الجزائر تتخذ إجراءات تُشجع على السياحة الصحراوية

تساقط الثلوج في الصحراء الجزائرية يخلف أنماطاً في الكثبان الرملية (رويترز)
تساقط الثلوج في الصحراء الجزائرية يخلف أنماطاً في الكثبان الرملية (رويترز)
TT

الجزائر تتخذ إجراءات تُشجع على السياحة الصحراوية

تساقط الثلوج في الصحراء الجزائرية يخلف أنماطاً في الكثبان الرملية (رويترز)
تساقط الثلوج في الصحراء الجزائرية يخلف أنماطاً في الكثبان الرملية (رويترز)

تسعى الجزائر إلى اجتذاب السياح الأجانب، من خلال سلسلة إجراءات تُشجع على السياحة الصحراوية جنوب البلاد، وذلك سيراً على خُطى السعودية التي فتحت أبوابها أمام السياح لأول مرة في عام 2019.
وذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء، في تقرير لها، أنه وفقاً لبيان لوزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية الجزائرية، تُخطط البلاد لتسهيل الإجراءات بالنسبة للمسافرين الدوليين. وأعلن بيان الوزارة إقرار ترتيبات جديدة في منح التأشيرات السياحية للسياح الأجانب الراغبين في زيارة جنوب البلاد، وذلك بالتنسيق الوثيق مع مختلف القطاعات الوزارية والهيئات المعنية.
وبهذا الخصوص، تقرر تمكين الأجانب الراغبين في القيام برحلات سياحية جنوب البلاد عن طريق وكالات السياحة والأسفار الوطنية المعتمدة، بالاستفادة من تأشيرة التسوية مباشرة عند وصولهم إلى المنافذ الحدودية، لا سيما في الولايات الجنوبية (المطارات والمعابر البرية).
أضافت «بلومبرغ»، أن هذه الخطوة بديل عن عملية بيروقراطية طويلة وغير مجدية قبل الوصول، مما يسمح للسياح باستكشاف المناظر الطبيعية المقفرة والآثار القديمة.
وبحسب الوزارة، يستفيد السياح الأجانب المعنيون من وثيقة تسلم لهم عن طريق وكالاتهم السياحية، حيث تسمح لهم بركوب الطائرات التابعة لمختلف شركات الطيران بالمطارات القادمين منها. كما يستفيد هؤلاء السياح الأجانب، مباشرة عند وصولهم، من تأشيرات التسوية بالمدة التي تتوافق مع فترة الرحلة السياحية المنظمة لهم.
ويسري القرار الآن، رغم أن موسم السياحة، الذي يهيمن عليه بشكل كبير حتى الآن المحليون والجزائريون من الخارج، يغطي الأشهر الأكثر برودة التي تبدأ في أكتوبر (تشرين الأول). غير أن «بلومبرغ» قالت إن هناك مشكلة، وهي أن الزائرين لن يتم الترحيب بهم إلا في جنوب البلاد الذي يغطي منطقة الصحراء، ما يعني أنه سيكون من الصعب السفر إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، وممارسة التزلج الشتوي في جبال الأطلس، أو في العاصمة القديمة الجزائر.
ويتعيّن على السياح الحجز من خلال وكالة سفر معتمدة تعمل في الجزائر وسوف ترافقهم الشرطة، وذلك حسب بيان الوزارة. وذكر بيان وزارة الداخلية أن «الوكالات السياحية المعتمدة تقوم بإدراج كل المعطيات المتعلقة ببرنامج الزيارة السياحية والمشاركين فيها من السياح الأجانب». فضلاً على ذلك، تعمل السلطات المحلية للولايات المعنية على توفير المرافقة اللازمة لكل الفاعلين المعنيين، بقصد ضمان سير الجولات السياحية المبرمجة في أحسن الظروف.
وأضافت «بلومبرغ» أنه مع ذلك، تمثل هذه الخطوة تغييراً بالنسبة لدولة لم تسع أبداً لكي تصبح مقصداً سياحياً كبيراً؛ مثل الجارتين الإقليميتين المغرب ومصر.
وبينما كان الجزائريون يقومون ببناء فنادق جديدة ويكثفون الحملات لجذب سياحة على نطاق واسع في حقبة تسعينات القرن الماضي، انزلقت الجزائر إلى حرب أهلية وحشية مع مسلحين إسلامويين، واهتم الحكّام المتعاقبون على الدولة العضو في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) بالداخل، واعتمدوا على النفط لتمويل البلاد.
وقال رئيس الجمعية الوطنية لوكلاء السفر، محمد أمين برجم، وفقا لـ«بلومبرغ»: «الشكر لله! نحن مسرورون من هذا القرار الذي من المؤكد أنه سيكون له تأثير إيجابي على قطاع السياحة وعلى البلاد».
ويسهم قطاع السياحة الجزائري بـ5.‏1 في المائة فقط من إجمالي الناتج المحلي، مقارنة بـ14 في المائة بتونس.
وتابعت «بلومبرغ» أن الجزائر تعتبر متراجعة أيضاً فيما يتعلق بالبنية التحتية الفندقية، حيث بلغ عدد الأسرّة 127 ألفاً في نهاية عام 2020 مقابل 230 ألفاً، و903 أسرّة في جارتها الشرقية (تونس)، وهي دولة أصغر منها بكثير.
ويعبُر أكثر من مليون جزائري الحدود كل صيف لقضاء إجازاتهم في تونس، حيث تكون العروض أكثر تنوعاً والأسعار معقولة.
ولمواكبة الحركة السياحية، تدعو الحكومة الجزائرية المستثمرين الأجانب لتمويل وبناء مجمعات سياحية، وتم التوقيع على اتفاقية إطارية بين شركة ريتاج القطرية للفنادق والضيافة وشركة «إتش تي تي» الجزائرية المملوكة للدولة لحشد التمويل. وسوف تقدم ريتاج أيضاً الخدمات الإدارية لفنادق شركة «إتش تي تي» البالغ عددها 73 في جميع أنحاء البلاد.
وذكرت «بلومبرغ» أنه ما زال هناك البعض الذين يشككون في أن التحول سوف يكون سهلاً. وقال أمين حمادي مدير السياحة في جانيت، المنطقة الأكثر جذباً للسياح: «نأمل في ردود سريعة على الطلبات التي تقدمها وكالات السفر». وأضاف حمادي أن «التأخيرات الطويلة تتسبب في عدم إقبال السياح».


مقالات ذات صلة

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

شمال افريقيا الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

أكد وزيران جزائريان استعداد سلطات البلاد لتجنب سيناريو موسم الحرائق القاتل، الذي وقع خلال العامين الماضيين، وسبّب مقتل عشرات الأشخاص. وقال وزير الفلاحة والتنمية الريفية الجزائري، عبد الحفيظ هني، في ندوة استضافتها وزارته مساء أمس، إن سلطات البلاد أعدت المئات من أبراج المراقبة والفرق المتنقلة، إضافة لمعدات لوجيستية من أجل دعم أعمال مكافحة الحرائق، موضحاً أنه «سيكون هناك أكثر من 387 برج مراقبة، و544 فرقة متنقلة، و42 شاحنة صهريج للتزود بالمياه، و3523 نقطة للتزود بالمياه، و784 ورشة عمل بتعداد 8294 عوناً قابلاً للتجنيد في حالة الضرورة القصوى».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

التمست النيابة بمحكمة بالجزائر العاصمة، أمس، السجن 12 سنة مع التنفيذ بحق وزير الموارد المائية السابق، أرزقي براقي بتهمة الفساد. وفي غضون ذلك، أعلن محامو الصحافي إحسان القاضي عن تنظيم محاكمته في الاستئناف في 21 من الشهر الحالي، علماً بأن القضاء سبق أن أدانه ابتدائياً بالسجن خمس سنوات، 3 منها نافذة، بتهمة «تلقي تمويل أجنبي» لمؤسسته الإعلامية. وانتهت أمس مرافعات المحامين والنيابة في قضية الوزير السابق براقي بوضع القضية في المداولة، في انتظار إصدار الحكم الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مقر القصر الرئاسي بالجزائر، الثلاثاء، الدكتور عبد الله آل الشيخ، رئيس مجلس الشورى السعودي الذي يقوم بزيارة رسمية؛ تلبية للدعوة التي تلقاها من رئيس مجلس الأمة الجزائري. وشدد آل الشيخ على «تبادل الخبرات لتحقيق المصالح التي تخدم العمل البرلماني، والوصول إلى التكامل بين البلدين اللذين يسيران على النهج نفسه من أجل التخلص من التبعية للمحروقات، وتوسيع مجالات الاستثمار ومصادر الدخل»، وفق بيان لـ«المجلس الشعبي الوطني» الجزائري (الغرفة البرلمانية). ووفق البيان، أجرى رئيس المجلس إبراهيم بوغالي محادثات مع آل الشيخ، تناولت «واقع وآفاق العلاقات الثنائية الأخوية، واس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

قضت محكمة الاستئناف بالعاصمة الجزائرية، أمس، بسجن سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الراحل، 12 سنة مع التنفيذ، فيما تراوحت الأحكام بحق مجموعة رجال الأعمال المقربين منه ما بين ثماني سنوات و15 سنة مع التنفيذ، والبراءة لمدير بنك حكومي وبرلماني، وذلك على أساس متابعات بتهم فساد. وأُسدل القضاء الستار عن واحدة من أكبر المحاكمات ضد وجهاء النظام في عهد بوتفليقة (1999 - 2019)، والتي دامت أسبوعين، سادها التوتر في أغلب الأحيان، وتشدد من جانب قاضي الجلسة وممثل النيابة في استجواب المتهمين، الذي بلغ عددهم 70 شخصاً، أكثرهم كانوا موظفين في أجهزة الدولة في مجال الاستثمار والصفقات العمومية، الذين أشارت التحقيقات إلى تو

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

كيف انعكست الحرب الإيرانية على قناة السويس؟

إحدى السفن خلال مرورها في قناة السويس الشهر الماضي (هيئة قناة السويس)
إحدى السفن خلال مرورها في قناة السويس الشهر الماضي (هيئة قناة السويس)
TT

كيف انعكست الحرب الإيرانية على قناة السويس؟

إحدى السفن خلال مرورها في قناة السويس الشهر الماضي (هيئة قناة السويس)
إحدى السفن خلال مرورها في قناة السويس الشهر الماضي (هيئة قناة السويس)

أثارت الحرب الإيرانية مخاوف مصرية من انعكاسها على الملاحة بقناة السويس، التي تشكل أحد أهم مصادر الدخل القومي للبلاد، فيما قال خبراء إن تأثير الحرب «بدأ بالفعل» مع ازدياد المخاطر الأمنية على السفن العابرة.

وتحدثت تقارير صحافية في الأيام الأخيرة عن قيام شركات شحن عالمية كبرى، منها مجموعة «ميرسك» الدنماركية، و«سي إم إيه سي جي إم» الفرنسية، و«هاباغ - لويد» الألمانية بتعليق عبور بعض سفنها من قناة السويس.

وأعرب رئيس هيئة قناة السويس، الفريق أسامة ربيع، عن أمله في «استقرار الأوضاع الإقليمية، لما لها من تداعيات مؤثرة على صناعة النقل البحري واستقرار سلاسل الإمداد العالمية».

وقال في بيان للهيئة، الخميس، إن قناة السويس اتجهت لتحديث حزمة خدماتها الملاحية والبحرية، وإضافة أنشطة جديدة لم تكن موجودة من قبل «لتتلاءم مع متطلبات العملاء في الظروف الاعتيادية والطارئة؛ وأبرزها خدمات صيانة وإصلاح السفن، والإنقاذ البحري، والإسعاف البحري، وذلك بالتوازي مع تطوير وتحديث أسطول الوحدات البحرية التابعة للهيئة».

تأثير «منذ الأيام الأولى»

ويرى خبير النقل الدولي، أسامة عقيل، أن تأثير الحرب الإيرانية على قناة السويس بدأ منذ الأيام الأولى للحرب، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «المؤشرات الحالية تفيد بأن حركة الملاحة في القناة تراجعت منذ بدء الحرب بنحو 50 في المائة بسبب زيادة المخاطر الأمنية وقيام شركات التأمين بزيادة تكلفة تغطية مخاطر عبور السفن».

وحسب عقيل، فإن «التأثير السلبي على حركة العبور بقناة السويس سيزداد إذا طال أمد الحرب، وعندما تنتهي العمليات العسكرية سيتطلب الأمر وقتاً طويلاً كي تعود الملاحة إلى طبيعتها، لأن مجموعات الشحن الدولية التي حوَّلت سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح ستكون قد أبرمت عقوداً للعبور من المسار البديل، وستحتاج وقتاً لإنهائها».

وقبل بدء الحرب الإيرانية، شهدت قناة السويس فترة تعافٍ نسبي عقب «انتكاسة سابقة» بسبب هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر إثر الحرب في غزة.

وأكدت هيئة القناة في يناير (كانون الثاني) الماضي أن إحصاءات الملاحة في المجرى المائي «شهدت تحسناً ملموساً خلال النصف الأول من العام المالي 2025 - 2026».

مصر تأمل في استقرار الأوضاع بالمنطقة لعودة الملاحة بقناة السويس لطبيعتها (هيئة قناة السويس)

وقال رئيس الهيئة في إفادة رسمية حينها: «المؤشرات الراهنة تُبشر بتحسن إيرادات القناة، خصوصاً مع عودة بعض الخطوط الملاحية للعبور بها، نتيجة مباشرة لاستقرار الأوضاع بمنطقة البحر الأحمر».

تهديد لحركة التجارة العالمية

وسبق أن حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر، وأكد خلال استقباله رئيس «مجموعة البنك الدولي»، أجاي بانغا، في القاهرة مطلع الشهر الحالي أن «مصر خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة»، حسب بيان للرئاسة المصرية.

ويرى خبير النقل الدولي عقيل أن الحرب الإيرانية «لن تؤثر فقط على قناة السويس، بل على حركة التجارة العالمية، والتي شهدت بالفعل تراجعاً ملحوظاً. كما أن استمرار الحرب سوف يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والمنتجات المختلفة بسبب ارتفاع تكلفة النقل».

وسجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023.

تأثر حركة الملاحة في قناة السويس بالحرب الإيرانية (هيئة قناة السويس)

ويقول خبير إدارة المخاطر الأمنية، اللواء إيهاب يوسف، إن استمرار الحرب الإيرانية «يشكل تهديداً لحركة الملاحة بالعالم وليس قناة السويس فقط».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن مصر «تقوم بتأمين السفن العابرة من القناة على طول المجرى الملاحي وحتى حدود المياه الإقليمية؛ لكن المشكلة أن السفن ستمر ذهاباً وإياباً وسط منطقة العمليات العسكرية بالخليج ومضيق باب المندب، وهو ما دفع مجموعات ملاحية كبيرة لتحويل مسار سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح».

ويستطرد: «إغلاق مضيق هرمز سوف يزيد مخاطر العبور، خصوصاً إذا طال أمد الحرب».


موائد رمضان «السياسية» تثير انتقادات الليبيين مع تفاقم الغلاء

الدبيبة مستقبلاً أعيان وشباب وقيادات بلدية تاجوراء على مائدة الإفطار (حكومة الوحدة)
الدبيبة مستقبلاً أعيان وشباب وقيادات بلدية تاجوراء على مائدة الإفطار (حكومة الوحدة)
TT

موائد رمضان «السياسية» تثير انتقادات الليبيين مع تفاقم الغلاء

الدبيبة مستقبلاً أعيان وشباب وقيادات بلدية تاجوراء على مائدة الإفطار (حكومة الوحدة)
الدبيبة مستقبلاً أعيان وشباب وقيادات بلدية تاجوراء على مائدة الإفطار (حكومة الوحدة)

مع اقتراب نهاية شهر رمضان، تتجدد الأنظار في ليبيا نحو موائد الإفطار «السياسية»، التي ينظمها متصدرو المشهد السياسي والأمني، لأن هذه الموائد، التي تجمع أعياناً وشخصيات قبلية وقادة مجموعات مسلحة، لم تعد مجرد عرف تقليدي بين النخب، بل أضحت حسب متابعين منصات واضحة «لنسج التحالفات وتثبيت الولاءات».

في رمضان هذا العام، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار الدولار والسلع الأساسية، أثارت صور هذه الموائد موجة من الانزعاج الشعبي، إذ قارن مواطنون بين البذخ في الموائد الرسمية وتقشف موائدهم الرمضانية، ما جعل هذه الولائم محور جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام.

«موائد الإفطار السياسية»

كان رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، أول من دشن ما بات يعرف بـ«موائد الإفطار السياسية»، ولذلك استقطبت مأدبته في أحد أفخم فنادق العاصمة طرابلس النصيب الأكبر من الانتقادات، بين من استغرب دعوته لقيادات مسلحة بمدينة الزاوية سبق أن توعدهم، ومن رأى في الأمر محاولة لنسج تحالفات جديدة بالمنطقة الغربية بالتزامن مع تعديله الوزاري الأخير.

وأبدى عضو مجلس النواب الليبي، علي التكبالي، تفهمه لردود الفعل الغاضبة، عادّاً أن الإصرار على إقامة تلك الموائد هذا العام كان بمثابة رسالة بأن «الشارع ومعاناته ورأيه لم يعد يمثل أولوية لدى متصدري المشهد ومستشاريهم».

الدبيبة مستقبلاً الضاوي على مائدة إفطار أقامها لأعيان وحكماء قبائل ورشفانة (الحكومة)

وقال التكبالي لـ«الشرق الأوسط»: «أصبح هناك تعود على توظيف تلك الموائد لكسب الولاءات وعقد التحالفات، التي لم يكن الشارع يكترث بها، ولطالما عدّها شأناً خاصاً بالنخب. أما هذا العام فكان الأجدر ألا تستفز تلك القيادات الشارع بصور البذخ الواضحة فيها، في وقت تعجز فيه أسر كثيرة عن توفير مائدة إفطار لائقة لأبنائها».

ولفت التكبالي إلى أن «الغضب تصاعد أيضاً لغياب أي جهد حقيقي من أفرقاء الأزمة، شرقاً وغرباً، لمعالجة ارتفاع سعر الدولار، رغم تحذيرات الخبراء المتكررة من تداعيات ذلك على متوسطي ومحدودي الدخل»، وفق رأيه.

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة»، التي تتخذ من العاصمة طرابلس مقراً لها، وحكومة موازية برئاسة أسامة حماد مكلفة من البرلمان، ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، تدير الشرق وبعض مدن الجنوب.

غير أن الانتقاد الأوسع صدى جاء بحجة عدم ملاءمة إقامة تلك الموائد الفاخرة في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وفي هذا السياق كتب حساب باسم آدم الضاوي على «فيسبوك» متهكماً: «عزومات ملكية وبذخ لناس مرفهين... لقد نسينا طعم الفواكه واللحوم من غلاء الأسعار».

وعدّ رئيس مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء، طارق لملوم، أن «كثرة عدد تلك الموائد والتشكيك في تمويلها من خزينة البلاد هو ما دفع إلى إثارة الانتقادات تجاهها، إلى جانب توظيفها السياسي». وضرب لملوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، مثالاً بوزير الداخلية بحكومة «الوحدة» عماد الطرابلسي، الذي أقام وشارك في موائد كثيرة، وتساءل إن كانت تكاليف تلك الموائد ستدرج في نفقات وزارة الداخلية وتخضع لرقابة ديوان المحاسبة.

وفسر مراقبون حرص الطرابلسي على الوجود وإقامة تلك الموائد بالسعي إلى «توطيد علاقاته مع أعيان وقادة مجموعات مسلحة بالعاصمة وباقي مدن المنطقة الغربية، لتفادي أي محاولة لإزاحته في إطار التعديل الوزاري الجاري بحكومته».

وانتقد لملوم دعوة الطرابلسي لقادة مجموعات مسلحة تواجههم «اتهامات حقوقية جسيمة»، في إشارة إلى صورة الوزير مع معمر الضاوي آمر «الكتيبة 55 مشاة»، المتمركزة في ورشفانة جنوب غربي العاصمة.

تحذيرات ومخاوف

حذر الناشط الحقوقي لملوم من «تسابق قادة أجهزة أمنية ومجموعات مسلحة على إقامة موائد إفطار، وتوزيع مساعدات بهدف تعزيز نفوذهم، وخلق حواضن شعبية موالية لهم في أماكن تمركزهم، كون ذلك قد يمهد لانفصال المناطق داخل المدينة الواحدة».

وأثارت مشاركة الضاوي في المأدبة التي أقامها الدبيبة مساء الاثنين الماضي لأعيان ورشفانة جدلاً حقوقياً واسعاً، كما برزت إلى جانب تلك الاعتراضات تعليقات مليئة بالتندر.

المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

في هذا السياق، ذهب نائب رئيس «حزب الأمة» الليبي أحمد دوغة إلى أن «المسؤولية في استفزاز الشارع بتلك الموائد الفاخرة لا يتحملها فقط القائمون عليها، وإنما أيضاً من حرص على تلبية الدعوة والمشاركة بها، خصوصاً من الشخصيات المستقلة وميسورة الحال».

وقال دوغة لـ«الشرق الأوسط» إن «قطاعاً واسعاً يدرك أن الهدف الحقيقي لإقامتها هو استقطاب الولاءات والتسويق السياسي، وليس ما يرفع من شعارات لمّ الشمل ووحدة الصف والمصالحة». ولفت إلى أن «أغلب الليبيين يرون أن تلك الأموال الطائلة كان من الأجدى توجيهها لتحسين معيشتهم كونهم أبناء دولة نفطية».

ولا تختلف الحال في شرق البلاد، إذ قوبلت مشاركة قائد «الجيش الوطني»، خليفة حفتر، في مأدبة إفطار مع ضباط القوات المسلحة بإشادات لحرصه على استمرار هذا التقليد السنوي، وأيضاً بشكاوى من ارتفاع الأسعار.

غير أن أبرز الانتقادات جاءت حول صور مشاركة نائب القائد العام، الفريق صدام حفتر، في إفطار جماعي مع أبناء قبيلة الدرسة قبل أيام، إذ جاءت التعليقات مقترنة بالتساؤل عن مصير النائب إبراهيم الدرسي المتغيب منذ منتصف 2024، الذي ظهر في مقطع مصور مكبلاً وعليه آثار تعذيب واضحة.


الجزائر تستعين بتجارب أفريقية ناجحة للخروج من «المنطقة الرمادية»

نواب خلال بحث مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)
نواب خلال بحث مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)
TT

الجزائر تستعين بتجارب أفريقية ناجحة للخروج من «المنطقة الرمادية»

نواب خلال بحث مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)
نواب خلال بحث مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

يوجد وفد جزائري حكومي من قطاع المالية والضرائب، وخبراء في مجال التصدي للجرائم المالية، في السنغال حالياً للاستلهام من تجربة هذا البلد الأفريقي في مغادرة «المنطقة الرمادية» للبلدان التي تواجه تشريعاتها وتنظيماتها ضعفاً في مواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار الأسلحة النووية.

وأكد ناجم رغاني، رئيس «الغرفة الجهوية للموثقين لمنطقة الوسط»، لوسائل إعلام، أن مهمة البعثة الحكومية في السنغال مرتبطة بجهود الجزائر المتعلقة بسحبها من «القائمة الرمادية» لـ«مجموعة العمل المالي»، المعروفة اختصاراً بـ«جافي»، حيث من المتوقع، وفقه، وصول وفد من المجموعة إلى الجزائر العاصمة يومي 14 و15 أبريل (نيسان) المقبل لتقييم تطبيق الإصلاحات؛ التي نفذتها الحكومة للخروج من هذه اللائحة.

يأتي هذا ضمن سلسلة إجراءات تشمل زيارات ودراسات مقارنة لتبادل الخبرات مع دول أخرى، سبق لها الخروج من «المنطقة الرمادية»؛ بهدف الاستفادة من تجاربها العملية في تنفيذ توصيات «المجموعة».

اجتماع لقضاة جزائريين بشأن تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان - أرشيفية)

وأكد رغاني أن الجزائر استكملت تنفيذ خطة العمل المعتمدة من قِبل «مجموعة العمل المالي» بنجاح، وأوضح أن هذا المسار، الذي جرى بالتنسيق الوثيق مع وزارة العدل والقطاعات الوزارية ذات الصلة، شمل حزمة متكاملة من التدابير الرامية إلى تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وتتمحور أبرز هذه الإجراءات حول إرساء آليات صارمة لتحديد الهوية الدقيقة للمستفيدين الحقيقيين من الشركات التجارية، وتكثيف الرقابة على القطاعين المالي وغير المالي. كما شملت الإصلاحات ضبط حركة التدفقات المالية عبر الحدود، وتفعيل نظام عقوبات رادع يُطبق بصرامة في حالات المخالفة، بما يضمن الامتثال الكامل للمعايير الدولية.

استلهام التجربة السنغالية

نجح السنغال في فك الارتباط بهذا التصنيف السلبي في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، عقب إعلان «جافي»، التي تتبع «مجموعة السبعة الكبار»، خلال اجتماعها الدوري في باريس، عن رفع البلاد من قائمة «الدول الخاضعة للمراقبة المعززة». ويأتي هذا القرار لينهي مرحلة من المتابعة الدقيقة بدأت منذ عام 2021؛ نتيجة ثغرات استراتيجية شابت حينها المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ومن أجل الامتثال الصارم للمتطلبات الدولية، خاض السنغال غمار إصلاحات هيكلية عميقة؛ شملت: تحديث الإطار التشريعي والتنظيمي، عبر سن تشريعات متطورة وإرساء نظم رقابية أشد حزماً. كما ركزت الجهود على رفع كفاءة مؤسسات الرقابة والوحدات المعنية بالتحقيقات المالية، مما ضاعف من قدرتها على تتبع التدفقات المالية، وتجفيف منابع الأنشطة غير المشروعة. وقد تُوج هذا المسار بتعاون وثيق ومستمر مع خبراء «مجموعة العمل المالي» لتنفيذ خطة العمل المقررة، ومعالجة مكامن القصور بدقة متناهية.

رئيس «غرفة الموثقين» لمنطقة الوسط (الغرفة)

وعلى ضوء التقييم الإيجابي للتقدم المحرز، أقرت «جافي» باستيفاء السنغال المعايير الضرورية كافة، مؤكدة مواءمة نظامها الوطني مع المقاييس العالمية؛ مما يمثل شهادة دولية على متانة وموثوقية الحوكمة المالية السنغالية.

وسيتبع خبراء «جافي» الطريقة نفسها مع الجزائر، خلال زيارتهم المقررة الشهر المقبل، وذلك من خلال تحرياتهم التي سيجرونها في الهيئات والمؤسسات التي يُعتقد أنها تعاني من نقائص في مراقبة مصادر التمويلات المشبوهة.

«ملاذات» التمويلات المشبوهة

في سياق مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تعدّ «جافي» أن بعض المهن في الجزائر ذات الصلة بالمعاملات المالية أو القانونية، يمكن أن تكون نقاطاً محتملة للتمويلات المشبوهة إذا لم تُطبق الضوابط اللازمة، ومن بينها نشاط الموثقين في الجزائر. وأُدرجَ الموثقون ضمن الجهات الخاضعة للرقابة؛ لأن طبيعة عملهم تشمل إدارة وتوثيق صفقات مالية وعقارية كبيرة، تتضمن أحياناً مبالغ كبيرة أو تحويلات مالية عبر الحدود.

ووفق رئيس «غرفة الموثقين»، فإن زيارة ممثلي «مجموعة العمل المالي» المرتقبة تهدف إلى التحقق ميدانياً من فاعلية هذه الإجراءات، التي اتبعتها الجزائر على أرض الواقع، والتأكد من أن القوانين والآليات تعمل بشكل صحيح وتؤدي إلى نتائج ملموسة.

اجتماع للموثقين يبحث إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)

وفي حال استيفاء المعايير، فقد يُعلَن عن خروج الجزائر من «القائمة الرمادية» في الجمعية العامة المقبلة لـ«المجموعة»، المقررة في يونيو (حزيران) 2026.

وأُخطرت الجزائر رسمياً بضرورة التقيد بتوصيات «جافي» منذ أدرجتها في «القائمة الرمادية» خلال اجتماع 25 أكتوبر 2024، وذلك بعد تقييمها الأنظمة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والإقرار بوجود «أوجه قصور استراتيجية» في تلك الأنظمة. وبموجب هذا الإدراج، تعهدت الجزائر رسمياً العمل على تنفيذ توصيات «جافي»، ومعالجة نقاط الضعف، ضمن إطار زمني متفق عليه مع «المجموعة».

وتشمل التوصيات بذل جهود لتعزيز الرقابة على القطاع غير المالي، مثل المهن القانونية والعقارية والمحاسبية، وتحسين الشفافية في التحويلات المالية عبر الحدود مع مراقبة التحويلات غير الرسمية، بالإضافة إلى متابعة «الكيانات عالية المخاطر»، وتطوير نظام الإشراف القائم على المخاطر، والإبلاغ عن المعاملات المشبوهة.

ومنذ أكتوبر الماضي، أعلن «بنك الجزائر» عن إطلاق خطة تهدف إلى مغادرة «المنطقة الرمادية»، تتمثل، وفقه، في تعزيز الشفافية المالية، والارتقاء بالامتثال للمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. مؤكداً أن الحكومة تعمل على تقليل استخدام النقد الورقي في المعاملات التجارية.

وتشمل الخطة، أيضاً، تطوير البنوك والمؤسسات المالية لتصبح جاهزة للانتقال إلى «نظام رقمي متكامل»، بما يسهم في الحد من الاقتصاد غير المهيكل، والتحكم في التدفقات المالية غير المشروعة.