علاج جيني واعد لـ«نزف الدم الوراثي بي»

علاج جيني واعد لـ«نزف الدم الوراثي بي»
TT

علاج جيني واعد لـ«نزف الدم الوراثي بي»

علاج جيني واعد لـ«نزف الدم الوراثي بي»

مرض «كريسماس»، هو اضطراب نزفي وراثي، يعتبر ثاني أكثر أنواع الهيموفيليا شيوعاً، ويحدث بسبب تغير الجين الذي يساعد في تجلط الدم، إذ لا يمتلك الأشخاص المصابون بالمرض الكمية المعتادة من بروتين الدم (عامل التخثر) الذي يساعد على تجلط الدم. وعلى الرغم من أنه ينتقل من الآباء إلى الأطفال، إلا أن نحو ثلث الحالات ناتجة عن طفرة عفوية، أي حدوث تغيير في الجين.
وقد أُطلق على هذا الاضطراب اسم مرض «كريسماس» نسبة إلى اسم أول شخص تم تشخيصه بهذا الاضطراب في عام 1953، ستيفن كريسماس (Stephen Christmas) الذي كان يعاني من نقص مختلف في بروتينات تخثر الدم، ويفتقر إلى عامل التخثر التاسع (9). وفيما بعد، أطلق الباحثون على هذا المرض اسم الهيموفيليا بي (Hemophilia B) بينما أصبح نقص العامل الثامن (8) يُعرف بالهيموفيليا إيه (Hemophilia A).
ويشار إلى الهيموفيليا أحياناً باسم «المرض الملكي»؛ لأنه أثر على العائلات الملكية في إنجلترا وألمانيا وروسيا وإسبانيا، في القرنين التاسع عشر والعشرين. ويُعتقد أن الملكة فيكتوريا ملكة إنجلترا التي حكمت 1837- 1901، كانت حاملة للهيموفيليا B، أو نقص العامل التاسع، وقد نقلت هذه السمة إلى 3 من أطفالها التسعة، وتوفي ابنها ليوبولد بسبب نزيف بعد سقوطه عندما كان في الثلاثين من عمره. يمكن أن تستمر الهيموفيليا لأجيال من دون أعراض ويتم نسيانها في بعض الأحيان، وهي تحتاج إلى فهم دقيق.

مرض نزفي وراثي

الهيموفيليا هي اضطراب نزفي، يورث عادة بنمط وراثي متنحٍّ يحدث بشكل حصري تقريباً في الذكور، بسبب نمط وراثي مرتبط بالكروموسوم الأنثوي X. وتنتج عن نقص أحد عوامل التخثر. وتنتج الهيموفيليا إيه عن نقص عامل التخثر (8)، وتنتج الهيموفيليا بي عن نقص عامل التخثر (9). وبناءً على مستوى نقص العامل 8 أو 9 تتدرج الحالة من خفيفة إلى معتدلة أو شديدة.
وهناك نوع مكتسب من الهيموفيليا، وهي حالة منفصلة غير موروثة ونادرة جداً عن الهيموفيليا الخلقية، ولها مسببات مرتبطة بالمناعة الذاتية، مع عدم وجود نمط وراثي.
إذا تُرك مرض الهيموفيليا بي من دون علاج، فقد يكون مرضاً مهدداً للحياة. وعليه، يعالجه مقدمو الرعاية الصحية ببدائل العامل (9) التي تساعد على تجلط الدم، ويبحثون عن علاج جيني وعلاج باستبدال الجينات، كطرق جديدة لعلاجه وعلاج أشكال أخرى من الهيموفيليا.
> هل تصيب الهيموفيليا الإناث؟ يؤثر مرض الهيموفيليا بي على نحو 4000 فرد في الولايات المتحدة وحدها، ويحدث في نحو 1 من كل 25000 ولادة ذكر. ووراثة مرض «كريسماس» (الهيموفيليا بي) هي من النمط المتنحي نفسه المرتبط بالكروموسوم X، مثل الهيموفيليا إيه، ما يؤدي إلى انتقال المرض إلى الرجال عن طريق حاملات الإناث الأصحاء، على ما يبدو. ومع ذلك، ففي عدد قليل من الحالات، تم الإبلاغ عن حاملات لجين مرض «كريسماس» بأعراض نزيف، كان من أشهرها حالة المرأة الحامل التي لوحظ فيها تدمي المفصل، وحالة فتاة الـ11 عاماً التي وُصفت حالتها في تقرير نشر في المجلة الطبية «جاما» (JAMA Network 2022)، مفاده أن فتاة بيضاء تبلغ من العمر 11 عاماً تعرضت لنوبتها الأولى من النزيف الشديد في سن الثانية، عندما نزفت لمدة أسبوع بسبب تمزق في فروة الرأس، وتم كيّها وخياطتها. وفي سن 5 سنوات، نزفت الطفلة نفسها لمدة أسبوعين بعد قلع الأسنان، على الرغم من حقن البلازما. وفي سن الثامنة من عمرها، عضت لسانها ونزفت مرة أخرى لمدة أسبوعين.
• من هم المعرضون للإصابة بالمرض؟ لدى كل ابنة فرصة بنسبة 50 في المائة لوراثة جين الهيموفيليا من والدتها، كونها حاملة للجين. وكل ابن لديه فرصة 50 في المائة للإصابة بالهيموفيليا، كنمط وراثي للهيموفيليا؛ حيث يكون الأب مصاباً بها.
وعوامل الخطر لاكتساب الهيموفيليا، هي: اضطرابات المناعة الذاتية (الذئبة الحمراء، والتهاب المفاصل الروماتويدي)- الالتهابات (التهاب الكبد سي، الإيدز)- الأدوية (إنترفيرون ألفا).
• ما متوسط العمر المتوقع لمريض الهيموفيليا؟ يختلف متوسط العمر المتوقع لشخص مصاب بالهيموفيليا، اعتماداً على ما إذا كان يتلقى علاجاً مناسباً أم لا، وعلى مدى انتظامه على العلاج. لا يزال كثير من المرضى يموتون قبل سن الرشد بسبب عدم كفاية العلاج. ومع العلاج المناسب، يكون متوسط العمر المتوقع أقل بنحو 10 سنوات فقط عن أقرانهم الأصحاء.
بشكل عام، يمكن أن يؤدي مرض الهيموفيليا إلى نزيف داخل المفاصل، ومن ثم إلى أمراض المفاصل المزمنة وآلامها. نزيف في الرأس، وأحياناً في الدماغ يمكن أن يسبب مشكلات طويلة الأمد، مثل النوبات والشلل. يمكن أن يحدث الموت إذا تعذر إيقاف النزيف، أو إذا حدث في عضو حيوي مثل الدماغ.
على الرغم من أن الهيموفيليا (إيه) و(بي) تعتبران تقليدياً لا يمكن تمييزهما سريرياً، فإن دراسة نُشرت في مجلة «نقل الدم» تشير إلى أن الهيموفيليا بي (نقص العامل 9) قد تكون أقل حدة سريرياً من الهيموفيليا إيه (نقص العامل 8)، مما يؤكد الحاجة إلى مناقشة مزيد من الخيارات العلاجية. على الرغم من أن الأدلة المقدمة هنا ليست قاطعة، فإن هناك تلميحاً إلى أن الهيموفيليا بي الشديدة قد تكون أقل حدة سريرياً من الهيموفيليا إيه.

التشخيص

في الولايات المتحدة، يتم تشخيص معظم المصابين بالهيموفيليا في سن مبكرة جداً. واستناداً إلى بيانات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها CDC، يبلغ متوسط العمر عند التشخيص 36 شهراً للأشخاص المصابين بالهيموفيليا الخفيفة، و8 أشهر للأشخاص المصابين بالهيموفيليا المعتدلة، وشهراً واحداً للأشخاص المصابين بالهيموفيليا الشديدة.
يشمل التشخيص مجموعة من الاختبارات، أهمها:
- اختبارات الدم الخاصة بعامل التخثر، للكشف عن قصور العامل، وتحديد نوع مرض الهيموفيليا، وشدته.
- اختبار الجينات، يستخدم مع الأشخاص ذوي التاريخ العائلي مع الهيموفيليا، للكشف عن حوامل الصفة الوراثية، ومن ثم اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن الإقدام على الحمل.
- اختبارات خلال الحمل، لتحديد ما إذا كان الجنين مصاباً بالهيموفيليا أم لا. وتتم بالتشاور مع الطبيب لمعرفة فوائد هذه الاختبارات ومخاطرها.
- التصوير: تصوير الرأس أو العنق- الرنين المغناطيسي للرأس أو الرقبة- الموجات فوق الصوتية في البطن أو الأشعة المقطعية على البطن- تنظير المريء أو تنظير القولون.
ويشمل التشخيص رصد عوامل رئيسية: تاريخ النزيف (متكرر أو حاد)- نزيف في العضلات- نزيف طويل بعد عصا الكعب أو الختان- نزيف جلدي مخاطي- كدمات/ ورم دموي مفرط– إعياء- غزارة الطمث والنزيف بعد العمليات الجراحية أو الولادة (حاملات الإناث)- بورفيرية جلدية واسعة النطاق (الهيموفيليا المكتسبة).
وعوامل الخطر هي: التاريخ العائلي للهيموفيليا (الهيموفيليا الخلقية)- الجنس الذكوري (الهيموفيليا الخلقية)- سن 60 سنة (الهيموفيليا المكتسبة)- اضطرابات المناعة الذاتية- أمراض الأمعاء الالتهابية- مرض السكري- التهاب الكبد- الحمل وفترة ما بعد الولادة- الأورام الخبيثة- اعتلال جامو وحيد النسيلة- استخدام بعض الأدوية (الهيموفيليا المكتسبة).

الوقاية والعلاج

> العلاج الوقائي: تتم الوقاية باستشارة طبية وراثية بشأن مخاطر ولادة طفل مصاب قبل الحمل؛ خصوصاً في العائلات التي تحمل هذا المرض. يتم استخدام بعض الأدوية لمنع نوبات النزيف. وينصح مرضى الهيموفيليا بعدم تناول الأسبرين أو غيره من مضادات الالتهابات غير الاستيرويدية. كما ينصحون باستشارة الطبيب قبل أخذ أي دواء؛ خصوصاً تلك التي تزيد حدة النزيف (مثل: الأسبرين، والإيبوبروفين، والديكلوفيناك)، بالإضافة إلى مضادات الاكتئاب (مثل: الفلوكستين)، ومضادات التجلط وزيادة سيولة الدم (مثل الكلوبيدوجريل والوارفرين).
> علاج بالأدوية: لا يوجد علاج نهائي لهذا المرض؛ لكن يوجد علاج يهدف إلى منع حدوث مضاعفات النزيف؛ خصوصاً نزيف الرأس أو المفاصل. ويشمل العلاج أدوية عامل التخثر المعدلة وراثياً؛ إذ يتم إعطاء هذه الأدوية من خلال أنبوب يثبت على الوريد، ويتم ذلك عادة عن طريق الحقن في وريد الشخص أو تحت الجلد. إن هدف علاج الهيموفيليا هو منع النزيف التلقائي، عن طريق توفير عامل الاستبدال الذي سيحافظ على مستويات نشاط أعلى في نطاق الأشخاص الذين يعانون الشكل المعتدل للمرض. يُعرف هذا النهج بالوقاية الروتينية. هذا الخيار العلاجي له قيود، ومنها الحقن الوريدي المنتظم، واحتمالات حدوث نوبات نزيف اختراقية.
> العلاج الجيني: ضمن آخر الإنجازات الطبية التي تحققت خلال عام 2022 وقبل أسبوعين من نهاية شهره الأخير، ديسمبر (كانون الأول)، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) على العلاج الجيني HEMGENIX (etranacogene dezaparvovec-drlb)، وهو علاج قائم على ناقل الفيروس المرتبط بالغدة (adeno-associated virus vector-based gene therapy) لعلاج البالغين المصابين بالهيموفيليا بي. وهي خطوة مهمة إلى الأمام في علاج الأمراض الوراثية. ويُظهر كثير من التجارب السريرية الجارية لكل من الهيموفيليا إيه وبي نتائج واعدة. يتم إجراء التجارب السريرية للتأكد من أن العلاج الجيني أو أي علاج آخر آمن وفعال ودائم.
هذا العلاج الجيني (HEMGENIX) يُعطَى بالوريد مرة واحدة لعلاج البالغين المصابين بالهيموفيليا بي، والذين يستخدمون حالياً العلاج الوقائي بعامل (9)، أو من يعانون نزيفاً حالياً أو تاريخياً يهدد الحياة، أو لديهم نوبات نزيف تلقائي خطيرة ومتكررة. والعنصر النشط هو الناقل (AAV) المؤتلف؛ حيث يتم وضع جينوم ناقل الحمض النووي في كبسولة، ويحتوي الجينوم على جينة معدلة وراثية بها ترميز التخثر البشري للعامل التاسع.
العلاج الجيني هو العلاج الذي يتم فيه إدخال جينات عاملة جديدة في خلايا الشخص لمحاربة المرض. في حالة الهيموفيليا، تعطي الجينات الجديدة تعليمات للجسم حول كيفية تكوين العامل. هناك أنواع مختلفة من العلاج الجيني، تتضمن: نقل الجينات، وتحرير الجينات، والعلاج الخلوي.
ووفقاً لمؤسسة الهيموفيليا الوطنية (National Hemophilia Foundation)، فقد أظهرت الدراسات الحالية أن مرضى الهيموفيليا الذين يخضعون للعلاج الجيني قد يشهدون زيادة في مستويات العامل لديهم، في بعض الأحيان إلى المستويات الطبيعية. وقد يكونون قادرين أيضاً على تجنب تسريب بعض العوامل لفترة طويلة من الزمن. ومع ذلك، لا تزال الدراسات جارية لتحديد المدة التي ستستمر فيها هذه الفوائد.
كما هو الحال مع كثير من العلاجات والأدوية الأخرى، قد يكون لكل مريض يتلقى العلاج الجيني نتائج مختلفة، ما يعني أن بعض المرضى قد يصلون إلى مستويات عامل أعلى من غيرهم. وتشمل التجارب السريرية القائمة كلا النوعين من الهيموفيليا (إيه، وبي). وفي العلاج الجيني، يتم نقل الجين العامل إلى خلايا الكبد للشخص المصاب بالهيموفيليا. وبمجرد وصول الجين العامل إلى الخلايا، تبدأ الخلايا في إنتاج العامل.
* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

صحتك فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك 7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

يُسوّق البلميط المنشاري بوصفه علاجاً طبيعياً لتضخم البروستاتا، وهو أحد المكملات الغذائية الأكثر مبيعاً.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
يوميات الشرق يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خلايا تولد كأنَّ الذاكرة اختارت أن تتأخَّر في الرحيل (شاترستوك)

«المعمّرون الخارقون» يكشفون عن سرّ الدماغ الذي لا يشيخ

يُعرَّف «المعمّر الخارق» بأنه شخص يبلغ 80 عاماً أو أكثر، ويتمتّع بوظائف إدراكية تماثل شخصاً متوسّط المستوى في منتصف العمر تقريباً...

«الشرق الأوسط» (لندن)

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب
TT

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب. ولذا تُعدّ هذه العناصر في دمك بمثابة مؤشر على صحة قلبك.

نهج استباقي

ويُعتبر إجراء فحوصات الدم لفهم خطر إصابتك بمرض الشريان التاجي نهجاً استباقياً للحفاظ على صحة قلبك. ولذا من المفيد جداً التعاون مع طبيبك لفهم نتائجك وتحديد الخطوات التالية الأنسب.

ونقدم إليك هنا مزيداً من التوضيحات حول تلك الفحوصات القلبية التي يتم التعرُّف عليها من خلال تحاليل الدم:

1. التروبونين: وهو الاختبار الأكثر شيوعاً لتشخيص الإصابة بنوبة الجلطة القلبية. التروبونين Troponin مادة تُفرزها أنسجة القلب عند تعرضها للتلف، وهو ما يحدث في أثناء النوبة القلبية وحالات أخرى تتعرض فيها أنسجة عضلة القلب للتلف بفعل الالتهابات العضلية. والتروبونين مركب بروتيني موجود في عضلة القلب والعضلات الهيكلية، وهو يُنظم انقباضها.

وعند تلف عضلة القلب، تُفرز أنواع محددة من التروبونين القلبي في مجرى الدم، ما يجعل فحص الدم أداة تشخيصية أساسية للنوبات القلبية والإصابات والإجهاد. وترتفع مستويات التروبونين عادة خلال 3-4 ساعات من الإصابة، تبلغ ذروتها خلال 12- 48 ساعة، وقد تبقى مرتفعة لمدة أسبوع إلى أسبوعين. ولذا فإن الغرض من إجراء تحليل التروبونين هو قياس مدى حصول تلف في أنسجة عضلة القلب، وخصوصاً في قسم الطوارئ لتشخيص سبب الشكوى من ألم الصدر، الذي من أسبابه القلبية كل من: احتشاء عضلة القلب (نوبة الجلطة القلبية Myocardial Infarction)، والذبحة الصدرية غير المستقرة Unstable Angina، والتهاب عضلة القلب Myocarditis.

ولذا، فإن الأعراض التي تستدعي إجراء الفحص تشمل ألماً في الصدر، وضيقاً في التنفس، ودواراً، وغثياناً، وألماً ينتشر إلى الذراعين أو الظهر أو الرقبة. ويقوم الطبيب بتفسير النتيجة وفق حالة المريض. وفي حين أن المستويات المرتفعة جداً غالباً ما تشير إلى نوبة قلبية، فإن الارتفاعات المتوسطة قد تنتج عن انسداد الجلطة في الشرايين الرئوية Pulmonary Embolism، أو أمراض الكلى المزمنة، أو تسمم الدم بالالتهابات الميكروبية (الإنتان)، أو إنها نتيجة ممارسة التمارين الرياضية الشاقة. ولذا يتطلب ارتفاع التروبونين إجراء مزيد من التقييم لشرايين القلب، لتحديد ما إذا كان الضرر ناتجاً عن متلازمة الشريان التاجي الحادة Acute Coronary Syndrome أو عوامل أخرى.

2. تحليل الدم دي-دايمر D-DIMAR: ودي-دايمر هي بالأساس بروتينات معينة في الدم يتم فحص مستواها لاستبعاد حصول بعض اضطرابات التخثر الدموي، أي استبعاد وجود جلطة دموية خطيرة. وهي بالأساس شظايا من المركَّبات الكيميائية التي ترتفع نسبتها في الدم عند تحلل خثرة الجلطة الدموية. ولذا قد ترتفع مستويات دي-دايمر في الدم إذا كنت تعاني من جلطة كبيرة داخل أحد الأوعية الدموية الكبيرة في «داخل» الجسم، مثل تخثر جلطة الأوردة العميقة، وهي جلطة في الأوردة العميقة التي في الساقين أو الفخذين، ويمكن أن تؤدي إلى مشكلات خطيرة في الرئة إذا انتقلت مع الدم إلى الأوعية الدموية في الرئة (جلطة الانسداد الرئوي).

وحينما يستقبل الطبيب حالة تتضمن تورماً وألماً واحمراراً في إحدى الساقين أو الفخذين (يشتبه بجلطة أوردة عميقة)، أو حالة من الشكوى من صعوبة في التنفس مع سرعة نبضات القلب وألم في الصدر وسعال وانخفاض في نسبة الأكسجين في الدم (يشتبه بجلطة الانسداد الرئوي)، فإن الطبيب ضمن الفحوصات التي يطلبها آنذاك، قد يطلب تحليل الدم لمعرفة مستوى دي-دايمر. وإذا كانت النتيجة منخفضة أو طبيعية، فهذا يعني أن دمك يحتوي على مستويات منخفضة من بروتين دي-دايمر. ولذا فمن «غير المُرجح» أن تكون مصاباً باضطراب تخثر في مكان ما من جسمك. وإذا كانت النتيجة مرتفعة أو إيجابية، فهذا يعني وجود مستويات عالية من بروتين دي-دايمر في دمك. وسيحتاج الطبيب حينئذ إلى إجراء مزيد من الفحوصات والتصوير لمعرفة ما إذا كانت ثمة جلطة دموية، ومكانها، وسببها.

ومع ذلك سيُراعي الطبيب احتمالات وجود حالات وعوامل قد تؤثر على نتائج اختبار دي-دايمر؛ حيث من الممكن أن يكون مستوى دي-دايمر مرتفعاً دون وجود جلطة دموية. أو قد تكون النتيجة المرتفعة أيضاً نتيجة التقدم في السن، أو الحمل، أو وجود عدوى ميكروبية في الجسم، أو أمراض مزمنة في الكبد، أو ارتفاع مستوى الكوليسترول والدهون في الدم، أو تناول أدوية ترفع من نسبته في الدم، مثل الأدوية المضادة للصفيحات مثل الأسبرين، وكلوبيدوغريل (بلافيكس)، وبراسوغريل (إفيينت)، وتيكاجريلور (بريلينتا).

مؤشرات خطر

3. الكوليسترول والدهون الثلاثية: توصي النصائح الطبية ببدء إجراء تحليل الدم لفحص الكوليسترول بين سن 20 و35 عاماً، وذلك اعتماداً على عوامل الخطر الخاصة بك للإصابة بأمراض القلب. ولذا يجب إجراء اختبار الكوليسترول المتكرر أو إجراء مراقبة إضافية أخرى:

- إجراء الاختبار مرة كل 5 سنوات للرجال الذين لديهم مستويات كوليسترول طبيعية.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا حدثت تغييرات في نمط الحياة (بما في ذلك زيادة الوزن والنظام الغذائي).

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تعاني من مرض السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب، أو السكتة الدماغية، أو مشكلات تدفق الدم في الساقين أو القدمين أو بعض الحالات الأخرى.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تتناول أدوية للتحكم في ارتفاع الكوليسترول.

ويقدم تحليل الدم المعتاد للكوليسترول والدهون، نتائج 4 عناصر، هي:

- الكوليسترول الثقيل HDL: وهو الكوليسترول الحميد؛ لأنه كلما ارتفع في الدم انخفضت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الكوليسترول الخفيف LDL: وهو الكوليسترول الضار؛ لأنه كلما ارتفع في الدم، ارتفعت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الدهون الثلاثية TG: وعند ارتفاعها مع ارتفاع الكوليسترول الخفيف أو انخفاض الكوليسترول الثقيل، ترتفع احتمالات تراكم الكوليسترول والدهون في جدران الشرايين.

- الكوليسترول الكلي TC: وهو محصلة قياس تلك العناصر الثلاثة في نتائج تحليل الكوليسترول.

وفي تقييم عموم الناس، يُجرى تحليل الدم للكوليسترول دون الحاجة للصوم Non-Fasting. ولكن في متابعة مرضى الشرايين القلبية، والمرضى الذين يعانون من متلازمة التمثيل الغذائي Metabolic Syndrome (عند وجود 3 من المؤشرات التالية: زيادة محيط البطن- ارتفاع الدهون الثلاثية- انخفاض الكوليسترول الثقيل- ارتفاع ضغط الدم- ارتفاع السكر A=في الدم) أو مرض السكري، أو مرضى اضطرابات الكوليسترول، يجب أخذ عينة الدم للتحليل بعد الصوم (لمدة تتراوح ما بين 9 و12 ساعة).

4. الببتيد الدماغي المدر للصوديوم BNP: وهذا نوع من البروتينات التي ينتجها القلب والأوعية الدموية، ويُعرف أيضاً بـ«النوع (بي) من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم». والأساس في عمله أنه يساعد الجسم على التخلص من السوائل المتراكمة فيه، وكذلك على إرخاء الأوعية الدموية، وتسهيل نقل الصوديوم إلى البول (كي يسحب معه مزيداً من الماء الخارج في سائل البول).

وفي حال تضرر القلب -وخصوصاً ضعف قوة القلب- يفرز الجسم نِسَباً عالية من النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في مجرى الدم، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط على القلب. ويتمثل أحد أهم استخدامات فحص النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في محاولة تحديد ما إذا كان ضيق النَّفَس ناجماً عن فشل القلب أم لا.

تختلف مستويات النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم حسب السن ونوع الجنس والوزن. وبالنسبة للأشخاص المصابين بفشل القلب، يمكن أن يكون إرساء قيمة قاعدية للنوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم نافعاً جداً. وبالتالي، يمكن للاختبارات المستقبلية أن تساعد على تقدير مدى نجاح العلاج، أو مدى الانتكاس في التحكم في تداعيات حالة ضعف القلب. وأهم تلك التداعيات هو تراكم كثير من السوائل في الجسم، وخصوصاً الرئتين والساقين.

أدوات تشخيصية أساسية للنوبات القلبية أو وجود جلطة دموية خطيرة

رصد الالتهابات

5. البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية us-CRP: وهو بروتين يفرزه الكبد ضمن استجابة الجسم للإصابة أو العدوى. وتؤدي هذه الاستجابة إلى حدوث تورُّم داخل الجسم يُطلق عليه الالتهاب. ويؤدي الالتهاب دوراً رئيسياً في تراكم اللويحات (المحتوية على الكوليسترول والدهون) في الشرايين القلبية، مسبباً ما يُطلق عليه مرض تصلب الشرايين الذي من مظاهره تضيقات الشرايين القلبية وتداعياتها. ويساعد اختبار تحديد معدل البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية في تحديد مدى خطر الإصابة بأمراض القلب، قبل ظهور الأعراض بشكل واضح لدى المريض.

ويرتبط ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية والأمراض القلبية.

ولكن قد تُسبب أشياء عدة (مثل الإصابة بنزلة زكام، أو الركض لمسافة طويلة) ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» لفترة وجيزة. ولذا، ينبغي إجراء الاختبار مرتين، على أن يفصل بينهما أسبوعان. ويُشير ارتفاع مستوى البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية عن 2.0 ملِّيغرام لكل لتر (ملغم/ لتر) إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

6. تحاليل أخرى: في حالات معينة، قد يطلب الطبيب إجراء تحليل الدم لوظائف الغدة الدرقية TSH، عند الشكوى من الخفقان أو تراكم السوائل حول القلب.

كما قد يطلب تحليل تراكم السكر في الهيموغلوبين HbA1c، لمعرفة مدى انضباط مستويات سكر الدم لدى مرضى السكري.

وقد يطلب الطبيب قياس مستويات السيراميد Homocysteine في الدم الذي قد يرتبط ارتفاعه بتصلب الشرايين. وأيضاً يتابع طبيب القلب نتائج تحليل وظائف الكلى؛ خصوصاً عند وصفه للمريض أدوية إدرار البول.

وفي حالات المرضى الذين يتلقون دواء منع تجلط الدم، مثل الوارفارين، يتابع الطبيب نتائج تحليل نسبة التخثر الدولية INR لتحديد الجرعة المناسبة من هذا الدواء.وأيضاً إجراء تحليل الدم CBC لمعرفة نسبة الهيموغلوبين ومدى وجود فقر الدم.

وينظم فيتامين «دي» مستويات الكالسيوم والفوسفات في الجسم. ولكن ترتبط المستويات المنخفضة من فيتامين «دي» بمخاطر متنوعة على صحة القلب. كما قد تشير المستويات المنخفضة إلى صعوبة تحمل أدوية الستاتين (أدوية خفض الكوليسترول) وإلى احتمال ارتفاع ضغط الدم.


لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟
TT

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

كشفت دراسة جديدة لباحثين من كلية الطب بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، ونُشرت في 9 فبراير (شباط) الحالي في مجلة علم الأعصاب «Journal of Neuroscience»، عن احتمالية أن يكون السبب في صعوبة تعلم الرياضيات math راجعاً إلى أسباب عصبية في الأساس تؤدي إلى اختلاف الطريقة التي يعمل بها المخ في كل طفل.

«عُسر الحساب»: مشكلة شائعة

من المعروف أن صعوبة تعلم الرياضيات تُعد من المشكلات الشائعة في التعليم، وعلى وجه التقريب في معظم المجتمعات، تعاني نسبة من السكان تتراوح بين 3 إلى 7 في المائة من صعوبة تعلم مادة الرياضيات، أو ما يُسمى عسر الحساب dyscalculia، الذي يشمل صعوبات في فهم ومقارنة الكميات، وتعلم العدّ، وفهم رموز الأرقام، وتعلم المهارات الرياضية المختلفة مهما كانت بسيطة.

أوضح الباحثون أن القدرة على حل المسائل الرياضية، والتعامل مع الأرقام يحتاجان إلى مهارات عصبية متعددة، مثل المعالجة البصرية (من خلال إرسال الإشارات إلى المخ لترجمة الأرقام إلى كميات معينة، وأيضاً ترجمة الرموز المختلفة، مثل الجمع، والطرح، والضرب)، والذاكرة قصيرة المدى (للاحتفاظ بتفاصيل المسألة الرياضية أثناء حلها).

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 87 طفلاً من أطفال الصفين الثاني والثالث في المدارس الأميركية يتراوح متوسط أعمارهم بين 7 و9 أعوام. ومنهم 34 طفلاً يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات، إذ حصلوا على متوسط درجات أقل من أقرانهم بشكل ملحوظ في اختبار لقياس قدرة الطالب العادي على حل المسائل الرياضية. أما بقية الأطفال الآخرين فقد حصلوا على درجات أعلى، مما يشير إلى قدرة طبيعية على تعلم الرياضيات.

اختار الباحثون مهمة معينة لاختبار القدرة على التعامل مع الأرقام، حيث طُلب من الأطفال إكمال سلسلة من المقارنات البسيطة لحل مسائل حسابية، وفي كل محاولة تتم المقارنة بين كميتين، وكان عليهم تحديد أي الكميتين أكبر، وذلك لتقييم الاختلافات في نشاط المخ أثناء تعاملهم مع الأرقام، وتم عمل أشعة رنين مغناطيسي لكل الأطفال المشاركين، لرصد نشاط المخ أثناء قيام الأطفال بحل المسائل.

في كل محاولة كانت الكميات تُعرض بشكل مختلف، وعلى سبيل المثال تُعرض على صورة أرقام مكتوبة، وفي أحيان أخرى كانت تُعرض على شكل مجموعات من النقاط، ما يتطلب من الطفل تقدير المجموعة التي تحتوي على عدد أكبر من العناصر بسرعة. وكان هدف العلماء من التبديل بين مجموعة الأرقام ومجموعات النقاط تقييم قدرة الطفل على التعامل مع الحسابات، وتوقع الإجابة بمجرد الرؤية.

قام الباحثون بتصميم المسائل بحيث تتضمن مسائل سهلة (التي يوجد بها فارق كبير بين الأرقام، وبالتالي تكون الإجابة واضحة، مثل 7 مقابل 2)، وأخرى صعبة (التي يوجد بها فارق بسيط يفصل بين الأرقام مثل 6 مقابل 7)، وبالتالي تكون الإجابة أكثر صعوبة.

دراسة أداء الأطفال

بدلاً من التركيز فقط على صحة الإجابات، أو خطئها، ركز الفريق البحثي على معرفة الكيفية التي تغير بها أداء كل طفل، في المحاولات المختلفة، عن طريق مراقبة هل يقوم الطفل بتعديل أسلوبه بعد ارتكاب الأخطاء من عدمه؟ ومدى حرصه على تحديد الرقم الأكبر، سواء في المسائل السهلة، أو الصعبة، ومدى سرعة اكتشافه لأخطائه، وإبطاء وتيرة الحل في المسألة التالية بعد ارتكاب الخطأ، وهي كلها أمور أساسية في تعلم الرياضيات، أو التعامل مع الأرقام بشكل عام.

وفي المسائل المتعلقة بالرموز العددية، كان الأطفال من ذوي القدرات الرياضية الطبيعية أكثر تباطؤاً عند إجراء المقارنات الصعبة بين الأرقام المتقاربة، مقارنة بالمقارنات السهلة. وفي المقابل لم يقم الأطفال الذين يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات بتغيير طريقة تفكيرهم بنفس القدر أثناء حل المسائل، بمعنى أنهم لم يحاولوا التباطؤ، أو تغيير سلوكهم في المسائل الصعبة، وبالتالي ساهم ذلك في ارتكابهم للأخطاء.

أظهرت النتائج نمطاً ثابتاً للمجموعتين، حيث كان الأطفال الذين يواجهون صعوبة في الرياضيات أقل ميلاً لتغيير طريقة حلهم بعد الخطأ في حل المسألة، حتى عندما ارتكبوا أنواعاً مختلفة من الأخطاء، ولم يقوموا بتغيير طريقة تفكيرهم استجابة لهذه الأخطاء. وكانت هذه الصعوبة في تعديل السلوك بمرور الوقت فرقاً جوهرياً بين الأطفال ذوي القدرات الرياضية الطبيعية، والذين يواجهون صعوبات في تعلم الرياضيات.

وأوضحت فحوصات أشعة الرنين المغناطيسي أن الأطفال الذين واجهوا صعوبة أكبر في تعلم مادة الرياضيات أظهروا نشاطاً أضعف في المناطق المسؤولة عن مراقبة الأداء، وتعديل السلوك في القشرة المخية، وفي الأغلب ترتبط هذه المناطق العصبية بالتحكم المعرفي، ما يعني القدرة على تقييم الأخطاء، وتغيير طرق التفكير، والمساعدة في اتخاذ القرارات، والتحكم في الاندفاع، والتكيف مع المعلومات الجديدة.

تشير النتائج إلى أن صعوبات الرياضيات قد لا تنبع فقط من مشكلات في مجرد التعامل مع الأرقام، بل قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في مراجعة عمليات تفكيرهم أثناء حلّهم للمسائل، لأن القدرة على إدراك الخطأ وتجربة أسلوب جديد تُعد أمراً أساسياً في حل المسائل الرياضية.

في النهاية، أكد الباحثون على ضرورة الاهتمام بمشكلة صعوبة تعلم الرياضيات على وجه التحديد، وعدم التعامل معها كما لو كانت مجرد تراخٍ، وإهمال دراسي، خاصة في الطفولة المبكرة، لأن مخ الأطفال لا يزال في طور النمو، ما يُتيح لهؤلاء الأطفال اكتساب المهارات، وتطوير القدرات اللازمة للتكيف مع هذه الحالة من خلال برامج تعليمية فردية.

• استشاري طب الأطفال


حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
TT

حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته

في عيادة أسنان رقمية حديثة، تظهر صورة أشعة جانبية للأسنان الخلفية على الشاشة. وخلال ثوانٍ، يحدد النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي منطقة مظللة ويعرض تقديراً رقمياً: «احتمال تسوّس 87 في المائة». وفي تلك اللحظة القصيرة، يتحول الرقم من نتيجة تحليل بصري إلى عنصر مؤثر في القرار العلاجي.

لم يعد التشخيص قائماً على قراءة الطبيب وحده، بل أصبح نتيجة تفاعل بين الخوارزمية والخبرة السريرية والسياق الصحي للمريض. وهنا لا نتعامل مع أداة تشخيصية إضافية فحسب، بل مع تحول هادئ في بنية اتخاذ القرار داخل العيادة.

بماذا تخبرنا أبحاث 2026؟

شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في استخدام نماذج التعلم العميق لتحليل الصور الشعاعية للأسنان، ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «المراجعة اليابانية لعلم الأسنان» (Japanese Dental Science Review)، أظهر باحثون أن أنظمة تعتمد على التصوير بالهواتف الذكية المدعوم بالذكاء الاصطناعي استطاعت تحسين معدلات كشف التسوّس، خصوصاً في البيئات محدودة الموارد الصحية.

غير أن الدراسة نفسها أشارت إلى أن الأداء التشخيصي لا يعتمد على الخوارزمية وحدها، بل يتأثر بجودة الصورة، ومستوى الإضاءة، ونوع الجهاز المستخدم، وخبرة من يلتقط الصورة. وهو ما يؤكد أن الدقة المعلنة ليست قيمة ثابتة، بل نتيجة تفاعل معقد بين التقنية والبيئة السريرية.

وفي دراسة حديثة اخرى نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) الصادرة عن مجموعة «نيتشر»، حذّر باحثون من «يونيفرسيتي كوليدج لندن» من الاعتماد غير المشروط على نماذج تحليل الصور الطبية دون مراقبة مستمرة لأدائها بعد التطبيق السريري، مؤكدين أن فاعلية الأنظمة قد تتغير مع اختلاف السكان وأنماط المرض.

تحوّل التوزيع: التحدي الصامت

يصف علماء الذكاء الاصطناعي هذه الظاهرة بما يُعرف بتحول التوزيع (Distribution Shift)، حيث يتعلم النموذج من بيانات ذات خصائص محددة، ثم يُستخدم لاحقاً في بيئات تختلف من حيث الأجهزة أو خصائص المرضى أو انتشار الأمراض.

قد يُدرَّب النظام على صور عالية الجودة في مركز أكاديمي متقدم، ثم يُستخدم في عيادة مجتمعية بإمكانات تصوير مختلفة. في هذه الحالة، قد تنخفض الدقة تدريجياً دون ظهور إنذار واضح، مما يجعل الخطأ يتسلل بصمت إلى الممارسة اليومية.

الخطر هنا لا يكمن في الخطأ المفاجئ، بل في الثقة المستمرة بنظام تغيّر أدائه دون أن نلاحظ.

حين تحاط الخوارزميات بسياج الأخلاق

انحياز البيانات وعدالة التشخيص

تناولت مراجعات حديثة في «مجلة طب الأسنان البريطانية المفتوحة» (BDJ Open) قضية انحياز البيانات في أنظمة كشف التسوّس. فالخوارزميات تتعلم مما يُقدَّم لها؛ وإذا جاءت بيانات التدريب من مجموعات سكانية محدودة، فقد لا يكون الأداء متكافئاً عند تطبيقها على مجتمعات مختلفة.

وهنا يظهر سؤال أخلاقي جوهري: هل يحصل جميع المرضى على جودة تشخيص متساوية؟ أم أن الفوارق غير المرئية داخل البيانات قد تعيد إنتاج تفاوتات صحية قائمة؟

الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على توسيع الوصول إلى الرعاية، لكنه قد يعكس تحيزاتنا البشرية إن لم يُصمم ويُختبر بعناية.

الصندوق الأسود ومسؤولية الطبيب

لا يزال كثير من نماذج التعلم العميق تعمل بوصفها «صناديق سوداء»، تقدم توصيات دون تفسير واضح لمسار القرار. وعندما يشير النظام إلى تسوّس غير موجود أو يفشل في اكتشاف آفة مبكرة، تبقى المسؤولية المهنية والقانونية في نهاية المطاف على عاتق الطبيب.

إن دخول الخوارزمية إلى صلب القرار لا يلغي الحكم السريري، لكنه يعيد توزيع مصادر النفوذ المعرفي داخل العيادة، مما يجعل الحاجة ملحّة لتطوير أنظمة تفسيرية تدعم القرار البشري بدل أن تستبدله.

مَن يتحمل الخطأ عندما تصمت الخوارزمية؟

الخطر ليس في الخطأ... بل في التصميم

الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس منافساً للطبيب، بل أداة قد تعزز دقة التشخيص وتحسن الوصول إلى الرعاية. غير أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تُعامل نتائج الدراسات بوصفها ضماناً مطلقاً للأداء في كل سياق سريري.

ما نحتاج إليه ليس خوارزمية معصومة، بل منظومة تجعل الخطأ مرئياً، وحدود الاستخدام واضحة، وآليات المراجعة مستمرة.

إن القرار العلاجي يظل فعلاً إنسانياً يتحمل تبعاته من يتخذه، عندما تصبح التقنية شريكاً وليس بديلاً.

يبقى التسوّس مرضاً بيولوجياً، لكن التعامل معه قرار سريري وأخلاقي في آن واحد. والذكاء الحقيقي لا يتمثل في الثقة العمياء بالخوارزمية، بل في القدرة على استخدامها بوعي نقدي، ومعرفة متى نتفق معها... ومتى نعيد النظر في توصياتها.. في النهاية، قد تقرأ الآلة الصورة بدقة متزايدة، لكن مسؤولية فهم الإنسان الذي خلف الصورة ستبقى مهمة الطبيب.