أوين دمبسي: أية تجربة توسع رؤيتنا للعالم تجعلنا كتّاباً أفضل

الكاتب الآيرلندي يقول إن رواياته خيال تاريخي وشخصياتها محاكاة موازية لوقائع حقيقية

اوين دمبسي
اوين دمبسي
TT

أوين دمبسي: أية تجربة توسع رؤيتنا للعالم تجعلنا كتّاباً أفضل

اوين دمبسي
اوين دمبسي

تعرَّف القارئ العربي على الكاتب الآيرلندي أوين دمبسي من خلال روايته الأكثر شهرة ومبيعاً «الوردة البيضاء والغابة السوداء»، التي صدرت ترجمتها العربية عن دار «العربي» بالقاهرة.
تدور أحداث الرواية في زمن الحرب العالمية الثانية، وتروي محنة فتاة ألمانية فقدت عائلتها على يد النازيين، وتقع في حب ضابط طيار مجهول الهوية.
وُلد دمبسي في مدينة دبلن، وانتقل إلى الولايات المتحدة وعمل مدرساً لفترة طويلة في فيلادلفيا، حيث أمدته تلك المهنة بمصدر إلهام وأطلعته على تجارب إنسانية مشوقة.
جاءت روايته الأولى «العثور على ريبيكا» ضمن الكتب العشرة الأكثر مبيعاً على موقع «أمازون».
من أعماله «العاصفة القادمة» و«الصدى الأطول»، وهو أيضاً مؤلف كتاب «فتيان بوجسايد».
هنا حوار معه أُجري عبر الإنترنت حول أبرز ملامح تجربته الإبداعية:
> تستهل روايتك «الوردة البيضاء والغابة السوداء» بالتنويه بأنها مأخوذة عن أحداث حقيقية وهو ما أبرزته الترجمة العربية على الغلاف، هل تظن أن هذا التنويه يسهم في رفع مبيعات الرواية، هل يتحمس القراء أكثر للأعمال المأخوذة عن الواقع بشكل مباشر؟
- أعتقد بأن الناس يقرأون الروايات التاريخية؛ لأنهم يريدون أن يتعلموا شيئاً من التاريخ، كما يريدون بالطبع أن يستمتعوا بالنص. وإذا كانت الأحداث التي يقرأون عنها تستند إلى أحداث حقيقية فإنهم يشعرون بأنهم أكثر ارتباطاً بالأحداث الموجودة في الكتب. وبشكل عام، فإن التنويه إلى أن نصاً ما مستلهماً من وقائع جرت بالفعل في الواقع، يحقق شيئين مهمين؛ الأول فكرة المصداقية لدى المؤلف ومدى أمانته مع القارئ، الشيء الثاني هو مزيد من ارتباط القارئ بالنص؛ لأنه يشعر بأن الأخير يحتوي على عنصر من التاريخ الفعلي والوقائع التي شهدها العالم يوماً ما. بالطبع هذا شيء يحدث فارقاً.
> أشرت أيضاً في التنويه الذي يتصدر العمل إلى أنك أجريت بعض التغييرات في القصة الأصلية على الشخصيات والتواريخ «لأسباب أدبية»... ترى ما أبرز هذه التغييرات ولماذا هي ضرورية؟
- حسناً، أبرز التغييرات تكاد تشمل جميع الشخصيات في النص، إنها إبداعات وُلدت في مخيلتي! هذه التغييرات كانت ضرورية للغاية لأنني لست مؤرخاً وإنما روائي. ونحن هنا إزاء نص عمل إبداعي قائم على الخيال ولسنا بصدد حقائق تاريخية يجب أن أنقلها للأجيال الجديدة بموضوعية وتجرد. في النهاية أنا لا أضع كتاباً تاريخياً. رواياتي هي خيال تاريخي، وأحتاج إلى إنشاء شخصيات موازية تحاكي الشخصيات الحقيقية أو تتجاوزها لتوضيح الأحداث التي أريد أن يتعلمها القارئ. أهم شيء أكتبه هو قصة جيدة، هذا هو التحدي الحقيقي بصرف النظر عن أي إطار آخر يحيط بالنص، أما الخلفية التاريخية فتظل مجرد خلفية. هذا هو مفهومي للعمل الأدبي التاريخي، أن يحتفظ المؤلف بخياله مشتعلاً.
> لماذا أهديت الرواية لابنك روبي بالذات؟ هل هناك رسالة في العمل تريده أن يتابعها في المستقبل؟
- لأنه كان الطفل الوحيد الذي أنجبته في ذلك الوقت! ولأخويه الصغيرين روايات مخصصة لهما أيضاً. الرسالة التي أود أن يتبعها روبي هي أنه إذا عملت بجد لتحقيق حلم، يمكن أن يصبح حقيقة. القصة التي بدأت في مخيلتي استمتعَ بها الآن الناس في أنحاء العالم جميعها. الفكرة هنا قد تبدو بسيطة للغاية ومباشرة كذلك، لكنها مهمة وعميقة في آن واحد، لقد كانت رواية «الوردة البيضاء والغابة السوداء» محض خيال يداعبني بين الحين والآخر، لكنه تحول بالجدية والمجهود والمثابرة إلى نص يجلب للآخرين حول العالم كثيراً من المتعة.
> تتناول الرواية ثنائية «الحب والحرب» في مرحلة قاسية من تاريخ أوروبا والعالم هي الحرب العالمية الثانية، هل يمكن فعلاً أن يتفوق الحب على مشاعر الكراهية وأعمال القتل والدماء... أم أنها خيالات الأدباء الحالمين؟
- أتمنى أن يتفوق الحب على مشاعر الكراهية وأعمال القتل بالتأكيد، وإلا فإن هذا العالم لا يستحق العيش فيه! أعتقد بأن الأمر كذلك. الحب في كل مكان. نستطيع أن نلمسه بسهولة في العلاقات التي يقيمها الناس مع عائلاتهم وأصدقائهم، وحتى في الكياسة واللطف التي نظهرها للغرباء. الكراهية نادرة للغاية، على الرغم من أنها تأتي مع عواقب وخيمة وبعيدة المدى في كثير من الأحيان. الحب إذن حقيقي ورائع ومدهش وليس مجرد خيالات مبعثرة في ذهن حفنة من الحالمين.
> على ذكر الحرب، هل ترى أوجه شبه بين الحرب الأوكرانية الروسية، والحرب العالمية الثانية التي جاءت خلفية تاريخية لروايتك، هل يمكن أن تلهمك الأحداث الجارية حالياً فكرة ما لعمل روائي؟
- أعتقد أنه يوجد كثير من أوجه التشابه بين جنون الحرب العالمية الثانية، وما يتابعه العالم حالياً لحظة بلحظة من حرب دموية فتاكة. الاختلاف الرئيسي هو أنه أثناء الحرب القديمة لم تكن لدى هتلر أسلحة نووية. لو امتلك الرجل هذه النوعية من الأسلحة وسارع في الاستفادة منها لكان تاريخ أوروبا مختلفاً كثيراً. أما فيما يتعلق بمصادر الإلهام وهل تصلح الحرب الحالية مصدراً في هذا السياق، فأعتقد بأنها بالفعل تلهم الأدباء كل يوم، لكن ليس هذا ما حدث معي بالتحديد، حتى الآن!
> عندما يعود الروائي إلى التاريخ ويستلهم قصة حقيقية هل يعني ذلك أنه يعاني من إفلاس ما، جدب في الخيال، سوء علاقة مع واقعه الراهن، أم أن هناك مبررات أخرى وراء عودتك للتاريخ ليكون منبعك الذي تنهل منه في هذا النص؟
- كنت أرغب في إعادة رسم خريطة الظروف والملابسات المحيطة بدولة ألمانيا أثناء الحرب، وتبديد الأسطورة القائلة إن الألمان جميعاً كانوا نازيين مخلصين. أفضل طريقة لفعل ذلك كانت من خلال سرد قصة خيالية. بهذه الطريقة، تمكنت من نسج كل القصص التي أردت عرضها معاً، وحقنها بالقلب والإنسانية والعمل. أنا أؤلف الكتب التي أريد أن أقرأها، وهذا ما أردت أن أقرأه عندما كتبتها.
> جاءت روايتك الأولى «العثور على ريبيكا» ضمن الأكثر مبيعاً على موقع «أمازون»، هل تشغلك فكرة المبيعات والأرقام. وما معيار النجاح بالنسبة لك؟
- معاييري للنجاح مختلفة، تفاصيل إنسانية أكثر بساطة ووضوحاً. أذهب للسباحة صباح كل ثلاثاء مع ابني البالغ من العمر ثلاث سنوات. أُحضر عائلتي كل صيف لرؤية جدتهم في آيرلندا. هذا نجاح لي!
> انتقلت للعمل مدرساً في الولايات المتحدة عام 2008، هل تأثر إنتاجك الأدبي بالسفر، وماذا عن مهنة التدريس، ألا تعد مملة ومضادة لفكرة الإبداع إلى حد ما؟
- كوني مدرساً هو أحد أكثر الطرق المدهشة لتجربة الحياة التي يعيشها الآخرون. إنه لمن الرائع رؤية التجارب المختلفة التي يمر بها أناس غيرك. عملت في بعض المدارس الفقيرة داخل المدينة، حيث كانت تحدث أشياء كل يوم لم أكن أتخيلها أبداً... أي شيء يوسع رؤيتنا للعالم سيجعلنا كتّاباً أفضل، والتعليم يفعل ذلك كل يوم. لم أعد مدرساً، لكنني أذهب إلى المدارس في منطقتي لإجراء ورش للكتابة مع الأطفال، أنا أحب ذلك جداً.
لا أتفق مع من يصف مهنة التدريس بأنها مملة أو مضادة للإبداع بطبيعتها. تجربتي تؤكد العكس. هناك مهن أو أنشطة تمنحك فرصة ذهبية لرصد انفعالات وقصص بشر آخرين. هذه المهن تعد فرصة ذهبية للمؤلف. التدريس واحدة من تلك المهن.
> السيرة الذاتية الخاصة بك في موقع «جود ريدز» تشير إلى أن حلمك الأكبر كان يتمثل في ممارسة لعبة «الرغبي» وفي مرحلة أخرى أن تكون أحد نجوم موسيقى الروك، ما الذي ألقى بك إلى شواطئ الأدب والكتابة إذن؟
- حقيقة، لم أكن أجيد هذين الأمرين! لقد تخليت عن حلمي في أن أكون نجماً للرغبي أو ألعب موسيقى الروك لشيء تمكنت بالفعل من القيام به! الكتابة بالنسبة لي نشاط ممتع أتواصل من خلاله مع قراء عبر العالم. هذا ما يهم في النهاية، قدرتك على تحقيق ذاتك من خلال عمل محدد يهبك السعادة والمتعة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».