاتهما مع الزمن. فالمعرض، بهذا المفهوم، هو محاولة لقياس استمرارية العمل الفني، وهو المعيار الذي يتم من خلاله اقتناء الأعمال في المتاحف»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

متتالية الأرض تبرز طقس حصاد القمح في الصعيد (الشرق الأوسط)

وتتخذ لوحة «متتالية الأرض» موقعاً خاصاً داخل تجربة حسان، كأحد المنابع العاطفية لفكرة «الداخل» نفسها، ويقول: «أستعيد بها بدايات إقامتي في محافظة الأقصر (جنوب مصر)، حيث سمعت للمرة الأولى تعبير (وداع الأرض)، المرتبط بانحسار مياه النيل وبداية زراعة القمح، ثم الاحتفاء بحصاده في أبريل (نيسان) من كل عام. هذه الدورة، بين الفقد والابتهاج، ارتبطت لديّ بقراءتي لرواية (الأرض) للأديب عبد الرحمن الشرقاوي، وما تحمله من علاقة وجودية بين الإنسان وأرضه».

وينعكس هذا التصوّر على التقنية التشكيلية، إذ يتعمّد إقصاء السماء من التكوين، ليجعل الأرض وحدها مركز الرؤية، إلى جانب اشتغال تقني معقّد يقوم على بناء السطح عبر طبقات لونية كثيفة تُكشط وتُعاد صياغتها بتكرار، حتى تتشكّل بروزات تُحاكي سنابل القمح، وتمنح اللوحة ملمساً أرضياً غير مسطح، يستدعي تشققات الأرض وبروزاتها، ويفتح على عالم داخلي مشبع بحكايات الجنوب وإيقاعاته.

جانب من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

وفي مقابل هذا الاشتغال الكثيف على سطح اللوحة وتفاعلاته مع الزمن في «متتالية الأرض»، تبدو إحدى لوحات مجموعة «ملاذ آمن» المقابلة لها حاملةً شحنة انفعالية ولونية مغايرة تماماً. يقول الفنان: «هذا التباين يعكس في ذاته حالة التحوّل التي أمرّ بها عبر مشروعي. فهذه اللوحة، رغم اختلاف عالمها، تنبع أيضاً من حكايات الجنوب، حيث بطلتها طالبة بكلية الفنون، تكشف قصتها الفجوة بين الأحلام وبساطتها، وصعوبة تحقيقها في الواقع. حتى ملاذها الآمن، المتمثل في حيواناتها الأليفة، بدأ يتبدد، حين راحت تراها في أحلامها مهدَّدة من حيوانات ضارية، كأن مساحة الحلم نفسها لم تعد قادرة على حمايتها».

وتدفع هذه اللوحة المتلقي إلى إعادة النظر في البالِتة اللونية الصاخبة والفانتازية، التي تبدو، للوهلة الأولى، مشتقة من عالم الأحلام، لكنها لا تنجح في إزاحة ملامح الأسى التي تهيمن على وجه الفتاة، ولا على فستانها الأبيض. في المقابل، تتقدّم الضباع في التكوين بوصفها عنصراً حركياً مهيمناً، تُبرزها اللوحة بإيقاع بصري متوتر، يقابله جسد الفتاة المستكين في مركز المشهد، بما يخلق حالة من القلق المتصاعد على سطح اللوحة، حيث يتجاور الانبهار اللوني مع إحساس عميق بالتهديد.

الفنان علي حسان مع عدد من حضور المعرض (الشرق الأوسط)

ويجد «التهديد» مساراً آخر داخل لوحات أخرى في المعرض، يتخيّل فيها حسان ما قد تؤول إليه فتاة معاصرة في ظل تصاعد أزمة المياه، حيث تتحوّل الفتيات إلى نسخ ترتدي ملابس الجدّات وهن يعانين من انحسار الماء، ويترجم الفنان هذا التصوّر بصرياً عبر تغليب درجات الفحم القاتمة على مساحات اللوحة، في مقابل حضور الماء في شريط ضيق أسفلها، مضغوطاً بطبقات لونية توحي باختناقه، تتكاثف فوقه الطحالب، كعلامة على ركود مهدد للحياة، يتجاوز الحكاية الفردية إلى أفق أوسع من المخاوف البيئية المعاصرة.


«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
TT

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

حصد الزميل صلاح لبن، المحرّر في «إندبندنت عربية» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، جائزة «فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»، وذلك خلال حفل دولي استضافته مدينة ليماسول القبرصية، الأربعاء، بعد منافسة بين تحقيقات أخرى نشرتها كبرى الصحف المرموقة على مستوى العالم.

وجائزة «فيتيسوف» التي تُوصَف بالأغنى في العالم، هي الجائزة الحادية عشرة لـ«إندبندنت عربية» منذ إطلاقها، عام 2019، من العاصمة البريطانية، لندن، ولها فروع في عدد من العواصم العربية، منها الرياض والقاهرة وبيروت، وشبكة مراسلين في أنحاء العالم، كما تعتمد المنصة الرقمية الرائدة على ترجمة محتوى صحيفة «إندبندنت» البريطانية الأم.

وجاء فوز صلاح لبن في النسخة السابعة من الجائزة الأضخم عالمياً، التي يبلغ مجموع جوائزها 520 ألف فرنك سويسري (600 ألف دولار) سنوياً، في منافسة شهدت 500 طلب من 82 دولة حول العالم، خضعت لعملية تقييم وفق معايير منضبطة، تشمل الدقة والإنسانية والشفافية والتأثير الإيجابي للمنشور سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً.

من جانبه، قال رئيس تحرير «إندبندنت عربية»، عضوان الأحمري: «نعتز ونفتخر بفوز زميلنا صلاح لبن بـ(جائزة فيتيسوف للصحافة). إنه إنجاز يعكس المستوى المهني الرفيع الذي يتمتع به، ويجسّد التزامه العميق بقيم الصحافة الجادة والمسؤولة».

وأكد الأحمري أن هذا الفوز «ليس تكريماً فردياً فحسب، بل هو أيضاً تأكيد على النهج التحريري الذي تتبعه (إندبندنت عربية)، القائم على المهنية، والدقة، والاستقلالية، والسعي الدائم لتقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات القارئ العربي».

بدوره، قال صلاح لبن، خلال تسلُّمه الجائزة، في حفل حضرته شخصيات عامة وصحافيون متميزون حول العالم: «في الحقيقة، كان هذا التحقيق ثمرة بيئة مهنية داعمة حقاً في (إندبندنت عربية)»، مُثمِّناً «الدعم المهني من رئيس التحرير الذي أتاح مساحة لإنجاز عمل استقصائي دون قيود».

وشهدت الفئة التي نافست عليها قصة «إندبندنت عربية» العدد الأكبر من المرشحين؛ إذ لم يجتز مرحلة الفرز الأولى سوى 293 قصة، تنافست على أربع فئات: المساهمة في الحقوق المدنية، وهي الفئة التي فازت بها «إندبندنت عربية» في المركز الثالث بواقع 97 إدخالاً، والصحافة البيئية المتميزة (89)، والتقارير الاستقصائية (82)، والمساهمة في السلام (25).

وتهتم جائزة «فيتيسوف» بتسليط الضوء، من خلال الجائزة السنوية، على الأعمال التي تسهم في تعزيز القيم الإنسانية، كالصدق والعدالة والشجاعة والنبل، عبر تكريم الصحافيين البارزين حول العالم، الذين يسهم التزامهم المتفاني في تغيير العالم إلى الأفضل.

وتخضع عملية التقييم لمسارين؛ إذ يختار في الأول مجلس مكوَّن من 10 خبراء معترف بهم في مجال الصحافة لتقييم الأعمال مهنياً وموضوعياً، بنظام التصويت المستقل، القائمة المختصرة، ثم يجري الاستقرار على المرشحين النهائيين من خلال تصويت آخر من هيئة المحلفين، التي تتكوّن وفق نظام الجائزة من ستة أعضاء على الأقل، تتوافق عليهم اللجنة التوجيهية سنوياً. وتُنشر التحقيقات النهائية في كتيب فيتيسوف الذي يُوزع على منظمات صحافية حول العالم.

وسبق الحفل اجتماع دولي لوسائل الإعلام من الصحافة الأوروبية والعالمية نوقشت خلاله أحدث الاتجاهات والتطورات في وسائل الإعلام الإخبارية.

كانت «إندبندنت عربية» قد نالت، يناير (كانون الثاني) الماضي، جائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، ضمن الدورة الـ24 للجائزة عن فئة المراسل المحلي للزميلة آية منصور، تقديراً لتقاريرها الصحافية التي أنجزتها في العراق، وتعاملها مع قضايا شديدة الحساسية بعملٍ توثيقيّ دقيق ومسؤول.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسلَّمت «إندبندنت عربية»، جائزة «بطل حرية الصحافة العالمية» نيابة عن مراسلتها الراحلة في غزة مريم أبو دقة، خلال حفل أقامه المعهد الدولي للصحافة في فيينا، بالشراكة مع منظمة دعم الإعلام الدولي.

كما حصلت، في فبراير (شباط) 2025، على جائزة «التقرير الصحافي» في «المنتدى السعودي للإعلام 2025»، بفوز تقرير «مترو الرياض... رحلة فلسفية للتو بدأت فصولها» للزميل أيمن الغبيوي، وجائزة «مجلس التعاون الخليجي للشباب المبدعين والمميزين» للزميل عيسى نهاري المحرر السياسي.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، فاز مراسل «إندبندنت عربية» في تونس، حمادي معمري، بجائزة «لينا بن مهني لحرية التعبير» التي ينظمها الاتحاد الأوروبي. وفي يناير (كانون الثاني) من العام ذاته حصلت الصحيفة على جائزة التميُّز الإعلامي بـ«المنتدى السعودي للإعلام»، في مسار «المادة الصحافية».

واختار نادي دبي للصحافة «إندبندنت عربية» عام 2022 أفضل منصة إخبارية عربية. وأعلن النادي، في العام الذي سبقه، فوز كل من زياد الفيفي في فئة الشباب، وكفاية أولير في فئة الصحافة الاقتصادية. كما فاز رئيس التحرير، عضوان الأحمري، بـ«جائزة المنتدى السعودي للإعلام» فئة «الصحافة السياسية» في عام 2019، الذي انطلقت فيه «إندبندنت عربية».


الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
TT

الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)

لم تعد متابعة الصحة تقتصر على الساعات الذكية أو التطبيقات الرياضية، إذ دخل الحمّام الآن إلى عالم التكنولوجيا عبر أجهزة مرحاض ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز وتقديم مؤشرات صحية دقيقة.

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك بوست»، طرحت شركات تقنية عدة خلال العام الماضي، أجهزة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز، بهدف تقديم بيانات شخصية حول الترطيب، والتغذية، وصحة الأمعاء، وغيرها من المؤشرات الصحية.

ويقول سكوت هيكل، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Throne Science، إن هناك «كنزاً من المعلومات الصحية» في الفضلات يتم التخلص منه يومياً من دون الاستفادة منه.

مرحاض ذكي لمراقبة الصحة

ففي وقت أصبحت فيه الساعات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء تراقب نبض القلب وجودة النوم والنشاط البدني، بقي الحمّام بعيداً عن هذا التطور... حتى الآن.

ويرى مطورو هذه الأجهزة أن مراقبة الفضلات مع مرور الوقت قد تكشف أنماطاً مرتبطة بالجفاف، وحساسيات الطعام، واضطرابات الهضم، بل قد تنبّه إلى أمراض مزمنة مثل السكري أو أمراض الكلى.

كما يأتي ذلك في ظل تزايد الاهتمام بصحة الأمعاء، مع إقبال متزايد على البروبيوتيك والأنظمة الغذائية الغنية بالألياف، إضافة إلى ارتفاع معدلات سرطان القولون والمستقيم بين الشباب، ما يعزز أهمية الانتباه المبكر لأي تغيرات في البراز.

أجهزة حديثة وأسعار مرتفعة

هذه الأجهزة المنزلية ليست رخيصة، إذ تتراوح أسعارها بين مئات الدولارات، وغالباً ما تتطلب اشتراكات شهرية أو سنوية. ومن أبرز النماذج المطروحة حالياً.

U-Scan من Withings

جهاز صغير يثبت داخل المرحاض ويجمع عينات البول لتحليلها عبر حساسات دقيقة. ويرسل النتائج إلى تطبيق خاص خلال دقائق، مع مؤشرات تتعلق بالترطيب، والتمثيل الغذائي، وحموضة البول، ومستويات بعض الفيتامينات.

ويقدم التطبيق نصائح لتحسين النتائج، مثل زيادة تناول الخضراوات والفواكه أو استخدام المكملات الغذائية.

ويبلغ سعر الجهاز بين 379 و449 دولاراً، بحسب خطة الاستخدام، مع اشتراك سنوي إضافي.

Throne من Throne Science

ويراقب هذا الجهاز البول والبراز معاً، إذ يستخدم ميكروفوناً لتحليل تدفق البول، وكاميرا موجهة نحو داخل المرحاض لمسح المحتوى، مع تأكيد الشركة أن الكاميرا لا تلتقط أي أجزاء من جسم المستخدم.

ويحلل التطبيق بيانات تتعلق بصحة الأمعاء، ومستوى الترطيب، وقوة تدفق البول، وعادات استخدام المرحاض، مثل مدة الجلوس واحتمالات الإمساك أو البواسير.

ويبلغ سعره 399.99 دولاراً، إضافة إلى اشتراك شهري بقيمة 6 دولارات.

Dekoda من Kohler Health

يحلل هذا الجهاز أيضاً البول والبراز، ويستخدم مستشعراً بصرياً لمسح محتوى المرحاض. ويمكنه رصد لون البراز، وشكله، وكثافته، وعدد مرات التبرز، حتى اكتشاف وجود دم، وهو ما قد يكون مؤشراً إلى مشكلات مثل البواسير أو أمراض التهاب الأمعاء.

كما يتابع البول من حيث اللون والصفاء وعدد مرات التبول لتقييم الترطيب.

ويبلغ سعر الجهاز 449 دولاراً، مع اشتراك يبدأ من 6.99 دولار شهرياً.

هل تستحق التجربة؟

تقول الشركات المطورة إن هذه الأجهزة تجذب فئتين رئيسيتين: الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة ويرغبون في متابعة حالتهم بدقة، والمستهلكين المهتمين بالصحة والتقنية الباحثين عن تحسين نمط حياتهم من المنزل.

ويرى مختصون أن الفكرة قد تبدو غريبة للبعض، لكنها تمثل بداية مرحلة جديدة في الرعاية الصحية المنزلية، حيث يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة والوقاية المبكرة.