على أبواب التسعين... يوسا ينفصل عن صديقته

على أبواب التسعين... يوسا ينفصل عن صديقته

الأربعاء - 11 جمادى الآخرة 1444 هـ - 04 يناير 2023 مـ رقم العدد [ 16108]

«أكاد لا أصدق ما ينتابني من مشاعر كل ليلة منذ أن هجرت زوجتي. أفكر فيها، وأغرق في متاهة الندم. أعتقد أني ارتكبت شراً واحداً في حياتي، وهو أني هجرت كارمنسيتا لأذهب مع امرأة لم تكن تستحق ذلك... أفكر فيها كل ليلة وأتوسل منها الصفح عما فعلت».
هذا ما «يقوله» ماريو فارغاس يوسا في قصة قصيرة صدرت له عام 2021 بعنوان «الرياح»، يروي فيه حكاية رجل على أعتاب خريف عمره، يتملكه شعور بالخيبة والندم لهجرته زوجته، والارتماء في أحضان امرأة أخرى. ويتابع يوسا على لسان بطل القصة قائلاً: «لم أعد أذكر اسم تلك التي لأجلها هجرت كارمنسيتا. لم أحبها أبداً، وما كان بيننا هو عشق عنيف وعابر، ضرب من الجنون الذي يقلب حياتك رأساً على عقب. ولأني فعلت ما فعلت، تدمرت حياتي وما عدت أعرف طعم السعادة... لم يكن عشقاً نابعاً من أعماق الفؤاد، بل من أحشاء الرغبة التي انطفأ جمرها اليوم».
عندما صدرت «الرياح» لصاحب «أحاديث في الكاتدرائية» و«عرس التيس»، لم تنتبه جماهير قراء يوسا إلى ما كانت تعكسه تلك القصة عن الحالة التي كان يمر بها، لكن المقربين منه شعروا أنها تحمل رسالة واضحة تعبر عن الملل الذي كان قد بدأ يشعر به بعد سبع سنوات من المساكنة مع إيزابيل بريسلير، التي لأجلها هجر زوجته وهو على أبواب الثمانين.
ويوم استقبل يوسا «الشرق الأوسط» في دارة إيزابيل مطالع سبتمبر (أيلول) الفائت لإجراء حديث مطول معه توطئة لمباشرة نشر مقالاته في الصحيفة، حاولت أن أستفسر منه عن مشارب ذلك الكتاب الذي كنت قد قرأته بعيد صدوره ثم أعدت قراءته قبل المقابلة، فابتسم وطلب بدماثته المعهودة أن نقصر الحديث على المواضيع التي تم الاتفاق على خطوطها العريضة.
كنت يومها على يقين من أن ثمة غيوماً تتلبد في سماء تلك العلاقة التي من بدايتها كانت موضع اهتمام واسع في الأوساط الاجتماعية والأدبية الإسبانية. ماريو فارغاس يوسا، أشهر الأدباء الأحياء في أميركا اللاتينية، المتوج بنوبل للآداب، الذي تتهافت الأوساط الثقافية والفكرية على كتاباته ومحاضراته، والذي كان قد قرر الانتقال للعيش في مدريد بعد أن منحته إسبانيا الجنسية الفخرية وفتحت له أبواب الأكاديمية الملكية للغة، عزم على أن يهجر زوجته لأجل عيني إيزابيل بريسلير، أيقونة المجتمع المخملي الإسباني منذ عقود بلا منازع.
في «سجل» إيزابيل، إلى جانب أناقتها المشهودة، وجمالها الهادئ الذي يحمل مسحة الشرق الأقصى (ولدت في الفلبين منذ 71 عاماً)، أنها كانت الزوجة الأولى للمطرب الإسباني الشهير خوليو إيغليزياس وأم أولاده الذين لا يقلون عنه شهرة، ثم زوجة ميغيل بوير أشهر وزراء الاقتصاد الإسبان، الذي قيل إنه حاول الانتحار مرتين بسببها، وبعده زوجة أحد كبار الأرستقراطيين الإسبان الأثرياء، قبل أن «تضم» ماريو فارغاس يوسا إلى قائمة فتوحاتها الغرامية.
والشواهد في «الرياح» كثيرة على أن ثمة عاصفة كانت على وشك الهبوب في العلاقة بين يوسا وإيزابيل. إشارات كثيرة إلى زوجته السابقة باتريسيا التي له منها أولاده الثلاثة. فاسمها الأول هو كارمن، وتصغيره للتحبب كارمنسيتا كما اعتاد أن يناديها. وانتقادات لا تحصى للمجتمع المخملي الذي تنتمي إليه إيزابيل، وتتربع على عرشه ملكة غير متوجة منذ سنوات، حيث يستحيل أن تصدر المجلات الاجتماعية الأسبوعية من غير أن تكون على غلاف واحدة منها في الأقل.
يقول في مقطع آخر: «من المستحيل التمتع بحفلة موسيقية، أو أوبرا، أو حتى مسرحية خفيفة، محاطاً بناس لا يكفون عن النقر على هواتفهم ولوحاتهم الإلكترونية». ثم يقول، «يخطر لي أحياناً أن حياتي صارت تسري فيما يجري حولي، ولم أعد أميز بين الثقافة الحقيقية وما يشبه للناس بأنه ثقافة في هذا العالم الصاخب المجنون». وفي نهاية القصة، يتمكن بطلها من الهرب واللجوء إلى شقته القديمة في شارع «فلورا»... حيث المنزل الذي سكنه يوسا لسنوات مع زوجته كارمن باتريسيا يوسا في مدريد.
ويقول مقربون من الكاتب إن الأزمة في العلاقة مع إيزابيل تعود، في الأقل، لعام 2020 الذي وضع فيه «الرياح»، وإنها ليست وليدة خلافات حديثة، بل هي «النهاية الطبيعية لسلسلة من الشكوك والندم وعدم الارتياح، تعتمل منذ سنوات»، كما تقول سيدة مقربة من الاثنين. الخبر الأول عن نهاية العلاقة صدر عن إيزابيل في تصريح إلى مجلة «Hola» التي تصدرت غلافها عشرات المرات، حيث قالت: «أنا وماريو قررنا إنهاء علاقتنا بشكل نهائي، ولا أريد الإدلاء بأي تصريح آخر». في المحيط الضيق حول يوسا كانوا يرددون منذ فترة أنهما ينتميان إلى عالمين مختلفين تفصل بينهما هوة سحيقة: هو مهتم بالثقافة، وهي مهتمة بالاستعراض. ويقول آخرون إن الكاتب كان يشعر منذ فترة بأن صورته تحولت إلى قطعة تزين الحفلات واللقاءات الاجتماعية التي تنظمها إيزابيل أو تدعى إليها.
ولا شك في أن يوسا كان قد استسلم لمغريات هذا المجتمع الذي طالما انتقده بشدة، خصوصاً في بحث مطول له بعنوان «حضارة الاستعراض»، وكان يقول إنه يخضع لجلسات التصوير بجانب إيزابيل «حباً لها»، لكنه لا يعرف طريقة للتنصل من ذلك. وبعد أن كان يصف صحافة المغامرات العاطفية وأخبار المشاهير بأنها «تفتقر إلى القيم الجمالية، ويسيطر عليها كرنفال الدجالين»، صار يقول عندما بدأت علاقته مع إيزابيل: «إنها ظاهرة ثقافية في هذا العصر. ثمة ملايين من البشر يسعون وراء ما يدفعهم إلى الحلم. في الماضي هذا ما كانت توفره لهم الرواية والشعر، أما اليوم فتوفره هذه الصحافة بقدر هائل من الموهبة».


Art

اختيارات المحرر

فيديو