ما حدود الدور الذي يمكن للصين ممارسته في نزاع «سد النهضة»؟

وزير خارجيتها الجديد يزور إثيوبيا ومصر ضمن جولة أفريقية

سد النهضة (أ.ف.ب)
سد النهضة (أ.ف.ب)
TT

ما حدود الدور الذي يمكن للصين ممارسته في نزاع «سد النهضة»؟

سد النهضة (أ.ف.ب)
سد النهضة (أ.ف.ب)

يجول وزير الخارجية الصيني تشين غانغ، على مدى أسبوع في خمس دول أفريقية، تشمل إثيوبيا والغابون وأنغولا وبنين، ويختتمها في مصر، محافظاً بذلك على تقليد بدأ قبل 33 عاماً بأن تكون أفريقيا أولى جولات وزراء الخارجية الصينيين في مستهل كل عام ميلادي. لكنّ زيارة العام الحالي تحظى بأهمية مضاعفة، إذ تأتي بعد أسابيع من قمة أميركية - أفريقية حضرها 49 زعيماً وقائداً أفريقياً، ودُشنت خلالها استراتيجية جديدة لواشنطن في القارة، في محاولة لتحجيم النفوذ الصيني والروسي.
وحملت زيارة وزير الخارجية الصيني تكهنات بشأن إمكان ممارسة بكين دوراً لترطيب العلاقات بين أديس أبابا والقاهرة، في ما يتعلق بنزاع «سد النهضة»، الذي عاد للظهور في الخطاب الدبلوماسي المصري والسوداني مجدداً، وسط أنباء عن مواصلة السلطات الإثيوبية إجراءات تشييد السد استعداداً للملء الرابع خلال موسم الفيضان الصيف المقبل.
وتباينت آراء مراقبين استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم. فبينما رأى البعض أن بكين «تنأى بنفسها عن التورط في أي مشكلات داخلية بين الدول الأفريقية» رغبةً في الحفاظ على علاقات سياسية واقتصادية متوازنة مع مختلف دول القارة، أشار آخرون إلى أن بكين «ترغب في ممارسة دور أكبر في القارة، لا يقتصر على الدور الاقتصادي»، وإبراز قدراتها كلاعب استراتيجي على الساحة الدولية.
وقال بيان لوزارة الخارجية الصينية إن زيارة غانغ تأتي في إطار «تعميق الشراكة التعاونية الاستراتيجية الشاملة بين الصين وبلدان أفريقيا، وتعزيز التعاون الودي معها»، وأنه سيزور مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، ومقر الجامعة العربية في القاهرة.
وعيّنت الصين في أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تشين غانغ وزيراً جديداً للشؤون الخارجية، وكان قد شغل من قبل منصب سفيرها لدى واشنطن.
ورأى إبراهيم إدريس، الباحث في الشؤون الأفريقية المقيم في الولايات المتحدة، أن الصين باتت «تمثّل الرقم الموازي لسياسة الولايات المتحدة وأوروبا في القارة الأفريقية»، لافتاً إلى أن العلاقات الصينية الأفريقية «تزداد حالياً عمقاً واتساعاً»، وتمتد إلى مجالات أكثر تنوعاً. وأشار إلى أن الزيارات المتبادلة والمواقف الصينية الداعمة للقضايا الأفريقية في المحافل الدولية وبخاصة في مجلس الأمن «تعكس ذلك التنامي الواضح للدور الصيني».
وأضاف إدريس لـ«الشرق الأوسط» أن الدور الصيني «هو الأكثر قبولاً لدى معظم الدول والشعوب الأفريقية»، مؤكداً أن الزيارة الحالية لوزير الخارجية الصيني الجديد إلى دول أفريقية عدة «تعكس استمرار الصين في سياستها لتعزيز الشراكة مع القارة، والمضي قدماً في النهج الوسطي، الذي لا يستهدف منافسة الوجود الأميركي بالأساس، بل في توسيع خيارات دول القارة، وألا تكون الدول الغربية وحدها هي الملاذ الوحيد لدول القارة».
وحول إمكانية أن تلعب بكين دوراً في تقريب وجهات النظر بين إثيوبيا ومصر، بالنظر إلى جمود المفاوضات حول «سد النهضة»، قال الباحث في الشؤون الأفريقية، إن تحليل الاستراتيجية الصينية في أفريقيا «يعكس بشكل واضح نوعاً من الحذر والخطى المحدودة في التدخل في النزاعات الخاصة ما بين الدول الأفريقية».
ويضيف أن بكين «لا تريد التورط في أي مشكلات داخلية بين دول القارة»، بل تريد أن تواصل تعاونها الاقتصادي، وممارسة بعض الأدوار الإيجابية المخططة والمدروسة بعناية، دون أن تكون طرفاً في أي مشكلات قائمة، إلا أن إدريس لم يستبعد أن «تلعب الصين دوراً ما في تعزيز العلاقات المصرية الإثيوبية، بالنظر إلى ما تتمتع به بكين من علاقات متميزة مع كل من القاهرة وأديس أبابا، لا سيما أن العلاقات المصرية الإثيوبية ليست بهذا القدر من التعقيد».
في المقابل، أكد السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، ونائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، أن زيارة وزير الخارجية الصيني تحمل هذه المرة أهمية كبيرة، فالوزير يستهل عمله الدبلوماسي كوزير جديد للخارجية بزيارة إلى أفريقيا التي باتت تحتل أولوية كبرى في الاستراتيجية الخارجية للصين، إضافةً إلى أنه شغل لسنوات منصب سفير الصين لدى واشنطن، وبالتالي فهو يدرك طبيعة النظرة الأميركية الراغبة في العودة بقوة إلى القارة السمراء.
ويضيف السفير حليمة لـ«لشرق الأوسط» أن الصين تمثل حالياً أكبر شريك تجاري واقتصادي لأفريقيا، لكنها «ربما لا تريد الاكتفاء بهذا الدور الاقتصادي فحسب، بل تريد الاستثمار فيما حققته من علاقات قوية خلال السنوات الماضية من أجل كسب مزيد من الأرض، وقطع الطريق على منافسيها في القارة، وبخاصة الولايات المتحدة، التي ربما تسعى لمنافسة الصين في المجال التنموي، بل تزيد عليها بقدرتها على النفاذ إلى دول القارة من ملف الأمن والاستقرار، وهو ربما ما سيدفع بكين إلى لعب دور أكثر حيوية ونشاطاً في هذا الصدد».
وتابع نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية: «لدى الصين رغبة في الإسهام في إحلال السلم والأمن بالقارة الأفريقية»، وهي تدرك أن هذا الملف يحتل أولوية في القارة، إضافةً إلى متطلبات التنمية، ويمكن من خلال العلاقات المتميزة التي تجمع الصين بكل من إثيوبيا ومصر، أن تلعب دوراً محورياً في ملف أزمة سد النهضة، خصوصاً أن الآليات المطروحة من جانب الاتحاد الأفريقي «لم تفلح حتى الآن في تقريب وجهات النظر بين إثيوبيا من جانب وبين مصر والسودان من جانب آخر»، مشيراً إلى أن كل القوى الكبرى في العالم تدرك أهمية وحساسية هذا الملف.
يُذكر أن سامح شكري، وزير الخارجية المصري، أجرى اتصالاً هاتفياً مع نظيره السوداني علي الصادق (الأربعاء) الماضي. وحسب تصريحات المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية، تناول «القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك ملف سد النهضة، واتفق الوزيران على أهمية استمرار التنسيق والتشاور خلال الفترة المقبلة».
وعلى مدى أكثر من عقد كامل، لم تُسفر المفاوضات بين إثيوبيا ومصر والسودان عن اتفاق بشأن بناء «سد النهضة» وتشغيله.


مقالات ذات صلة

ما مستقبل الخلاف بين متمردي «أوروميا» والحكومة الإثيوبية؟

العالم ما مستقبل الخلاف بين متمردي «أوروميا» والحكومة الإثيوبية؟

ما مستقبل الخلاف بين متمردي «أوروميا» والحكومة الإثيوبية؟

أثار عدم التوصل إلى اتفاق، بعد محادثات سلام أولية بين الحكومة المركزية الإثيوبية، ومتمردي إقليم «أوروميا»، تساؤلات حول مستقبل تلك المحادثات، واحتمالات نجاحها، وأسباب تعثرها من البداية. ورأى خبراء أن «التعثر كان متوقعاً؛ بسبب عمق الخلافات وتعقيدها»، في حين توقّعوا أن «تكون المراحل التالية شاقة وصعبة»، لكنهم لم يستبعدوا التوصل إلى اتفاق. وانتهت الجولة الأولى من المحادثات التمهيدية بين الطرفين، دون اتفاق، وفق ما أعلنه الطرفان، الأربعاء.

العالم رئيس الحكومة الإثيوبية يُعلن مقتل عضو بارز في الحزب الحاكم

رئيس الحكومة الإثيوبية يُعلن مقتل عضو بارز في الحزب الحاكم

أعلن رئيس الحكومة الإثيوبية آبي أحمد اليوم (الخميس) مقتل مسؤول الحزب الحاكم في منطقة أمهرة الواقعة في شمال البلاد. وقال آبي أحمد عبر «فيسبوك»، إنّ «أولئك الذين لم يتمكّنوا من كسب الأفكار بالأفكار، أخذوا روح شقيقنا جيرما يشيتيلا». واتهم أحمد، وفقا لما نقلته وكالة «الصحافة الفرنسية»، «متطرّفين يتسمون بالعنف» بالوقوف وراء هذا العمل الذي وصفه بـ«المخزي والمروّع».

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
العالم محادثات سلام «غير مسبوقة» بين حكومة إثيوبيا ومتمردي «أورومو»

محادثات سلام «غير مسبوقة» بين حكومة إثيوبيا ومتمردي «أورومو»

تنطلق في تنزانيا، الثلاثاء، محادثات سلام غير مسبوقة بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية ومتمردي إقليم أوروميا، ممثلين في «جبهة تحرير أورومو» التي تخوض معارك مع القوات الحكومية بشكل متقطع منذ عقود. وتسعى أديس أبابا لإبرام اتفاق سلام دائم مع متمردي الإقليم، الذي يشغل معظم مناطق وسط البلاد، ويضم مجموعة من الفصائل المسلحة التابعة لقومية الأورومو، على غرار ما حدث في «تيغراي» شمالاً، قبل 5 أشهر، خشية دخول البلاد في حرب جديدة مع تصاعد التوتر بين الجانبين. وأعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي زار مدينة نكيمتي بالإقليم مؤخراً، أن «جولة مفاوضات ستبدأ معهم (جيش تحرير أورومو) الثلاثاء في تنزانيا»، في أ

محمد عبده حسنين (القاهرة)
شمال افريقيا هل تستغل إثيوبيا اضطرابات السودان لحسم «الخلاف الحدودي»؟

هل تستغل إثيوبيا اضطرابات السودان لحسم «الخلاف الحدودي»؟

عاد الخلاف الحدودي بين إثيوبيا والسودان، بشأن منطقة «الفشقة»، إلى الواجهة، بعد أنباء سودانية عن نشاط «غير اعتيادي» للقوات الإثيوبية ومعسكراتها، في المنطقة المتنازع عليها، منذ بداية الاضطرابات الأخيرة في السودان.

محمد عبده حسنين (القاهرة)
أفريقيا إثيوبيا: متمردو تيغراي يُظهرون «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام

إثيوبيا: متمردو تيغراي يُظهرون «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام

أظهر متمردو إقليم «تيغراي» شمال إثيوبيا، «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام، الموقَّع قبل نحو 5 أشهر، مع الحكومة الفيدرالية بأديس أبابا، وذلك بتسليمهم مزيداً الأسلحة، ضمن عملية نزع سلاح الإقليم ودمج مقاتليه في الجيش الوطني. وحسب نائب مفوض «إعادة التأهيل الوطني»، العميد ديريبي ميكوريا، اليوم (الخميس)، فإن «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي سلمت الدفعة الأولى من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة المتنوعة التي تم جمعها حول منطقة دينقولات في إقليم تيغراي». وأنهى اتفاق السلام، الموقّع في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حرباً عنيفة استمرت عامين، راح ضحيتها الآلاف، حسب منظمات دولية.

محمد عبده حسنين (القاهرة)

«حرب المسيّرات» تشتعل بين طرفي الصراع في السودان

سودانيون أصيبوا جرّاء هجوم بطائرة مسيرة في منطقة الأبيض بشمال كردفان (رويترز)
سودانيون أصيبوا جرّاء هجوم بطائرة مسيرة في منطقة الأبيض بشمال كردفان (رويترز)
TT

«حرب المسيّرات» تشتعل بين طرفي الصراع في السودان

سودانيون أصيبوا جرّاء هجوم بطائرة مسيرة في منطقة الأبيض بشمال كردفان (رويترز)
سودانيون أصيبوا جرّاء هجوم بطائرة مسيرة في منطقة الأبيض بشمال كردفان (رويترز)

تصاعدت حدة الحرب في السودان، خصوصاً مع إعلان طرفي الصراع، السبت، عن إسقاط مسيّرات ضمن سلسلة الهجمات التي راح ضحيتها عشرات المدنيين خلال الشهر الحالي.

وأعلنت «قوات الدعم السريع» في السودان، السبت، إسقاط طائرة مسيّرة من طراز «بيرقدار» تركية الصنع في منطقة الفرشاية بولاية جنوب كردفان، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت «الدعم السريع»، في بيان، عزمها الثابت حماية المدنيين و«التصدي بحزم للاعتداءات عبر الغارات الجوية باستخدام الطائرات المسيّرة التي تستهدف المناطق السكنية والمرافق العامة والبنية التحتية، في انتهاك صارخ للقوانين والأعراف الدولية».

ودعت مجدداً المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية والهيئات المعنية بحقوق الإنسان إلى إدانة هذه «الجرائم الممنهجة بحق المواطنين العزل، والتحرك الفوري لوقف الاعتداءات المتكررة على المناطق المأهولة بالسكان».

يأتي ذلك فيما نقلت صحيفة «المشهد» السودانية عن مصادر ميدانية قولها إن «وحدات الدفاعات الأرضية التابعة للجيش السوداني تمكنت من اعتراض وإسقاط طائرة مسيّرة انتحارية كانت في طريقها لاستهداف مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، في محاولة جديدة لتهديد المناطق السكنية».

وأوضحت المعلومات الأولية أن «عملية الرصد والتعامل مع الطائرة تمت بدقة عالية، ما حال دون وقوع أي خسائر بشرية أو مادية داخل المدينة، لتفشل بذلك محاولة الهجوم قبل وصولها إلى هدفها»، وفقاً للصحيفة.

يأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه الهجمات بالطائرات المسيّرة على مناطق جنوب كردفان، وسط مخاوف من اتساع نطاق الاستهداف وارتفاع وتيرة التهديدات الأمنية في الإقليم، ما يفرض تحديات إضافية على القوات السودانية في حماية المدن والمناطق المأهولة بالسكان.

بدورها، أعلنت «شبكة أطباء السودان»، اليوم، عن مقتل رجل وامرأة وإصابة العشرات بمدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان جرّاء استهدافهم بمسيرة تتبع لـ«قوات الدعم السريع» والحركة الشعبية.

وقالت الشبكة، في بيان صحافي اليوم: «استهدفت مسيّرة انتحارية لـ(الدعم السريع) وحركة (الحلو) حي فتح الرحمن بمدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، ما أسفر عن مقتل امرأة ورجل وإصابة عدد من المدنيين بجروح متفاوتة، في اعتداء متعمد طال الأحياء السكنية والمرافق المدنية في تعدٍّ واضح لكل الدعوات الدولية بوقف استهداف المدنيين».

وأدانت الشبكة بـ«أشد العبارات هذا الاستهداف المتعمد للمدنيين»، محملة «(الدعم السريع) وحركة (الحلو) المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة، كما تدين استمرار الانتهاكات التي تطول المدنيين العزل واستخدام المسيرات الانتحارية في مناطق مأهولة بالسكان، في خرق واضح للقانون الدولي الإنساني ومبادئ حماية المدنيين».

ودعت الشبكة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والضغط العاجل على قيادات «الدعم السريع» لرفع الحصار عن مدينة الدلنج، ووقف استهداف المدنيين فوراً، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون معوقات، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، بما يحقق العدالة ويمنع الإفلات من العقاب.

ويشهد السودان صراعاً دموياً على السلطة بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، ونائبه السابق محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد «قوات الدعم السريع».

ويتبادل طرفا الحرب في السودان الاتهامات بالمسؤولية عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين جرّاء تصاعد وتيرة الهجمات التي تستهدف البنى التحتية المدنية والسكان في مختلف الولايات.


السيسي: الميليشيات والكيانات الموازية سبب تدمير الدول

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال إحدى الفعاليات (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال إحدى الفعاليات (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: الميليشيات والكيانات الموازية سبب تدمير الدول

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال إحدى الفعاليات (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال إحدى الفعاليات (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «الميليشيات والكيانات الموازية سبب تدمير الدول»، مؤكداً رفض بلاده القاطع لـ«مساعي تقسيم دول المنطقة، أو اقتطاع أجزاء من أراضيها وإنشاء كيانات موازية للجيش والمؤسسات الوطنية فيها».

وأضاف السيسي خلال كلمته، السبت، في الذكرى الـ74 لـ«عيد الشرطة»، أن «احتفالنا هذا العام، يأتي والعالم يضج بصراعات على الأرض والموارد والنفوذ، ويشهد صدامات آيديولوجية واقتصادية وتحديات غير مسبوقة، تهز أركان الدول، وتبدد مقدرات الشعوب، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً».

وأمام كل ذلك؛ أجدد التأكيد على أن «الأرض تتسع للجميع، والأديان السماوية والقيم الإنسانية ترفض الممارسات البشعة التى يشهدها العالم (اليوم) والتي ينذر استمرارها بانهيار منظومة القانون الدولي وتقويض النظام العالمي، الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية».

وشدد الرئيس السيسي على أن مصر لديها مؤسسات دولة ستظل عنصر استقرار وأمن وحماية، محذراً من سيناريو تكوين الميليشيات، بقوله: «لن أذكر أسماء معينة... الدول التي ظنت أنظمتها أن تأسيس ميليشيات يمكن أن تقوم بدور فيها، كانت هذه الميليشيات بشكل أو آخر سبباً في تدمير الدول، ومن قام بذلك (من الأنظمة) رحل ولم يحمِه أحد».

ويرى مراقبون أن «كلمة الرئيس تطرقت إلى واحد من المبادئ الأساسية لسياسة مصر الخارجية؛ وهي رفض تكوين أي قوى فاعلة من غير الدولة، من الميليشيات والمنظمات العقائدية التي تتعارض مع الحكومة المركزية إن وجدت». وبحسب المراقبين، فإن «مصر تقع ضمن إقليم يشهد عدد من دوله هذا النموذج في تكوّن الميليشيات»، مشيرين إلى أن «وجود هذه الميليشيات يهدد ليس فقط الدول الموجودة فيها، بل الدول المجاورة».

وقال السيسي خلال كلمته، السبت، إن «مصر ستظل حائط صد منيع أمام (الهجرة غير المشروعة)»، محذراً من أن «محاولة تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة ستنتج عنها موجات هجرة للدول الأوروبية لن تستطيع تحملها». كما تطرق إلى ما شهدته مصر في العقد الماضي خلال مواجهة الإرهاب، موجهاً بالاستعانة بأسر الشهداء في الجامعات لإطلاع الشباب على حجم التضحيات التي قدمتها مصر في هذه المرحلة.

ودخلت قوات الأمن المصرية في مواجهات مع جماعات مسلحة قامت بعمليات إرهابية عدة في القاهرة والمحافظات منذ عام 2013، عقب رحيل جماعة «الإخوان» (المصنفة إرهابية) عن الحكم. وفي عام 2018، أعلنت القوات المسلحة «الحرب على الإرهاب» في سيناء ضمن عملية شاملة للقضاء على عناصر تابعة لـ«داعش»، وغيره من الكيانات الإرهابية. وأعلن الرئيس المصري في 2022 القضاء على الإرهاب.

وتحدث السيسي، السبت، عما حدث في مصر منذ عام 2011، قائلاً إن «مصر ظلت أكثر من 10 سنوات تنزف من أبنائها خلال مواجهة الإرهاب»، محذراً من أن «أي استقرار لا يؤثر على الحاضر فقط؛ بل على المستقبل».

الخبير الأمني والاستراتيجي، سمير راغب، قال إن «الرئيس المصري لديه منهجية في فكرة الحفاظ على الدولة الوطنية باعتبارها السبيل الوحيد للاستقرار». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض الدول يعاني من نموذج الجماعات الانفصالية الإرهابية التي تنهك الدول وتؤجج مشاعر الشعوب، فتسقط الدولة، وتحل الميليشيات محل المؤسسات وتعم الفوضى فيها».

كما شدد الرئيس المصري خلال كلمته في احتفالية «عيد الشرطة»، على أن «مؤسسات الدولة تُقدر تضحيات شهداء ومصابي الشرطة». وتابع: «سنظل أوفياء لذكرى الشهداء، ونتمسك بواجبنا تجاه أسرهم».


مسؤول أميركي يزور مصر وإثيوبيا بعد حراك ترمب بشأن «سد النهضة»

محادثات السيسي وترمب في دافوس الأربعاء الماضي (الرئاسة المصرية)
محادثات السيسي وترمب في دافوس الأربعاء الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

مسؤول أميركي يزور مصر وإثيوبيا بعد حراك ترمب بشأن «سد النهضة»

محادثات السيسي وترمب في دافوس الأربعاء الماضي (الرئاسة المصرية)
محادثات السيسي وترمب في دافوس الأربعاء الماضي (الرئاسة المصرية)

يزور مسؤول أميركي، مصر وإثيوبيا، بعد أيام من حراك الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن «سد النهضة» الذي يثير نزاعاً بين القاهرة وأديس أبابا.

وافتتحت إثيوبيا في سبتمبر (أيلول) الماضي «سد النهضة» على نهر النيل، الذي بدأت تشييده في 2011، وهو مشروع بلغت تكلفته مليارات الدولارات، وتعدّه مصر تهديداً لحقوقها التاريخية في مياه أطول أنهار أفريقيا.

ويبدأ نائب وزير الخارجية الأميركي، كريستوفر لاندوا، الأحد، جولةً أفريقيةً تشمل كلاً من مصر وإثيوبيا وكينيا وجيبوتي. وقال لاندوا في تدوينة وزَّعتها السفارة الأميركية بالقاهرة، السبت، إنه «متحمس للغاية لأول جولة له إلى مصر وإثيوبيا وكينيا وجيبوتي».

وتعهَّد ترمب مجدداً بالتدخل لحل أزمة السد الإثيوبي. وقال خلال محادثات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدينة دافوس السويسرية، مساء الأربعاء، إنه «واثق من التوصُّل لحل أزمة السد في نهاية المطاف»، مؤكداً «أهمية التفاوض المباشر بين الأطراف المعنية؛ لضمان حقوق الجميع، وتحقيق الاستخدام العادل للمياه».

وقبل ذلك بأيام، عرض ترمب استئناف الوساطة بين مصر والسودان وإثيوبيا، قائلاً إن «واشنطن مستعدة للاضطلاع بدور فاعل في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، بما يحقِّق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل». كما أبدى تعجبه خلال مؤتمر صحافي في واشنطن، الثلاثاء، من تمويل بلاده لـ«سد النهضة»، ووصفه بـ«الأمر الفظيع الذي يمنع تدفق المياه عن مصر».

أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية، الدكتورة نهى بكر، قالت لـ«الشرق الأوسط»: «من المتوقع أن يكون (سد النهضة) موضوعاً خلال زيارة المسؤول الأميركي، خصوصاً في محطتَي مصر وإثيوبيا، وذلك في إطار المبادرة الأميركية الجديدة للوساطة التي رحَّبت بها مصر والسودان».

وترى أن «مصر ترحِّب بمبادرة ترمب وتعدّها خطوةً مهمةً، لكنها تؤكد أن مياه النيل قضية وجودية لا تقبل المساومة، كما أن السودان يرى في المبادرة فرصةً للحل». وتوضِّح أن «التحدي الأساسي يكمن في الجوهر القانوني لأي اتفاق، حيث تطالب مصر والسودان باتفاق ملزم يضمن حصتيهما المائية، بينما ترفض إثيوبيا ذلك».

الرئيس المصري خلال مصافحة رئيس الوزراء الإثيوبي في عام 2019 (الرئاسة المصرية)

اختبار الأطراف

خبير الشؤون الأفريقية، رامي زهدي، يرى أن «زيارة لاندوا يمكن قراءتها بوصفها بداية (اختبار نوايا)، وليست إعلان حلول». وفسَّر أن «واشنطن تحاول أن تختبر مدى استعداد الأطراف للعودة إلى مسار تفاوضي برعاية مختلفة، وتبعث برسالة مفادها بأن (سد النهضة) لم يعد ملفاً أفريقياً محلياً فحسب؛ بل قضية استقرار إقليمي تهم النظام الدولي».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح أي حراك محتمل، سيظل مرهوناً بقدرة الولايات المتحدة على الانتقال من دور (الوسيط المتفرج) إلى (الضامن السياسي)، وبمدى استعداد إثيوبيا لتجاوز منطق فرض الأمر الواقع».

وبحسب أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، خبيرة الشؤون الأفريقية، الدكتورة نجلاء مرعي، فإن «جولة نائب وزير الخارجية الأميركي إلى مصر وإثيوبيا وكينيا وجيبوتي، لا يمكن حصرها في ملف (سد النهضة) فقط، لكن هناك ملفات كثيرة، حيث يريد ترمب أن يعيد جدولة اهتمامه مرة أخرى بالقارة الأفريقية». لكنها أضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «ترمب تحدَّث من قبل عن (سد النهضة) أكثر من مرة، وخلال جولة لاندوا لمصر وإثيوبيا سيكون ملف (السد) أولوية في المحادثات».

وترى أن «الزيارة، بداية لمفاوضات قد تكون جادة لحل أزمة (سد النهضة) بضمانات أميركية واضحة». وتشير إلى أن «الوساطة خلال هذه الفترة لن تكون وفقاً لجدول زمني ملزم، لكن ترمب يحاول أن يضع الملف في طاولة أولويات اهتماماته».

وتوضِّح: «قد تكون زيارة لاندوا لا تتعلق مباشرة بانطلاق مفاوضات رسمية جديدة بشأن (السد)، لكنها محاولة لجس النبض، وتقييم مدى الاستعداد للتفاوض مرة أخرى، وهنا نتحدَّث عن أن (السد) بدأ تشغيله، وهذا يفرض واقعاً تفاوضياً جديداً أكثر تعقيداً، لأنَّ المفاوضات ستكون على قواعد التشغيل طويلة الأمد وإدارة فترات الجفاف». وأعادت التأكيد على أن «أي وساطة أميركية مرهونة بوجود إرادة سياسية حقيقية من قبل إثيوبيا، وفق إطار تفاوضي جاد، بما يحقِّق المصالح لجميع الأطراف في إطار الإدارة المتكاملة لنهر النيل».

الرئيس الأميركي يصافح الرئيس المصري خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أهداف الجولة

عن طبيعة الجولة الأفريقية وأهدافها، تؤكد الدكتورة نهى بكر أن «الجولة ذات أهداف متعددة تتجاوز ملف (السد)، ففي مصر ستتم مناقشة التعاون الاقتصادي والتجاري، والتحديات الإقليمية. وفي إثيوبيا تعزيز الشراكة التجارية. أما في كينيا فسوف تتناول التعاون التجاري ومكافحة الإرهاب. وفي جيبوتي سيتم التركيز على الأمن والتعاون في مكافحة الإرهاب».

بينما تشير الدكتورة نجلاء مرعي إلى «ترمب يركز في هذه الآونة على تعزيز الأمن والسلام في القارة الأفريقية، والحديث عن ملفات بارزة تتعلق بمبادرات تنموية، وتعاون اقتصادي وعسكري، وهذا يدخل في إطار تعزيز الشراكة في القارة الأفريقية».

كما يعتقد زهدي أن «الولايات المتحدة تعيد تعريف حضورها في أفريقيا، ليس فقط منافساً للصين وروسيا، بل طرفاً يسعى لربط الاقتصاد بالأمن، ويمكن قراءة زيارة لاندوا بوصفها تحركاً محسوباً يتجاوز الإطار البروتوكولي أو الاقتصادي المعلن، ويدخل مباشرة في نطاق إدارة التوازنات الاستراتيجية في القرن الأفريقي وشرق القارة».

ووفق ما أوردت «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية في مصر، السبت، أعرب لاندوا عن تطلعه إلى «دعم أولويات الرئيس ترمب في تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية وتعزيز الأمن والسلام»، لافتاً إلى «أهمية تبادل الآراء مباشرة مع قادة العالم، فعلى الرغم من التكنولوجيا الحديثة، فإن اللقاء وجهاً لوجه لا يزال هو الأفضل».

«سد النهضة» الإثيوبي (أرشيفية - أ.ف.ب)

البحر الأحمر

عن احتمالية وجود تنسيق بشأن «سد النهضة» خلال الزيارة، أوضح رامي زهدي أن «ذلك مرجَّح بدرجة كبيرة، حتى وإن لم يُعلَن صراحةً، فالإدارة الأميركية خصوصاً في ظل تحركات ترمب الأخيرة المرتبطة بـ(السد) تدرك أن هذا الملف لم يعد مجرد نزاع فني حول ملء وتشغيل، بل بات إحدى أخطر بؤر التوتر الاستراتيجي في أفريقيا، لما له من انعكاسات مباشرة على الأمن المائي المصري، والاستقرار الإقليمي في حوض النيل».

ويشير إلى أن «زيارة القاهرة وأديس أبابا (مسار واحد) تعكس إدراك واشنطن بأن أي تحرك جاد لا بد أن يبدأ بالاستماع المتوازن لطرفَي المعادلة، ومحاولة إعادة بناء مسار تفاوضي، ولو غير معلن، يقوم على خفض التوتر». ويلفت إلى أنه «يمكن التوصُّل لاتفاق بشأن (السد) لكن بشروط مختلفة عن تجربة 2019 - 2020 فترمب (اليوم) يعود بخبرة (عدم توفيق سابقة) في هذا الملف، ويدرك أن فشل اتفاق واشنطن لم يكن فنياً بقدر ما كان سياسياً مرتبطاً بغياب الإرادة الإثيوبية آنذاك».

واستضافت واشنطن خلال ولاية ترمب الأولى جولة مفاوضات عام 2020 بمشاركة البنك الدولي، ورغم التقدم الذي شهدته المفاوضات بين الدول الثلاث، مصر وإثيوبيا والسودان، فإنها لم تصل إلى اتفاق نهائي؛ بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق.

نقطة أخرى تحدَّثت عنها نجلاء مرعي تتناولها الزيارة، وهي أمن البحر الأحمر، قائلة إن «الرئيس ترمب يعلم خطوات مصر الاستراتيجية مع إريتريا وجيبوتي في مواجهة الطموح الإثيوبي للحصول على منفذ على البحر الأحمر».

وفسَّرت أن «الزيارة تأتي في ظل توتر متصاعد بين أديس أبابا وعدد من الدول المتشاطئة، وترمب يعلم مدى توتر منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويريد من هذه الزيارة إبراز أن أميركا موجودة في القرن الأفريقي لمواجهة النفوذ الدولي المتزايد في المنطقة - وهنا أتحدث عن الصين وروسيا على وجه التحديد -، فترمب يريد أن يؤكد أن هناك ملفات مهمة سيحاول الدخول فيها».

أيضاً تشير نهى بكر إلى أن «الزيارة تأتي في وقت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي تحولات جيوسياسية كبيرة، بما في ذلك طموحات إثيوبيا للحصول على منفذ بحري... وجولة لاندوا تندرج ضمن حراك دبلوماسي أوسع في القارة».