ما الذي تنتظره تركيا من تطبيع علاقاتها مع الأسد؟

مقاتلون من فصيل «أحرار الشام» المدعوم من تركيا في موقع عسكري بقرية تل جيجان شمال مدينة الباب بريف محافظة حلب يوم الأحد (أ.ف.ب)
مقاتلون من فصيل «أحرار الشام» المدعوم من تركيا في موقع عسكري بقرية تل جيجان شمال مدينة الباب بريف محافظة حلب يوم الأحد (أ.ف.ب)
TT

ما الذي تنتظره تركيا من تطبيع علاقاتها مع الأسد؟

مقاتلون من فصيل «أحرار الشام» المدعوم من تركيا في موقع عسكري بقرية تل جيجان شمال مدينة الباب بريف محافظة حلب يوم الأحد (أ.ف.ب)
مقاتلون من فصيل «أحرار الشام» المدعوم من تركيا في موقع عسكري بقرية تل جيجان شمال مدينة الباب بريف محافظة حلب يوم الأحد (أ.ف.ب)

تتصاعد التساؤلات في تركيا وخارجها وبين الدوائر المتابعة والمهتمة بالشأن السوري مع كل تصريح جديد يصدر عن أنقرة بشأن التقارب مع نظام الرئيس بشار الأسد حول الأهداف التي تدفع تركيا الآن إلى الاندفاع في خطوات التطبيع مع دمشق.
في أحدث هذه التصريحات، عبّر وزير الدفاع التركي خلوصي أكار عن أمله أن تسهم المحادثات بين تركيا وسوريا في إحلال السلام والاستقرار في المنطقة، مشيراً إلى أن تلك المحادثات، التي تأتي بعد قطيعة استمرت لأكثر من 11 عاماً، جرت بنيات حسنة ومن أجل إحلال السلام في المنطقة.
تصريحات أكار، الذي شارك في الاجتماع الثلاثي الذي جمعه مع نظيريه الروسي والسوري في موسكو في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي بحضور رؤساء أجهزة مخابرات الدول الثلاث، جاءت عقب أول اجتماع لوزراء الحكومة التركية برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان في العام الجديد، مساء الاثنين، ليؤشر إلى استمرار حضور الملف السوري على طاولة الحكومة كإحدى الأولويات على أجندتها.
وكان إردوغان قد لمّح، الأسبوع الماضي، إلى أنه يمكن أن يلتقي الأسد والرئيس الروسي فلاديمير بوتين قريباً، عقب اجتماع ثلاثي لوزراء خارجية تركيا وروسيا وسوريا، لم يحدد مكانه أو موعده بعد، إلا أنه ربما يعقد خلال شهر يناير (كانون الثاني) الحالي، وفق تصريحات من أنقرة وموسكو. وفيما قال إردوغان إن الهدف من مثل هذا اللقاء هو تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، واصل أكار، أمس، التأكيد على الهدف ذاته. إذ أعرب عن أمله في أن يحل السلام والاستقرار عن طريق اللقاءات المتبادلة.
وكرر الوزير التركي الحديث عن أهداف بلاده من السير في طريق التطبيع مع الأسد، ولخصها في السعي لإيجاد حلول دائمة لمشكلتي الإرهاب (وجود «وحدات حماية الشعب» الكردية، أكبر مكونات «قوات سوريا الديمقراطية - قسد» على الحدود التركية مع سوريا)، والهجرة (نزوح السوريين إلى تركيا)، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة السوريين إلى بلادهم بشكل طوعي وآمن.

دوافع التطبيع

أما لماذا الآن؟ وما دوافع تركيا للتحرك باتجاه التطبيع مع الأسد؟ وما العوامل التي تدفعها إلى ذلك؟ الإجابة عن هذه التساؤلات تكمن في أن هناك الكثير من المتغيرات والعوامل المحركة للرغبة التركية في إعادة العلاقات، كلياً أو جزئياً، مع نظام الأسد. فعلى مدى ما يقرب من 12 عاماً منذ وقوع «الثورة» على النظام، حدثت متغيرات دولية وإقليمية كثيرة دفعت تركيا إلى تغيير حساباتها بعدما بنت حساباتها منذ البداية على سقوط الأسد ونظامه بسرعة البرق.
وإذا كان الحراك التركي نحو التقارب مع الأسد قد بدا في ذروته في الأشهر الأخيرة، فإنه ليس كذلك في واقع الأمر، فقد بدأ بشكل غير رسمي عقب التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015 لمساندة نظام الأسد، وهو ما حال دون سقوط هذا النظام وغيّر موازين القوى على الأرض. ويتلاقى هذا الموقف في بعض النقاط مع الموقف الأميركي، لا سيما فيما يتعلق بمواجهة التنظيمات الإرهابية والمجموعات المتشددة، وتحجيم التمدد الإيراني عبر مساندة النظام.
في الوقت ذاته كانت دفة السياسة الخارجية التركية تتحول شرقاً، لا سيما بعد شعور أنقرة بـ«الخذلان» من حلفائها الغربيين بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها في 15 يوليو (تموز) 2016. فبينما وجدت حكومة إردوغان دعماً من جانب موسكو، لم تحصل على مثل هذا الدعم من جانب الولايات المتحدة وأوروبا بسبب اتساع نطاق الطوارئ والاعتقالات والتضييق على المعارضة وحرية التعبير، أو ما عده الغرب استغلالاً لمحاولة الانقلاب من جانب الرئيس التركي للقضاء على كل معارضيه بضربة واحدة، وفي مقدمهم حليفه السابق الداعية فتح الله غولن وحركة «الخدمة» التي صنّفتها أنقرة تنظيماً إرهابياً باسم «تنظيم فتح الله غولن» عقب محاولة الانقلاب.
يضاف إلى ذلك الامتعاض التركي من دعم الولايات المتحدة قوات «قسد»، التي يغلب على تكوينها «وحدات حماية الشعب» الكردية، التي تعدها أنقرة امتداداً سورياً لـ«حزب العمال الكردستاني»، المدرج على قوائم الإرهاب في تركيا والولايات المتحدة وأوروبا، والنظر إليها (أي «قسد») كحليف وثيق لواشنطن في الحرب على تنظيم «داعش» الإرهابي.
ورأت أنقرة بعد سنين من إعلان العداء لنظام الأسد والمطالبة بإسقاطه، أن البيئة الدولية والإقليمية تغيّرت، وأنه أصبح هناك ما يشبه «المزاج العام» لجهة القبول ببقاء نظام الرئيس السوري، لأنه أقل ضرراً من الإرهاب الذي عشش في بلاده.
ووجدت تركيا أن التمادي في التنسيق مع روسيا هو الحل في ظل تقلص الوجود الأميركي والإصرار على دعم «قسد»، وتهيأت لتركيا الظروف من خلال مشاركتها مع روسيا وإيران، كدول ضامنة لمسار آستانة، الذي بات يُنظر إليه على أنه البديل لمسار جنيف، وهو ما ضَمِن لتركيا تثبيت وجودها العسكري في مناطق خفض التصعيد في شمال غربي سوريا دون اصطدام مع النظام أو روسيا وإيران.
إقليمياً، اكتشفت تركيا أن عليها أن تعيد النظر في السياسات التي تبنتها منذ ما عُرف بـ«الربيع العربي»، وأن عليها أن تراجع علاقاتها المتدهورة في محيطها الإقليمي، فبدأت بالتحرك لتحسين علاقاتها إقليمياً بعدما اختفت من الصورة الأنظمة التي أتت بعد «الربيع» ودعمتها تركيا بكل قوة، فضلاً عن ازدياد الضغوط الاقتصادية عليها، ومحاولتها استعادة الاستثمارات الخليجية والأسواق العربية والطرق التي كانت متاحة للوصول السريع لبضائعها إلى الخليج وأفريقيا والتي تشكل سوريا إحدى نقاطها المهمة.
وإلى جانب المتغيّرات الدولية والإقليمية، فهناك عوامل داخلية ضاغطة على إردوغان وحكومته، فمع تفاقم الأزمة الاقتصادية الداخلية في تركيا نجحت أحزاب المعارضة في إبراز ملف اللاجئين السوريين واستخدامه في تأجيج حالة الاستقطاب السياسي ونقله من المربع الإنساني إلى دائرة الصراع السياسي. وظهر توافق واسع بين أحزاب المعارضة على فكرة إعادة العلاقات مع نظام الأسد من أجل النجاح في تسوية ملف اللاجئين الذي بات إحراز تقدم فيه مطلباً شعبياً في تركيا، وهو ما دفع إردوغان إلى التحرك السريع لنزع هذه الورقة المؤثرة من أيدي المعارضة ومحاولة إحراز تقدم فيها حتى لا يفقد السلطة التي احتفظ بها على مدى 20 عاماً.
وعلى الرغم من أنه يوجد في تركيا ما يشبه الإجماع على قبول التطبيع مع الأسد، فإن هناك تسليماً بأنه لا يجب انتظار الكثير من هذا الأمر، لا سيما إذا كان من يقوده هو إردوغان، فباستثناء الانتهاء من ملف اللاجئين عبر الحصول على ضمانات من النظام، لا ترى الدوائر السياسية أنه يمكن أن يكون هناك ما يفيد على صعيد مكافحة الإرهاب والقضاء على تهديدات «الوحدات» الكردية عبر النظام الذي سلّم مفاتيح شمال سوريا لـ«العمال الكردستاني». ويشكك بعض الكتّاب المحسوبين على المعارضة، ومنهم الكاتب في صحيفة «قرار»، عثمان سرت، في إحراز نجاح فيما يتعلق بإعادة اللاجئين. إذ يقول سرت في هذا الإطار إنه «ليس هناك أي سبب لإقناع اللاجئين في تركيا بالعودة إلى سوريا، فحتى الذين هناك يعانون من الأزمة الاقتصادية. وليس هناك ما يَضمن أنه إذا انسحب الجيش التركي من شمال سوريا، لن يجد المدنيّون طريقاً للعبور إلى تركيا». وذهب إلى أن الاستعجال في خطوات التطبيع، حتى قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا العام الماضي، «يدل على انعدام البصيرة، كما لو أن تركيا لم تراكم قوّة في وضعها الجيوسياسي بسبب موقفها من الحرب الأوكرانية، ولذلك تدفع تكلفة عالية لقرارات ظرفيّة تتطلب اتباع مسار ديناميكي، وأن الحكومة لا تنظر إلا إلى ما قد تقوم به روسيا من تأجيل ديون الطاقة إلى ما بعد الانتخابات، بينما المجتمع التركي أرهقته مسألة اللاجئين ويريد لهم العودة بأي ثمن لكن قدرة سوريا على الاستيعاب والحقائق على أرضها غير كافية لملء عناوين مثل: ها هي أولى خطوات التطبيع»، حسبما يقول سرت.
وفي الواقع، يسود اعتقاد لدى صانعي القرار في تركيا بأن عملية التطبيع مع النظام السوري ستأخذ وقتاً طويلاً، حتى لو عقد لقاء بين إردوغان والأسد قريباً، وأن العملية الجارية مع النظام ستكون ناجحة إذا تمكنت تركيا من خلالها من تحقيق أهدافها الرئيسية المتمثلة في التعاون لإنهاء تهديد «قسد» ومشروع إقامة دولة كردية على حدودها، وضمان مشروعية للوجود العسكري التركي في شمال سوريا عبر اتفاق مع روسيا والنظام على الاحتفاظ ببعض النقاط على غرار ما هو قائم في شمال العراق. وهذا الأمر مرفوض من جانب روسيا قبل النظام السوري. وعبّرت موسكو صراحة من قبل عن رغبتها في العمل بموجب اتفاقية أضنة للعام 1998 التي تسمح للقوات التركية بالتوغل في الأراضي السورية لمسافة 5 كيلومترات حال وجود خطر على أمن البلاد، بينما لا تثق أنقرة بقدرة النظام على السيطرة التامة على الحدود، وتوفير ضمانات تسهّل لتركيا إعادة اللاجئين.
ويرى مراقبون أن أي عملية لإعادة العلاقات مع نظام الأسد إلى طبيعتها كما كانت قبل 2011 لن تكون بالأمر السهل، رغم محاولات موسكو إحداث اختراق، وأن لقاء إردوغان والأسد على المدى القصير لن يخرج عن كونه «حملة دعاية روسية مستعجلة»، لأن الوزراء والمؤسسات الأخرى بحاجة إلى مناقشة الموضوع وعرضه على الرؤساء لتوضيح خطوط معينة، وخلافاً لذلك سيكون أي لقاء عاجل مجرد «مناسبة لالتقاط الصور»، حسبما قال المحلل التركي ليفنت كمال.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)

مع دخول الحرب على إيران مرحلة جديدة، بإعلان 22 دولة استعدادها للمشاركة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، عيّن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قيادة جديدة لقوات «درع الوطن»، وأشاد بجاهزية القوات المسلحة في مختلف المناطق، في وقت كثّفت فيه القيادات العسكرية لقاءاتها وزياراتها الميدانية للقوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين.

جاء ذلك في وقت تواصل فيه الجماعة الحوثية، المختطِفة للعاصمة اليمنية صنعاء، حشد مقاتليها إلى خطوط المواجهة مع القوات الحكومية، وبالذات في جنوب محافظتي مأرب والحديدة، مع نقل منصات إطلاق الصواريخ إلى محافظات الجوف وصعدة والحديدة وحجة، في تحركات يُعتقد أنها تأتي استعداداً للانخراط في القتال إلى جانب إيران واستهداف حركة الملاحة في مضيق باب المندب.

وأصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، قراراً بتعيين العميد بسام محضار قائداً لقوات «درع الوطن»، وترقيته إلى رتبة لواء. كما عيّن العميد عبد الرحمن اللحجي رئيساً لأركان هذه القوات، إضافة إلى عمله قائداً للواء الرابع مشاة، وترقيته إلى رتبة لواء.

إشادة رئاسية بأداء الجيش اليمني في إفشال مخططات الحوثيين (إعلام حكومي)

جاءت هذه التعيينات متزامنة مع إشادة العليمي بجاهزية وحدات الجيش في مختلف الجبهات وتضحياتها، خلال اتصالين أجراهما مع وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، ورئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن صغير بن عزيز، حيث أشاد بما وصفه بـ«الصمود البطولي والملاحم الوطنية» التي يسطرها منتسبو هذه القوات في مواجهة الحوثيين، مؤكداً أن تضحياتهم تمثل حجر الأساس في ردع المشروع «التخريبي الإيراني» وإفشال مخططاته التوسعية.

واستمع العليمي، طبقاً للمصادر الرسمية، إلى مستجدات الأوضاع الميدانية ووضع المقاتلين في مختلف مسارح العمليات، مثنياً على ما يتحلون به من يقظة عالية وانضباط وروح وطنية مسؤولة في أداء واجبهم. كما أشاد بدور السعودية ودعمها المستمر للشعب اليمني وقيادته الشرعية ومؤسساته الوطنية، بما يعزز تطلعاته إلى الأمن والاستقرار والسلام.

تحركات في الساحل الغربي

في سياق هذه التحركات، ترأس عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح لقاءً لقيادة وضباط من مختلف المستويات في محوري الحديدة والبرح القتاليين في الساحل الغربي، كُرّس لمناقشة مستوى الجاهزية الميدانية وتقييم سير الأداء في مناطق الانتشار، بما يعزز كفاءة الوحدات ويرفع مستوى التنسيق بين مختلف التشكيلات.

وبعد يوم من تصدي القوات الحكومية لهجوم نفذه الحوثيون في جبهة جنوب الحديدة، أكد صالح أهمية الحفاظ على الانضباط العسكري، ومواصلة برامج التأهيل والتدريب، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يسهم في تطوير الأداء والارتقاء بمستوى الجاهزية.

ونبّه عضو مجلس القيادة الرئاسي إلى ضرورة مضاعفة الجهود خلال هذه الفترة للحفاظ على الأمن والاستقرار، وتعزيز الحضور الميداني بما يضمن حماية المواطنين والتصدي للممارسات «الإرهابية» التي تقوم بها الجماعة الحوثية.

تنسيق في حضرموت ومأرب

في الاتجاه نفسه، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مع قائد المنطقة العسكرية الأولى وقائد الفرقة الثانية في قوات «درع الوطن» اللواء فهد بامؤمن مستجدات الأوضاع العسكرية والأمنية في وادي وصحراء حضرموت.

واستعرض المحرّمي، وفق المصادر الرسمية، جملة من التطورات الميدانية والجهود المبذولة لرفع مستوى الجاهزية القتالية وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية، بما يسهم في تثبيت الأمن والاستقرار والتعامل مع التحديات القائمة، وفي مقدمتها مكافحة التهريب والتصدي للشبكات التي تعبث بأمن الوادي والصحراء.

تعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأمنية في محافظة حضرموت (إعلام حكومي)

وأكد عضو مجلس الحكم اليمني أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود ورفع مستوى الأداء العسكري والأمني لحماية الأرض والإنسان في وادي وصحراء حضرموت، وصون أمن واستقرار المحافظة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين مختلف القوات، بما يضمن مواجهة أي تهديدات أو اختراقات.

بدوره، زار رئيس لجنة الحصر في المنطقة العسكرية الثانية بساحل حضرموت، العميد أحمد البيتي، لواء النخبة الحضرمي؛ بهدف تقييم الجاهزية وتعزيز الحضور القيادي في الوحدات العسكرية، والاطلاع على مستوى التأهب العملياتي والانضباط العسكري وجاهزية الأفراد لتنفيذ المهام الموكلة إليهم.

وأشاد المسؤول العسكري بما لمسه من كفاءة عالية وروح قتالية وانضباط يعكس مستوى التدريب والالتزام، كما استمع إلى عرض حول سير الأداء الميداني وأبرز التحديات، موجهاً بضرورة رفع وتيرة الجاهزية بما يواكب متطلبات المرحلة.

وفي المنطقة العسكرية الثالثة بمحافظة مأرب، اطّلع قائد المنطقة اللواء الركن منصور ثوابه على أوضاع القوات في الجبهات الجنوبية للمحافظة، وتنقّل بين عدد من المواقع في خطوط التماس مع الحوثيين، مشيداً بصمودهم وتضحياتهم، ومؤكداً ضرورة مضاعفة الجهود ورفع مستوى الجاهزية واليقظة القتالية، والاستمرار في تنفيذ المهام بكفاءة واقتدار.

من جهتها، أكدت المنطقة العسكرية الخامسة المرابطة في محافظة حجة، شمال غربي اليمن، جاهزية المحاور كافة لخوض المعركة الوطنية ضد الحوثيين إلى جانب مختلف تشكيلات القوات المسلحة في عموم اليمن، واستعادة الدولة.


8 هجمات ليلية بالصواريخ والمسيّرات على «مجمع مطار بغداد الدولي»

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
TT

8 هجمات ليلية بالصواريخ والمسيّرات على «مجمع مطار بغداد الدولي»

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)

تعرَّض «مجمع مطار بغداد الدولي»، الذي يضمّ «مركزاً للدعم اللوجيستي» يتبع السفارة الأميركية في العاصمة العراقية، إلى 8 هجمات بالصواريخ والمسيَّرات ليل السبت - الأحد، وفق ما قال مسؤول في «قيادة العمليات المشتركة العراقية» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحدث مسؤول أمني عن «8 هجمات في أوقات متفرقة استمرّت حتى فجر اليوم (الأحد) بالصواريخ والمسيَّرات، وسقط قسم من الصواريخ في محيط وقرب (مركز الدعم اللوجيستي)، دون أن تسفر عن إصابات». وأشار إلى أن إحدى المسيَّرات «سقطت على منزل مدني بمنطقة السيدية» القريبة من المطار، مما خلَّف «أضراراً مادية».

من جهته، تحدَّث مسؤول أمني آخر عن وقوع 6 هجمات على الأقلّ. وعُثر في منطقة حيّ الجهاد القريبة من المطار، فجر الأحد، على «مركبة تحمل قاذفة صواريخ استُخدمت في هجوم» على «مركز الدعم اللوجيستي»، وفق مسؤول في الشرطة أكَّد أن المركبة كانت «متروكة في موقف خالٍ للسيارات».

إلى ذلك، أكد رئيس مجلس الوزراء العراقي القائد العام للقوات المسلحة محمد شياع السوداني، الأحد، أن الحكومة لن تقف مكتوفة الأيادي أمام جريمة استباحة الدم العراقي والتجاوز على المصالح العليا للبلد.

وقال السوداني ، خلال زيارة أجراها اليوم إلى مقر جهاز المخابرات الوطني في العاصمة بغداد حيث اطلع ميدانياً على تفاصيل الاعتداء الذي تعرض له مقر الجهاز يوم أمس وأدى الى إرتقاء أحد المنتسبين، إن «من ارتكب هذه الجريمة الغادرة، هم مجموعة جبانة استباحت الدم العراقي، وتجاوزت على مؤسسات الدولة».

وأضاف أن «من يتجرأ على الدم العراقي لا يمثل العراق، ولا تبرر أي عقيدة هذه الجريمة، ولو كانت هناك عقيدة وراء الجريمة، فهي بلا شك مشوهة وهدامة»، مؤكداً أن الحكومة تتصرف وفق منطق الحكمة والمسؤولية، لكنها لن تقف مكتوفة الأيادي أمام جريمة استباحة الدم العراقي والتجاوز على المصالح العليا للبلد.

ودعا القوى السياسية الوطنية إلى الاضطلاع بدورها، واتخاذ موقف واضح وصريح مما يحصل من اعتداءات تستهدف الدولة ومؤسساتها، وتغامر بمستقبل البلد ، مشيراً إلى أن «هناك من أعطى لنفسه الحق بتحديد قرار الحرب والسلم، لكننا نؤكد أن هذا القرار هو للدولة وحدها، وهي من تحدد وتحمي مصالح العراق».
ووفق بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزارء، «أمر السوداني الجهات المعنية في الجهاز وبالتعاون مع باقي الجهات الأمنية بالاستمرار في
التحقيق الدقيق بملابسات الاعتداء، والكشف عن النتائج والإعلان للشعب العراقي عن الجهة التي تقف وراء هذا الفعل الإرهابي المشين، وعدم التردد في فضحها وتقديمها الى العدالة».

كما اجتمع السوداني برئيس الجهاز والكادر المتقدم والمسؤولين، واستمع إلى عرض أمني شامل، تضمن معطيات العمل المعلوماتية والميدانية، في إطار المهام والواجبات المناطة.

ومنذ الهجوم الذي بدأته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أصبح العراق إحدى الدول التي امتدت إليها الحرب، إذ تتوالى غارات على مقار لفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران، فيما تستهدف هجمات المصالح الأميركية، كما تنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية معارضة في شمال البلاد. وتتبنى فصائل عراقية موالية لإيران منضوية ضمن ما تُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، يومياً هجمات بمسيّرات وصواريخ على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، من دون أن تحدد أهدافها في معظم الأحيان.

تصاعد ألسنة اللهب والدخان من منشأة دبلوماسية أميركية قرب مطار بغداد يوم 20 مارس 2026 (رويترز)

وفي بيانها اليومي، قالت «المقاومة الإسلامية في العراق»، فجر الأحد، إنها نفذت خلال 24 ساعة «21 عملية بواسطة عشرات الطائرات المسيّرة والصواريخ». في المقابل، أقرّ البنتاغون، الخميس الماضي، لأول مرة بأن مروحيات قتالية نفذت غارات ضد فصائل موالية لطهران.

ومنذ بدء الحرب، هاجمت فصائل مسلحة موالية لإيران السفارة الأميركية في بغداد و«مركز الدعم اللوجيستي» التابع لها في المطار. واعترضت الدفاعات الجوية معظم تلك الهجمات التي نُفّذت بصواريخ أو مسيّرات.

كذلك تعترض منذ بدء الحرب الدفاعاتُ الجوية في أربيل؛ عاصمة إقليم كردستان شمال العراق، مسيّرات في أجواء المدينة التي يستضيف مطارها قوات «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب» الذي تقوده واشنطن منذ عام 2014، وقنصلية أميركية ضخمة.

وكانت «كتائب حزب الله» العراقية الموالية لإيران تعهّدت فجر الخميس وقف استهداف سفارة واشنطن «لمدة 5 أيام» بموجب شروط، هي «كفّ يد الكيان الصهيوني عن تهجير وقصف الضاحية (الجنوبية) في بيروت، والالتزام بعدم قصف المناطق السكنية في بغداد والمحافظات، وسحب عناصر (وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية - CIA) من محطاتهم وإيقافهم داخل السفارة».

وأكّدت أنه «في حال عدم التزام العدو، فسيكون الرد مباشراً، وبشكل مركز مع رفع وتيرة الضربات بعد انتهاء المدة». ومنذ ذاك الإعلان، لم ترصد «وكالة الصحافة الفرنسية» أي هجوم على السفارة الأميركية.

Your Premium trial has ended


مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.