الحبسة الكلامية... الأسباب والعلاج

إصابات في الدماغ تؤدي إلى ضعف القدرة على فهم اللغة أو معالجتها

الحبسة الكلامية... الأسباب والعلاج
TT

الحبسة الكلامية... الأسباب والعلاج

الحبسة الكلامية... الأسباب والعلاج

تخيل قريباً لك أو صديقاً ذا ذكاء وفطنة، قابلته فجأة وهو غير قادر على مشاركتك الحديث أو فهم أفكارك أو الكلمات المعهودة بينكما. أو أنك وجدته فجأة يتكلم بجمل قصيرة غير مفهومة أو غير كاملة، أو بكلمات لا معنى لها، أو أنه يستبدل كلمة بأخرى أو صوتاً بآخر. أو أنه يحاول قراءة شيء ما ولا يمكنه التعرف على الكلمات، أو يحاول قول شيء ما فيبدو وكأنه رطانة.

- حبسة الكلام
هذه هي «الحبسة الكلامية» (Aphasia)، وهي حالة معرفية تضعف القدرة على فهم اللغة أو معالجتها. عانت منها وجوه شهيرة كثيرة، منهم السياسيون (عضوة الكونغرس الأميركي غابي جيفوردز، مدير وكالة المخابرات المركزية CIA مايكل هايدن)، والممثلون والممثلات (الممثل الشهير بروس ويليس، مارك ماكوين، إميليا كلارك، شارون ستون)، حيث أصيبوا بفقدان مفاجئ في القدرة اللغوية.
يعلق على هذه الإصابات الدكتور ديفيد نوبمان أستاذ علم الأعصاب في «مايو كلينيك» في روتشستر، مينيسوتا، موضحاً أن «الحبسة» هي ذاك النوع من الأعراض التي تلفت الانتباه إلى نفسها على الفور، وأن الصعوبات في معالجة أو التعبير عن الاتصال الشفوي والكتابي واضحة للمريض نفسه أو للأشخاص من حوله. ويمكن بعد ذلك تشخيص السبب الدقيق من خلال التصوير.
تحدث الحبسة (Aphasia) عموماً بعد إصابة في الرأس كالإصابة بسكتة دماغية أو قد تحدث أيضاً بمرور الوقت بسبب ورم دماغي بطيء النمو أو تلف تنكسي. وتعتمد شدة الحبسة على عدد من العوامل، بما في ذلك سبب ومدى تلف الدماغ.
بالنسبة لمعظم الناس، تؤثر الحبسة على الجزء الأيسر من الدماغ. قد تحدث الحبسة مع اضطرابات الكلام، مثل عسر الكلام أو تعذر الأداء النطقي، الذي ينتج أيضاً عن تلف الدماغ، وفقاً للخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا (NHS).
معظم الأشخاص الذين يصابون بالحبسة هم في منتصف العمر أو أكبر. ومع ذلك، يمكن لأي شخص الإصابة بالحبسة في أي مرحلة عمرية بما في ذلك الأطفال.
يعتبر مرض الحبسة الكلامية أكثر شيوعاً من مرض الباركنسون، والشلل الدماغي، وضمور العضلات، فهو يصيب نحو مليون شخص في الولايات المتحدة، ويصاب به ما يقرب من 180 ألف شخص كل عام، وفقاً لجمعية الحبسة الوطنية (National Aphasia Association).

- الأسباب والأعراض
* هل سبب الإصابة بالحبسة معروف؟ تقول الدكتورة دانييل بوريير المتخصصة في أمراض النطق واللغة وعلاج الاضطرابات العصبية للبالغين وطب الأطفال واضطرابات عسر البلع في مركز «لوغر سكرانتون» (Luger Scranton) للخدمات المساعدة لإعادة التأهيل في بنسيلفانيا - نعم، فإن السكتة الدماغية هي المسبب الأبرز لفقدان القدرة على الكلام، إذ يصاب بالحبسة الكلامية بين 25 في المائة و40 في المائة من الناجين من السكتات الدماغية، وفقاً لجمعية الحبسة الوطنية. وأيضاً تحدث الحبسة بسبب تلف في المناطق اللغوية بالدماغ، وغالباً ما ينتج عن إصابات دماغ رضية، أو عدوى، أو ورم في الدماغ، أو مرض تنكسي مثل الخرف. عادة، المتقدمون في السن هم الأكثر عرضة للإصابة بهذا المرض.
> هل الحبسة وراثية؟ تنجم معظم حالات الحبسة عن ظروف غير موروثة. ومع ذلك، فقد تم ربط الحبسة التقدمية الأولية Primary progressive aphasia) (PPA)) بالعوامل الموروثة. حوالي 40 – 50 في المائة من مرضى «PPA» لديهم تاريخ عائلي للاضطراب.
أما أهم الأعراض، فهي فقدان القدرة على التواصل، وصعوبة الكتابة والكلام وحتى فهم ما يقوله الآخرون.
> قد يواجه المريض المصاب صعوبة لإيجاد الكلمات، ويستخدم كلمات خارج السياق، ويتحدث بطريقة متقطعة ومتعثرة، أو ينطق بجمل قصيرة أو غير كاملة، وقد يختلق كلمات لا معنى لها ويستخدمها في كلامه أو كتاباته.
> قد يعاني الشخص المصاب بالحبسة الكلامية من مشكلات في نسخ الحروف والكلمات بدقة، ويمكن أن تكون عملية التواصل من خلال الكتابة مليئة بالأخطاء النحوية والجمل السريعة، حسب جمعية الاستماع إلى اللغة والنطق الأميركية (ASHA).
> قد يؤثر هذا المرض على قدرة المريض على فهم الآخرين، فقد لا يفهم الجمل المحكية أو المكتوبة، أو يحتاجون إلى وقت إضافي لاستيعاب وفهم ما يُقال له أو ما يقرأه.
> قد يفقد المريض قدرته على التعرف إلى الكلمات بصرياً أو نطق الكلمات المكتوبة، كما قد يصعب عليه متابعة من يتحدث بسرعة، أو استيعاب الجمل والمفاهيم المعقدة.
> يختلف أثر الحبسة من شخص لآخر استناداً إلى مدى الضرر الذي أصاب الدماغ وموقعه. فبعض الأشخاص يفقدون قدرتهم للعثور على الكلمات والعبارات أو تكرارها فقط، لكن ما زال يمكنهم الكلام والفهم. وهذا ما يسمى حبسة «بالطلاقة»، مقارنة مع حبسة «بدون طلاقة» لأولئك الذين يعانون من أضرار جسيمة.
* لا يؤثر فقدان القدرة على الكلام على الذكاء، فبعض الأشخاص يتحسنون بشكل كبير في غضون بضعة أشهر. قد يحتاج الآخرون إلى إيجاد طرق أخرى للتواصل، حيث يمكن أن يساعدهم علاج النطق واللغة.

- التشخيص والعلاج
> أنواع الحبسة. يمكن تصنيف الحبسة على نطاق واسع إلى فئتين - بطلاقة (fluent) وبدون طلاقة (nonfluent)، وهناك عدة أنواع داخل هاتين الفئتين.
النوع الأكثر شيوعاً من الحبسة بطلاقة هو حبسة فيرنيك (Wernicke›s aphasia)، أما النوع الأكثر شيوعاً من الحبسة بدون طلاقة فهو حبسة بروكا (Broca›s aphasia).
هناك نوع آخر من الحبسة الكلامية، من بين أنواع أخرى، هو الحبسة الشاملة (global aphasia)، التي تنتج عن تلف أجزاء واسعة من مناطق اللغة في الدماغ.
> كيف يتم تشخيص الحبسة؟ من المؤكد أن يقوم مقدم الرعاية الصحية بإجراء فحوصات جسدية وعصبية، وعمل اختبار للقوة والشعور وردود الأفعال، والاستماع إلى القلب والأوعية الدموية، وبشكل خاص تلك الموجودة في الرقبة. يمكن استخدام اختبار التصوير، عادة ما يكون التصوير بالرنين المغناطيسي أو التصوير المقطعي المحوسب، لتحديد سبب الحبسة الكلامية بسرعة.
> كيف يتم علاج الحبسة؟ وفقاً للدراسات، فإن اختصاصيي أمراض النطق «الافتراضي» يوفرون لهؤلاء المرضى المرونة والراحة في الحصول على العلاج في منازلهم من خلال أجهزة الكومبيوتر.
يهدف علاج الحبسة إلى تحسين قدرة الشخص على التواصل من خلال مساعدته على استخدام القدرات اللغوية المتبقية، واستعادة القدرات اللغوية المفقودة قدر الإمكان، وتعلم طرق أخرى للتواصل مثل الإيماءات أو الصور أو استخدام الأجهزة الإلكترونية.
يركز العلاج على الأعراض المرضية التي يعاني منها المصاب، فمن يعانون من الحبسة الكلامية الأكثر اعتدالاً، يمكن أن يكون علاجهم إصلاحياً، من خلال خضوعهم لعلاج النطق بهدف إعادة تدريب الدماغ على التعرف إلى الكلمات، والتحدث، والكتابة.
الأشخاص الذين يعانون من مرض تنكسي، يُتوقع أن يعانوا من تراجع أكثر، ويركز الاختصاصيون الصحيون في هذه الحالة غالباً على تقديم مساعدة تعويضية على شكل صور، وحروف طباعة كبيرة، لمساعدة الشخص على التواصل.
ووفقاً لجمعية الحبسة الوطنية، فإنه يصعب الشفاء التام من الحبسة الكلامية إذا استمرت أعراض المرض لأكثر من شهرين أو ثلاثة أشهر عقب السكتة الدماغية، وأن بعض الأشخاص يستمرون بالتحسن على مدى سنوات وحتى عقود.
هناك جلسات علاج فردية تركز على احتياجات الأشخاص، وجلسات علاج جماعية تساعد في طرق التواصل بشكل أفضل في مكان عام.
يشارك مرضى الحبسة الكلامية في الأنشطة، بشكل متزايد، في نوادي الكتب، ومجموعات التكنولوجيا، ونوادي الفن والدراما.
الباحثون مستمرون في إيجاد أنواع جديدة من علاج النطق وطرق غير جراحية مثل الإجراء الذي يستخدم النبضات المغناطيسية لتحفيز خلايا الدماغ.

- المضاعفات والدعم
من الصعب أن يعيش مريض الحبسة حياة عادية كغيره، فالحبسة تؤثر في المقام الأول على الكلام، ولكن يمكن أيضاً أن يتأثر الفهم والقراءة والكتابة، مما يجعل من الصعب على الناجين التواصل والتنقل في الحياة اليومية. الحبسة لا تؤثر على ذكاء الناجي. عادة ما يعرف الناجون من الحبسة الكلامية ما يريدون قوله. ولكنهم غير قادرين على قول ما يريدون.
> حالات متنوعة. هناك حالات من الحبسة يكون فيها تلف الدماغ خفيفاً، لا يحتاج جميع المصابين بها إلى علاج. فقد يستعيد الشخص جميع مهاراته اللغوية السابقة دون علاج. ومع ذلك، يخضع معظم الأشخاص لعلاج النطق واللغة. يساعد ذلك في إعادة تأهيل مهاراتهم اللغوية واستكمال خبراتهم في التواصل.
في معظم الحالات، تكون الحبسة علامة على تلف أو اضطرابات خطيرة في الدماغ، فمعظم الحالات التي تسبب الحبسة هي حالات شديدة، وبعضها حالات طوارئ طبية مميتة تهدد الحياة.
الحبسة التقدمية الأولية Primary progressive aphasia) (PPA)) هي حالة عصبية تؤدي إلى فقدان المهارات اللغوية، وهي نوع من الخرف وقد تكون علامة على مرض ألزهايمر. في البداية، قد يواجه المريض صعوبة في العثور على الكلمات الصحيحة للأشياء أو فهم الآخرين وما يلبث أن تتطور حالته للأسوأ.
إن متوسط العمر المتوقع لمرضى الحبسة الكلامية، منذ ظهور المرض، هو 3 إلى 12 سنة. غالباً ما تؤدي المضاعفات الناتجة عن الحالة الأولية المتقدمة، مثل صعوبات البلع، إلى الانخفاض في جودة الحياة وفي نهاية المطاف تدهور الحالة الصحية.
> كيف تدعم مريضاً مصاباً بالحبسة الكلامية؟ تقول الدكتورة دانييل بوريير ذات خبرة الـ25 عاماً في علاج أمراض النطق واللغة عند الأطفال والبالغين - من السهل جداً على الشخص المصاب بالحبسة أن يشعر بالإحباط والعزلة والاكتئاب. ونظراً لتأثر قدرته على التواصل، فقد يشعر بالانفصال عن أحبائه والعالم من حوله.
> النصائح التالية قد تساعد في دعم هذا المصاب:
أولاً: أفراد الأسرة والأصدقاء يمكنهم الدعم والمساعدة على التواصل عن طريق:
- الحفاظ على لغتهم واضحة وبسيطة والتكلم ببطء.
- إعطاء المريض وقتاً للتحدث وصياغة الأفكار - منحه وقتاً لاستيعاب ما يقولون والرد عليهم.
- استخدام جمل قصيرة للتواصل.
- تقليل ضوضاء الخلفية/ المشتتات.
- استخدام جميع أشكال الاتصال لتعزيز ما يقولون - استخدم الإيماءات الواضحة وأدوات الرسم والتواصل إذا لزم الأمر.
ثانياً: مساعدة شخص مصاب بالحبسة على التعبير عن نفسه من خلال:
- لا تقاطع المريض واسأله عما إذا كانت هناك حاجة إلى مساعدته قبل تقديمها له.
- استخدام أنظمة اتصال بديلة إذا كان ذلك مناسباً (مثل لوحة المفاتيح، التعبير الكتابي، تطبيقات الاتصال على الأجهزة، وما إلى ذلك).
- طرح أسئلة دقيقة لا تتطلب سوى إجابة «نعم» أو «لا» بدلاً من الأسئلة المفتوحة. امنح المريض متسعاً من الوقت للرد. لا تطرح الكثير من الأسئلة بسرعة كبيرة، فقد يشعرون بالإرهاق والإحباط.
- انظر أيضاً واستمع - ستحصل على معلومات من الإيماءات الطبيعية وتعبيرات الوجه ولغة الجسد.
- تواصل لفهم المريض، إذا كنت تواجه صعوبة في فهم اتصالاته، فكن صريحاً وأخبره: «أنا آسف، لا أفهم - فلنحاول مرة أخرى».

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

صحتك فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك 7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

يُسوّق البلميط المنشاري بوصفه علاجاً طبيعياً لتضخم البروستاتا، وهو أحد المكملات الغذائية الأكثر مبيعاً.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
يوميات الشرق يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خلايا تولد كأنَّ الذاكرة اختارت أن تتأخَّر في الرحيل (شاترستوك)

«المعمّرون الخارقون» يكشفون عن سرّ الدماغ الذي لا يشيخ

يُعرَّف «المعمّر الخارق» بأنه شخص يبلغ 80 عاماً أو أكثر، ويتمتّع بوظائف إدراكية تماثل شخصاً متوسّط المستوى في منتصف العمر تقريباً...

«الشرق الأوسط» (لندن)

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب
TT

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب. ولذا تُعدّ هذه العناصر في دمك بمثابة مؤشر على صحة قلبك.

نهج استباقي

ويُعتبر إجراء فحوصات الدم لفهم خطر إصابتك بمرض الشريان التاجي نهجاً استباقياً للحفاظ على صحة قلبك. ولذا من المفيد جداً التعاون مع طبيبك لفهم نتائجك وتحديد الخطوات التالية الأنسب.

ونقدم إليك هنا مزيداً من التوضيحات حول تلك الفحوصات القلبية التي يتم التعرُّف عليها من خلال تحاليل الدم:

1. التروبونين: وهو الاختبار الأكثر شيوعاً لتشخيص الإصابة بنوبة الجلطة القلبية. التروبونين Troponin مادة تُفرزها أنسجة القلب عند تعرضها للتلف، وهو ما يحدث في أثناء النوبة القلبية وحالات أخرى تتعرض فيها أنسجة عضلة القلب للتلف بفعل الالتهابات العضلية. والتروبونين مركب بروتيني موجود في عضلة القلب والعضلات الهيكلية، وهو يُنظم انقباضها.

وعند تلف عضلة القلب، تُفرز أنواع محددة من التروبونين القلبي في مجرى الدم، ما يجعل فحص الدم أداة تشخيصية أساسية للنوبات القلبية والإصابات والإجهاد. وترتفع مستويات التروبونين عادة خلال 3-4 ساعات من الإصابة، تبلغ ذروتها خلال 12- 48 ساعة، وقد تبقى مرتفعة لمدة أسبوع إلى أسبوعين. ولذا فإن الغرض من إجراء تحليل التروبونين هو قياس مدى حصول تلف في أنسجة عضلة القلب، وخصوصاً في قسم الطوارئ لتشخيص سبب الشكوى من ألم الصدر، الذي من أسبابه القلبية كل من: احتشاء عضلة القلب (نوبة الجلطة القلبية Myocardial Infarction)، والذبحة الصدرية غير المستقرة Unstable Angina، والتهاب عضلة القلب Myocarditis.

ولذا، فإن الأعراض التي تستدعي إجراء الفحص تشمل ألماً في الصدر، وضيقاً في التنفس، ودواراً، وغثياناً، وألماً ينتشر إلى الذراعين أو الظهر أو الرقبة. ويقوم الطبيب بتفسير النتيجة وفق حالة المريض. وفي حين أن المستويات المرتفعة جداً غالباً ما تشير إلى نوبة قلبية، فإن الارتفاعات المتوسطة قد تنتج عن انسداد الجلطة في الشرايين الرئوية Pulmonary Embolism، أو أمراض الكلى المزمنة، أو تسمم الدم بالالتهابات الميكروبية (الإنتان)، أو إنها نتيجة ممارسة التمارين الرياضية الشاقة. ولذا يتطلب ارتفاع التروبونين إجراء مزيد من التقييم لشرايين القلب، لتحديد ما إذا كان الضرر ناتجاً عن متلازمة الشريان التاجي الحادة Acute Coronary Syndrome أو عوامل أخرى.

2. تحليل الدم دي-دايمر D-DIMAR: ودي-دايمر هي بالأساس بروتينات معينة في الدم يتم فحص مستواها لاستبعاد حصول بعض اضطرابات التخثر الدموي، أي استبعاد وجود جلطة دموية خطيرة. وهي بالأساس شظايا من المركَّبات الكيميائية التي ترتفع نسبتها في الدم عند تحلل خثرة الجلطة الدموية. ولذا قد ترتفع مستويات دي-دايمر في الدم إذا كنت تعاني من جلطة كبيرة داخل أحد الأوعية الدموية الكبيرة في «داخل» الجسم، مثل تخثر جلطة الأوردة العميقة، وهي جلطة في الأوردة العميقة التي في الساقين أو الفخذين، ويمكن أن تؤدي إلى مشكلات خطيرة في الرئة إذا انتقلت مع الدم إلى الأوعية الدموية في الرئة (جلطة الانسداد الرئوي).

وحينما يستقبل الطبيب حالة تتضمن تورماً وألماً واحمراراً في إحدى الساقين أو الفخذين (يشتبه بجلطة أوردة عميقة)، أو حالة من الشكوى من صعوبة في التنفس مع سرعة نبضات القلب وألم في الصدر وسعال وانخفاض في نسبة الأكسجين في الدم (يشتبه بجلطة الانسداد الرئوي)، فإن الطبيب ضمن الفحوصات التي يطلبها آنذاك، قد يطلب تحليل الدم لمعرفة مستوى دي-دايمر. وإذا كانت النتيجة منخفضة أو طبيعية، فهذا يعني أن دمك يحتوي على مستويات منخفضة من بروتين دي-دايمر. ولذا فمن «غير المُرجح» أن تكون مصاباً باضطراب تخثر في مكان ما من جسمك. وإذا كانت النتيجة مرتفعة أو إيجابية، فهذا يعني وجود مستويات عالية من بروتين دي-دايمر في دمك. وسيحتاج الطبيب حينئذ إلى إجراء مزيد من الفحوصات والتصوير لمعرفة ما إذا كانت ثمة جلطة دموية، ومكانها، وسببها.

ومع ذلك سيُراعي الطبيب احتمالات وجود حالات وعوامل قد تؤثر على نتائج اختبار دي-دايمر؛ حيث من الممكن أن يكون مستوى دي-دايمر مرتفعاً دون وجود جلطة دموية. أو قد تكون النتيجة المرتفعة أيضاً نتيجة التقدم في السن، أو الحمل، أو وجود عدوى ميكروبية في الجسم، أو أمراض مزمنة في الكبد، أو ارتفاع مستوى الكوليسترول والدهون في الدم، أو تناول أدوية ترفع من نسبته في الدم، مثل الأدوية المضادة للصفيحات مثل الأسبرين، وكلوبيدوغريل (بلافيكس)، وبراسوغريل (إفيينت)، وتيكاجريلور (بريلينتا).

مؤشرات خطر

3. الكوليسترول والدهون الثلاثية: توصي النصائح الطبية ببدء إجراء تحليل الدم لفحص الكوليسترول بين سن 20 و35 عاماً، وذلك اعتماداً على عوامل الخطر الخاصة بك للإصابة بأمراض القلب. ولذا يجب إجراء اختبار الكوليسترول المتكرر أو إجراء مراقبة إضافية أخرى:

- إجراء الاختبار مرة كل 5 سنوات للرجال الذين لديهم مستويات كوليسترول طبيعية.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا حدثت تغييرات في نمط الحياة (بما في ذلك زيادة الوزن والنظام الغذائي).

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تعاني من مرض السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب، أو السكتة الدماغية، أو مشكلات تدفق الدم في الساقين أو القدمين أو بعض الحالات الأخرى.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تتناول أدوية للتحكم في ارتفاع الكوليسترول.

ويقدم تحليل الدم المعتاد للكوليسترول والدهون، نتائج 4 عناصر، هي:

- الكوليسترول الثقيل HDL: وهو الكوليسترول الحميد؛ لأنه كلما ارتفع في الدم انخفضت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الكوليسترول الخفيف LDL: وهو الكوليسترول الضار؛ لأنه كلما ارتفع في الدم، ارتفعت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الدهون الثلاثية TG: وعند ارتفاعها مع ارتفاع الكوليسترول الخفيف أو انخفاض الكوليسترول الثقيل، ترتفع احتمالات تراكم الكوليسترول والدهون في جدران الشرايين.

- الكوليسترول الكلي TC: وهو محصلة قياس تلك العناصر الثلاثة في نتائج تحليل الكوليسترول.

وفي تقييم عموم الناس، يُجرى تحليل الدم للكوليسترول دون الحاجة للصوم Non-Fasting. ولكن في متابعة مرضى الشرايين القلبية، والمرضى الذين يعانون من متلازمة التمثيل الغذائي Metabolic Syndrome (عند وجود 3 من المؤشرات التالية: زيادة محيط البطن- ارتفاع الدهون الثلاثية- انخفاض الكوليسترول الثقيل- ارتفاع ضغط الدم- ارتفاع السكر A=في الدم) أو مرض السكري، أو مرضى اضطرابات الكوليسترول، يجب أخذ عينة الدم للتحليل بعد الصوم (لمدة تتراوح ما بين 9 و12 ساعة).

4. الببتيد الدماغي المدر للصوديوم BNP: وهذا نوع من البروتينات التي ينتجها القلب والأوعية الدموية، ويُعرف أيضاً بـ«النوع (بي) من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم». والأساس في عمله أنه يساعد الجسم على التخلص من السوائل المتراكمة فيه، وكذلك على إرخاء الأوعية الدموية، وتسهيل نقل الصوديوم إلى البول (كي يسحب معه مزيداً من الماء الخارج في سائل البول).

وفي حال تضرر القلب -وخصوصاً ضعف قوة القلب- يفرز الجسم نِسَباً عالية من النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في مجرى الدم، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط على القلب. ويتمثل أحد أهم استخدامات فحص النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في محاولة تحديد ما إذا كان ضيق النَّفَس ناجماً عن فشل القلب أم لا.

تختلف مستويات النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم حسب السن ونوع الجنس والوزن. وبالنسبة للأشخاص المصابين بفشل القلب، يمكن أن يكون إرساء قيمة قاعدية للنوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم نافعاً جداً. وبالتالي، يمكن للاختبارات المستقبلية أن تساعد على تقدير مدى نجاح العلاج، أو مدى الانتكاس في التحكم في تداعيات حالة ضعف القلب. وأهم تلك التداعيات هو تراكم كثير من السوائل في الجسم، وخصوصاً الرئتين والساقين.

أدوات تشخيصية أساسية للنوبات القلبية أو وجود جلطة دموية خطيرة

رصد الالتهابات

5. البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية us-CRP: وهو بروتين يفرزه الكبد ضمن استجابة الجسم للإصابة أو العدوى. وتؤدي هذه الاستجابة إلى حدوث تورُّم داخل الجسم يُطلق عليه الالتهاب. ويؤدي الالتهاب دوراً رئيسياً في تراكم اللويحات (المحتوية على الكوليسترول والدهون) في الشرايين القلبية، مسبباً ما يُطلق عليه مرض تصلب الشرايين الذي من مظاهره تضيقات الشرايين القلبية وتداعياتها. ويساعد اختبار تحديد معدل البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية في تحديد مدى خطر الإصابة بأمراض القلب، قبل ظهور الأعراض بشكل واضح لدى المريض.

ويرتبط ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية والأمراض القلبية.

ولكن قد تُسبب أشياء عدة (مثل الإصابة بنزلة زكام، أو الركض لمسافة طويلة) ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» لفترة وجيزة. ولذا، ينبغي إجراء الاختبار مرتين، على أن يفصل بينهما أسبوعان. ويُشير ارتفاع مستوى البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية عن 2.0 ملِّيغرام لكل لتر (ملغم/ لتر) إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

6. تحاليل أخرى: في حالات معينة، قد يطلب الطبيب إجراء تحليل الدم لوظائف الغدة الدرقية TSH، عند الشكوى من الخفقان أو تراكم السوائل حول القلب.

كما قد يطلب تحليل تراكم السكر في الهيموغلوبين HbA1c، لمعرفة مدى انضباط مستويات سكر الدم لدى مرضى السكري.

وقد يطلب الطبيب قياس مستويات السيراميد Homocysteine في الدم الذي قد يرتبط ارتفاعه بتصلب الشرايين. وأيضاً يتابع طبيب القلب نتائج تحليل وظائف الكلى؛ خصوصاً عند وصفه للمريض أدوية إدرار البول.

وفي حالات المرضى الذين يتلقون دواء منع تجلط الدم، مثل الوارفارين، يتابع الطبيب نتائج تحليل نسبة التخثر الدولية INR لتحديد الجرعة المناسبة من هذا الدواء.وأيضاً إجراء تحليل الدم CBC لمعرفة نسبة الهيموغلوبين ومدى وجود فقر الدم.

وينظم فيتامين «دي» مستويات الكالسيوم والفوسفات في الجسم. ولكن ترتبط المستويات المنخفضة من فيتامين «دي» بمخاطر متنوعة على صحة القلب. كما قد تشير المستويات المنخفضة إلى صعوبة تحمل أدوية الستاتين (أدوية خفض الكوليسترول) وإلى احتمال ارتفاع ضغط الدم.


لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟
TT

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

كشفت دراسة جديدة لباحثين من كلية الطب بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، ونُشرت في 9 فبراير (شباط) الحالي في مجلة علم الأعصاب «Journal of Neuroscience»، عن احتمالية أن يكون السبب في صعوبة تعلم الرياضيات math راجعاً إلى أسباب عصبية في الأساس تؤدي إلى اختلاف الطريقة التي يعمل بها المخ في كل طفل.

«عُسر الحساب»: مشكلة شائعة

من المعروف أن صعوبة تعلم الرياضيات تُعد من المشكلات الشائعة في التعليم، وعلى وجه التقريب في معظم المجتمعات، تعاني نسبة من السكان تتراوح بين 3 إلى 7 في المائة من صعوبة تعلم مادة الرياضيات، أو ما يُسمى عسر الحساب dyscalculia، الذي يشمل صعوبات في فهم ومقارنة الكميات، وتعلم العدّ، وفهم رموز الأرقام، وتعلم المهارات الرياضية المختلفة مهما كانت بسيطة.

أوضح الباحثون أن القدرة على حل المسائل الرياضية، والتعامل مع الأرقام يحتاجان إلى مهارات عصبية متعددة، مثل المعالجة البصرية (من خلال إرسال الإشارات إلى المخ لترجمة الأرقام إلى كميات معينة، وأيضاً ترجمة الرموز المختلفة، مثل الجمع، والطرح، والضرب)، والذاكرة قصيرة المدى (للاحتفاظ بتفاصيل المسألة الرياضية أثناء حلها).

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 87 طفلاً من أطفال الصفين الثاني والثالث في المدارس الأميركية يتراوح متوسط أعمارهم بين 7 و9 أعوام. ومنهم 34 طفلاً يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات، إذ حصلوا على متوسط درجات أقل من أقرانهم بشكل ملحوظ في اختبار لقياس قدرة الطالب العادي على حل المسائل الرياضية. أما بقية الأطفال الآخرين فقد حصلوا على درجات أعلى، مما يشير إلى قدرة طبيعية على تعلم الرياضيات.

اختار الباحثون مهمة معينة لاختبار القدرة على التعامل مع الأرقام، حيث طُلب من الأطفال إكمال سلسلة من المقارنات البسيطة لحل مسائل حسابية، وفي كل محاولة تتم المقارنة بين كميتين، وكان عليهم تحديد أي الكميتين أكبر، وذلك لتقييم الاختلافات في نشاط المخ أثناء تعاملهم مع الأرقام، وتم عمل أشعة رنين مغناطيسي لكل الأطفال المشاركين، لرصد نشاط المخ أثناء قيام الأطفال بحل المسائل.

في كل محاولة كانت الكميات تُعرض بشكل مختلف، وعلى سبيل المثال تُعرض على صورة أرقام مكتوبة، وفي أحيان أخرى كانت تُعرض على شكل مجموعات من النقاط، ما يتطلب من الطفل تقدير المجموعة التي تحتوي على عدد أكبر من العناصر بسرعة. وكان هدف العلماء من التبديل بين مجموعة الأرقام ومجموعات النقاط تقييم قدرة الطفل على التعامل مع الحسابات، وتوقع الإجابة بمجرد الرؤية.

قام الباحثون بتصميم المسائل بحيث تتضمن مسائل سهلة (التي يوجد بها فارق كبير بين الأرقام، وبالتالي تكون الإجابة واضحة، مثل 7 مقابل 2)، وأخرى صعبة (التي يوجد بها فارق بسيط يفصل بين الأرقام مثل 6 مقابل 7)، وبالتالي تكون الإجابة أكثر صعوبة.

دراسة أداء الأطفال

بدلاً من التركيز فقط على صحة الإجابات، أو خطئها، ركز الفريق البحثي على معرفة الكيفية التي تغير بها أداء كل طفل، في المحاولات المختلفة، عن طريق مراقبة هل يقوم الطفل بتعديل أسلوبه بعد ارتكاب الأخطاء من عدمه؟ ومدى حرصه على تحديد الرقم الأكبر، سواء في المسائل السهلة، أو الصعبة، ومدى سرعة اكتشافه لأخطائه، وإبطاء وتيرة الحل في المسألة التالية بعد ارتكاب الخطأ، وهي كلها أمور أساسية في تعلم الرياضيات، أو التعامل مع الأرقام بشكل عام.

وفي المسائل المتعلقة بالرموز العددية، كان الأطفال من ذوي القدرات الرياضية الطبيعية أكثر تباطؤاً عند إجراء المقارنات الصعبة بين الأرقام المتقاربة، مقارنة بالمقارنات السهلة. وفي المقابل لم يقم الأطفال الذين يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات بتغيير طريقة تفكيرهم بنفس القدر أثناء حل المسائل، بمعنى أنهم لم يحاولوا التباطؤ، أو تغيير سلوكهم في المسائل الصعبة، وبالتالي ساهم ذلك في ارتكابهم للأخطاء.

أظهرت النتائج نمطاً ثابتاً للمجموعتين، حيث كان الأطفال الذين يواجهون صعوبة في الرياضيات أقل ميلاً لتغيير طريقة حلهم بعد الخطأ في حل المسألة، حتى عندما ارتكبوا أنواعاً مختلفة من الأخطاء، ولم يقوموا بتغيير طريقة تفكيرهم استجابة لهذه الأخطاء. وكانت هذه الصعوبة في تعديل السلوك بمرور الوقت فرقاً جوهرياً بين الأطفال ذوي القدرات الرياضية الطبيعية، والذين يواجهون صعوبات في تعلم الرياضيات.

وأوضحت فحوصات أشعة الرنين المغناطيسي أن الأطفال الذين واجهوا صعوبة أكبر في تعلم مادة الرياضيات أظهروا نشاطاً أضعف في المناطق المسؤولة عن مراقبة الأداء، وتعديل السلوك في القشرة المخية، وفي الأغلب ترتبط هذه المناطق العصبية بالتحكم المعرفي، ما يعني القدرة على تقييم الأخطاء، وتغيير طرق التفكير، والمساعدة في اتخاذ القرارات، والتحكم في الاندفاع، والتكيف مع المعلومات الجديدة.

تشير النتائج إلى أن صعوبات الرياضيات قد لا تنبع فقط من مشكلات في مجرد التعامل مع الأرقام، بل قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في مراجعة عمليات تفكيرهم أثناء حلّهم للمسائل، لأن القدرة على إدراك الخطأ وتجربة أسلوب جديد تُعد أمراً أساسياً في حل المسائل الرياضية.

في النهاية، أكد الباحثون على ضرورة الاهتمام بمشكلة صعوبة تعلم الرياضيات على وجه التحديد، وعدم التعامل معها كما لو كانت مجرد تراخٍ، وإهمال دراسي، خاصة في الطفولة المبكرة، لأن مخ الأطفال لا يزال في طور النمو، ما يُتيح لهؤلاء الأطفال اكتساب المهارات، وتطوير القدرات اللازمة للتكيف مع هذه الحالة من خلال برامج تعليمية فردية.

• استشاري طب الأطفال


حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
TT

حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته

في عيادة أسنان رقمية حديثة، تظهر صورة أشعة جانبية للأسنان الخلفية على الشاشة. وخلال ثوانٍ، يحدد النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي منطقة مظللة ويعرض تقديراً رقمياً: «احتمال تسوّس 87 في المائة». وفي تلك اللحظة القصيرة، يتحول الرقم من نتيجة تحليل بصري إلى عنصر مؤثر في القرار العلاجي.

لم يعد التشخيص قائماً على قراءة الطبيب وحده، بل أصبح نتيجة تفاعل بين الخوارزمية والخبرة السريرية والسياق الصحي للمريض. وهنا لا نتعامل مع أداة تشخيصية إضافية فحسب، بل مع تحول هادئ في بنية اتخاذ القرار داخل العيادة.

بماذا تخبرنا أبحاث 2026؟

شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في استخدام نماذج التعلم العميق لتحليل الصور الشعاعية للأسنان، ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «المراجعة اليابانية لعلم الأسنان» (Japanese Dental Science Review)، أظهر باحثون أن أنظمة تعتمد على التصوير بالهواتف الذكية المدعوم بالذكاء الاصطناعي استطاعت تحسين معدلات كشف التسوّس، خصوصاً في البيئات محدودة الموارد الصحية.

غير أن الدراسة نفسها أشارت إلى أن الأداء التشخيصي لا يعتمد على الخوارزمية وحدها، بل يتأثر بجودة الصورة، ومستوى الإضاءة، ونوع الجهاز المستخدم، وخبرة من يلتقط الصورة. وهو ما يؤكد أن الدقة المعلنة ليست قيمة ثابتة، بل نتيجة تفاعل معقد بين التقنية والبيئة السريرية.

وفي دراسة حديثة اخرى نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) الصادرة عن مجموعة «نيتشر»، حذّر باحثون من «يونيفرسيتي كوليدج لندن» من الاعتماد غير المشروط على نماذج تحليل الصور الطبية دون مراقبة مستمرة لأدائها بعد التطبيق السريري، مؤكدين أن فاعلية الأنظمة قد تتغير مع اختلاف السكان وأنماط المرض.

تحوّل التوزيع: التحدي الصامت

يصف علماء الذكاء الاصطناعي هذه الظاهرة بما يُعرف بتحول التوزيع (Distribution Shift)، حيث يتعلم النموذج من بيانات ذات خصائص محددة، ثم يُستخدم لاحقاً في بيئات تختلف من حيث الأجهزة أو خصائص المرضى أو انتشار الأمراض.

قد يُدرَّب النظام على صور عالية الجودة في مركز أكاديمي متقدم، ثم يُستخدم في عيادة مجتمعية بإمكانات تصوير مختلفة. في هذه الحالة، قد تنخفض الدقة تدريجياً دون ظهور إنذار واضح، مما يجعل الخطأ يتسلل بصمت إلى الممارسة اليومية.

الخطر هنا لا يكمن في الخطأ المفاجئ، بل في الثقة المستمرة بنظام تغيّر أدائه دون أن نلاحظ.

حين تحاط الخوارزميات بسياج الأخلاق

انحياز البيانات وعدالة التشخيص

تناولت مراجعات حديثة في «مجلة طب الأسنان البريطانية المفتوحة» (BDJ Open) قضية انحياز البيانات في أنظمة كشف التسوّس. فالخوارزميات تتعلم مما يُقدَّم لها؛ وإذا جاءت بيانات التدريب من مجموعات سكانية محدودة، فقد لا يكون الأداء متكافئاً عند تطبيقها على مجتمعات مختلفة.

وهنا يظهر سؤال أخلاقي جوهري: هل يحصل جميع المرضى على جودة تشخيص متساوية؟ أم أن الفوارق غير المرئية داخل البيانات قد تعيد إنتاج تفاوتات صحية قائمة؟

الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على توسيع الوصول إلى الرعاية، لكنه قد يعكس تحيزاتنا البشرية إن لم يُصمم ويُختبر بعناية.

الصندوق الأسود ومسؤولية الطبيب

لا يزال كثير من نماذج التعلم العميق تعمل بوصفها «صناديق سوداء»، تقدم توصيات دون تفسير واضح لمسار القرار. وعندما يشير النظام إلى تسوّس غير موجود أو يفشل في اكتشاف آفة مبكرة، تبقى المسؤولية المهنية والقانونية في نهاية المطاف على عاتق الطبيب.

إن دخول الخوارزمية إلى صلب القرار لا يلغي الحكم السريري، لكنه يعيد توزيع مصادر النفوذ المعرفي داخل العيادة، مما يجعل الحاجة ملحّة لتطوير أنظمة تفسيرية تدعم القرار البشري بدل أن تستبدله.

مَن يتحمل الخطأ عندما تصمت الخوارزمية؟

الخطر ليس في الخطأ... بل في التصميم

الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس منافساً للطبيب، بل أداة قد تعزز دقة التشخيص وتحسن الوصول إلى الرعاية. غير أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تُعامل نتائج الدراسات بوصفها ضماناً مطلقاً للأداء في كل سياق سريري.

ما نحتاج إليه ليس خوارزمية معصومة، بل منظومة تجعل الخطأ مرئياً، وحدود الاستخدام واضحة، وآليات المراجعة مستمرة.

إن القرار العلاجي يظل فعلاً إنسانياً يتحمل تبعاته من يتخذه، عندما تصبح التقنية شريكاً وليس بديلاً.

يبقى التسوّس مرضاً بيولوجياً، لكن التعامل معه قرار سريري وأخلاقي في آن واحد. والذكاء الحقيقي لا يتمثل في الثقة العمياء بالخوارزمية، بل في القدرة على استخدامها بوعي نقدي، ومعرفة متى نتفق معها... ومتى نعيد النظر في توصياتها.. في النهاية، قد تقرأ الآلة الصورة بدقة متزايدة، لكن مسؤولية فهم الإنسان الذي خلف الصورة ستبقى مهمة الطبيب.