الجامعات الأميركية تستعد لصدمة برامج المحادثة الذكية

«تشات جي بي تي» يقدم المعلومات ويشرح المفاهيم والأفكار بجملٍ بسيطة

الجامعات الأميركية تستعد لصدمة برامج المحادثة الذكية
TT

الجامعات الأميركية تستعد لصدمة برامج المحادثة الذكية

الجامعات الأميركية تستعد لصدمة برامج المحادثة الذكية

أثناء تصحيحه مقالات الطلاب في مادّة أديان العالم، الشهر الفائت، قرأ أنتوني أومان، أستاذ الفلسفة في جامعة ميشيغان الشمالية، ما وصفه ببساطة «أفضل مقال في الصف»، فقد تناول المقال أخلاقية منع البرقع في مقاطع واضحة وصحيحة، معزّزة بأمثلة واقعية وحججٍ دقيقة، لكن الأستاذ شعر عندها بوجود خطبٍ جلل.
برنامج محادثة ذكي
واجه أومان الطالب، وسأله إذا كتب المقال بنفسه، فاعترف الأخير أنّه استخدم برنامج «تشات جي بي تي» ChatGPT الذي يوصل المعلومات، ويشرح المفاهيم، ويوضح الأفكار بجملٍ بسيطة. وفي هذه الحالة، كان هو من كتب المقال.
وتحت تأثير مفاجأته بهذا الاكتشاف، قرّر أومان تغيير طريقة كتابة المقالات في صفّه لهذا الفصل، عبر إجبار الطلّاب على كتابة مسودّات أوّلية في غرفة الصف، باستخدام متصفّحٍ يراقب ويضبط نشاط الكومبيوتر، وتقديم شرحٍ في المسودّات الأخيرة لكلّ مراجعة قاموا بها. ويخطّط أومان، الذي قد يتخلّى عن فكرة كتابة المقالات في الصفوف المقبلة، أيضاً لتحويل «تشات جي بي تي» إلى موضوعٍ في مواده، وحثّ الطلاب على تقييم إجاباته.
من جهته، قال أومان: «لن يقتصر ما يحصل في الصفوف على بعض الأسئلة التي سنناقشها نحن البشر بعد الآن، بل سيشمل أيضاً تحليل ما يفكّر به هذا البرنامج الذكي الغريب».
وبدأ الأساتذة ورؤساء الأقسام والإداريون في جامعات أخرى في أنحاء مختلفة من البلاد تغيير شكل الصفوف استجابة لبرنامج «تشات جي بي تي»، الذي قد يكون الشرارة لنقلة هائلة في عالم التعليم والتعلّم. ويعمل اليوم بعض الأساتذة على وضع تصاميم جديدة كلياً لموادهم من خلال تغييرات تشمل زيادة عدد الاختبارات الشفهية، وعمل المجموعات، والتقييمات المكتوبة بخطّ اليد بدل الطباعة.
ذكاء صناعي «توليدي»
تأتي هذه الخطوات ضمن تخبّط حقيقي، سبّبته موجة تقنية جديدة تُعرف بالذكاء الصناعي التوليدي، ويُعدّ «تشات جي بي تي»، الذي خرج للعلن في نوفمبر (تشرين الثاني) من شركة «أوبن أيه آي»، الجبهة الأمامية لهذه النقلة. ويولّد برنامج المحادثة المذكور نصوصاً مترابطة ودقيقة بشكلٍ مخيف استجابة لطلبات سريعة، ما دفع النّاس إلى استخدامه لكتابة رسائل الحب، والشعر، والخيال، حتّى الفروض المدرسية والجامعية.
قلب هذا الأمر الحال في بعض المدارس المتوسطة والثانوية حيث يحاول الأساتذة والإداريون اليوم تبيان ما إذا كان الطلاب يستخدمون برنامج المحادثة الروبوتي هذا لأداء فروضهم. ومنذ ظهوره، عمدت بعض المدارس الحكومية في نيويورك وسياتل إلى حجب هذه الأداة عن شبكات «واي - فاي» والأجهزة المستخدمة في الحرم لمنع الغش، رغم أنّ الطلاب ما زالوا قادرين على المواربة والوصول إلى الروبوت.
أمّا مؤسسات التعليم العالي، كالكلّيات والجامعات، فلا تزال متردّدة في منع أداة الذكاء الصناعي، لأنّ الإداريين يشكّكون بفاعلية هذه الخطوة، ولا يريدون التأثير على الحريّة التعليمية، ما يعني أنّ طريقة التعليم هي التي ستشهد تغييراً. في هذا السياق، قال جو غلوفر، عميد جامعة فلوريدا: «نحن نحاول مأسسة السياسات العامّة التي تدعم دون شكّ سلطة أعضاء الهيئة التدريسية في إدارة الصفوف، بدل استهداف وسائل غشّ معيّنة، لأنّ هذا الابتكار لن يكون الأخير الذي علينا التعامل معه».
هذا الأمر دقيق إلى حدّ بعيد، ولا سيما أن الذكاء الصناعي التوليدي لا يزال في أيّامه الأولى. إذ من المتوقّع أن تطلق شركة «أوبن أيه آي» قريباً أداة أخرى اسمها «جي بي تي 4» تتميّز بقدرات أفضل في كتابة النصوص مقارنة بالإصدارات السابقة. بدورها، طوّرت شركة غوغل برنامج محادثة روبوتيا ذكيا منافساً، أسمته «لامدا» LaMDA، وتدرس «مايكروسوفت» استثماراً بقيمة 10 مليارات دولار في «أوبن أيه آي»، فضلاً عن أنّ كثيراً من شركات وادي سيليكون الناشئة كـ«ستابيليتي إي آي» و«كاراكتر إي آي» تعمل على ابتكار أدوات ذكاء صناعي توليدي أيضاً.
وتحوّل «تشات جي بي تي» اليوم إلى موضوع أساسي على جداول أعمال كثير من الجامعات التي يعمل إداريوها على قرارات قوية للتعامل مع هذا الأمر، وعلى استضافة نقاشات واسعة للاستجابة للأداة تنتهي غالباً بتوصيات تحثّ على التأقلم مع التقنية.
رصد السرقات الأدبية
في سياق متصل، يعمل المحاضرون في جامعات عدّة، أبرزها جورج واشنطن في واشنطن، وروتجرز في نيوجيرسي، وأبالاش الحكومية في كارولينا الشمالية، على التخلّص تدريجياً من الواجبات المنزلية وفروض الكتاب المفتوح، التي أصبحت وسيلة تقييم مسيطرة خلال الجائحة، ولكنّها تبدو اليوم هشّة أمام روبوتات المحادثة، واستبدالها بواجبات داخل الصفّ، ومقالات مكتوبة بخطّ اليد، وأعمال المجموعات، واختبارات شفهية.
وتلجأ بعض الجامعات أيضاً إلى تدريس الطلّاب عن أدوات الذكاء الصناعي الجديدة. فقد كشفت جامعات بافالو في نيويورك، وفورمان في كارولينا الشمالية، عن خطط لإدخال مناقشة أدوات الذكاء الصناعي ومبادئ كالنزاهة الأكاديمية في مواد أساسية تُعطى لطلّاب السنة الأولى أو التمهيدية.
من جهتها، اعتبرت كيلي أهونا، مديرة قسم النزاهة الأكاديمية في جامعة بافالو، أنّه «علينا إضافة سيناريو عن هذا الأمر ليرى الطلّاب نموذجاً حقيقياً. نحن نريد تجنّب وقوع الأمور بدل ضبطها عندما تحصل».
ولأنّ سوء استخدام أدوات الذكاء الصناعي لن ينتهي على الأرجح، بدأ بعض الأساتذة والجامعات استخدام أجهزة رصد لاستئصال هذا النشاط. وكانت خدمة «تورنيتن» المتخصصة في رصد السرقات الأدبية قد أعلنت عن عزمها إدراج مزيد من مزايا تعريف الذكاء الصناعي كـ«تشات جي بي تي» خلال العام الحالي.
علاوة على ذلك، عمد أكثر من 6 آلاف أستاذ في جامعات هارفرد، وييل، ورود آيلاند، إلى الاشتراك في برنامج «جي بي تي زيرو» GPTZero الذي يعد برصد أي نصّ من إنتاج الذكاء الصناعي، على حدّ تعبير إدوارد تيان، مصمم البرنامج وطالب في مرحلة التخرّج في جامعة برينستون.
من ناحية أخرى، يرى بعض الطلّاب فوائد في استخدام أدوات الذكاء الصناعي في العملية التعليمية. فقد بدأت ليزي شاكني (27 عاماً)، طالبة في كلّيتي الحقوق والتصميم في جامعة بنسلفانيا، باستخدام «تشات جي بي تي» في إجراء العصف الذهني للأوراق البحثية ومعالجة شوائب برامج التشفير.
واعتبرت ليزي أنّ «بعض الاختصاصات تريد منكم المشاركة، ولا تريدكم أن تهدروا وقتكم وجهودكم»، في إشارة منها إلى صفوف علوم الكومبيوتر والإحصاءات. وتضيف أنّ «دماغي يعمل بشكلٍ مفيد أكثر في فكّ الرموز».
لكنّ شاكني لديها شكوكها أيضاً؛ حيث كشفت أنّ «تشات جي بي تي» يشرح في بعض الأحيان الأفكار بشكلٍ خاطئ، ويقدّم مصادر خاطئة للاقتباسات. ولم تتخذ جامعة بنسلفانيا حتّى اليوم أي إجراءات تخصّ هذه الأداة، لذا قرّرت ليزي ألّا تعتمد عليها في حال قررت الجامعة منعها أو اعتبارها وسيلة للغش.
في المقابل، يعيش بعض الطلاب بعيداً عن هذه الهواجس، حتّى إنّهم يعلنون عبر منصات كـ«رديت» أنّهم سلّموا أساتذتهم واجبات، كتبها أو حلّها «تشات جي بي تي»... وحصل وسم «#chatgpt» على أكثر من 578 مليون مشاهدة على منصّة «تيك توك» حيث يشارك النّاس مقاطع فيديو للأداة أثناء كتابتها للمقالات وحلّ مسائل الترميز.
وظهر في أحد المقاطع طالبٌ ينسخ اختبار الخيارات المتعدّدة، ويلصقه في الأداة، مع تعليق يقول فيه: «لا أدري عنكم شيئاً، لكنّني أفكّر باستخدام (تشات جي بي تي) في امتحاناتي النهائية. استمتعوا بالدراسة».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

دراسة علمية تكشف عن أن الرموز التعبيرية النصية قد تُربك نماذج الذكاء الاصطناعي مسببة أخطاء صامتة تؤثر على دقة الفهم والقرارات الآلية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)

تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية

باحثو «MIT» يطوّرون تقنية تمكّن شريحتين من توثيق بعضهما ببصمة سيليكون مشتركة دون تخزين مفاتيح خارجية لتعزيز الأمان والكفاءة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الفرق عالية الأداء تتفوق بفضل الاستثمار المنهجي في الذكاء الاصطناعي والشراكات والتخطيط البيعي (رويترز)

«سيلزفورس»: 9 من كل 10 فرق مبيعات تتجه إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي

تقرير «سيلزفورس» يكشف تسارع تبنّي وكلاء الذكاء الاصطناعي في المبيعات، لرفع الإنتاجية، وتحسين البيانات، ودعم نماذج تسعير مرنة لتحقيق النمو.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تطبيقات ذكاء اصطناعي متخصصة للتعامل مع البريد الإلكتروني

كيف تتحول الفوضى الرقمية إلى أداة إنتاجية متقدمة؟

في عصرنا الرقمي، تحول البريد الإلكتروني من وسيلة للتواصل إلى عبء يومي ثقيل. وبالنسبة للكثيرين،

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا توليفة مناسبة الثمن لتوصيل "آيبود" بكابل منج قبل 15 عاما بجهاز كومبيوتر بمنافذ "يو اس بي" صغيرة

كيف تتعامل مع العشرات من الأجهزة القديمة؟

أطاحت الجوالات الذكية بمشغلات الموسيقى الرقمية والكاميرات وألقتها جانباً بشكل كبير. ومع ذلك، لا يزال كثير من الناس يحتفظون بتلك الاجهزة مخبأة في مكان ما.

جيه دي بيرسدورفر (نيويورك)

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)
الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)
TT

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)
الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)

تتركز أغلب النقاشات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي حول مخاطر كبرى؛ كالتحيز والهلوسة وإساءة الاستخدام أو القرارات الآلية غير القابلة للتفسير. لكن دراسة بحثية جديدة تلفت الانتباه إلى مصدر مختلف تماماً للمخاطر المحتملة. إنها الرموز الصغيرة التي نستخدمها يومياً من دون تفكير مثل الوجوه التعبيرية النصية (emoticons).

الدراسة، المنشورة على منصة «arXiv» تكشف عن أن نماذج اللغة الكبيرة قد تُسيء فهم هذه الرموز البسيطة بطرق تؤدي إلى أخطاء وظيفية صامتة، لا تظهر على شكل أعطال واضحة، بل في مخرجات تبدو صحيحة شكلياً لكنها لا تعكس نية المستخدم الحقيقية.

رموز مألوفة... ومعانٍ ملتبسة

على عكس الرموز التعبيرية الحديثة (emoji) التي تمثل وحدات مرئية موحدة، تعتمد الوجوه التعبيرية النصية مثل «: -)» أو «: P» على تسلسل أحرف «ASCII». ورغم بساطتها ، تحمل هذه الرموز معاني سياقية دقيقة، تختلف باختلاف الثقافة أو سياق الاستخدام. المشكلة، بحسب الباحثين، أن نماذج اللغة لا تتعامل دائماً مع هذه الرموز باعتبارها إشارات دلالية، بل قد تفسرها أحياناً كجزء من الشيفرة البرمجية أو كنص حرفي بلا معنى عاطفي.

هذا الالتباس الدلالي قد يبدو تفصيلاً صغيراً، لكنه يصبح أكثر خطورة عندما تُستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي في مهام حساسة، مثل توليد الشيفرات البرمجية أو تحليل التعليمات أو تشغيل وكلاء آليين يتخذون قرارات تلقائية.

يمتد تأثير هذا الالتباس إلى الأنظمة المعتمدة على «الوكلاء الأذكياء» ما قد يضخّم الخطأ عبر سلاسل قرارات آلية متتابعة (شاترستوك)

قياس المشكلة بشكل منهجي

لفهم حجم هذه الظاهرة، طوّر فريق البحث إطاراً آلياً لاختبار تأثير الوجوه التعبيرية النصية على أداء النماذج. واعتمدوا على مجموعة بيانات تضم 3.757 حالة اختبار، ركزت في الغالب على سيناريوهات برمجية متعددة اللغات، حيث قد يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء دقيقة ولكن مؤثرة.

حقائق

38 %

هو معدل تجاوز الخطأ الذي سجلته الاختبارات عند وجود رموز تعبيرية نصية رغم بساطة هذه الإشارات وشيوع استخدامها اليومي.

الفشل الصامت

النتيجة الأكثر إثارة للقلق في الدراسة ليست نسبة الخطأ بحد ذاتها، بل طبيعة هذه الأخطاء. فقد وجد الباحثون أن أكثر من 90 في المائة من حالات الإخفاق كانت «فشلاً صامتاً»؛ أي أن النموذج أنتج مخرجات تبدو صحيحة من حيث البنية أو الصياغة، لكنها تنفذ منطقاً مختلفاً عمّا قصده المستخدم.

في البرمجة، على سبيل المثال، قد يؤدي ذلك إلى شيفرة تعمل دون أخطاء، لكنها تنفذ وظيفة غير متوقعة. هذا النوع من الأخطاء يصعب اكتشافه؛ لأنه لا يولد تحذيرات مباشرة، وقد لا يظهر إلا بعد فترة طويلة، أو في ظروف تشغيل محددة.

تجاوز النماذج نفسها

لم تتوقف الدراسة عند اختبار النماذج اللغوية بشكل مباشر، بل امتدت إلى أنظمة قائمة على «الوكلاء» (agent - based frameworks) التي تعتمد على هذه النماذج كعقل مركزي لاتخاذ القرار. ووجد الباحثون أن الالتباس الدلالي ينتقل بسهولة إلى هذه الأنظمة المركبة، ما يعني أن الخطأ لا يبقى محصوراً في إجابة واحدة، بل قد يتضخم عبر سلسلة من القرارات الآلية. هذا الاكتشاف مهم في ظل التوجه المتسارع نحو استخدام وكلاء ذكيين لإدارة مهام معقدة، من أتمتة البرمجيات إلى تشغيل سلاسل عمل كاملة دون تدخل بشري مباشر.

لماذا تفشل الحلول الحالية؟

قد يبدو الحل بديهياً، وهو تعليم النموذج تجاهل الوجوه التعبيرية، أو إضافة تعليمات صريحة في المطالبات (prompts). لكن الدراسة تشير إلى أن هذه المعالجات السطحية ليست كافية. فحتى مع تعليمات إضافية، استمرت النماذج في الوقوع في الالتباس نفسه، ما يدل على أن المشكلة أعمق من مجرد «سوء صياغة» في الطلب.

يرجّح الباحثون أن جذور المشكلة تعود إلى بيانات التدريب نفسها، حيث لا يتم تمثيل الوجوه التعبيرية النصية بشكل متسق، أو يتم التعامل معها أحياناً على أنها ضوضاء لغوية. كما أن البنية الداخلية للنماذج قد لا تميز بوضوح بين الرمز بوصفه إشارة عاطفية أو عنصراً نحوياً أو جزءاً من شيفرة.

الدراسة: جذور المشكلة تعود إلى بيانات التدريب وبنية النماذج نفسها ما يستدعي اختبارات أمان أدق وتحسين تمثيل الإشارات اللغوية الصغيرة (أدوبي)

سلامة الذكاء الاصطناعي

تكشف هذه الدراسة عن جانب مهم من التحديات التي تواجه نشر نماذج الذكاء الاصطناعي في البيئات الواقعية. فالمخاطر لا تنشأ فقط من القرارات الكبرى أو المدخلات الخبيثة، بل قد تأتي من تفاصيل صغيرة ومألوفة ويومية. وفي سياق سلامة الذكاء الاصطناعي، يسلط البحث الضوء على الحاجة إلى اختبارات أكثر دقة، لا تكتفي بتقييم صحة الإجابة من حيث المضمون العام، بل تدرس مدى تطابقها مع نية المستخدم. كما يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية هذه النماذج للتعامل مع اللغة كما تُستخدم فعلياً، لا كما تُكتب في الأمثلة المثالية.

الخطوة التالية

لا تقدم الدراسة حلولاً نهائية، لكنها ترسم خريطة واضحة للمشكلة، وتدعو إلى مزيد من البحث في كيفية تمثيل الرموز غير التقليدية داخل النماذج اللغوية. وقد يكون ذلك عبر تحسين بيانات التدريب أو تطوير آليات تفسير دلالي أدق أو دمج اختبارات أمان جديدة تركز على «الإشارات الصغيرة».

تهدف الدراسة إلى القول إن في عصر الذكاء الاصطناعي، لا توجد تفاصيل صغيرة حقاً. حتى رمز ابتسامة بسيط قد يحمل مخاطر أكبر مما نتخيل، إذا أسيء فهمه داخل عقل آلي يعتمد عليه البشر في قرارات متزايدة الحساسية.


تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية

أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)
أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)
TT

تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية

أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)
أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)

في عالم الأمن السيبراني تقوم الثقة غالباً على أسرار مخزنة في مكان آخر؛ قد تكون على خادم أو داخل ذاكرة محمية أو في قاعدة بيانات سحابية. لكن ماذا لو لم يكن من الضروري أن تغادر هذه الأسرار الشريحة الإلكترونية أساساً؟

طوّر مهندسون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) تقنية تصنيع تُمكّن شريحتين إلكترونيتين من توثيق بعضهما عبر «بصمة» مادية مشتركة، من دون الحاجة إلى تخزين بيانات تعريف حساسة على خوادم طرف ثالث. ويمكن لهذه المقاربة أن تعزز الخصوصية وتخفض استهلاك الطاقة والذاكرة المرتبط عادةً بالأنظمة التشفيرية التقليدية.

الأسرار المخزّنة خارج الشريحة

حتى عندما تُصمَّم شرائح «CMOS» لتكون متطابقة، فإنها تحتوي على اختلافات مجهرية طفيفة تنشأ بشكل طبيعي أثناء عملية التصنيع. هذه الاختلافات تمنح كل شريحة توقيعاً مادياً فريداً يُعرف باسم «الدالة الفيزيائية غير القابلة للاستنساخ» (PUF). ومثل بصمة الإصبع البشرية، يمكن استخدام هذه الدالة للتحقق من الهوية.

في الأنظمة التقليدية، عندما يتلقى الجهاز طلب توثيق، فإنه يولّد استجابة تعتمد على بنيته الفيزيائية. ويقارن الخادم هذه الاستجابة بقيمة مرجعية مخزنة مسبقاً للتأكد من صحة الجهاز. لكن هذه البيانات المرجعية يجب أن تُخزَّن في مكانٍ ما، وغالباً على خادم خارجي. وإذا تم اختراق ذلك الخادم، تصبح منظومة التوثيق بأكملها عرضة للخطر.

يقول يون سوك لي، طالب الدراسات العليا في الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب في «MIT» والمؤلف الرئيسي للدراسة: «أكبر ميزة في هذه الطريقة الأمنية أننا لا نحتاج إلى تخزين أي معلومات. ستبقى كل الأسرار داخل السيليكون دائماً».

تعتمد التقنية على استغلال الاختلافات المجهرية الطبيعية في تصنيع شرائح «CMOS» لإنشاء بصمة غير قابلة للاستنساخ (MIT)

شريحتان ببصمة واحدة

للتغلب على الاعتماد على التخزين الخارجي، ابتكر فريق «MIT» طريقة لتصنيع شريحتين تتشاركان بصمة مدمجة واحدة؛ أي بصمة فريدة لهاتين الشريحتين فقط.

ويمكن فهم الفكرة عبر تشبيه بسيط: تخيّل ورقة تم تمزيقها إلى نصفين، الحواف الممزقة عشوائية وفريدة، ولا يمكن إعادة إنتاجها بدقة. ومع ذلك، فإن القطعتين تتطابقان تماماً؛ لأنهما تتشاركان نفس الحافة غير المنتظمة. طبّق الباحثون هذا المفهوم أثناء تصنيع أشباه الموصلات؛ إذ تُنتج عدة شرائح في الوقت نفسه على رقاقة سيليكون واحدة قبل فصلها. واستغل الفريق هذه المرحلة لإدخال «عشوائية مشتركة» بين شريحتين متجاورتين قبل تقطيعهما. يشرح لي: «كان علينا إيجاد طريقة لتنفيذ ذلك قبل مغادرة الشريحة المصنع، لتعزيز الأمان. فبمجرد دخول الشريحة في سلسلة التوريد، لا نعرف ما الذي قد يحدث لها».

هندسة العشوائية داخل السيليكون

لإنشاء البصمة المشتركة، استخدم الباحثون عملية تُعرف باسم «انهيار أكسيد البوابة» (Gate Oxide Breakdown)؛ إذ يتم تطبيق جهد كهربائي مرتفع على ترانزستورات محددة مع تسليط ضوء «LED» منخفض التكلفة عليها. وبسبب الفروقات المجهرية الطبيعية، ينهار كل ترانزستور في لحظة مختلفة قليلاً. تمثل حالة الانهيار هذه مصدر العشوائية التي تُبنى عليها البصمة الفيزيائية.

ولإنشاء بصمة مزدوجة، صمّم الفريق أزواجاً من الترانزستورات تمتد عبر شريحتين متجاورتين، مع ربطها بطبقات معدنية أثناء وجودها على الرقاقة نفسها. وعند حدوث الانهيار، تتطور خصائص كهربائية مترابطة بين الترانزستورات المرتبطة.

بعد ذلك، تُقطَّع الرقاقة بحيث تحصل كل شريحة على نصف زوج الترانزستورات، وبالتالي تحتفظ كل واحدة ببصمة مشتركة مع الأخرى. وبعد تحسين العملية، تمكّن الباحثون من إنتاج نموذج أولي لشريحتين متطابقتين أظهرتا تطابقاً في العشوائية بنسبة تفوق 98 في المائة، وهي نسبة كافية لضمان توثيق مستقر وآمن.

ويقول لي إنه «لم يتم نمذجة انهيار الترانزستورات بدقة في العديد من المحاكاة، لذلك كان هناك قدر كبير من عدم اليقين. تحديد جميع الخطوات وتسلسلها لإنتاج هذه العشوائية المشتركة هو جوهر الابتكار في هذا العمل». والأهم أن التقنية متوافقة مع عمليات تصنيع «CMOS» القياسية، ولا تتطلب مواد خاصة. كما أن استخدام مصابيح «LED» منخفضة التكلفة وتقنيات دوائر تقليدية يجعل تطبيقها على نطاق واسع أمراً عملياً.

يمكن أن تفيد التقنية الأجهزة منخفضة الطاقة مثل المستشعرات الطبية عبر توفير أمن أعلى بتكلفة طاقة أقل (شاترستوك)

أهمية خاصة للأجهزة منخفضة الطاقة

يمكن أن تكون هذه التقنية مفيدة بشكل خاص في الأنظمة التي تعمل بقيود طاقة صارمة؛ إذ تُعد الكفاءة والأمن أولوية في آن واحد. فعلى سبيل المثال، قد تستفيد كبسولات استشعار طبية قابلة للبلع متصلة برقعة تُرتدى على الجسم من هذا النهج؛ إذ يمكن للكبسولة والرقعة توثيق بعضهما مباشرة من دون الحاجة إلى خادم وسيط أو بروتوكولات تشفير معقدة تستهلك طاقة إضافية.

يعد أنانثا تشاندراكاسان، نائب رئيس «MIT» والمؤلف المشارك في الدراسة، أن «هناك طلباً متزايداً بسرعة على أمن الطبقة الفيزيائية للأجهزة الطرفية». ويضيف أن منهج البصمة المزدوجة «يتيح اتصالاً آمناً بين العقد من دون عبء بروتوكولات ثقيلة، ما يحقق كفاءة في الطاقة وأمناً قوياً في الوقت نفسه».

نحو ترسيخ الثقة في العتاد نفسه

لا يقتصر البحث على الحلول الرقمية فقط؛ إذ يستكشف الفريق أيضاً إمكان تطوير أشكال أكثر تعقيداً من «السرية المشتركة» تعتمد على خصائص تماثلية يمكن تكرارها مرة واحدة فقط.

ويرى روانان هان، أستاذ الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب والمؤلف المشارك في الدراسة، أن هذه الخطوة تمثل محاولة أولية لتقليل المفاضلة بين الأمان وسهولة الاستخدام. ويقول: «إن إنشاء مفاتيح تشفير مشتركة داخل مصانع أشباه الموصلات الموثوقة قد يساعد على كسر المفاضلة بين تعزيز الأمان وتسهيل حماية نقل البيانات».

ومع تزايد انتشار الأجهزة المتصلة وتوسع الحوسبة الطرفية، قد يصبح دمج الثقة مباشرة في العتاد أمراً ضرورياً. فمن خلال ضمان بقاء الأسرار داخل السيليكون نفسه، تشير هذه التقنية إلى مستقبل يُبنى فيه التوثيق داخل الشريحة لا خارجها.


«إنستغرام» لتنبيه الآباء عند بحث المراهقين عن محتوى متعلق بالانتحار

إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)
إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)
TT

«إنستغرام» لتنبيه الآباء عند بحث المراهقين عن محتوى متعلق بالانتحار

إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)
إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)

أفاد تطبيق «إنستغرام» بأنه سيبدأ بتنبيه أولياء الأمور، إذا أجرى ​أبناؤهم، ممن هم في سن المراهقة، عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس، خلال فترة زمنية قصيرة، وذلك في وقت تتزايد فيه ‌الضغوط على الحكومات ‌لاعتماد قيود ​مشابهة لحظر ⁠أستراليا ​استخدام وسائل ⁠التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عاماً.

ووفقاً لـ«رويترز»، قالت بريطانيا، في يناير (كانون الثاني)، إنها تدرس فرض قيود لحماية الأطفال عند اتصالهم بالإنترنت، ⁠بعد الخطوة التي اتخذتها ‌أستراليا، في ‌ديسمبر (كانون الأول). ​ وأعلنت إسبانيا واليونان ‌وسلوفينيا، في الأسابيع القليلة الماضية، ‌أنها تدرس أيضاً فرض قيود.

وذكر تطبيق «إنستغرام» المملوك لشركة «ميتا بلاتفورمز»، اليوم (الخميس)، أنه سيبدأ ‌في تنبيه أولياء الأمور المسجَّلين في إعدادات الإشراف الاختيارية، ⁠إذا ⁠حاول أطفالهم الوصول إلى محتوى يتعلق بالانتحار أو إيذاء النفس.

وتابعت المنصة في بيان: «تُضاف هذه التنبيهات إلى عملنا الحالي للمساعدة في حماية القصّر من المحتوى الضار المحتمل على (إنستغرام)... لدينا سياسات صارمة ضد المحتوى الذي ​يروج أو ​يشيد بالانتحار أو إيذاء النفس».