لبنان: الفراغ يهدد مواقع حساسة أهمها حاكم «المركزي» وقيادات عسكرية وأمنية

حكومة تصريف الأعمال ستلجأ للتعيينات رغم الألغام السياسية

صور رؤساء جمهورية سابقين في القصر الرئاسي في بعبدا (إ.ب.أ)
صور رؤساء جمهورية سابقين في القصر الرئاسي في بعبدا (إ.ب.أ)
TT

لبنان: الفراغ يهدد مواقع حساسة أهمها حاكم «المركزي» وقيادات عسكرية وأمنية

صور رؤساء جمهورية سابقين في القصر الرئاسي في بعبدا (إ.ب.أ)
صور رؤساء جمهورية سابقين في القصر الرئاسي في بعبدا (إ.ب.أ)

تتسارع وتيرة انهيار المؤسسات في لبنان الواحدة تلو الأخرى، ما يجعلها عاجزة عن إدارة الأزمات التي تتخبط بها منذ ثلاث سنوات. ويبدو أن الفراغ القاتل لا يقتصر على رئاسة الجمهورية والحكومة، ولا على البرلمان المصاب بشلل العجز عن سن القوانين بعدما تحول إلى هيئة انتخابية مع سريان الشغور في قصر بعبدا. لكن الأخطر من ذلك أن الفراغ بات يهدد مواقع حساسة في الدولة تقف على تماس يومي مع مصالح الناس، على رأسها مركز حاكم مصرف لبنان الذي يشغر في الأول من أغسطس (آب) المقبل بانتهاء ولاية رياض سلامة، والمدير العام للأمن العام مع إحالة اللواء عباس إبراهيم إلى التقاعد بعد شهر ونصف الشهر، بالإضافة إلى مديرين عامين سيغادرون مواقعهم بعد أشهر.
وتتسع دائرة الخوف لدى اللبنانيين من امتداد الفراغ إلى العام المقبل، ليصيب أيضاً قيادة الجيش اللبناني مع إحالة العماد جوزيف عون إلى التقاعد، ومؤسسة قوى الأمن الداخلي والنيابة العامة التمييزية بإحالة اللواء عماد عثمان والقاضي غسان عويدات إلى التقاعد أيضاً، وهذا سيرفع بالتأكيد منسوب المواجهة السياسية بين مكونات السلطة الحالية، إذا ما حاولت حكومة تصريف الأعمال التصدي لهذه الاستحقاقات الداهمة، سواء عبر تعيين بدلاء عمن سيحالون إلى التقاعد أو التمديد لهم. ويجزم الوزير السابق نقولا نحاس، مستشار رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بأن «معركة الفراغ الرئاسي لن تنسحب على مجلس الوزراء، وأن رئيس الحكومة سيقوم بواجباته بإجراء التعيينات التي تقع في صميم الحدود الضيقة لتصريف الأعمال».
وتتوزع المواقع الأساسية في الدولة اللبنانية على 179 وظيفة من الفئة الأولى أو ما يعادلها، وستصبح العشرات منها شاغرة هذا العام، يضاف إليها المواقع التي شغرت في النصف الثاني من العام الماضي، وعجزت السلطة السياسية عن إجراء التعيينات لملئها، إثر إخفاقها بتشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات البرلمانية التي حصلت منتصف شهر مايو (أيار) الماضي.
ويلفت الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين إلى أن «73 وظيفة عامة ستؤول إلى الفراغ خلال هذا العام، وهذا من شأنه أن يرتد سلباً على أداء تلك المؤسسات». وعدّد شمس الدين، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أبرز الوظائف التي يحال شاغلوها إلى التقاعد «وتبدأ باللواء إبراهيم في الثاني من مارس (آذار) المقبل، ثم مدير الإدارة في الجيش اللبناني العميد مالك شمص، يليهما سلامة مطلع أغسطس المقبل، ثم قائد وحدة الدرك في قوى الأمن الداخلي العميد مروان سليلاتي في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل». ويشير إلى أن «العجز عن انتخاب رئيس للجمهورية هذا العام سيفاقم الأزمة بشكل أكبر ويدفع نحو فراغ أكبر، إذ إنه في العام المقبل (2024) يحال إلى التقاعد كل من العماد جوزيف عون، واللواء عثمان، والنائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات ومديرين عامين في وزارات وإدارات متعددة».

النزف الحاصل في مؤسسات الدولة لم يبدأ مع انتهاء عهد الرئيس ميشال عون، بل أسست له الخلافات السياسية بين الأخير وميقاتي، إذ أخفقا في تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات، وهذا الخلاف شرع الأبواب أمام خلو مراكز أساسية من رؤسائها، منها على سبيل المثال موقع رئيس الأركان في الجيش اللبناني بعد إحالة اللواء أمين العرم إلى التقاعد، وعضوية المجلس العسكري الذي كان يشغله العميد ميلاد إسحق، ومدير عام وزارة الشباب والرياضة إثر تقاعد المدير السابق زيد خيامي، ومدير عام مجلس الجنوب جراء تقاعد هاشم حيدر، بالإضافة إلى الفراغ في المديرية العامة لوزارة الشؤون الاجتماعية، ورئاسة هيئة التفتيش القضائي.
القلق من بلوغ لبنان سيناريو الفراغ الكلي في مؤسسات الدولة المالية والعسكرية والقضائية والإدارية، والوصول إلى مرحلة قاتمة تنذر بتحلل هذه المؤسسات، لا ينتاب ميقاتي الذي، وبحسب المقربين منه، «لن يستسلم لواقع أخذ البلد إلى التدمير الشامل وهو عازم على التصدي لمثل ذلك انطلاقاً من واجبات مجلس الوزراء في ضرورة الانعقاد وإجراء التعيينات اللازمة».
ويشير نحاس إلى أن «المادة 62 من الدستور واضحة، وهي تنص على أنه عند شغور موقع رئاسة الجمهورية، تناط صلاحيات الرئيس بمجلس الوزراء، ثم إن المادة 64 من الدستور تقول إن (الحكومة تمارس صلاحياتها بالإطار الضيق)، وعندما يشغر موقع حساس يكون تعيين من يشغله في صلب (الإطار الضيق)، ويصبح وجوباً على الحكومة أن تجتمع وتمارس صلاحياتها».
وأكد نحاس في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «رئيس الحكومة ملزم بتطبيق الدستور وبدعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد، وإلا سيخضع للمساءلة والمحاكمة إذا لم يمارس هذه الصلاحيات». وقال: «بالتأكيد لن يقف الرئيس ميقاتي مكتوف اليدين عندما يشغر أي موقع حساس، بل سيسارع إلى وضع جدول الأعمال ويطلع الوزراء عليه، وكل من لا يشارك يتحمل المسؤولية، ونحن لا نرغم أحداً على المشاركة».
وإذا كان اجتماع مجلس الوزراء السابق الذي خصص للبت بملفات إنسانية منها شراء الأدوية لمرضى السرطان، وصرف المخصصات المالية للمستشفيات، وإقرار تعويضات مالية للمؤسسات العسكرية والأمنية، فإنه عمق الخلاف بين «التيار الوطني الحر» (برئاسة النائب جبران باسيل) ورئيس الحكومة، وكذلك هدد بالإطاحة بالتفاهم بين «التيار» و«حزب الله»، وبالتالي فإن أي قرار للحكومة بتعيينات في المواقع الحساسة خصوصاً المسيحية منها، سيفجر العلاقة بين كل هذه المكونات.
غير أن مستشار ميقاتي ذكر بأن «تظهير الخلاف وكأنه بين رئيس الحكومة والتيار الوطني الحر خطأ، لأن المشكل الحقيقي بين هذا التيار والدستور». ويضيف نحاس «عندما يرفض جبران باسيل اجتماع مجلس الوزراء بغياب رئيس الجمهورية، هذا يعبر عن موقف سياسي وليس عن موقف دستوري، والهدف منه التحكم بمفاصل الدولة والإمساك بالقرار السياسي». ويختم نحاس بالقول: «رئيس الحكومة سيقوم بواجباته بعيداً عن كل المعارك السياسية، كما أن معركة الفراغ الرئاسي لن تنسحب على مجلس الوزراء».
ستكون لأي خطوة حكومية تذهب باتجاه التعيينات وتتجاهل الفيتو الذي يضعه «التيار»، كونه الفريق المسيحي الأكثر حضوراً داخل الحكومة، تداعيات سلبية منها إمكانية التحرك في الشارع، لكن تداعيات تفريغ المؤسسات من رموزها سيكون لها الوقع الأسوأ، وفي القراءة القانونية لإمكانية حصول تعيينات ومدى صوابيتها.
ويعتبر عضو مجلس شورى الدولة السابق القاضي المتقاعد زياد شبيب أن «تقدير ما إذا كان يجوز اتخاذ قرارات مماثلة يحصل بتاريخ اتخاذها، أي عند استحقاق التعيين، وهذا الأمر رهن بالضرر الذي يلحق بالمصلحة العامة في حينه، بفعل الشغور الذي يطال هذا المنصب أو ذاك». ويقول شبيب في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إذا نظرت إلى الموضوع من خارج السياق الحالي والأزمة المستمرة تجد أن القانون احتاط للشغور بأي موقع بارز في الدولة، بمعنى أنه إذا انتهت ولاية حاكم البنك المركزي هناك نائب أول ونائب ثانٍ وثالث للحاكم، يفترض بأحدهم أن يسير الأمور إلى حين تعيين حاكم جديد، وكذلك في قيادة الجيش فإذا أحيل القائد على التقاعد يحل مكانه رئيس الأركان، أو الضابط الأعلى درجة في المجلس العسكري».
أما بما يخص موقع المدير العام للأمن العام، فيلفت شبيب إلى «تجربة سابقة عندما أحيل المدير العام الأسبق اللواء وفيق جزيني على التقاعد، تسلم المهام خلفاً له ضابطان من المديرية على مرحلتين إلى أن تم تعيين اللواء عباس إبراهيم»، معتبراً أن «الحديث عن هذه السيناريوهات يبقى مجرد فرضية. أما إذا حصلت بالفعل فتقدر في حينها الأولويات التي تقلل من الضرر الذي يلحق بالمؤسسة وبمصلحة الدولة ككل».
وينيط الدستور بالحكومة اجتراح الحلول التي تحول دون وصول المؤسسات إلى التفكك. ويشدد شبيب، الذي شغل موقع محافظ بيروت لست سنوات، على أن «الحكومة الحالية عليها أن تأخذ المبادرة وتقوم بإجراء تعيينات ولو كانت حكومة تصريف أعمال، ويبقى قرارها خاضعاً للطعن أمام القضاء الإداري (مجلس شورى الدولة)، الذي يقرر ما إذا كان قرار التعيين داخلاً في إطار تصريف الأعمال الذي نص عليه الدستور، ويقرر بالتالي إبطال هذا القرار أم لا».
ومنذ انتهاء الحرب الأهلية انتقلت مراكز مهمة في الدولة كان يشغلها مسيحيون إلى طوائف أخرى، أبرزها منصب المدير العام للأمن العام الذي آل إلى الطائفة الشيعية، والنائب العام التمييزي الذي أسند إلى قاضٍ من الطائفة السنية، ومنذ سنوات تتمسك الطائفة الشيعية بحقيبة وزارة المال للاستئثار بالتوقيع الثالث على المراسيم والقرارات الحكومية إلى جانب رئيس الجمهورية الماروني ورئيس الحكومة السني، وتعليقاً على ذلك لم يُخفِ شبيب أن «هناك انطباعاً أو شعوراً لدى تلك الشريحة من اللبنانيين (المسيحيين) بأن الذين انتصروا في الحرب الأهلية من ميليشيات وقوى رأسمالية عمدوا إلى تقاسم إرث المارونية السياسية، بفعل تعديل موازين القوى، وهذا المسار مستمر منذ التسعينات حتى الآن».
وشدد على أن «الحل لا يكون بالمضي بهذا المسار، بل بالعودة إلى الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني التي أقرت في الطائف، وثبتت المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في مرحلة انتقالية يليها إلغاء الطائفية السياسية، وأكدت على اختيار أصحاب الكفاءة والجدارة من ضمن المناصفة». ورأى أن «خوف البعض في هذا الشأن لا يمكن تجاهله لأن تجارب الـ30 سنة الماضية خالفت الدستور، وكرست انتصار ميليشيات الحرب ليس على الشركاء في الوطن بل على الدستور وأحكامه أيضاً».
وخاض التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل، وبدعم مطلق من الرئيس السابق ميشال عون، معركة إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وتعيين بديل عنه من المحسوبين على عون وفريقه مع بداية النصف الثاني من ولاية عون، وتحديداً مع اندلاع انتفاضة 17 أكتوبر 2019، وقد جنّد عون وباسيل كل طاقاتهما للتخلص من سلامة عبر تحريك الدعاوى القضائية ضده في لبنان ودول أوروبية، ومطاردته من قبل المدعية العامة في جبل لبنان غادة عون وتنفيذ مداهمات طالت منزله ومكتبه داخل البنك المركزي في محاولة لاعتقاله وزجّه في السجن، وشن حملات سياسية وإعلامية في الداخل والخارج تستهدفه شخصياً، إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، بدليل أن عون رحل عن قصر بعبدا وبقي رياض سلامة في موقعه، ورغم المآخذ على السياسة المالية التي انتهجها سلامة، فإن مرجعيات دينية وسياسية مسيحية تخشى انتهاء ولايته قبل انتخاب رئيس للبلاد وتشكيل حكومة جديدة وانتظام عمل الدولة، بما يسمح بتعيين حاكم جديد للبنك المركزي، وينطلق هذا الخوف من ذهاب سلامة إلى منزله ليتسلم مهامه نائبه الأول وسيم منصوري وهو شيعي محسوب على رئيس مجلس النواب نبيه بري، وترجح مصادر مطلعة أن يصبح التمديد لرياض سلامة «مطلباً مسيحياً بمعزل عن موقف التيار الوطني الحر، حتى لا يخسر المسيحيون موقعاً أساسياً ومهماً في السلطة كما خسروا غيره من المواقع في السنوات الماضية».
إلى جانب التعيينات والألغام السياسية التي تحيط بها، ثمة استحقاق مهم وأساسي ينتظره اللبنانيون في أواخر شهر مايو المقبل، هو انتخابات المجالس البلدية والاختيارية التي أرجئت من العام الماضي إلى العام الحالي، لكونها تزامنت مع موعد الانتخابات البرلمانية، وعجز الدولة على إجرائهما في سنة واحدة، ولن يكون هذا الاستحقاق سهلاً في ظل المعوقات السياسية والمالية والأمنية التي تواجه الحكومة، والتي ستقابل برفض سياسي لإجرائها في ظل غياب رئيس الجمهورية، وإمكانية عرقلتها عبر امتناع وزراء التيار الوطني الحر عن مواكبتها وعدم توقيع مرسومها، إلا أن مصدراً حكومياً أكد لـ«الشرق الأوسط»، أن حكومة تصريف الأعمال «تعد العدة لهذا الاستحقاق، وستجريه في موعده بدءاً من 31 مايو المقبل».
وذكر أن «الدعوة للانتخابات البلدية والاختيارية تصدر بقرار عن وزير الداخلية يدعو فيه الهيئات الناخبة لاختيار ممثليها في البلديات والمخاتير، ولا تحتاج إلى المرسوم الذي تحتاجه الانتخابات البرلمانية». وأفاد المصدر الحكومي بأن «كل ما تحتاجه الانتخابات البلدية رصد الأموال المؤمنة عبر الموازنة، أو عبر قانون يقره البرلمان يجيز عبره فتح اعتماد إضافي في الموازنة لتأمين مصاريف الانتخابات».
وكان عضوا كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائبان بلال عبد الله وهادي أبو الحسن، تقدما منتصف شهر أكتوبر الماضي باقتراح قانون معجل مكرر، يرمي لإيجاد حل ظرفي لحالة الشغور في المواقع العسكرية والأمنية، بسبب إحالة الضباط الذين يشغلونها على التقاعد، وإلى حين إيجاد مخرج لأزمة ترقية الضباط العالقة بسبب خلافات رئيس الجمهورية السابق ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري حولها، وتشمل بشكل أساسي أعضاء المجلس العسكري في الجيش اللبناني سواء من أحيلوا على التقاعد أواخر العام الماضي أو الذين بصدد مغادرة مراكزهم هذا العام، إلا أن هذا الاقتراح سقط ولم يأخذ طريقه للإقرار.
كما رفض وزير الدفاع الوطني موريس سليم، اقتراحاً قدمه قائد الجيش جوزيف عون يقضي بتأجيل تسريح رئيس الأركان اللواء أمين العرم والمفتش العام في المجلس العسكري اللواء ميلاد إسحاق، بسبب الخلافات السياسية.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

سوريا تبدأ الأحد محاكمة شخصيات بارزة من عهد الأسد

متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب)
متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب)
TT

سوريا تبدأ الأحد محاكمة شخصيات بارزة من عهد الأسد

متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب)
متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب)

تستهلّ السلطات السورية، الأحد، محاكمة شخصيات بارزة من حقبة الحكم السابق بعد توقيفهم خلال الأشهر الماضية، بدءاً بالمسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، وفق ما أفاد مصدر في وزارة العدل «وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت.

وأفاد المصدر في وزارة العدل: «تبدأ الأحد أولى جلسات محاكمة رموز النظام السوري السابق»، حيث تُعقد «أوّل جلسة لمحاكمة عاطف نجيب» الذي أوقف في يناير (كانون الثاني) 2025.

ونجيب هو قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وتولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا (جنوب)، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011، ويُعدّ المسؤول عن حملة قمع واعتقالات واسعة هناك.

وأوضح المصدر أن محاكمة نجيب «سوف تليها تباعاً محاكمة وسيم الأسد»، وهو أيضاً أحد أقرباء الرئيس المخلوع، «وطيارين شاركوا بقصف المدن والبلدات السورية» خلال النزاع، بالإضافة إلى أمجد يوسف الذي أوقفته السلطات، الجمعة، وهو المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة في حيّ التضامن بدمشق عام 2013 راح ضحيتها عشرات الأشخاص، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتعلن الإدارة الجديدة التي وصلت إلى السلطة في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بين الحين والآخر إلقاء القبض على مسؤولين عسكريين وأمنيين من حقبة الحكم السابق، متورطين بارتكاب فظاعات وجرائم ضد السوريين خلال سنوات النزاع.

ويشكل مصير عشرات آلاف المفقودين والمعتقلين في سوريا، والمقابر الجماعية التي يُعتقد أن الحُكم السابق دفن فيها معتقلين قضوا تحت التعذيب، أحد أبرز وجوه المأساة السورية بعد نزاع تسبب بمقتل أكثر من نصف مليون شخص.

وفي رحلة فراره إلى موسكو في الثامن من ديسمبر 2024، إثر وصول الفصائل المعارضة إلى دمشق، لم يصطحب الأسد معه إلا بضعة أشخاص من المقربين منه، متخلياً عن معاونيه وكبار ضباطه الذين لجأ عدد منهم إلى دول مجاورة.

ولجأ مسؤولون آخرون إلى بلداتهم وقراهم، على ما أفاد البعض منهم.

وكتب وزير العدل السوري مظهر الويس، الجمعة، في منشور على منصة «إكس»، أن محكمة الجنايات في دمشق «تتهيأ للحظة التي طال انتظارها من قبل الضحايا: انطلاق المحاكمات العلنية... لأزلام النظام البائد ومجرميه، ضمن مسار العدالة الانتقالية».

ويؤكد ناشطون ومنظمات حقوقية والمجتمع الدولي أهمية تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا بعد سنوات الحرب الطويلة.

واندلعت الاحتجاجات المناهضة للأسد في درعا بجنوب سوريا في 15 مارس (آذار) 2011، بعد توقيف أطفال كتبوا شعارات مناهضة للرئيس السوري في حينه على جدران مدرستهم، وتعرّضوا للتعذيب على أيدي قوات الأمن.

وعقب اندلاع الاحتجاجات، أُبعد عاطف نجيب الذي حُمّل المسؤولية عن حملة القمع في درعا، عن منصبه. وفي أبريل (نيسان) 2011، أدرجته الولايات المتحدة على قائمة العقوبات على خلفية «انتهاكات لحقوق الإنسان».

وأوقف وسيم الأسد ابن عم الرئيس المخلوع في يونيو (حزيران) 2025، وهو أحد أبرز المتهمين بالضلوع في تجارة المخدرات في عهد الحكم السابق. وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات بحقه في عام 2023، قائلة إنه قاد وحدة شبه عسكرية، وكان «شخصية محورية» في شبكة إقليمية لتهريب المخدرات، بدعم من الحكم السابق.


«حزب الله» يلتزم بالهدنة ميدانياً ويهاجم سياسياً... بانتظار التسويات

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)
عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)
TT

«حزب الله» يلتزم بالهدنة ميدانياً ويهاجم سياسياً... بانتظار التسويات

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)
عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)

رغم الإرباك المحيط بالوضع الأمني في جنوب لبنان، فإنَّ الواقع الميداني يعكس حقيقةً واضحةً، وهي التزام «حزب الله» بـ«الهدنة الهشة» ضمن قواعد اشتباك مضبوطة، في حين يواصل بالوقت عينه مهاجمة مسار المفاوضات الذي تقوده الدولة اللبنانية للتوصُّل إلى وقف إطلاق النار، مع إصراره، ومن خلفه طهران، على نسب هذا الاتفاق إلى الدور الإيراني.

هذا التناقض بين العمل الميداني والخطاب السياسي يطرح تساؤلاً أساسياً: كيف سيتصرَّف الحزب إذا ما تمَّ التوصُّل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن قبل أي اتفاق مباشر بين بيروت وتل أبيب؟

وخلفية هذا السؤال تأتي انطلاقاً من وقائع عدة أهمها، أن وقف إطلاق النار جرى تثبيته بعد جولة المفاوضات المباشرة الأولى التي عُقدت بين لبنان وإسرائيل، وليس بعد المفاوضات التي أُجريت بين أميركا وإيران، رغم أن طهران قد حاولت في بداية المفاوضات ربط وقف النار في لبنان بأي تفاهم مع واشنطن، ولوَّحت بعدم المضي في التفاوض إذا لم يتحقَّق ذلك، قبل أن تتراجع عملياً وتشارك في المحادثات رغم استمرار التصعيد حينها، إلى أن تمَّ التوصُّل إلى اتفاق بين بيروت وتل أبيب وتكرَّست «الهدنة الهشة» من قبل «حزب الله» وإسرائيل على حد سواء.

التزام ميداني... وتصعيد سياسي

من هنا، تظهر الوقائع اليومية أنَّ «حزب الله» التزم بالهدنة «المحدودة» منذ دخولها حيّز التنفيذ، وامتنع عن توسيع المواجهة رغم استمرار الخروقات الإسرائيلية، بحيث اقتصرت عملياته، في الجزء الأكبر منها، على المناطق التي لا تزال تحتلها إسرائيل. ويأتي ذلك مقابل خطاب تصعيد سياسي من قبل «حزب الله» عبر انتقاد المسار الذي اعتمدته الدولة اللبنانية، واعتباره أنَّ الهدنة الحالية جاءت نتيجة توازن الردع الذي فرضه، وبدعم من إيران.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)

وهذا الواقع عبَّر عنه صراحة النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله قائلاً: «المقاومة لا تزال تقاتل في بنت جبيل، وصورة مقاوميها الأبطال يواجهون العدو بجنوده وطائراته تمثل لبنان الكرامة والعنفوان، أما السلطة فهي تقامر بوطنها على طاولة واشنطن».

ماذا لو سبق الاتفاق الإيراني - الأميركي التفاهم اللبناني؟

من هنا يُطرَح السؤال عمّا سيكون عليه موقف «حزب الله» إذا ما توصَّلت إيران والولايات المتحدة إلى تفاهم قبل إنجاز اتفاق نهائي بين لبنان وإسرائيل، إذ ورغم قناعة معظم الأطراف في لبنان بأنَّ قرار الحزب سيكون مرتبطاً بالقرار الإيراني، فإنَّ مقربين من الحزب ينفون هذا الأمر، لكنهم يجددون الربط بين استمرار «المقاومة» بشروط عدة، على رأسها الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وهو ما ترفضه إسرائيل، وتضع نزع سلاح «حزب الله» أولويةً.

وفي هذا الإطار، تبدو مصادر وزارية مقتنعةً بأنَّ قرار «حزب الله» سيكون مرتبطاً بإيران، مُذكِّرةً في الوقت عينه بما حصل عند بدء المفاوضات الإيرانية - الأميركية وادعاء «حزب الله» أنَّ التوصُّل إلى الهدنة كان نتيجة المفاوضات الأميركية - الإيرانية، ومؤكدة أن ذلك لم يكن ليحصل لولا المفاوضات بين بيروت وتل أبيب.

أطفال نازحون يلعبون في ملعب مركز للنزوح هربوا إليه خلال الحرب (رويترز)

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «إذا تضمَّن أي اتفاق أميركي - إيراني تهدئةً إقليميةً، فمن المرجّح أن يلتزم الحزب به، بوصفه جزءاً من هذا المحور، ما يعني تثبيت الهدوء في الجنوب بغض النظر عن مسار التفاوض اللبناني»، مشيرة كذلك إلى أنَّه في حال تمَّ التوصُّل إلى اتفاق أميركي - إيراني قبل انتهاء المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية فمن المرجح أن «يواصل الحزب الله النهج الحالي، أي التزام ميداني بالتهدئة مقابل خطاب سياسي معارض».

وترى المصادر أنه «في حال فشل المفاوضات الأميركية الإيرانية، فعندها بالتأكيد سيعمد الحزب إلى رفع مستوى التوتر، وقد يوسِّع نطاق المواجهات وصولاً إلى توسع الحرب مجدداً»، مضيفة: «لا سيما أنَّ (حزب الله) كان واضحاً أنَّه فتح (حرب إسناد إيران) رداً على اغتيال المرشد الإيراني».

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية - الإسرائيلية

شروط «حزب الله» أولاً

في المقابل، يعدّ المحلل السياسي المقرّب من «حزب الله» الدكتور قاسم قصير، أنّه من السابق لأوانه الحديث عن أي اتفاق، في ظلِّ عدم وضوح ما قد تقدم عليه إسرائيل. ويلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّه «في حال حصول انسحاب إسرائيلي، وعودة النازحين إلى قراهم، ووقف الاعتداءات، فلا يعود هناك سبب لاستمرار المواجهة. أما إذا استمرَّ الاحتلال وتواصلت الاعتداءات، فإنَّ (حزب الله) سيستمر في المواجهة، وهو أكد أنَّه لن يعود إلى ما كان عليه الوضع بعد اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) 2024». ويضيف: «لا يمكن الجزم بإمكان التوصُّل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، أو بين لبنان وإسرائيل، في وقت تعلن فيه إسرائيل نيتها البقاء داخل لبنان، وإنشاء منطقة أمنية، وفرض حرية الحركة، ومنع عودة السكان وإعادة الإعمار». من هنا يرى أنه «في حال استمرار هذا الواقع، وحتى لو تمَّ التوصُّل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، فمن المستبعد أن يلتزم (حزب الله) بالتهدئة».


«الاعتدال العربي» يدعم لبنان بالمفاوضات ويؤيد تطبيق «الطائف» بلا تعديل

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (أرشيف - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (أرشيف - الرئاسة اللبنانية)
TT

«الاعتدال العربي» يدعم لبنان بالمفاوضات ويؤيد تطبيق «الطائف» بلا تعديل

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (أرشيف - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (أرشيف - الرئاسة اللبنانية)

توقفت الأوساط السياسية اللبنانية أمام الحراك السياسي العربي في لبنان، والذي توج باتصالين هاتفيين من وزيري خارجية المملكة العربية السعودية الأمير فيصل بن فرحان، ومصر بدر عبد العاطي برئيس المجلس النيابي نبيه بري بالتزامن مع اللقاءات التي عقدها مستشاره الأمير يزيد بن فرحان برئيسي الجمهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام إضافة إلى بري، وشملت لاحقاً ممثلين عن معظم الكتل النيابية.

ولاحظت المصادر ارتياحاً يُفترض أن ينعكس على تنقية العلاقات بين المسؤولين اللبنانيين وعودة التواصل بين أركان الدولة وتفعيل الإنتاج الحكومي وتنفيس الاحتقان الداخلي لتحصين الاستقرار العام والحفاظ على السلم الأهلي كونه يتصدر الخطوط الحمر، من وجهة نظر المملكة العربية السعودية، مدعوماً بتماسك داخلي وبانتظام عمل المؤسسات الدستورية، وصولاً لاستكمال تطبيق «الطائف» من دون أي تعديل.

وكانت لافتة اللقاءات التي عقدها الأمير يزيد بن فرحان بحضور السفير وليد بخاري وبمواكبة من سفراء «اللجنة الخماسية» القطري سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، والمصري علاء موسى، والفرنسي هيرفيه ماغرو، باستثناء الأميركي ميشال عيسى لوجوده في واشنطن.

ويأتي هذا الحراك في سياق حرص أشقاء لبنان، المدرجين على خانة «الاعتدال العربي»، على إسداء رزمة من النصائح للبنانيين بعدم إضاعة الفرصة مع استعداد بلدهم للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل تستدعي منهم توحيد الموقف، خصوصاً وأنها قد تكون الأخيرة لعودة الاستقرار إلى الجنوب وانسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية بين البلدين.

ونقلت مصادر نيابية ووزارية عن جهات فاعلة في منظومة «الاعتدال العربي» دعوتها القوى السياسية الفاعلة لعدم التفريط في الفرصة المتاحة أمام الحكومة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي كشرط لبسط سلطة الدولة على أراضيها كافة، وذلك بالرهان على الإدارة الأميركية التي يقف على رأسها دونالد ترمب. وقالت لـ«الشرق الأوسط» بأن الفرصة قد لا تتجدد بوجود رئيس يرفع سمّاعة الهاتف ويلزم رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بتمديد وقف إطلاق النار بينه وبين لبنان لثلاثة أسابيع.

ولفتت إلى أن هذه الدول تنصح بوجوب الحفاظ على تماسك المؤسسات الدستورية المعنية بالمفاوضات والتي يقف على رأسها رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيسي البرلمان نبيه بري والحكومة نواف سلام. وأكدت بأن تمتين العلاقة بينهم والحفاظ على ديمومتها هي بمثابة خط أحمر من غير الجائز تجاوزه في ظل الظروف الصعبة والاستثنائية التي يمر بها لبنان، وأن استهدافهم من أي كان لا مبرر له وفي غير محله، وأن الضرورة تقضي بتعاونهم وانفتاحهم على القوى السياسية.

شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

وكشفت المصادر بأن منظومة «الاعتدال العربي» تراهن على جرأة عون باتخاذه القرارات الجريئة، وحكمة بري في تدويره للزوايا واستيعابه لـ«حزب الله» وتوفير الغطاء السياسي لاستمرار الحكومة وعدم تهديدها من الداخل رافضاً استخدام الشارع لإسقاطها لأنه تجاوز للخطوط الحمر التي رسمتها وتنصح بها للحفاظ على السلم الأهلي واستتباب الوضع الأمني.

وأكدت بأن اتفاق «الطائف» الذي كان للسعودية دور رئيسي في التوصل إليه برعايتها المباشرة لاجتماع النواب اللبنانيين كان وراء وضع حد للحرب الأهلية، وهو الآن بمثابة الناظم الوحيد للعلاقات بين المؤسسات الدستورية، امتداداً إلى الطوائف اللبنانية بداخل الحكومة.

ورأت بأن هذه الدول تدعو لاستكمال تطبيق «الطائف» وتنقيته من الشوائب التي ترتبت على سوء تنفيذ بعض بنوده وتجميد العمل ببعضها الآخر، وقالت إن الظروف السياسية الراهنة مواتية أكثر من أي وقت مضى لوضع بنوده التي ما زالت عالقة موضع التنفيذ، لأن من أعاق تطبيقها في حينها هو النظام السوري السابق بالتعاون مع المنظومة الأمنية- السياسية اللبنانية التي وضعت يدها على البلد في ظل الوصاية السورية التي فرضتها عليه.

وأكدت المصادر نقلاً عن هذه الدول بأنه لا مجال لإدخال تعديلات على اتفاق «الطائف» ما لم يُستكمل بتطبيق ما تبقى من بنوده، وبعدها لكل حادث حديث. ولفت إلى أن تطبيقه هو بمثابة الغطاء السياسي الوحيد لبسط سلطة الدولة على أراضيها كافة بحصرها السلاح في يدها، في إشارة لسلاح «حزب الله»، علماً بأن النظام السوري السابق هو من أبقى على سلاح الحزب وأعاق استكمال جمعه لقطع الطريق عن مطالبته بتطبيق البند الخاص بجيشه الذي نص على إعادة انتشاره بالتموضع في البقاع.

وأشارت إلى أن بسط سلطة الدولة على أراضيها كافة يأتي ضمن خطة أمنية سياسية متكاملة تقضي بانسحاب إسرائيل الكامل للحدود الدولية وتجاوب «حزب الله» بتسليم سلاحه. وقالت إن المقصود من العودة السياسية للدولة إلى الجنوب يكمن في طمأنة أهله بإعادة إعمار بلداتهم المدمّرة تمهيداً لعودتهم الآمنة إلى بيوتهم.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن ومسؤولين في «الخارجية» الأميركية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الخميس (أ.ب)

ورداً على سؤال، نقلت المصادر عن هذه الدول وقوفها إلى جانب لبنان في مفاوضاته مع إسرائيل وضرورة الالتفاف حول الدولة ومنحها الفرصة، وأنه لا مبرر لـ«حزب الله» بإصداره الأحكام المسبقة على النيات قبل أن تبدأ المفاوضات، ومطالبته بصرف النظر عنها برغم أنه يدرك بأنه لا بديل عن الخيار الدبلوماسي بعد أن جرَّب الحل العسكري بإسناده لغزة وإيران، وما ألحقه بالجنوب ومناطق لبنانية أخرى من كوارث على جميع المستويات، بشرية كانت أو مادية.

وأكَّدت بأن لبنان يستعد لخوض المفاوضات بتأنٍّ وحذر، وهو يراهن على ترمب للضغط على إسرائيل لإنهاء الحرب التي تأمل بأن تكون الأخيرة، وقالت نقلاً عن أصدقاء لبنان على الصعيدين العربي والدولي بأنها تتفهم الرفض المبدئي لبري للمفاوضات المباشرة، لكنها لاحظت أنه «لم يشهر سلاحه السياسي في وجه عون والحكومة، بخلاف (حزب الله)».

ودعت «حزب الله»، نقلاً عن أصدقاء لبنان، إلى التوقف عن لعبة شراء الوقت بذريعة استعداده لخوض حرب جديدة مع إسرائيل، وتمنَّت عليه التواضع، ولو مرحلياً، والكف عن المزايدات الشعبوية، ووقوفه خلف بري بتسجيل موقف مبدئي رافض بدلاً من إطلاق حملات التهديد والتخوين.

وجدَّدت قولها إن الاستقرار الحكومي أكثر من ضروري مع الاستعداد لخوض المفاوضات، وهي تعوّل على دور رئيس المجلس النيابي بالتدخل لدى حليفه لمنعه مجدداً من استخدامه الشارع لإسقاط الحكومة. وجدَّدت تأكيدها بأن الخطوط الحمر تشمل الرؤساء الثلاثة، ومن خلالهم الإبقاء على الحكومة، لأنه من غير الجائز إقحام البلد في فوضى بينما يستعد للمفاوضات. فاعتراض بري على المفاوضات المباشرة لا يلغي توافقه مع عون وسلام على الثوابت الوطنية وعدم التفريط فيها كأساس للدخول في مفاوضات يراد منها تحرير الأرض وعودة السكان.

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب محملة بالأغراض وعلى السيارة صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله (د.ب.أ)

لذلك فإن أصدقاء لبنان، بحسب المصادر، ينظرون إلى المفاوضات على أنها شأن داخلي ويكتفون بإسداء النصائح للبنانيين بعدم التفريط في آخر فرصة لإنهاء الاحتلال، شرط أن يلاقيهم ترمب في منتصف الطريق بالضغط على إسرائيل لإلزامها بالانسحاب إلى الحدود الدولية بالتلازم مع تجاوب «حزب الله» بتسليم سلاحه ودعوة إيران للتوصل لتسوية مع الولايات المتحدة، إلا إذا كانت لا تزال تراهن على ربط مصير لبنان بها، مع أنه لا مجال للتلازم بين المسارين، برغم إصرار «حزب الله» عليه كونه، من وجهة نظر خصومه، يشكل الفصيل العسكري المتقدّم لمحور الممانعة في الإقليم.