لماذا تُعزز المؤسسات الإعلامية اهتمامها بـ«تيك توك» و«إنستغرام»؟

لماذا تُعزز المؤسسات الإعلامية اهتمامها بـ«تيك توك» و«إنستغرام»؟
TT

لماذا تُعزز المؤسسات الإعلامية اهتمامها بـ«تيك توك» و«إنستغرام»؟

لماذا تُعزز المؤسسات الإعلامية اهتمامها بـ«تيك توك» و«إنستغرام»؟

أثارت نتائج استطلاع لآراء الناشرين والقائمين على إدارة مؤسسات إعلامية دولية بشأن تعاملهم مع منصات التواصل الاجتماعي، تساؤلات حول سبب اتجاههم لتعزيز الاهتمام بمنصات مثل «تيك توك» و«إنستغرام»، على حساب منصات أخرى مثل «فيسبوك» و«تويتر»، الأمر الذي عزاه خبراء إلى الرغبة في استقطاب الأجيال الأصغر سناً، لا سيما «جيل زد».
حسب التقرير السنوي لمعهد «رويترز» لدراسة الصحافة، الصادر في يناير (كانون الثاني) الجاري، فإن «صُناع الإعلام سيولون اهتماماً أقل بكثير لمنصات مثل (فيسبوك) و(تويتر)، في مقابل زيادة الاهتمام بمنصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(يوتيوب)، على التوالي، باعتبارها منصات تحظى بشعبية لدى جيل الشباب». ولفت التقرير، الذي اعتمد على استطلاع آراء 303 من قيادات الإعلام في 53 دولة حول العالم، إلى أن «الاهتمام المتزايد بمنصة مثل تيك توك يعكس رغبة وسائل الإعلام في الانخراط مع الفئة العمرية الأقل من 25 سنة، والرغبة في اعتماد تجربة السرد القصصي بالفيديو، رغم المخاوف بشأن إمكانية تحقيق عائدات مالية، أو تأمين البيانات». وتتسق هذه النتائج مع دراسة سابقة نشرها معهد «رويترز» لدراسة الصحافة، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال فيها إنه بينما يستخدم 40 في المائة من الشباب من سن 18 إلى 24 سنة منصة «تيك توك» في أغراض متنوعة، فإن 15 في المائة من الفئة العمرية نفسها يستخدمون المنصة مصدراً للأخبار. ولفتت إلى أن جائحة «كوفيد - 19» كانت نقطة تحول بالنسبة للمنصة التي أطلقتها شركة «بايت دانس» الصينية عام 2018، وكذلك عززت الأزمة الروسية - الأوكرانية، دور «تيك توك» كمصدر للأخبار. وفي يوليو (تموز) الماضي، كشف تقرير أنماط استهلاك الأخبار في بريطانيا خلال عامي 2021-2022 عن أن «إنستغرام» و«تيك توك» و«يوتيوب» باتت تعد أهم ثلاثة مصادر للأخبار بالنسبة للمراهقين في بريطانيا.
الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي، الباحثة في الإعلام الرقمي، أرجعت خلال تصريح لـ«الشرق الأوسط» السبب في اتجاه وسائل الإعلام نحو منصات مثل «تيك توك» و«إنستغرام» إلى «رغبة وسائل الإعلام في الاستفادة من الشعبية المتصاعدة لهذه المنصات، إضافة إلى حرصها على الوصول إلى الأجيال الجديدة الشابة التي تنشط على هذه المنصات». وأردفت أن «الفترة الأخيرة شهدت انتشاراً كبيراً للفيديو، ما يدفع وسائل الإعلام إلى الاهتمام بالمنصات التي تعتمد على الفيديوهات القصيرة».
«عبد الغني» تطرقت إلى «معاناة فيسبوك وتويتر من مشكلات مالية وتخبط إداري ظهر صداه في تسريح أعداد كبيرة من الموظفين، ما انعكس على جودة المحتوى». وتابعت أن «دخول فيسبوك وتويتر أطرافاً في بعض الصراعات السياسية، عبر تبني سياسات نشر تحابي بعض الأطراف على حساب الأخرى، كان له بالغ الأثر في تقليل اعتماد وسائل الإعلام عليهما في الفترة الأخيرة مقارنة بالفترات السابقة». وبالفعل، حقاً، أشار تقرير معهد «رويترز» إلى «معاناة» الشركات المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي الكبرى من انتكاسات ومنافسة، لافتاً إلى «تسريح يوتيوب لثلاثة أرباع العاملين وفقدانها أكبر معلنيها، وانخفاض سهم ميتا (مالكة فيسبوك) بنحو الثلثين، إلى جانب سياسات إيلون ماسك، بعد استحواذه على تويتر التي تسببت في ابتعاد بعض الصحافيين عن منصة التغريدات».
عودة إلى «عبد الغني»، فإنها ترهن «فاعلية» وجود وسائل الإعلام التقليدية على منصات التواصل الاجتماعي، بـ«قدرة وسائل الإعلام على تقديم محتوى يتناسب مع طبيعة هذه المنصات من جهة، ويلائم الجمهور المستهدف من جهة أخرى». وشددت على «ضرورة الاهتمام بشكل وطبيعة المحتوى... والسبيل الأفضل هو إنتاج محتوى إعلامي تتوفر فيه الجودة العالية، ويلائم روح العصر، ويلامس موضوعات ذات أهمية بالنسبة للجمهور».
من جهة أخرى، ترى «عبد الغني» أنه «ينبغي لمنصات التواصل الاجتماعي تبني سياسات أكثر حزماً تجاه حماية الجمهور من التنمر الإلكتروني، وحماية حقوق الأفراد من المقاطع التي تنتهك خصوصيتهم ومراعاة معايير السلامة الأسرية».
أخيراً، حسب تقرير معهد «رويترز»، فإن «نحو نصف كبار الناشرين حول العالم، تحديداً 49 في المائة، لديهم حسابات نشطة على تيك توك، رغم وجود تحفظات لديهم بشأن ملكية الصين للمنصة، والمخاوف بشأن تسريب البيانات». وللعلم، تواجه منصة «تيك توك» اتهامات بتسريب بيانات المستخدمين. وفي الشهر الماضي، قرر مجلس النواب الأميركي حظر «تيك توك» من الهواتف التي يحملها أعضاؤه.



«أخطاء غوغل» تثير تساؤلات بشأن تحكم الذكاء الاصطناعي في المعلومات

شعار شركة «غوغل» (رويترز)
شعار شركة «غوغل» (رويترز)
TT

«أخطاء غوغل» تثير تساؤلات بشأن تحكم الذكاء الاصطناعي في المعلومات

شعار شركة «غوغل» (رويترز)
شعار شركة «غوغل» (رويترز)

أثارت أخطاء وقع فيه نموذج الذكاء الاصطناعي «جيميناي» التابع لشركة «غوغل»، أخيراً، تساؤلات بشأن مستقبل المعلومات والصور، ومدى تحكم تلك التطبيقات في «الذاكرة الجمعية» المستقبلية للبشر. وبينما أشاد بعض الخبراء بإقدام «غوغل» على الاعتراف بالخطأ، وإعلان عزمه العمل على تصحيحه. شدد الخبراء على «ضرورة التنبه لخطورة الذكاء الاصطناعي وتأثيره على تشكيل صورة لتاريخ البشر».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، سوندر بيتشاي، قد تحدث أخيراً، عن أخطاء وصفها بأنها «غير مقبولة على الإطلاق»، وقع فيها تطبيق «جيميناي» للذكاء الاصطناعي، حيث «ولد صوراً لقوات نازية متنوعة عرقياً، كما ولد صوراً غير دقيقة تاريخياً تظهر امرأة أميركية سوداء تُنتخب عضواً في مجلس الشيوخ في القرن التاسع عشر، في حين لم يحصل ذلك على أرض الواقع قبل عام 1992»؛ ما أثار جدلاً وانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط مخاوف من تأثير شركات التكنولوجيا الكبرى على مستقبل المعلومات.

واعترف المؤسس المشارك في «غوغل»، سيرغي برين بـ«حدوث أخطاء في عملية توليد الصور»، وقال في «هاكاثون» للذكاء الاصطناعي أقيم أخيراً، «كان ينبغي على الشركة اختبار برنامج (جيميناي) بشكل أكثر شمولاً»، بحسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.

وبينما تشيد الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي وأستاذة الإعلام والتواصل، سالي حمود، بـ«اعتراف تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالخطأ ومحاولتها تصويبه»، حذّرت من «خطورة هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى على والبيانات».

وقالت حمود لـ«الشرق الأوسط» إن «الحديث عن مخاطر الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على البيانات والذاكرة الجمعية ليس جديداً؛ لكنه تصاعد أخيراً مع إتاحة خدمات تطبيقات الذكاء الاصطناعي للأفراد، وبروزها على السطح بشكل كبير». وأضافت أن «البيانات الموجودة على الإنترنت، هي التي تكوّن الذاكرة الجمعية للأفراد، وتتحول مع الوقت معلومات يراها البعض حقائق حتى وإن لم تكن كذلك».

وتشير إلى «خطورة البيانات المتداولة على الإنترنت، لا سيما وأنها تشكل الخوارزميات التي تعطي في النهاية النتيجة التي يخرج بها تطبيق الذكاء الاصطناعي أياً كان»، لافتة إلى أن «صحة المعلومات مسؤولية البشر الذين يتولون برمجة الخوارزميات المختلفة، وتغذية الإنترنت بالبيانات».

حمود أوضحت أن «البشر لديهم انحيازاتهم وقيمهم ومعتقداتهم التي تؤثر بالتبعية على ما ينتجونه ويروّجونه من معلومات»، ضاربة المثل بأن «تطبيقات الذكاء الاصطناعي بناءً على تلك الانحيازات البشرية تبدو أكثر تفضيلاً للرجل الأبيض على سبيل المثال». ودعت إلى «الاهتمام بنشر المعلومات الصحيحة على الإنترنت، لا سيما ما يتعلق بالثقافة والهوية العربية، لمواجهة الهيمنة المعلوماتية والتكنولوجية للشركات الغربية».

وبحسب مراقبين، فإن تطبيقات الذكاء الاصطناعي يتم تدريبها باستخدام كميات هائلة من البيانات، بهدف استخدامها في مهام عدة، مثل إنشاء صور أو صوت أو حتى نص، كما يتم استخدامها في التشخيص الطبي أحياناً.

كما يلفت المراقبون إلى أن «البيانات والصور التي يولدها الذكاء الاصطناعي تعتمد على إنترنت مليء بالتحيزات والمعلومات (الزائفة والمضللة)؛ ما يعني إمكانية تكرار هذه البيانات غير الدقيقة في توليد صور وبيانات تتحكم في تاريخ ومستقبل البشرية».

ووفق المسؤولين في «غوغل»، فإنه «كانت هناك مساعٍ لإعادة التوازن لخوارزميات (جيميناي)، لتقديم نتائج تعكس التنوع البشري، لكنها جاءت بنتائج عكسية»، فنتيجة الحرص على التنوع «ولد التطبيق صوراً لقوات نازية متنوعة ومتعددة الأعراق بالمخالفة للوقائع التاريخية».

ورأى الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد الصاوي، أن «تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل المعلومات يعتمد على قدرة الشركات الكبرى مثل (غوغل) على التحكم في تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها لتوليد وتوجيه المعلومات»، موضحاً أنه «عندما تقوم هذه الشركات بتطبيقات تعتمد بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي، فإنها تتحكم بشكل كبير في كيفية توجيه المعلومات وكيفية فهم المستخدمين للواقع». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة (غوغل) تعكس كيف يمكن لهذه التقنيات أن تخطئ وتؤثر على المعرفة وعلى فهم الناس للتاريخ والحقائق»، مشيراً إلى أن «الصور الخاطئة والمعلومات غير الدقيقة يمكن أن تنتشر بسرعة وتؤثر على الثقة في المعلومات التي يستند إليها الناس في اتخاذ القرارات».

ويقترح الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي لمواجهة هذا التحدي، أن تعمل الحكومات والجهات الرقابية على بناء إطار قانوني يحدد المعايير والمسؤوليات لشركات التكنولوجيا فيما يتعلق بتوليد ونشر المعلومات، مع وضع متطلبات صارمة للشفافية والمراجعة المستقلة لخوارزميات الذكاء الاصطناعي المستخدمة، بالإضافة إلى تشجيع الابتكار في تطوير تقنيات تصحيح الأخطاء وتحسين دقة البيانات والمعلومات التي تعتمد عليها هذه الخوارزميات».

ومنذ طرح شركة «أوبن إي آي» روبوت المحادثة «تشات جي بي تي» للاستخدام في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أثير جدل بشأن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتأثيراتها على مختلف المجالات وبينها الصحافة، لا سيما مع إشارة أبحاث عدة إلى مخاطرها؛ ما دفع حكومات دول عدة إلى محاولة وضع قواعد لكبح جماح التقنية.

وفي مارس (آذار) 2023، طالب أكثر من ألف عالم متخصص في التكنولوجيا بـ«هدنة صيفية لمدة 6 أشهر، تستهدف الاتفاق على قواعد حوكمة الرقمية». إثر ذلك بدأ عدد من المشرّعين الأوروبيين العمل على تشريعات جديدة في هذا الصدد. أيضاً، بين الحين والآخر تفرض دولة ما حظراً على تطبيق من تطبيقات الذكاء الاصطناعي بداعي «حماية البيانات»، كما فعلت إيطاليا في أبريل (نيسان) 2023.

وتثير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي مخاوف عدة بشأن انتشار «المعلومات المضللة»، و«انتهاك الخصوصية»؛ لذلك تتجه دول عدة لحوكمته ووضع ضوابط لاستخدامه. ولتجاوز الانحيازات البشرية والمعلومات «الزائفة» يدعو خبراء ومراقبون إلى «زيادة التنوع في الفِرق المشرفة على إنشاء وتغذية تطبيقات الذكاء الاصطناعي»؛ تزامناً مع «زيادة الشفافية عن كيفية عمل خوارزمياتها، بهدف تحسين البيانات التي تولدها تلك التطبيقات».

أخيراً، يتجه العالم إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي، وفي نهاية العام الماضي اتفق الاتحاد الأوروبي، على ما عُدّ «أول تشريع شامل لحوكمة الذكاء الاصطناعي». بهدف «ضمان أمن السوق الأوروبية»، جنباً إلى جنب مع «تحفيز الاستثمار والابتكار في تطوير وتسهيل أدوات التعامل مع الذكاء الاصطناعي». ومن المقرر أن تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ عام 2025.


برامج رمضان على الشاشة اللبنانية الصغيرة تعود إلى عقد الستينات

زافين قيوميجيان (الشرق الأوسط)
زافين قيوميجيان (الشرق الأوسط)
TT

برامج رمضان على الشاشة اللبنانية الصغيرة تعود إلى عقد الستينات

زافين قيوميجيان (الشرق الأوسط)
زافين قيوميجيان (الشرق الأوسط)

تحافظ الشاشة الصغيرة على مكانتها عند المشاهد العربي عامة، واللبناني خاصة، في موسم رمضان، فتستعيد بريقها، ويتحلق أفراد الأسرة حولها.

اللحظات التي يمضيها الأب والأم مع أولادهما يتابعون خلالها مسلسلاً أو برنامجاً رمضانياً، لها قيمة إضافية، محببة إلى قلوبهم، وتولّد بينهم متعة الحوار.

الجلسة أمام الشاشة تجمعهم من جديد، وتشكل نوعاً من لقاء ينتظرونه من عام إلى آخر، فيتسامرون ويتبادلون التعليقات حول المحتوى البصري الذي يتابعونه.

هذه السنة شهدت الشاشات المحلية اللبنانية تنافساً في برمجتها الرمضانية، وحاولت كل محطة أن تقدم الأفضل لمتابعيها، واختارت للشهر الفضيل برامج ترفيهية وأعمالاً درامية من الصف الأول كي يتعلق المشاهد بشاشتها. ولكن متى انخرطت الشاشة الصغيرة في أجواء رمضان؟ ومن هي المحطة التلفزيونية التي استحدثت برمجة خاصة به؟

شعار تلفزيون لبنان (الشرق الأوسط)

«تلفزيون لبنان» أول محطة واكبته

يُعد «تلفزيون لبنان» أول محطة بثت المحتوى البصري في لبنان، ومن الأوائل في العالم العربي.

أسّست المحطة على يد وسام عز الدين بالشراكة مع شركة «طومسون» الفرنسية المنتجة للتلفزيونات. وبمساعدة دوري شمعون، نجل الرئيس كميل شمعون، استحصلوا على رخصة للبث عام 1957، إلا أنه بسبب أحداث عام 1958 في لبنان، تأخر التنفيذ إلى العام التالي 1959. وشيّد المبنى الخاص بالمحطة الوليدة في محلة تلة الخياط بالعاصمة بيروت.

في أوائل الستينات أخذت هذه المحطة على عاتقها مواكبة الشهر الفضيل. وسبق للإعلامي زافين قيوميجيان أن أصدر سلسلة كتب عن تاريخ «تلفزيون لبنان» وأهم حقباته، خاصة أن هذه المحطة كانت أول محطة تلفزيونية عمل فيها مع بداية مشواره الإعلامي.

في حديث لـ«الشرق الأوسط» يتذكّر زافين تلك الحقبة من خلال أبحاث ودراسات قام بها، ويقول: «البرمجة الرمضانية استهلت، مع ما كان معروفاً يومها بـ(تلفزيون لبنان والمشرق) في الحازمية و(تلفزيون لبنان) في تلة الخياط قبل أن يتوحّدا. وكان نجم تلك الحقبة الرمضانية الفنان يوسف شامل، مؤلف وبطل برنامج (الدني هيك). وتخلّل تلك الفترة برامج أخرى رمضانية، بينها برنامج الحكواتي مع (أبو العبد البيروتي)، إلا أنها لم تلق النجاح المنتظر؛ إذ ظهرت كعادات وتقاليد جديدة على اللبنانيين، سيما وأن انتشار جهاز التلفزيون كان لا يزال خجولاً».

ويتابع زافين قيومبجيان: «في الثمانينات استحدثت مصر برامج رمضانية مشهورة بينها (فوازير رمضان) لنيللي وشريهان. ومن باب الاتفاق التعاوني بين (تلفزيون لبنان) و(الاتحاد العربي للتلفزيون) دخلت هذه الموجة الشاشة اللبنانية، وحققت يومها نجاحاً ملحوظاً... وخصوصاً أن (تلفزيون لبنان) راح يواكبها بمسابقات رمضانية تخول المشاهد ربح الجوائز».

وبحسب زافين، لحقت بهذه المرحلة الدراما الرمضانية. وشهدت الشاشة اللبنانية عروضاً لمسلسلات مشهورة في تلك الحقبة كـ«رأفت الهجّان» و«ليالي الحلمية». واختتم بالقول: «بقي الأمر على ما هو عليه حتى التسعينات عند بزوغ فجر تلفزيون «المستقبل».

جابر: «المستقبل» أول من نظم برمجة رمضانية

شكلت ولادة تلفزيون «المستقبل» علامة فارقة في عالم الإعلام المرئي اللبناني منذ انطلاقتها في عام 1993؛ إذ كان أول قناة فضائية لبنانية تبث بالعربية. ووقف وراء تأسيس هذا الصرح الإعلامي رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري. وحقاً، استطاع من خلاله نقل الإعلام المرئي اللبناني إلى مستوى رفيع، ووفّر له انتشاراً واسعاً طال أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا والبلدان العربية.

الإعلامي علي جابر، عميد معهد الاتصالات في الجامعة الأميركية بدبي ومدير مجموعة «إم بي سي»، كلفه الرئيس الراحل الحريري يومها، بإدارة قناة «المستقبل»، فتولى هذه المهمة منذ عام 1992 لغاية 2003. وعلى يد جابر ولدت البرمجة الرمضانية المنظمة على شاشة لبنانية.

علي جابر (الشرق الأوسط)

في لقاء مع «الشرق الأوسط» شرح جابر: «(المستقبل) كان سباقاً في أمور كثيرة استحدثها على الشاشة الصغيرة، ثم لحقت به باقي محطات التلفزة. وهنا يعود الفضل للرئيس الراحل الحريري الذي أراد (المستقبل) منبراً إعلامياً متوهجاً. ورغب بالفعل من خلاله أن يغيّر صورة لبنان الحرب، ويعيده بلد الازدهار. كان الحريري مدركاً أهمية الشهر الفضيل عند اللبنانيين بجميع أطيافهم، فأوكلني يومها بإدارة المحطة، وطلب مني تنظيم برمجة خاصة برمضان».

من هذا المنطلق، حشد جابر حوله فريقاً علمياً مبدعاً من طلابه في الجامعة، فحقق أول خطوة إلى الأمام مع نبض شبابي جديد، «ما كان قد انخرط بعد ببرمجة التلفزيون التقليدي» كما يقول. ومع هؤلاء الطلاب، وضع جابر خطة لرمضان بعدما درس طبيعة المتلقي، وأخذ بعين الاعتبار أقسام يوم كامل من أيام الشهر الكريم. وأوضح: «لقد فكرنا بأن ما يجب عرضه على الشاشة من برامج رمضانية قبل الإفطار لا تشبه ما بعده».

وسار جابر بخطته العلمية هذه معرّجاً أيضاً على فترة الأمسيات عند اللبناني التي تختتم بالسحور، فوقف على أهواء وأذواق ومتطلبات الشارع كي يقدم المحتوى الذي يليق بهذا الشهر.

خيم رمضان من بيروت إلى العالم

لقد كان أول من فكّر بـ«الخيمة الرمضانية»، وبإيعاز من الراحل رفيق الحريري، النائب السابق سليم دياب. وحقاً استقدم الأقمشة المصرية الحمراء السميكة والمزخرفة لتغطي جدرانها، وراح تلفزيون «المستقبل» ينقل أجواء الساهرين فيها عبر شاشته مباشرة. وكان اللبنانيون من مختلف المناطق يقصدونها عند الإفطار أو السحور.

وبعدها توسّعت الظاهرة على يد رجل الأعمال بشارة نمّور، الذي وضع حجر الأساس لمجموعة خيم من هذا النوع في منطقة الأونيسكو ببيروت عُرفت بـ«خيام الهنا». وصارت عنواناً مشهوراً للبنانيين المقيمين والمغتربين وحتى للسياح العرب، يرتادونها من كل حدب وصوب، وتحولت إلى ملتقى اللبنانيين مع أهاليهم في السعودية، وأي بلد اغترابي آخر، فيتصلون مباشرة بأولادهم ويوجهون إليهم التحية وتنقلها شاشة «المستقبل» مباشرة على الهواء.

هذا، وكان عدد من الفنانين يسهمون في إحياء الحفلات الغنائية والموسيقية فيها، بينهم نانسي عجرم التي نالت أول قسطها من الشهرة عبر الشاشة المذكورة من خلال برنامج المواهب «نجوم المستقبل». وبعد «خيام الهنا» توسّعت هذه الظاهرة أكثر لتشمل مطاعم ومقاهي فنادق وغيرها، كما ذاع صيتها في العالم العربي فراحت بلدان عدة بدورها تقيم خيامها.

تطور برامج رمضان على الشاشة اللبنانية

وفق أرشيف «تلفزيون لبنان»، فإن باقة برامج رمضانية كانت تلون شاشته منذ الستينات وصولاً إلى أوائل التسعينات. ولعل أشهرها «جحا» و«مسحّر رمضان» و«مع إسماعيل ياسين». وكانت كلها برامج تلفزيونية من إنتاجه، ويشارك فيها فنانون معروفون كدريد لحام وشوشو وإسماعيل ياسين وغيرهم. وكان رئيس إدارة التلفزيون، يومذاك، الجنرال سليمان نوفل، قد أخذ على عاتقه تلوين شاشته بها. أما المسلسلات فكانت تتألف من «هو وهي» و«عريس الهنا» و«أبواب المدينة» و«باكيزة وزغلول».

وأما تلفزيون «المستقبل» فكان من أوائل مسلسلاته المعروضة «الحفار» و«إخوة في التراب». وكانت هذه تعرض بعد الإفطار، ويسبقها برامج روحانية تتألف من الصلاة والدعاء. وبعد المسلسلات يُصار إلى نقل أجواء الخيم الرمضانية. وهي برمجة عمل عليها علي جابر كي تواكب يوماً رمضانياً كاملاً.

ومن ناحيته، فإن تلفزيون «إل بي سي» انخرط في هذه الموجة منذ عام 1987. وكانت الباكورة باقة من برامج دينية كـ«صدق الله ورسوله»، و«على هامش السياق»، لتتطوّر بعدها لعروض فوازير رمضان لشيريهان وبرنامج «ألف ليلة وليلة». وفي عام 1996 أنتجت المحطة مسلسلاً درامياً خاصاً برمضان هو «تجارة عن تراض». وفي عام 1997 أطلقت برامج الألعاب مع طوني خليفة «بتخسر إذا ما بتلعب».

وقبله كان ميشال قزّي، المذيع التلفزيوني على قناة «المستقبل»، قد حقق شهرة واسعة في مواسم رمضان في لبنان والعالم العربي. وجاء ذلك على خلفية تقديمه برامج الألعاب والجوائز «ميشو شو». وتأثر المشاهد في تلك الفترة بعبارات كان يرددها مثل: «إلك» و«وينك»، فغدت متداولة بشكل ملحوظ.

يُعد «تلفزيون لبنان» أول محطة بثت المحتوى البصري في لبنان ومن الأوائل في العالم العربي

شري: «المستقبل» كان السبّاق رمضانياً

اشتهرت المذيعة التلفزيونية يمنى شري وجهاً محبوباً في قناة «المستقبل». وخلال مواسم رمضان استطاعت يمنى أن تكسب شعبية كبرى من خلال إجرائها حوارات في الخيم الرمضانية. كذاك كانت لها تجارب عدة في عالم التقديم في تلك المواسم. وخلال لقاء مع «الشرق الأوسط» قالت يمنى شري: «كل ما نراه اليوم على محطات التلفزة سبق أن قدمه تلفزيون (المستقبل) على شاشته. فالفريق العامل فيه كان مبدعاً وصاحب أفكار. وأنا أحتفظ بذكريات كثيرة عن فترة شهر رمضان... إذ قدمت برامج مختلفة على مدى سنوات طويلة بينها «طل القمر»، و«ليل وقمر ونجوم وسهر»، و«جولة يمنى في العالم العربي».

يمنى شري (الشرق الأوسط)

وتتابع يمنى كلامها فتذكر أن «فترة النقل المباشر من (خيام الهنا) كانت تحمل الفرح والطاقة الإيجابية للبنانيين الخارجين لتوهم من مرحلة حرب طويلة، فيزحفون بالآلاف إلى تلك الخيم ليسهروا فيها ويوجهون التحيات إلى أهاليهم وأقاربهم في المهجر. وكنت أخصص هذا الموسم بأزياء ومحتوى يلائمان المناسبة. وهكذا، كانت المشهدية برمّتها جميلة فيها الكثير من راحة البال والأمان. ولا أنسى هنا أبداً استضافتي للفنان الكبير سيد مكاوي في واحدة من الحلقات الرمضانية التي كنت أقدمها... كان النجوم من لبنان والعالم العربي توّاقين للظهور على هذه الشاشة لشهرتها الواسعة».


«أخطاء غوغل» تثير تساؤلات بشأن تحكم الذكاء الاصطناعي في المعلومات

شعار شركة «غوغل» (رويترز)
شعار شركة «غوغل» (رويترز)
TT

«أخطاء غوغل» تثير تساؤلات بشأن تحكم الذكاء الاصطناعي في المعلومات

شعار شركة «غوغل» (رويترز)
شعار شركة «غوغل» (رويترز)

أثارت أخطاء وقع فيه نموذج الذكاء الاصطناعي «جيميناي» التابع لشركة «غوغل»، أخيراً، تساؤلات بشأن مستقبل المعلومات والصور، ومدى تحكم تلك التطبيقات في «الذاكرة الجمعية» المستقبلية للبشر. وبينما أشاد بعض الخبراء بإقدام «غوغل» على الاعتراف بالخطأ، وإعلان عزمه العمل على تصحيحه. شدد الخبراء على «ضرورة التنبه لخطورة الذكاء الاصطناعي وتأثيره على تشكيل صورة لتاريخ البشر».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، سوندر بيتشاي، قد تحدث أخيراً، عن أخطاء وصفها بأنها «غير مقبولة على الإطلاق»، وقع فيها تطبيق «جيميناي» للذكاء الاصطناعي، حيث «ولّد صوراً لقوات نازية متنوعة عرقياً، كما ولّد صوراً غير دقيقة تاريخياً تظهر امرأة أميركية سوداء تُنتخب عضواً في مجلس الشيوخ في القرن التاسع عشر، بينما لم يحصل ذلك على أرض الواقع قبل عام 1992»، ما أثار جدلاً وانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط مخاوف من تأثير شركات التكنولوجيا الكبرى على مستقبل المعلومات. واعترف المؤسس المشارك في «غوغل»، سيرغي برين، بـ«حدوث أخطاء في عملية توليد الصور»، وقال في «هاكاثون» للذكاء الاصطناعي أقيم أخيراً: «كان ينبغي للشركة اختبار برنامج (جيميناي) بشكل أكثر شمولاً»، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبينما تشيد الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي وأستاذة الإعلام والتواصل، سالي حمود، بـ«اعتراف تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالخطأ ومحاولتها تصويبه»، حذرت من «خطورة هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى على والبيانات». وقالت حمود لـ«الشرق الأوسط» إن «الحديث عن مخاطر الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على البيانات والذاكرة الجمعية ليس جديداً؛ لكنه تصاعد أخيراً مع إتاحة خدمات تطبيقات الذكاء الاصطناعي للأفراد، وبروزها على السطح بشكل كبير». وأضافت أن «البيانات الموجودة على الإنترنت، هي التي تكون الذاكرة الجمعية للأفراد، وتتحول مع الوقت إلى معلومات يراها البعض حقائق حتى وإن لم تكن كذلك». وتشير إلى «خطورة البيانات المتداولة على الإنترنت، لا سيما أنها تشكل الخوارزميات التي تعطي في النهاية النتيجة التي يخرج بها تطبيق الذكاء الاصطناعي أياً كان»، لافتة إلى أن «صحة المعلومات مسؤولية البشر الذين يتولون برمجة الخوارزميات المختلفة، وتغذية الإنترنت بالبيانات».

حمود أوضحت أن «البشر لديهم انحيازاتهم وقيمهم ومعتقداتهم التي تؤثر بالتبعية على ما ينتجونه ويروجونه من معلومات»، ضاربة المثل بأن «تطبيقات الذكاء الاصطناعي بناء على تلك الانحيازات البشرية تبدو أكثر تفضيلاً للرجل الأبيض على سبيل المثال». ودعت إلى «الاهتمام بنشر المعلومات الصحيحة على الإنترنت، لا سيما ما يتعلق بالثقافة والهوية العربية، لمواجهة الهيمنة المعلوماتية والتكنولوجية للشركات الغربية».

وبحسب مراقبين، فإن تطبيقات الذكاء الاصطناعي يتم تدريبها باستخدام كميات هائلة من البيانات، بهدف استخدامها في مهام عدة، مثل إنشاء صور أو صوت أو حتى نص، كما يتم استخدامها في التشخيص الطبي أحياناً. كما يلفت المراقبون إلى أن «البيانات والصور التي يولدها الذكاء الاصطناعي تعتمد على إنترنت مليء بالتحيزات والمعلومات (الزائفة والمضللة)، ما يعني إمكانية تكرار هذه البيانات غير الدقيقة في توليد صور وبيانات تتحكم في تاريخ ومستقبل البشرية». ووفق المسؤولين في «غوغل»، فإنه «كانت هناك مساعٍ لإعادة التوازن لخوارزميات (جيميناي)، لتقديم نتائج تعكس التنوع البشري، لكنها جاءت بنتائج عكسية»، فنتيجة الحرص على التنوع «ولّد التطبيق صوراً لقوات نازية متنوعة ومتعددة الأعراق بالمخالفة للوقائع التاريخية».

محمد الصاوي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، رأى أن «تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل المعلومات يعتمد على قدرة الشركات الكبرى مثل (غوغل) على التحكم في تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها لتوليد وتوجيه المعلومات»، موضحاً أنه «عندما تقوم هذه الشركات بتطبيقات تعتمد بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي، فإنها تتحكم بشكل كبير في كيفية توجيه المعلومات وكيفية فهم المستخدمين للواقع». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة (غوغل) تعكس كيف يمكن لهذه التقنيات أن تخطئ وتؤثر على المعرفة وعلى فهم الناس للتاريخ والحقائق»، مشيراً إلى أن «الصور الخاطئة والمعلومات غير الدقيقة يمكن أن تنتشر بسرعة وتؤثر على الثقة بالمعلومات التي يستند إليها الناس في اتخاذ القرارات».

ويقترح الصاوي لمواجهة هذا التحدي، أن تعمل الحكومات والجهات الرقابية على بناء إطار قانوني يحدد المعايير والمسؤوليات لشركات التكنولوجيا فيما يتعلق بتوليد ونشر المعلومات، مع وضع متطلبات صارمة للشفافية والمراجعة المستقلة لخوارزميات الذكاء الاصطناعي المستخدمة، بالإضافة إلى تشجيع الابتكار في تطوير تقنيات تصحيح الأخطاء وتحسين دقة البيانات والمعلومات التي تعتمد عليها هذه الخوارزميات».

ومنذ طرح شركة «أوبن إي آي» روبوت المحادثة «تشات جي بي تي» للاستخدام في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أثير جدل بشأن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتأثيراتها على مختلف المجالات وبينها الصحافة، لا سيما مع إشارة أبحاث عدة إلى مخاطرها؛ ما دفع حكومات دول عدة لمحاولة وضع قواعد لكبح جماح التقنية.

وفي مارس (آذار) 2023، طالب أكثر من ألف عالم متخصص في التكنولوجيا بـ«هدنة صيفية لمدة 6 أشهر، تستهدف الاتفاق على قواعد الحوكمة الرقمية». إثر ذلك بدأ عدد من المشرعين الأوروبيين العمل على تشريعات جديدة في هذا الصدد. أيضاً بين الحين والآخر تفرض دولة ما حظراً على تطبيق من تطبيقات الذكاء الاصطناعي بداعي «حماية البيانات»، كما فعلت إيطاليا في أبريل (نيسان) 2023. وتثير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي مخاوف عدة بشأن انتشار «المعلومات المضللة»، و«انتهاك الخصوصية»، لذلك تتجه دول عدة لحوكمته ووضع ضوابط لاستخدامه. ولتجاوز الانحيازات البشرية والمعلومات «الزائفة» يدعو خبراء ومراقبون إلى «زيادة التنوع في الفرق المشرفة على إنشاء وتغذية تطبيقات الذكاء الاصطناعي»، تزامناً مع «زيادة الشفافية عن كيفية عمل خوارزمياتها، بهدف تحسين البيانات التي تولدها تلك التطبيقات».

أخيراً، يتجه العالم إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي، وفي نهاية العام الماضي، اتفق الاتحاد الأوروبي على ما اعتبر «أول تشريع شامل لحوكمة الذكاء الاصطناعي»، بهدف «ضمان أمن السوق الأوروبية»، جنباً إلى جنب مع «تحفيز الاستثمار والابتكار في تطوير وتسهيل أدوات التعامل مع الذكاء الاصطناعي». ومن المقرر أن تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ عام 2025.


شركتان من ملّاك كبريات الصحف الأميركية قررتا التخلي عن خدمة «أسوشييتد برس»... بذريعة التوفير

داخل المقرّ الرئيس لوكالة الـ"أسوشييتد برس" (آ ب)
داخل المقرّ الرئيس لوكالة الـ"أسوشييتد برس" (آ ب)
TT

شركتان من ملّاك كبريات الصحف الأميركية قررتا التخلي عن خدمة «أسوشييتد برس»... بذريعة التوفير

داخل المقرّ الرئيس لوكالة الـ"أسوشييتد برس" (آ ب)
داخل المقرّ الرئيس لوكالة الـ"أسوشييتد برس" (آ ب)

بعد مضي ما يقرب من قرنين على هيمنة وكالات الأنباء العالمية على «صناعة الخبر»، وتحولها إلى مصدر الخدمة الأساسي الذي تعتمد عليه غرف الأخبار في غالبية وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة، كان من الصعب تصور استغناء تلك الوسائل أو بعضها، عن هذه الخدمة.

وعلى الرغم من ظهور وكالات جديدة، كانت تنشأ في أعقاب تغييرات جيوسياسية وصعود قوى إقليمية ودولية بقدرات «عظمى»، حافظت الوكالات «الأصلية» على هيمنتها.

المقر الرئيس لوكالة الـ"أسوشييتد برس" في نيويورك (آ ب)

ومنذ الحرب المكسيكية - الأميركية عام 1846، لجأت الصحف الكبيرة والصغيرة إلى وكالة الـ«أسوشييتد برس» للحصول على تقاريرها من أماكن لا يمكن لمراسليها الوصول إليها. وبفضل وجود أكثر من 200 مكتب لها حول العالم، ظلت الـ«أسوشييتد برس»، أكبر اسم تجاري بين ما أصبح يعرف باسم الخدمات السلكية، حيث تنقل مقالاتها وصورها إلى منافذ الأخبار مقابل رسوم ترخيص. وصارت بعض الصحف الصغيرة تعتمد بشكل كبير على محتواها، لدرجة أن الخط التحريري لـ«أ.ب» كان الأكثر شيوعاً في أخبارها.

صناعة الخبر الخاص

غرف صناعة الأخبار غالباً ما شهدت مناقشات حول الحد الفاصل، بين خبر الوكالات والخبر الخاص المنتج من موظفي ومراسلي وصحافيي الوسائل الإعلامية. بيد أن تكلفة إنتاج الخبر الخاص كانت على الدوام تحبط جهود الاستغناء عن خبر الوكالات، ليتحول الجهد الخاص إلى قصص تعتمد على مخيلة وابتكارات صحافية ومقابلات وتسريبات، تطمح للتميز، ليس عبر الخبر، بل عبر المادة الإعلامية.

وغني عن القول إنه طرأت تغييرات كبيرة على إنتاج المادة الإعلامية، مع صعود دور وسائل التواصل الاجتماعي، التي حولت على سبيل المثال، أي حامل لهاتف ذكي إلى مراسل ميداني في الوقت الفعلي لحصول الحدث «الخبر». إلا أنه، مع هذا، لا يزال الإجماع منعقداً على أن موثوقية الخبر تعتمد على جهة يمكن محاسبتها وتحميلها المسؤولية، في ظل ضعف الرقابة على مضمون ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وخطر «التزييف» العميق الذي تصاعد أخيراً مع تصاعد استخدام «الذكاء الاصطناعي».

هذا من حيث المبدأ. ولكن أخيراً، أعلنت «سلسلتان» صحافيتان أميركيتان كبيرتان أنهما قرّرتا التخلي عن خدمات الـ«أسوشييتد برس» للحصول على الأخبار؛ إذ ذكرت شركة «غانيت»، ناشرة صحيفة الـ«يو إس إيه توداي» وأكثر من 200 صحيفة محلية، وشركة «ماكلاتشي»، التي تنشر صحيفتي الـ«ميامي هيرالد» والـ«كانساس سيتي ستار» من بين أكثر من عشرين صحيفة أخرى، هذا الأسبوع، أنهما أنهتا علاقة المحتوى الخاصة بهما مع الوكالة.

مايك ريد (يو إس آيه توداي)

توفير المال على حساب الثقة

وفق صحيفة الـ«واشنطن بوست»، عدّ مسؤولون تنفيذيون في مذكرة داخلية للموظفين في كلتا الشركتين، هذه الخطوة بأنها «لتوفير التكاليف»، المقدرة بملايين الدولارات. وذكروا أنهم لن يواجهوا أي مشكلة في سد الفجوة الإخبارية.

إذ كتبت كريستين روبرتس، المديرة التنفيذية لشركة «غانيت» عبر مذكرة، يوم الثلاثاء قبل الماضي: «إننا نصنع صحافة أكثر كل يوم من وكالة (الأسوشييتد برس)». بيد أن بعض مراقبي وسائل الإعلام - بمن في ذلك العاملون في الصحف المتضررة - حذّروا من أن القرار سيقطع مصدراً حيوياً للتقارير الموثوقة التي أصبح القراء يعتمدون عليها. ورأى بعضهم القرار «خسارة» لا يمكن تعويضها، منتقدين ادعاءات مسؤولي الشركتين عن تحقيق الوفر المادي، في حين فرض التقليص المتواصل على طاقم إعداد التقارير، الاعتماد أكثر فأكثر على الخدمات الإخبارية للمساعدة في سد الفجوات.

ومن جهتها، علّقت مارغو سوسكا، أستاذة الصحافة في الجامعة الأميركية (في واشنطن) ومؤلفة كتاب «التحوّط: كيف ساعدت صناديق الاستثمار الخاصة في تدمير الصحف الأميركية وتقويض الديمقراطية؟»، قائلة إنها «تشعر بالقلق بشأن ما قد يملأ تلك الصفحات الآن». وأردفت: «وكالة (الأسوشييتد برس) هي واحدة من أكثر المنظمات موثوقية في مجال التغطية الإخبارية على المستوى الوطني وعلى مستوى الولايات». وشددت على الدور الذي تلعبه «التقارير الموضوعية» للوكالة في سنة الانتخابات الحالية، قبل أن تضيف: «بالنسبة لأي شخص يهتم بالأخبار في ظل ديمقراطية فاعلة، هذا مجرد مسمار آخر في النعش».

تفاوض لتحسين العقد؟

أما نيكول مئير، الناطقة باسم الـ«أسوشييتد برس» فقالت إنها تأمل أن تواصل شركتا «غانيت» و«مكلاتشي» استخدام خدمات المحتوى الإخبارية الخاصة بها، كاشفة عن أن «المباحثات معهما مستمرة»، ما يشير إلى أن قرارات الناشرين يمكن أن تكون جزءاً من استراتيجية التفاوض على العقد. وأفادت مئير في بيان: «نحن نقدّر صعوبة اتخاذ هذه القرارات، ونفهم بعمق التحديات التي تواجهها صناعة الأخبار... ولكن في الوقت نفسه، سيكون هذا بمثابة ضرر لمستهلكي الأخبار في جميع أنحاء الولايات المتحدة الذين لن يروا بعد الآن الصحافة القائمة على الحقائق من (الأسوشييتد برس)». وعلى الرغم من ذلك، ذكرت «غانيت» أنها ستواصل الحصول على خدمة تغطية بيانات الانتخابات من الـ«أسوشييتد برس»، وكذلك استخدام كتاب الأنماط الخاص بها، وهو عبارة عن مجموعة من المبادئ التوجيهية اللغوية والنحوية لغرف الأخبار.

شعار "ماكلاتشي" (ماكلاتشي)

في هذه الأثناء، أوضحت الـ«أسوشييتد برس» أن رسوم الصحف الأميركية تمثل فقط نحو 10 في المائة من دخلها السنوي، وأن الخسارة في الإيرادات من «غانيت» و«ماكلاتشي» لن تؤثر بشكل كبير على مواردها المالية. وبينما تواصل الشركتان التشديد على أن قرار الاستغناء عن خدمة الـ«أسوشييتد برس» سيمكّنهما من الاستثمار بشكل أكبر في إنتاج أخبارهما الخاصة، فإن وعودهما بزيادة أعداد الطاقم الإخباري وتخصيص أموال إضافية، لم تطبّق بعد على الأرض. وفي مؤتمر صحافي عُقد في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا، الأربعاء قبل الماضي، تطرّق مايك ريد، الرئيس التنفيذي لشركة «غانيت»، إلى موضوع الاستغناء عن خدمات الوكالة، فقال إن مُحتوى الوكالة «لم يعُد يُقرأ جيداً مثل القصص المنتجة محلياً، وعلى هذا النحو، كان من الأفضل من الناحية المالية توفير المال وتوظيف مراسلين محليين لإنتاج المزيد مما يريده القراء».

تكلفة إنتاج الخبر الخاص، كانت على الدوام تحبط جهود الاستغناء عن خبر الوكالات، ليتحول الجهد الخاص إلى قصص تعتمد على مخيلة وابتكارات صحافية ومقابلات وتسريبات

مقر "غانيت" في ماكلين بضواحي العاصمة الأميركي واشنطن (رويترز)

أجور خيالية للمديرين

من ناحية ثانية، على الرغم من إعلان ريد عن جهود لتعزيز غرف التحرير، وتعهّد الشركة أخيراً باستثمار مبلغ 2 مليون دولار لتوظيف عاملين جدد في غرف الأخبار، فإن ثمة شكوكاً كبيرة حول نيات «غانيت» فيما يتعلق بإمبراطورية الأخبار المحلية الخاصة بها؛ إذ، على العكس من ذلك، أضرب في العام الماضي، مئات الصحافيين في صحف «غانيت» في عدة ولايات احتجاجاً على خفض عديد العاملين في غرف تحرير الشركة. وأفاد بعض العاملين بأن أجور بعض الموظفين العاملين منذ أكثر من 30 سنة، ليست متناسبة مع جهودهم، وثمة وظائف شاغرة منذ أكثر من سنتين لم تملأ بعد. وبالفعل، وفق إحصاءات وظيفية، عمدت «غانيت» - التي تعد أكبر سلسلة صحف في أميركا - إلى تقليص عدد موظفيها خلال السنوات الثلاث الماضية بنسبة 47 في المائة. وهو ما دعا البعض إلى القول إن ادعاءات رئيسها التنفيذي عن زيادة عدد الموظفين لتقديم أخبار محلية قوية «ادعاءات مضحكة».

في مطلق الأحوال، عانت كل من «غانيت» و«ماكلاتشي» من صعوبات مالية خلال السنوات الأخيرة؛ إذ عمدتا إلى الاندماج مع شركات أخرى، وسيطرت صناديق تحوّط استثمارية وشركات أسهم خاصة عليهما، بعد مزاد إفلاس. ولكن، رغم ذلك، تبين أنه على الرغم من السنوات الصعبة الأخيرة التي شهدتها وسائل الإعلام، فإن مسؤولين تنفيذيين في الشركتين حصلوا على أجور خيالية. وعلى سبيل المثال، ووفقاً لإيداعات هيئة الأوراق المالية والبورصة، حصل ريد، المدير التنفيذي لـ«غانيت» نفسه، عام 2021، على راتب سنوي يقرب من 8 ملايين دولار، بينما واصلت الشركة تسريح الموظفين.


هل يواجه «تلغرام» خطر «الحظر» مجدداً؟

شعار تطبيق «تلغرام» بين اثنين من المستخدمين (رويترز)
شعار تطبيق «تلغرام» بين اثنين من المستخدمين (رويترز)
TT

هل يواجه «تلغرام» خطر «الحظر» مجدداً؟

شعار تطبيق «تلغرام» بين اثنين من المستخدمين (رويترز)
شعار تطبيق «تلغرام» بين اثنين من المستخدمين (رويترز)

جددت اتهامات وجهتها شركات إعلامية لتطبيق «تلغرام» في إسبانيا، عقب تداول التطبيق «محتوى محمياً بموجب القانون من دون إذن مسبق»، تساؤلات حول مستقبل التطبيق في الدول، وإمكانية حظره مجدداً، لا سيما بعد قرار قاضٍ إسباني بحظر «تلغرام» مؤقتاً.

ومع أن القاضي الإسباني تراجع عن قرار حظر التطبيق بعد ذلك، لحين انتظار تقرير من الشرطة حول التطبيق؛ رأى خبراء أن «تلغرام» في حاجة إلى تعزيز حقوق النشر، وإعادة النظر في تداول «المحتوى العنيف والمضلل» كي يتفادى إجراءات الحظر مجدداً.

ما حصل أن المحكمة الوطنية في إسبانيا (المكلفة بالقضايا الحساسة) قرّرت بنهاية مارس (آذار) الماضي، التعليق «المؤقت» لمنصة «تلغرام»، في ضوء شكاوى عدة قدمتها شركات إعلامية إسبانية كبرى مثل «آرتيس ميديا»، و«ميدياست»، و«تيليفونيكا»، و«موفيستار»، و«إيغيدا»، بحجة «انتهاك حقوق الملكية الفكرية». وكان السبب أن «تلغرام» يسمح - في رأي المحكمة - للمستخدمين بـ«تحميل محتواهم من دون إذن». غير أن القاضي سانتياغو بيدراز، من المحكمة الوطنية، تراجع عن قراره بعد أيام، ووصفه بأنه «إجراء مفرط وغير متناسب»، بحسب بيان للمحكمة الوطنية.

وهنا نشير إلى أن إسبانيا ليست أول دولة تدرس خطوة حظر هذا التطبيق، بل تحظره أيضاً كل من الصين وتايلاند وكوبا وباكستان والبرازيل وإيران، لأسباب سياسية تتعلق بكل دولة على حدة.

«تلغرام» يُعد رابع أكثر تطبيقات المراسلة شيوعاً على مستوى العالم بعد «واتساب» و«وي تشات» و«ماسنجر فيسبوك»، بإجمالي مستخدمين يقدر بـ1.562 مليار و800 مليون مستخدم نشط شهرياً في عام 2024، كما يضم التطبيق نحو 196 مليون مستخدم نشط يومياً، حسب بيانات نشرها الموقع الأميركي «بنك ماي سيل»، وهو موقع رائد لمقارنة الأسعار في سوق الاتصالات والرقمنة، خلال مارس الماضي. في حين أشارت توقعات «بنك ماي سيل» إلى استمرار صعود قاعدة مستخدمي «تلغرام» في النمو، إذ ينضم 1.5 مليون مستخدم جديد إلى التطبيق يومياً. غير أن آخرين يحذرون من تبعات دعوات الحظر التي تلاحق التطبيق.

محمد السويعي، الخبير السعودي المتخصص في إدارة تقنية المعلومات والأمن السيبراني والباحث في أنظمة الذكاء الاصطناعي، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «ملاحقات الحظر لـ(تلغرام) جاءت انعكاساً لتأثير التطبيق في سوق التواصل والمراسلات». وأردف: «لقد تمكّنت منصة (تلغرام) من تحقيق شعبية كبيرة، ومنافسة منصات مثل (واتساب) وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي، بسبب سياستها الأقل صرامة فيما يخص حرية التعبير والخصوصية». ثم أوضح أن «البعض من المستخدمين يثمّنون الميزات الأمنية مثل تشفير المحادثات والمجموعات والقنوات ذات العدد غير المحدود من الأعضاء، الأمر الذي يجعل (تلغرام) خياراً لمن يبحثون عن بدائل توفر مزيداً من حرية التعبير من دون ضوابط فعلية».

وبالمناسبة، حظي تطبيق «تلغرام» باهتمام كبير منذ اندلاع «حرب غزة» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ويدلل على ذلك منشور يعود لمؤسس التطبيق، رائد الأعمال الروسي بافيل دوروف، عبر قناته على التطبيق في اليوم التالي لاندلاع الحرب، أشار فيه إلى أن «مئات الآلاف سجّلوا في (تلغرام) من إسرائيل والأراضي الفلسطينية»، وعليه قرّر التطبيق دعم اللغتين العبرية والعربية. وقال في حينه إنه «يجب أن يحظى كل شخص متضرر من الحرب بإمكانية الوصول إلى الأخبار والاتصالات».

من جهة ثانية، عدّ الإعلام الإسرائيلي «تلغرام» عاملاً فعالاً في الحرب، وذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، في فبراير (شباط) الماضي، أن الضربات التي تعرّضت لها إسرائيل منذ اندلاع الحرب تزامنت مع صعود النشاط على «تلغرام»، لا سيما أن التطبيق عدّه خبراء «متنفساً» لحركة «حماس» ما أسهم في مزيد من التفاعلات مع منشورات «حماس».

السويعي رأى أن «حرب غزة» جاءت فرصة ذهبية للتطبيق، فمنذ اندلاع الحرب حظي «تلغرام» بشهرة بين المستخدمين، بسبب اعتماد الكثير عليه في الاتصال ومتابعة الأخبار. وتابع الخبير السعودي أن «نشر أي محتوى عن أزمات الحروب والأحداث السياسية على منصات التواصل الاجتماعي، يمكن أن نأخذه من منظورين: الأول هو تعزيز الحريات الإعلامية وحرية التعبير، عندما توفر المنصات فرصة للأفراد أو للوسائل الإعلامية لنشر المعلومات والأخبار سواء كانت صحيحة أو مغلوطة من دون تقييد كبير. والثاني قد يرى البعض أنها استراتيجية تتبعها هذه المنصات لجذب الجمهور وزيادة عدد المستخدمين، خاصة في ظل أزمات الحروب والأحداث السياسية الساخنة... مع اعتبار القضية متعددة الأبعاد وتعتمد على كيفية نظر المتلقي للخبر وثقته بناقل الخبر».

السويعي قال أيضاً إن استخدام منصات التواصل الاجتماعي للنشر يطرح تساؤلات حول التوازن بين حرية التعبير وحماية حقوق النشر. وأضاف: «من جهة، يمكن عدّ نشر المحتوى تحت مظلة حرية التعبير ميزة للمنصة. ومن جهة أخرى، قد يرى البعض أنه يتعارض مع سياسات منع نشر المحتوى الذي يحتوي على العنف أو الكراهية أو التحريض أو تأجيج الصراعات بين المجتمعات»، وبالتالي، فإن «الأمر يعتمد على المعايير الأخلاقية والتشريعات الدولية التي تلتزم بها المنصة وكيفية تطبيقها على ما ينشر من محتوى على منصتها».

أيضاً أشار السويعي إلى أن «(تلغرام) يواجه الكثير من الجدل والتحديات المتعلقة بالخصوصية واستخدامه في الأنشطة غير المشروعة، فضلاً عن الاتهامات التي تواجه التطبيق من قبل شركات إعلامية رئيسية في إسبانيا، ما قد يتبعه حظر التطبيق في إسبانيا، وفي بعض دول الاتحاد الأوروبي... وهو ما يؤثر سلباً على قاعدة مستخدمي التطبيق وسمعته في الاتحاد الأوروبي، كون هذه الدول ملزمة باللوائح العامة لحماية البيانات (GDPR)، وقد يدفع المستخدمين والجهات الإعلامية في الاتحاد الأوروبي للبحث عن بدائل أخرى». الجدير بالذكر أن صحيفة «فايننشال تايمز» وجهت اتهامات لمنصة «تلغرام» بعدما نشرت تحقيقاً أخيراً عن قنوات تعرض عبر التطبيق سلعاً «غير مشروعة»، وذكرت أنها تشمل «أسلحة ومواد مخدرة». كذلك أفادت الصحيفة بأن «(تلغرام) تحوّل من تطبيق مراسلة متخصص إلى مصدر إخباري غير موثوق، ارتبط بالأزمات الجيوسياسية والإنسانية مثل الحرب بين روسيا وأوكرانيا أو الصراع بين إسرائيل و(حماس)».

في هذه الثناء، رأى أكرم فرج، خبير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإعلام في مصر، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن سياسات التضييق وازدواجية المعايير التي تتبعها المنصات التابعة لشركات التكنولوجيا العملاقة مثل «ميتا» و«غوغل»، دفعت البعض إلى «تلغرام» على أنه متنفس للحرية وتداول الأخبار «من دون تهديدات الحجب التي بات المستخدم يتحايل عليها بخداع الخوارزميات». ثم أضاف أن «حماية الأمن العام حق للدول، غير أن إجراءات حظر التطبيق لن تؤتي ثمارها وليست الحل السحري كما يعتقد بعض السياسيين... وثمة مشاكل أصيلة يجب التصدي لها أولاً؛ أهمها احتكار الشركات العملاقة في مجالات التكنولوجيا وتبعات ذلك من التأثير على المستخدمين لصالح اتجاهات سياسية بعينها».

فرج أشار إلى أن «التلويح بحظر (تلغرام) بشكل متجدد، هو قرار من الحكومات لحفظ ماء الوجه... فالحكومات تعلم أن هذه القرارات ليس لها أثر بالغ، لأن أدوات التكنولوجيا توفر الحلول مثل خدمات (في بي إن) التي تسمح بتغيير الدول ومن ثم فتح الروابط المحظورة بسهولة». لكنه قال إن للدول حقاً أصيلاً في سن القوانين بهدف «التصدي لنشر أي محتوى يمكن وصفه بالعنيف أو المؤجج للصراعات الدولية».

وبالتالي، دعا إلى «وضع قوانين ملزمة لجميع المنصات بعيداً عن أي اتجاهات سياسية أو أغراض تنافسية»، مضيفاً أنه «حان الوقت ألا تتقيد الدول بتطبيقات حيكت لتخدم مصالح مجتمعات أخرى، فالتطورات الحثيثة خلقت فرصاً لإطلاق تطبيقات تواصل محلية وإقليمية تحترم خصوصية كل مجتمع».

هذا، وبينما عدّ خبير تكنولوجيا المعلومات المصري تجربة «تلغرام» جيدة فيما يخص مساحات الحرية، فإنه وجه انتقادات لاستراتيجيات التطبيق في جذب المستخدمين، قائلاً إن «(تلغرام) لم يكن واضحاً منذ البداية في الإفصاح عن استراتيجياته، بينما اعتمد على سياسة جذب المستخدم وتوفير خدمات تنافسية من دون قيود، وأهمل المسؤولية المجتمعية ومعايير حماية نشر المحتوى الملزمة بموجب قانون كل دولة». ومن ثم، توقع «ألا تسمح الدول للتطبيق بالاستمرار على هذا النحو، إذ يجب إعادة النظر في سياسة (تلغرام)، حتى إن لم يكن الحظر كبير الأثر، ذلك أن السوق تفرض على مؤسسي التطبيق مسايرة الاتجاهات العامة واحترام الحقوق».


كيف يُسهم الإعلام في تسوية النزاعات؟

 فانيسا باسيل (الشرق الأوسط)
فانيسا باسيل (الشرق الأوسط)
TT

كيف يُسهم الإعلام في تسوية النزاعات؟

 فانيسا باسيل (الشرق الأوسط)
فانيسا باسيل (الشرق الأوسط)

في ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط والعالم من صراعات ونزاعات وحروب، برز مفهوم «صحافة السلام» على السطح، محملاً الإعلام مسؤولية في إدارة الأزمات الدولية والمساهمة في حلها، أو حتى الحيلولة دون وقوعها. واتفق خبراء ومسؤولون رسميون على «الدور الحيوي» الذي يمكن أن تلعبه وسائل الإعلام، بمختلف أشكالها، في «تسوية النزاعات»، بالتزامن مع خطورة التغطية الصحافية، التي قد تتسبب أحياناً في تأجيج الصراعات، إذا غفلت عن مراعاة معايير المهنة ومبادئ «صحافة السلام».

العالمان جيك لينش وآنابيل ماكغولدريك يعرّفان «صحافة السلام»، بأنها «تلك حيث وعندما ينتقي المحررون والمراسلون ما تجب الكتابة عنه، وكيفية ذلك، ما يخلق فرصاً للمجتمع ككل للنظر في الأمور وتقييمها، وتجنب اتخاذ ردود فعل عنيفة تجاه الصراعات، وذلك اعتماداً على تحليل النزاعات لتحديث مفاهيم التوازن والعدالة والدقة في إعداد التقارير».

تعريف «لينش - ماكغولدريك»

إلا أن مركز «صحافة السلام العالمي» في جامعة بارك بولاية ميزوري الأميركية عمل على توسيع تعريف «لينش - ماكغولدريك»، لـ«صحافة السلام»، فجعله «ممارسة يتخذ فيها المحررون والمراسلون خيارات تعمل على تحسين احتمالات السلام». وهذه الاختيارات، بما في ذلك كيفية صياغة القصص واختيار الكلمات المستخدمة بعناية، «تخلق جواً يفضي إلى السلام ويدعم مبادرات السلام وصانعيها، من دون المساس بالمبادئ الأساسية للصحافة الجيدة، حيث تمنح صحافة السلام صانعي السلام صوتاً، وتجعل مبادرات السلام وحلول اللاعنف أكثر وضوحاً وقابلية للتطبيق».

ستيفن يونغبلود (الشرق الأوسط)

بدوره، قال ستيفن يونغبلود، مدير ومؤسس «مركز صحافة السلام العالمي» وأستاذ الإعلام ودراسات السلام في جامعة بارك، لـ«الشرق الأوسط»، إن «وسائل الإعلام تلعب دوراً حيوياً في تسوية النزاعات، لكنها ليست الوحيدة المنوط بها هذا الدور... تسوية النزاعات وخلق سلام إيجابي يتطلبان تكاتف أطراف عدة، من حكومات وسياسيين وقادة أعمال ومنظمات غير حكومية ومواطنين عاديين ومجموعات الأقليات، وذلك كي يصبح السلام ممكناً ومستداماً». وأضاف أن «بعض وسائل الإعلام عمل تقليدياً على إثارة النزاعات من خلال تغطية أحادية الجانب للصراعات... في حين تقدّم صحافة السلام طريقاً أكثر مسؤولية للإعلام الذي يوازن التغطية، ويمنح دعاة وبناة السلام صوتاً، ويرفض اللغة المثيرة للعداء والضغائن».

في الواقع، تعتمد «صحافة السلام» - كما شرح يونغبلود - على الأفكار التي وضعها الأكاديمي النرويجي يوهان غالتونغ، حيث «يسعى صحافيو السلام إلى تسليط الضوء على الأفراد والمبادرات التي تسعى إلى خلق هذه الظروف المتناغمة، وقيادة حوارات عامة بناءة حول القضايا المتعلقة بالعدالة والإنصاف». ومن ثم أوضح: «هناك عدة تعريفات لصحافة السلام، ثم إن نهج صحافة السلام يمكن استخدامه لتوجيه التقارير حول أي نوع من النزاع، سواءً كان دينياً أو عرقياً أو على الموارد، وهو لا يهتم فقط بالحروب والعنف». واستطرد ليقول: «تقليدياً تم تعريف السلام باعتباره غياب الصراع أو العنف». لكن غالتونغ- الذي يعد «الأب المؤسس لدراسات السلام» - يفرّق بين نوعين منه؛ الأول إيجابي والثاني سلبي، حيث «يعني السلام السلبي غياب الصراع، في حين أن الإيجابي يتكون من الظروف التي يمكن أن تزدهر فيها العدالة والإنصاف والانسجام».

صحافة السلام تغطي كل الأخبار

من جانبها، قالت فانيسا باسيل، الخبيرة الدولية اللبنانية في صحافة السلام ومؤسسة ورئيسة «منظمة إعلام للسلام» (MAP)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن «صحافة السلام لا تُعنى بالأخبار الإيجابية فقط، بل تغطي كل الأخبار، فهي عبارة عن نموذج لتحسين تغطية النزاعات من خلال مفهوم إصلاحي للعمل الصحافي يردّه إلى طريقه الحقيقي الذي يركز على الأخلاقيات والمبادئ».

وتُعدِّد باسيل 4 مبادئ لصحافة السلام:

«المبدأ الأول أنها حساسة للنزاع وقادرة على فهمه والتعريف بخطورته، والتنبؤ بإمكانية حدوثه. والثاني أنها موجّهة إلى الناس وتعبر عن هواجسهم ومشاكلهم والفئات المهمشة، فهي صوت من لا صوت له. أما المبدأ الثالث فهو أنها صحافة تعنى بالحقائق وتبتعد عن الأخبار الزائفة والأجندات السياسية والدعاية الحربية. ثم المبدأ الرابع الأخير الذي يتمثل باعتماد صحافة السلام مفهوم الحلول، وهي هنا لا تقدم حلولاً للنزاعات، بل تعرض آراء خبراء لديهم حلول حقيقية للصراعات».

وتشير فانيسا باسيل من ثم إلى أن مقابل صحافة السلام يبرز مفهوم صحافة الحرب، التي هي على النقيض من المبادئ الأربعة السابق ذكرها... فهي ليست حساسة للنزاع، وتخدم أجندات النخبة لا الناس العاديين، وتنقل دعاية حربية، موجهة نحو الانتصار وتتعامل مع النزاعات، كأنها مباراة كرة قدم بها خاسر وفائز.

وتتابع باسيل شرحها قائلةً إن «الصحافي مرآة للمجتمع، وعليه أن يخدم السلام ويغطي النزاع بطريقة بناءة». وتضرب مثلاً بالحرب في غزة، وكيف يمكن أن يكون للصحافة دور في نشر السلام «عبر تحاشي المساواة بين الظالم والمظلوم، وإظهار انتهاكات حقوق الإنسان، لأن السلام لا ينفصل عن حقوق الإنسان، إضافة إلى استعراض جذور الصراع ومسبباته». وتضيف أن «الإعلام يستطيع أن يؤجج النزاع أو يخفف من حدته، حسب الطريقة التي يتبعها في التغطية، والكلمات والصور المستخدمة، التي لا تحرض على العنف... واجب التغطية الصحافية أن تكون معمقة تحلل وتستعرض أسباب النزاع... لا أن تتابعه بسطحية».

نهج صحافة السلام يمكن استخدامه لتوجيه التقارير حول أي نوع من النزاع سواءً كان دينياً أو عرقياً أو على الموارد

القراءات الحكومية

والواقع أنه لا يقتصر إدراك أهمية «صحافة السلام» على العاملين في المجال الإعلامي، بل يمتد إلى السياسيين والمسؤولين الإعلاميين الرسميين. وفي هذا السياق، قال أحمد أبو زيد، الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية، إن «منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تشهد انتشاراً غير مسبوق للنزاعات المسلحة، التي باتت تمس مصالح واهتمامات الشعوب، ما فرض مسؤولية إضافية على العاملين في مجال الإعلام، لا سيما في أسلوب تغطية النزاعات، ومدى استيعاب طبيعتها وأبعادها التاريخية والجيوسياسية والاجتماعية وتعقيداتها المتشابكة»، لافتاً إلى «حجم المخاطر التي تحيط بالصحافيين في مناطق النزاع».

أحمد أبو زيد (الشرق الاوسط)

وأضاف أبو زيد، خلال حلقة نقاشية نظمها «مركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام» أخيراً في القاهرة، أن «حجم النزاعات المحيطة بمصر جعل من كل صحافي مراسل حرب»، وأن «الإعلام الرسمي في مأزق بالنظر إلى كم المعلومات المتداولة من مصادر معلومة أو مجهولة، ما يضيف عبئاً على المتحدثين الرسميين في تحديد متى وكيف يعلق ومن سيتلقى رسالته». وأوضح الناطق باسم «الخارجية» المصرية، أنه «ينبغي على المسؤول الإعلامي الرسمي في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي أن يصيغ كلماته بميزان من ذهب»، مشيراً إلى أن «السعي لصياغة رسالة إعلامية رسمية لا تؤثر على إدارة الأزمة، قد يجعل ردود الفعل الرسمية تبدو متأخرة، أو تتسم بالبطء في ظل سيولة معلوماتية على جميع الوسائط».

أيضاً شدد الناطق باسم «الخارجية» المصرية على «أهمية الإعلام في تسوية وحسم النزاعات والحيلولة دون وقوعها من الأساس». فقال إن «الإعلام قد يدفع إلى تسوية النزاع أو تعقيده وتأخير حله، ما يلقي مسؤولية كبيرة على العاملين في الإعلام في توضيح جذور الصراع وفهم تحولاته، وعدم ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، ودعم وجهة نظر، وإغفال أخرى».

من جانبه، أكد أحمد عبد اللطيف، مدير «مركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام»، أن «التحديات المُتشابكة التي تشهدها المنطقة والعالم تلقي بظلالها على جهود بناء السلام، وكذلك على طبيعة العمل الإعلامي، ما يتطلب توفير أعلى درجات التأهيل والتدريب، من خلال تسليط الضوء على طبيعة النزاع وأسبابه ومراحله وأطرافه، بالإضافة إلى سُبل توظيف الأدوات المُتاحة لتسويته». وتطرق في كلمة له خلال دورة تدريبية نظمها المركز حول «دور الإعلام في تغطية وتسوية النزاعات»، بالقاهرة، أخيراً، إلى «المخاطر التي يتعرض لها العاملون في المجال الإعلامي أثناء تغطية النزاعات»، مدللاً على ذلك «بضحايا الحرب في غزة من صحافيين وإعلاميين». وقال إن «تغطية النزاعات بدقة يواجه تحديات ومخاطر عدة».

وبالفعل، وثقت لجنة «حماية الصحافيين» ومقرها نيويورك، مقتل 94 صحافياً وإعلامياً على الأقل، بينهم 89 فلسطينياً، وإسرائيليان، و3 لبنانيين، وورد أن 16 صحافياً أصيبوا خلال حرب غزة، كما أبلغ عن اختفاء 4 صحافيين واعتقال 25 صحافياً، بحسب إحصائية نشرتها اللجنة مطلع مارس (آذار) الحالي.


كيف يؤثر خفض «ميتا» الاشتراكات الشهرية في «خصوصية المستخدمين»؟

شعار «ميتا» (أ.ب)
شعار «ميتا» (أ.ب)
TT

كيف يؤثر خفض «ميتا» الاشتراكات الشهرية في «خصوصية المستخدمين»؟

شعار «ميتا» (أ.ب)
شعار «ميتا» (أ.ب)

أثار إعلان شركة «ميتا» عزمها خفض رسوم الاشتراكات الشهرية على المنصات التابعة لها، تساؤلات بشأن تداعيات ذلك على خصوصية بيانات المستخدمين. وقال بعض الخبراء إن إجراءات «ميتا» تهدف في الأساس إلى حماية الخصوصية؛ استجابةً للقوانين الخاصة بهذا الشأن. وأشار بعض هؤلاء إلى أن «التزام منصات التواصل بحماية بيانات المستخدمين من التتبع سيظل محل مراقبة ومتابعة في المستقبل».

الشركة العملاقة كشفت أخيراً عن مقترح بخفض رسوم الاشتراكات الشهرية في منصتَي «فيسبوك» و«إنستغرام» - اللتين تملكهما - إلى النصف تقريباً. ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول بارز في الشركة قوله إن «المقترح يهدف إلى معالجة مخاوف جهات تنظيمية معنية بشأن الخصوصية ومكافحة الاحتكار». كذلك، قال تيم لامب، محامي «ميتا»، خلال جلسة أمام المفوضية الأوروبية أخيراً: «أردنا تسريع هذه العملية منذ فترة لأننا بحاجة للوصول إلى وضع مستقر... لذلك عرضنا خفض السعر من 9.99 إلى 5.99 يورو للحساب الأساسي، و4 يوروات لأي حسابات إضافية». وأوضح أن «هذا هو الحد الأدنى الذي يجب على أي شخص أن يدفعه مقابل خدمات بهذه الجودة».

يذكر أن «ميتا» تعرّضت أخيراً لانتقادات من نشطاء في مجال الخصوصية، ومجموعات من المستفيدين من خدمة الاشتراكات الشهرية؛ لتجنب الإعلانات في أوروبا، محورها أن «ميتا» تطالب المستخدمين بدفع رسوم لحماية خصوصياتهم. وبحسب الشركة فإن تخفيض الرسوم المقترح «هدفه تحقيق التوازن بين المتطلبات المتضاربة لقوانين الخصوصية في الاتحاد الأوروبي وقانون الأسواق الرقمية».

في سياق متصل، كانت خدمة الاشتراكات قد أطلقتها «ميتا» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي؛ استجابة لقانون الأسواق الرقمية في أوروبا. وهذا القانون يحدّ من قدرتها على إظهار إعلانات للمستخدمين من دون موافقتهم، ما يضر بمصدر إيراداتها الرئيسي. وللعلم، باستطاعة المشتركين في الخدمة استخدام حساباتهم على منصات شركة «ميتا»، من دون ملاحقتهم بالإعلانات، بينما تستمر «ميتا» في تقديم خدمات مجانية مموّلة لمَن يوافقون على تعقب بياناتهم مقابل إظهار ما تشاء من إعلانات على حساباتهم.

الصحافي وعضو نقابة الصحافيين الأردنيين خالد القضاة، صرّح خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» بأنه يرفض «إجبار المستخدمين على الدفع مقابل تأمين بياناتهم وحماية خصوصياتهم». وأردف: «شركة (ميتا) تحاول هنا الموازنة بين قوانين الاتحاد الأوروبي الجديدة، وطلبات المعلنين، وحاجات المستخدمين، لكنها في النهاية ستكون الرابحة في هذه المعركة».

وتابع القضاة أن «الجمهور لم يعد بإمكانه الاستغناء عن منصات التواصل الاجتماعي كونه وضع كثيراً من المحتويَّين الشخصي والمهني عليها، لذلك هناك المفاضلة بين منصة وأخرى»، لافتاً إلى أن «معركة الخصوصية وحماية بيانات المستخدمين من التتبّع ستظل قائمةً في ظل حاجة المستخدم لمنصات التواصل، وسعي تلك المنصات لتحقيق أرباح عبر الإعلانات».

من جهة أخرى، حذّرت مارغريت فيستاغر، رئيسة مكافحة الاحتكار في الاتحاد الأوروبي، من خلال تصريحات صحافية الثلاثاء الماضي، «ميتا» بشأن الرسوم الجديدة لخدماتها، إذ عدّت أنها «قد تعيق المستخدمين عن التمتع بمزايا قانون الأسواق الرقمية الذي يهدف إلى منحهم مزيداً من الخيارات». يأتي هذا الموقف مع فرض هيئة المنافسة في تركيا، الأسبوع الماضي أيضاً، إجراءً مؤقتاً على شركة «ميتا»، يهدف إلى عرقلة تبادل البيانات بين منصتَي «إنستغرام» و«ثريدز»، بالتزامن مع تحقيقات بشأن احتمال إساءة استخدام وضع الشركة المهيمن في السوق، إذ كانت الهيئة قد بدأت تحقيقاً مع «ميتا» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بشأن «انتهاك محتمل لقانون المنافسة».

محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصّص في شؤون الإعلام الرقمي، من جانبه، رأى في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «هذه ليست المرة الأولى التي تقترح فيها (ميتا) تخفيض رسوم، إذ سبق لها أن عرضت على الاتحاد الأوروبي تخفيض الاشتراكات ضمن نهجها للامتثال لقانون الأسواق الرقمية للاتحاد الأوروبي (DMA)، المتعلق بالخصوصية». وأضاف أن «الأمر كله متوقف على لجنة حماية البيانات الآيرلندية، وهي الجهة التنظيمية الرئيسية لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي».

واستطرد فتحي شارحاً أن «قوانين الاتحاد الأوروبي صارمة، و(ميتا) تسعى للامتثال لكل مخاوف الخصوصية والأمان لدى الاتحاد الأوروبي... ولذا ستفعل أي شيء مقابل الاستمرار في العمل داخل القارة، التي تعد إحدى الأسواق المهمة للشركة الأميركية». ولفت إلى أن «عملية تقييم الاتحاد الأوروبي لشركة (ميتا) وأعمالها غير واضحة، وما زال غير معروف ما إذا كان الاتحاد يعدّ السعر المقترح من (ميتا) عادلاً أم لا؟».

وبشأن تأثير مقترح «ميتا» على الخصوصية، عدّ محمد فتحي أن «خصوصية المستخدمين مسألة أساسية، وجميع الجهات تسعى لتحقيقها»، مشيراً إلى أنه «عندما أطلقت (ميتا) خدمة الاشتراكات الشهرية كان ذلك مقابل حماية المستخدمين من التتبع من أجل الإعلانات». وأضاف أن «الرهان سيبقى على ما تستخدمه الشركة من إجراءات تثبت أنها تفعل ذلك للتوافق مع قانون الخدمات الرقمية الخاص بالاتحاد الأوروبي، كما يجب أن تتبع (ميتا) إجراءات تضمن أمان وسلامة مستخدمي الشبكة حول العالم حتى مع استخدام بياناتهم في أغراض تجارية فقط، وهو دائماً سيكون محل تقييم مستمر».

وبالفعل، تواجه شركات التكنولوجيا الأميركية، وعلى رأسها «غوغل» و«ميتا»، تحقيقات موسعة في الاتحاد الأوروبي؛ للتأكد من مدى التزامها بقانون الأسواق الرقمية الجديد. ونقلت «بلومبرغ» عن مصادر في المفوضية الأوروبية، قولها أخيراً، إن «المفوضية ستراجع اقتراح شركة (ميتا)، فرض رسوم شهرية على المستخدمين للوصول إلى (فيسبوك) و(إنستغرام)». وفي هذا الإطار، رأى أندرو هتشينسون، مدير محتوى مواقع التواصل الاجتماعي بموقع «سوشيال ميديا توداي»، أن «فرض (ميتا) رسوماً على خدماتها من شأنه منح الشركة فرصة لزيادة إيراداتها وتجنب التأثيرات المالية نتيجة للقوانين الجديدة، مع تزويد المستخدمين أيضاً بخيار إلغاء الاشتراك الكامل لتتبع البيانات، بما يتماشى مع القانون الجديد». وأشار هتشينسون، في تقرير نشره أخيراً، إلى أن «نشطاء الخصوصية يقولون إن اقتراح (ميتا) يقوّض اللائحة العامة لحماية البيانات ووسائل الحماية التي يوفرها ضد رأسمالية البيانات؛ لأن بمقدور الشركات التي لديها كثير من بيانات المستخدمين تحقيق الدخل منها بشكل غير مباشر، في حين يجبر الناس أيضاً على الدفع إذا كانوا يريدون الخصوصية». وأردف أنه «رغم أن اقتراح (ميتا) خفض الرسوم إلى النصف لا يعالج مخاوف نشطاء الخصوصية، فإنه قد يزيد من احتمالية أن يكون مسؤولو الاتحاد الأوروبي أكثر قبولاً للرسوم بوصفها حلاً، لا سيما أن الخدمة التي تتيح تجنب مشاركة المعلومات ستكون بأسعار أكثر معقولية للمستخدمين».

هتشينسون أوضح أيضاً، أن «هذه محاولة رمزية من جانب (ميتا) لتقليل الانتقادات، لكنها لا تعالج الشكوى الرئيسية، أي جعل المستخدم يدفع مقابل عدم تتبع بياناته... وبالتالي، فالأمر متروك للاتحاد الأوروبي ليقرر أيهما أكثر أهمية: تمكين (ميتا) من الامتثال للقوانين والحفاظ على مصالحها التجارية، أو المواءمة بشكل أكبر مع المفاهيم الأساسية لقانون الأسواق الرقمية الجديد وضمان احتفاظ مواطني الاتحاد الأوروبي بالسيطرة على الكيفية التي تُستخدَم بها بياناتهم». وفي كلتا الحالتين، عدّ هتشينسون الأمر بمثابة «فوز لمستخدمي الاتحاد الأوروبي».


رودولف سعادة... قطب إعلامي جديد في فرنسا

صورة لشعار القناة التلفزيونية «بي إف إم تي في» التي اشتراها سعادة (أ.ف.ب)
صورة لشعار القناة التلفزيونية «بي إف إم تي في» التي اشتراها سعادة (أ.ف.ب)
TT

رودولف سعادة... قطب إعلامي جديد في فرنسا

صورة لشعار القناة التلفزيونية «بي إف إم تي في» التي اشتراها سعادة (أ.ف.ب)
صورة لشعار القناة التلفزيونية «بي إف إم تي في» التي اشتراها سعادة (أ.ف.ب)

حتى أسابيع قليلة، لم يكن رودولف سعادة شخصية معروفة على الصعيد الشعبي في فرنسا. بيد أنه، في الأيام الأخيرة، تحول إلى شخصية مركزية تحتل صوره أغلفة المجلات والجرائد، وتلهج باسمه قنوات التلفزيون والإذاعات. والسبب ليس لأن رودولف سعادة، اللبناني ـ الفرنسي، صاحب ثروة كبيرة أو أنه مقرب من الرئيس إيمانويل ماكرون الذي اصطحبه أكثر من مرة في زياراته للبنان، أو لأن الرجل بارع في عالم الأعمال، وخصوصاً في قطاع النقل البحري والجوي وكل الأذرع اللوجيستية؛ إذ إن شركته «سي جي إم ــ سي إم آي» تحتل المركز الثالث عالمياً وحققت في الأعوام الأخيرة أرباحاً خيالية... السبب هو أن رودولف سعادة توصل إلى اتفاق مع باتريك دراهي، صاحب شركة «ألتيس ميديا» التي تمتلك مجموعة إعلامية ضخمة، لتملكها بالكامل مقابل مبلغ يصل إلى 1.55 مليار يورو. وستتوزع ملكية «ألتيس ميديا» على شركة النقل البحرية بنسبة 80 بالمائة، ونسبة 20 بالمائة الباقية على شركة «ميريت فرنس»، العائدة لعائلة سعادة والتي تدير القسم الإعلامي للمجموعة.

رودولف سعادة المدير العام التنفيذي لمجموعة «سي إم آي ــ سي جي إم» في 5 سبتمبر 2019 (أ.ف.ب)

«قنبلة إعلامية»

كان للخبر وقع القنبلة على المشهد الإعلامي، وخاصة التلفزيوني في فرنسا؛ إذ إن الصفقة، عندما تتم بشأنها المعاملات الإدارية الصيف المقبل، ستحول رودولف سعادة، البالغ من العمر 54 عاماً، إلى قطب إعلامي رئيسي في فرنسا، وإلى شخصية مؤثرة في عالم السياسة لما هناك من تداخل بين الإعلام والسياسة.

وعقب باتريك دراهي، الذي يحمل الجنسيتين الفرنسية والإسرائيلية، على إتمام الصفقة ببيان أعرب فيه عن «ثقته الكاملة برودولف سعادة الذي تربطه به علاقات وثيقة وودية منذ سنوات (...) لمواصلة الاستثمار وتطوير (ألتيس ميديا)». بالمقابل، شددت شركة النقل البحري على «التزامها بالحفاظ على التعددية والاستقلالية والأخلاقيات المهنية في قنواتها».

وبموجب الصفقة، سيستحوذ رودولف سعادة على القناة الإخبارية العامة «بي إف إم تي في»، وعلى شقيقتها المتخصصة في عالم الأعمال «بي إف إم بيزنس»، والقنوات المناطقية لهذه الشبكة، فضلاً عن تملّك راديو «آر إم سي»، وخمس من القنوات التلفزيونية المتخصصة التابعة للمجموعة التي تحمل الاسم نفسه (رياضة، تاريخ، اكتشافات...).

بذلك، سيحقق رودولف سعادة قفزة نوعية استثنائية في عالم الإعلام، وسيوسع دائرة نفوذه؛ إذ إن «ألتيس ميديا» تعد ثالث قطب إعلامي خاص في فرنسا، الذي سينضم إلى مجموعة «واي نت» الإعلامية التي بناها رجل الأعمال سابقاً، والتي تضم ثلاث جرائد؛ «لا تريبون» الاقتصادية، و«لا بروفانس» واسعة الانتشار في جنوب فرنسا، و«كورس ماتان» الصحيفة الرئيسية في جزيرة كورسيكا، فضلاً عن حصة في قناة «إم 6»، وفي منصة الفيديو «بروت». وتدير القطب الإعلامي لمجموعة رودولف سعادة زوجته فيرونيك.

فرصة نادرة

قبل عشر سنوات، اشترى باتريك دراهي، الناشط في حقل الاتصالات في فرنسا مجموعة «بي إف إم» والقنوات المرتبطة بها بمبلغ يزيد قليلاً على 700 مليون يورو، وهو يبيعها بمليار ونصف. وبذلك يكون قد حقق أرباحاً استثنائية.

لكن يبدو أن رودولف سعادة، الذي تتمتع شركته الملاحية بملاءة مالية استثنائية، كان مستعداً لدفع ثمن مرتفع للتوسع في الفضاء التلفزيوني؛ إذ إن الفرص المتاحة نادرة جداً. وما كان باتريك دراهي ليبيع «درة» ممتلكاته لو لم يكن يعاني من مشاكل كبرى في مواجهة تسديد الديون وفوائدها المترتبة عليها، والبالغة 66 مليار يورو.

ويمتلك دراهي القناة التلفزيونية الإخبارية «إي 24»؛ أي «إسرائيل 24»، بالعديد من اللغات ومنها الفرنسية. وقناة «بي إف إم» تحتل المرتبة الأولى بين القنوات الإخبارية في فرنسا؛ إذ تؤكد أن عديداً من مشاهديها يومياً يصل إلى 12 مليون شخص، في حين أن منافستها الأولى «سي نيوز» تحصد 8 ملايين مشاهد.

كذلك، فإنها الوحيدة التي تحقق أرباحاً من بين كافة القنوات الخاصة الشبيهة؛ إذ إن نسبة ربحيتها تصل إلى 30 في المائة قياساً لعائداتها السنوية. وقبل عامين، سعى رودولف سعادة إلى السيطرة على القناة التلفزيونية «إم 6» بالتعاون مع رجل الأعمال مارك لادريت، والإعلامي ستيفان كوربيت، إلا أن المحاولة فشلت، وجل ما نجح فيه هو الدخول إلى رأس مال القناة بحصة ضعيفة.

مع إتمام هذه الصفقة، لن تتغير تركيبة المشهد التلفزيوني الفرنسي؛ إذ تهيمن عليه ثلاثة أسماء قادمة إليه من عالم الأعمال. فإضافة إلى رودولف سعادة، الوافد الجديد، فإن الاسمين الآخرين هما مارتين بويغ، الناشط في قطاع الإنشاءات والعقارات والاتصالات. وتملك مجموعته القناة الأولى «تي إف 1» والقناة الإخبارية «إل سي إي»، إلى جانب عدة قنوات ترفيهية. والاسم الآخر هو فانسان بولوريه، الفاعل في العديد من القطاعات، منها النقل البحري والنشر والموسيقى والاتصالات وألعاب الفيديو والصحافة المكتوبة. ويملك بولوريه، المنتمي سياسياً إلى اليمين المتشدد، قناتين تلفزيونيتين إحداهما إخبارية وهي «سي نيوز» التي تروج لليمين المتطرف وتراهن على دمجه مع اليمين التقليدي.

خامس ثروة في فرنسا

لا يمكن لزائر مدينة مرسيليا الفرنسية المطلة على المتوسط، حيث مقرّ شركة «سي إم آي ــ سي جي إم»، إلا أن يلفت نظره مبناها الشاهق بطوابقه الثلاثين والمتفرد بلون زجاجه الأزرق الداكن، الذي رسمته المهندسة العراقية «زها حديد»، وأن يشدّ انتباهه البواخر الكبيرة التابعة للمجموعة والراسية قريباً من الشاطئ.

ومن الطابق الذي يحتله في المبنى المذكور، يُطلّ رودولف سعادة على العديد من بواخره الراسية في مياه مرسيليا، والبالغ عددها الإجمالي 600 باخرة من فئة ناقلة الحاويات التي ترسو في 520 مرفأ عبر العالم. وتوظف شركة رودولف سعادة، وأخيه جاك جونويور، وأخته تانيا، 155 ألف موظف عبر العالم.

وكادت الشركة تختفي في عام 2009 بسبب أعباء ديونها، إلا أن الدولة الفرنسية مدّت لها يد المساعدة. ومنذ وباء «كوفيد-19»، وبفضل زيادة تكلفة الشحن، حققت المجموعة أرباحاً هائلة؛ نحو 50 مليار يورو ما بين الأعوام 2020 و2023، إلى درجة أن رودولف سعادة يوسع إمبراطوريته في كافة الاتجاهات، وليس فقط في عالم الإعلام. وبين عامي 2020 و2027، ستعمد المجموعة لشراء 120 ناقلة حاويات تعمل بالغاز الطبيعي المسال والميتانول، بحيث تكون أقل إفرازاً لثاني أكسيد الكربون.

تقدر ثروة رودولف سعادة، الذي تدرب على يدي والده جاك سعادة المتوفى في عام 2018، بتسعة مليارات يورو، وفق مجلة «فوربس»، بحيث يتأرجح بين خامس وثامن أكبر ثروة في فرنسا. ولكن مع استحواذه على مجموعة «بي إف إم» وما يرتبط بها، تحول إلى رجل نفوذ وإلى فاعل في الميدان السياسي في فرنسا، والذي يبحث كبار السياسيين عن صداقته.

فالإعلام، وخصوصاً التلفزيون، في فرنسا هو صانع للرأي العام وإحدى أكثر الوسائل تأثيراً في الانتخابات، وفي دفع هذا السياسي أو ذاك إلى الواجهة أو التعتيم عليه. من هنا، فإن رودولف سعادة، اللبناني - الفرنسي، سيكون، إلى جانب الأقطاب الإعلامية الأخرى، أحد صانعي الملوك في فرنسا. من هنا، أهمية متابعة التوجهات السياسية للقنوات التي سيستحوذ عليها في الأشهر المقبلة، علماً أن الاستحقاق السياسي الأول سيكون الانتخابات الأوروبية في يونيو (حزيران) المقبل.


هل يُعزز اتجاه «إكس» إلى الفيديوهات الطويلة المنافسة مع «يوتيوب»؟

شعار منصة "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار منصة "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

هل يُعزز اتجاه «إكس» إلى الفيديوهات الطويلة المنافسة مع «يوتيوب»؟

شعار منصة "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار منصة "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

أثار إعلان رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك عزمه تزويد منصة «إكس» (تويتر سابقاً) بخدمات مقاطع الفيديو الطويلة، مستهدفاً أجهزة التلفاز الذكية، تساؤلات حول منافسة «إكس» لـ«يوتيوب» وتأثير ذلك على مستقبل صيغة التواصل مع الجمهور. وعدّ بعض الخبراء هذه الخطوة «تحولاً للمنصة التي تسعى إلى توسيع نطاق وصولها إلى ما هو أبعد من التواصل عبر التغريدات».

وفق ما نقلته مجلة «فورتشن» عن منصة «إكس»، فإن الشركة تخطط لإطلاق تطبيق تلفزيوني لأجهزة التلفزيون الذكية من «أمازون» و«سامسونغ» خلال الأسبوع الحالي، وبحسب ما نقلت المجلة، عن مصدر – لم تسمه - فإن ماسك يهدف إلى تشجيع المستخدمين على مشاهدة مقاطع الفيديو الطويلة على شاشة أكبر، وأنه مستعد «للتنافس مع يوتيوب». وأضاف أن التطبيق الجديد يبدو «مطابقاً» لنسخة «يوتيوب» المخصصة للتلفزيون.

يعمل «إكس» من خلال مقاطع الفيديو الطويلة لاجتذاب جمهور جديد اعتاد استخدام أجهزة التلفزيون الذكية، وقد يكون هذا الجمهور خارج نطاق المستخدمين التقليديين للمنصة. ويرى مراقبون أن هذا الاتجاه من شأنه «إنشاء شبكة إعلانية جديدة داخل التطبيق، ما ينعكس على الإيرادات التي كانت قد شهدت تراجعاً ملحوظاً على مدار العام الماضي». فخلال أغسطس (آب) الماضي، كشف موقع «تك كرانش» عن أن الأداء المالي لمنصة «إكس» يتراجع منذ استحواذ ماسك على المنصة في أكتوبر (تشرين الأول) 2022.

ويرى مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا»، أنه من خلال إطلاق الفيديوهات الطويلة على منصة «إكس»، «يتطلع ماسك إلى أمور عدة؛ من بينها زيادة الوقت الذي يمضيه الجمهور على المنصة، ومن البديهي أن يمضي الجمهور وقتاً أطول في مشاهدة الفيديوهات الطويلة مقارنة بالقصيرة». ويتوقع كيالي أن يكون لدى ماسك «مخططات» للدخول في عالم «فيديوهات مدفوعة» لينافس منصات الترفيه مثل «نتفليكس» و«أمازون» و«أبل تي في».

كيالي يعتقد أيضاً أن مستقبل المقاطع المصورة الطويلة راسخ، وذكر أنه «في عالم التسويق هناك نظرية تقول إن مقاطع الفيديو القصيرة يصعب من خلالها بناء علاقة حقيقية مع جمهورك، لكن مقاطع الفيديو الطويلة تساعدك على تطوير شخصيتك وبناء تواصل مع جمهورك». وتابع: «إنها توفر المساحة والوقت لصياغة قصة مقنعة، وتكمن قوة سرد القصص في التسويق وبناء العلاقات في جعل الجمهور يرغب في مشاهدة المزيد... ومن ثم فإن الفيديوهات الطويلة تُحسن محركات البحث الـ(SEO) مقارنة بالمحتوى القصير».

الخبير نفسه أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «سوق الفيديوهات الطويلة تختلف عن سوق الفيديوهات القصيرة، فلكل جمهوره ونوع المحتوى المناسب له... وسوق الفيديوهات الطويلة واعدة، وربما تشهد ازدهاراً في المستقبل القريب بسبب اعتماد صانعي المحتوى ومنصات الفيديو عليها بشكل أكبر لما يحقق لهما من أرباح أعلى».

وبالمناسبة، منذ استحواذ ماسك على «إكس» تعرّض لانتقادات عديدة بسبب سياسته التي عدّها الخبراء سبباً لتراجع إيرادات المنصة. ففي يونيو (حزيران) الماضي، أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، في تقرير لها، إلى تراجع إيرادات إعلانات المنصة في الولايات المتحدة خلال الفترة من أبريل (نيسان) الماضي، حتى الأسبوع الأول من مايو (أيار) الماضي، بنسبة قدرت بـ59 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وكان إنريكي باراغان، المهندس في شركة «إكس»، قد أعلن في فبراير (شباط) الماضي عن طرح المنصة خدمة المكالمات بالصوت والفيديو للمستخدمين الذين لا يدفعون رسوم الاشتراك المميّز، وقال إن المستخدمين سيتمكنون الآن أيضاً من تلقي المكالمات من جميع الأشخاص الموجودين على التطبيق إذا أرادوا ذلك.

وعن اتجاه ماسك نحو تطبيق شامل، قال كيالي إن ماسك كان واضحاً منذ بداية استحواذه على «تويتر»، إذ صرح وقتها بأنه سيجعل التطبيق «شاملاً للعديد من المميّزات منها الفيديوهات ومنها المدفوعات والمكالمات الصوتية». وعدّ كيالي أن الاتجاه نحو أجهزة التلفزيون الذكية يهدف إلى جذب المعلنين الذين عزفوا عن التطبيق أخيراً، وأردف: «صحيح أن الفيديوهات الطويلة، لا سيما تلك المخصصة للعرض عبر شاشات التلفزيون، هي أفضل خيار للمعلنين... لأن هذا النوع من الفيديوهات يعد قادراً على مشاركة الكثير من المعلومات مع المشاهدين وجذب اهتمامهم، ما يضمن للمعلنين تذكر علامتهم التجارية وعدها مصدراً موثوقاً».

من جهة ثانية، وخلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصّص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين بالإمارات، إنه «على الرغم من صعوبة التكهن بالخطوات التي يتخذها ماسك، في تقديري أن ماسك يراهن على الفيديوهات الطويلة؛ لأن الأبحاث ذهبت إلى أنها تحظى بمعدلات مشاهدة أعلى مقارنة بالفيديوهات القصيرة، خاصة على منصات مثل يوتيوب وحتى تيك توك». وأضاف أن «الفيديوهات الطويلة تسمح بتقديم محتوى أكثر تنوّعاً، مثل الأفلام الوثائقية والبرامج التعليمية والبودكاست، ومن ثم فرصة أكبر للإعلانات، وبالتالي زيادة عائدات المنصة، خاصة أنها تميل لجذب مشاهدة أكثر تركيزاً واهتماماً بالمحتوى، ما يخلق قاعدة جماهيرية مخلصة للمنصة».

وحقاً، حسب بيانات نشرتها شركة «ألفابيت»، مالكة «غوغل» و«يوتيوب»، في مطلع فبراير الماضي، بلغت إيرادات إعلانات «يوتيوب» 9.2 مليار دولار في الربع الأخير من عام 2023. وهنا رجّح سعد أن ماسك يسعى لمنافسة «يوتيوب» مراهناً على ميول المعلنين. وتابع شارحاً: «يميل المعلنون إلى تفضيل الفيديوهات الطويلة على التلفزيون الذكي لأسباب متعددة؛ أهمها زيادة فرص الإعلانات والمرونة التي توفرها الفيديوهات الطويلة، وبالتالي، زيادة فرص الوصول إلى الجمهور المستهدف... أضف إلى ذلك التأثير على القرارات الشرائية، فقد أثبتت الدراسات أن للفيديوهات الطويلة تأثيراً أكبر في قرارات الشراء، ربما لأنها تتيح معلومات أكثر، ومن ثم فرص إقناع أرجح».

وفي حين شدّد سعد على أن «الفيديو الطويل يمنح المشاهد تجربة مشاهدة أكثر تفاعلية وجاذبية، ما يزيد من فرص تذكر الإعلانات»، أشار إلى أن تجربة ماسك تتسم بـ«السياسات المتقلبة... إذ يرى البعض أن ماسك يركّز على زيادة أرباح المنصة على حساب جودة المحتوى وتجربة المستخدم، وهذا هو الاتهام الذي يواجهه ماسك من منافسيه والعاملين معه بتغيير سياسات المنصة بشكل متكرر، مما يخلق حالة من الارتباك بين المستخدمين».

أيضاً يؤخذ على ماسك - وفق الدكتور سعد - «تغاضيه عن انتشار المعلومات المضللة على المنصة». غير أن سعد لا يقلل من أهمية تجربة «إكس»، قائلاً إن «ماسك أدخل تغييرات جوهرية على (تويتر) كتحسين خوارزمية عرض المحتوى، الأمر الذي أدى إلى زيادة تنوّع المحتوى المعروض على المستخدمين، فضلاً عن إتاحة ميزات جديدة مثل: ميزة التعديل على التغريدات بعد نشرها، وميزة (سبيسيس) للنقاشات الصوتية، ومحاربة البريد العشوائي والحسابات المزيفة، وساعد ذلك على تحسين تجربة المستخدم وجعل المنصة أكثر أماناً».


ترمب يعد الانتخابات المقبلة «أهم موعد» في تاريخ الولايات المتحدة

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب خلال تجمّع حزبي في فانداليا بولاية أوهايو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب خلال تجمّع حزبي في فانداليا بولاية أوهايو (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعد الانتخابات المقبلة «أهم موعد» في تاريخ الولايات المتحدة

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب خلال تجمّع حزبي في فانداليا بولاية أوهايو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب خلال تجمّع حزبي في فانداليا بولاية أوهايو (أ.ف.ب)

صرّح دونالد ترمب أمام حشد من أنصاره، في تجمع انتخابي بأوهايو السبت، بأن الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في نوفمبر (تشرين الثاني) ستكون «أهم موعد» في تاريخ الولايات المتحدة، معداً أن حملته للوصول إلى البيت الأبيض نقطة تحوّل للبلاد.

وبعد أربعة أيّام على ضمان فوزه بترشيح الحزب الجمهوري، حذر ترمب أيضاً من «حمام دم» إذا لم ينتخب لكن في إطار تعليقات له عن قطاع صناعة السيارات الأميركي، كما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب خلال تجمّع حزبي في فانداليا بولاية أوهايو (أ.ب)

وقال ترمب في تجمع في فانداليا بولاية أوهايو، إن «موعد - تذكروا ذلك، الخامس من نوفمبر - أعتقد أنه سيكون الأهم في تاريخ بلدنا»، مؤكداً من جديد أن خصمه الديمقراطي جو بايدن هو «أسوأ» رئيس للبلاد. وانتقد ترمب ما وصفه بأنه خطط صينية لإنتاج سيارات في المكسيك، وبيعها للأميركيين. وقال: «سنفرض رسماً نسبته مائة في المائة على كل سيارة تعبر الخط، ولن تتمكنوا من بيع هذه السيارات إذا انتخبت» رئيساً. وأضاف: «إذا لم يتم انتخابي، فسيكون ذلك حمام دم للجميع... سيكون هذا أقل ما في الأمر، سيكون حمام دم للبلاد. لكنهم لن يتمكنوا من بيع هذه السيارات».

«عنف سياسي»

وبينما لقيت تعليقات ترمب رواجاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، وصفت حملة الرئيس جو بايدن، في بيان، الرئيس الجمهوري السابق بأنه «خاسر» في اقتراع 2020، و«يضاعف تهديداته بالعنف السياسي».

الرئيس الأميركي جو بايدن في ميشيغان، يوم 14 مارس (رويترز)

وقال البيان الصادر عن الحملة الديمقراطية إن ترمب «يريد 6 يناير (كانون الثاني) ثانياً، لكنّ الشعب الأميركي سيلحق به هزيمة انتخابيّة أخرى في نوفمبر المقبل، لأنّ (الناخبين) يواصلون رفض تطرّفه وحبّه للعنف وتعطّشه للانتقام»؛ في إشارة منها إلى اقتحام أنصار الرئيس السابق لمبنى الكونغرس (الكابيتول) في 2021.

وفي وقت لاحق، تحدّث بايدن في مأدبة عشاء بواشنطن حذّر خلالها أيضاً من «لحظة غير مسبوقة في التاريخ». وقال بايدن إن «الحرّية تتعرّض لاعتداء (...) الأكاذيب حول انتخابات 2020، والمؤامرة لقلب نتائجها، واحتضان تمرّد 6 يناير، ما يشكّل أكبر تهديد لديمقراطيّتنا منذ الحرب الأهليّة الأميركيّة». وأضاف: «في عام 2020 فشلوا، لكنّ (...) التهديد لا يزال قائماً».

إلى جانب انتقاد ترمب، حاول بايدن (81 عاماً) تهدئة المخاوف من سنه المتقدمة. وقال مخففاً من حدّة خطابه بشيء من الدعابة: «ثمّة مرشّح كبير في السنّ وغير مؤهّل عقلياً ليكون رئيساً. الرجل الآخَر هو أنا».

قضية الحدود

فاز كل من الجمهوري ترمب والديمقراطي بايدن خلال الشهر الجاري بعدد كاف من المندوبين يضمن ترشيحه باسم حزبه للسباق الرئاسي لعام 2024، مما سيؤدي إلى واحدة من أطول الحملات الانتخابية في تاريخ الولايات المتحدة قد تكون شبيهة بتلك التي جرت في انتخابات 2020.

ومن بين القضايا التي يركز عليها ترمب في حملته الانتخابية، الإصلاح الشامل لما يسميه سياسات الهجرة «المرعبة» التي ينتهجها بايدن، رغم نجاح الرئيس السابق في الضغط على الجمهوريين لمنع تبني مشروع قانون في الكونغرس يتضمن أصعب إجراءات أمنية للحدود منذ عقود.

وتحدّث ترمب، السبت، عن مسألة الحدود لاستمالة أقليات تصوت تقليدياً للديمقراطيين. وقال إن بايدن «طعن الناخبين الأميركيين من أصل أفريقي في الظهر مراراً»، من خلال منح تصاريح عمل «لملايين» المهاجرين، محذراً من أنهم هم والأميركيون من أصل إسباني «من سيُعانون أكثر من سواهم».

وكانت أوهايو تعد لعقود ولاية رائدة في المعركة، رغم أنها أصبحت أكثر ميلاً إلى الحزب الجمهوري منذ فوز ترمب بالبيت الأبيض في 2016.