غياب التنافس يعوق تحويل الأدب السردي إلى مُنتَج درامي عربي

مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»
مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»
TT

غياب التنافس يعوق تحويل الأدب السردي إلى مُنتَج درامي عربي

مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»
مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»

أكثر من مائة وثلاثين رواية وكتاباً «كوميكس» وروايات مُصَوَّرة وكتبٍ عن أحداث حقيقية وجرائم، تتحول إلى مسلسلات درامية ستبثها شبكات التلفزيون التقليدية (تلفزيون الكيبل) ومنصات البث التدفقي الأميركية، وفقاً لتقرير نُشر في موقع «الطماطم الفاسدة».
دشنت منصة البث التدفقي «هولو» هذه القائمة الطويلة من المسلسلات بعرض الموسم الأول من مسلسل «أقرباء (Kindred)» في الثالث عشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي. المسلسل تكييف وإعداد عن رواية «أقرباء» (1979) لكاتبة الخيال العلمي، الروائية أوكتافيا إِ. بتلر. تتبعها «نتفلكس» في الرابع من يناير (كانون الثاني) 2023 بمسلسل باللغة الإيطالية عن رواية بالعنوان نفسه صدرت في عام 2019 للروائية الإيطالية إيلينا فيرانتي، وترجمها إلى العربية معاوية عبد المجيد، وصدرت عن «دار الآداب» في بيروت في 2020.
وتفصل ساعات قليلة بين مسلسل «نتفلكس» ومسلسل «ساحرات مايفير» لشبكة «إي إم سي»، الذي يبدأ عرضه في الخامس من الشهر نفسه. وستتوالى العروض الجديدة خلال عام 2023.
مائة وثلاثون مسلسلاً وزيادة، مقتبسة ومستلهمة من كتب... عدد كبير ومدهش بضخامته حتى بالمعايير الأميركية، فما بالك عندما ينظر إليه بعيون من يعيشون في واقع تُنَظَّمُ فيه الندوة بعد الندوة، وتُنْشَرُ المقالة تلو الأخرى، التي تناقش ضعف الإقبال، أو بالأحرى عزوف منتجي الدراما وصُنّاع الأفلام عن الأعمال السردية المحلية أو العربية، باعتبارها مواد جاهزة ومتوفرة للتكييف والإعداد للإنتاج الدرامي التلفزيوني أو السينمائي.
يكمن وراء تدافع وإقبال شبكات التلفزة الأميركية غير المسبوقين كَمياً عوامل عدة في مقدمتها، من وجهة نظري، التنافس الشديد والمحموم بينها على الظفر بأكبر عدد ممكن من المشاهدين والمشتركين في الداخل وعبر العالم، خصوصاً من جانب منصات البث التدفقي متعدد وسائط الإرسال والاستقبال. وتلعب عوامل أخرى كالإمكانات المادية والخبرات الفنية والتقنية والتطورات التكنولوجية دوراً حاسماً يذكي روح المنافسة ويطيل أمدها.
تظهر هذه المنافسة بأنصع حالاتها في حرص تلك الشبكات على إغراء الزبائن المشتركين والمشاهدين من كل الفئات العمرية (الأطفال، والمراهقين، والكبار)، ومن الشرائح الاجتماعية والعرقية المختلفة؛ وعلى تقديم ما يرضي ويشبع الرغبات والميول لدى المشاهدين المستهدفين والمحتملين، كما تظهر في تعدد أنواع الأعمال السردية التي حُوِّل بعضها إلى أعمال درامية بدأ عرضها، والبعض الآخر في مرحلة التحضير أو الإنجاز: دراما، أو دراما/ كوميديا «dramedy»، ومسلسلات إثارة وتشويق، ورعب وغموض وتاريخية... إلخ، منتقاة من فترات زمنية وثقافات مختلفة.
أعتقد أنه بالإمكان إضافة هذا التنافس غير المسبوق إلى الملامح المميزة لصناعة الدراما في القرن الواحد والعشرين، الذي تعيش فيه الدراما عصرها الذهبي الثالث، حسب إيمي إم. داميكو، وسارا إِ. كِويي في كتابهما الموسوم «الدراميات التلفزيونية في القرن الواحد والعشرين: استكشاف العصر الذهبي الجديد، 2016». إنه، في حقيقة الأمر، تَنافسٌ ينتج عنه تنافسٌ آخر، فالتنافس على المُشَاهِد يُوَلِّدُ تنافساً على الأعمال الأدبية السردية وتسابُقاً إليها، وإلى أي كتب أخرى يمكن استغلالها واستثمارها في صناعة أعمال درامية. فما الذي يدفعُ شبكةً ما إلى الرجوع للقرن الثامن عشر، إلى رواية «توم جونز» للروائي الإنجليزي هنري فيلدنغ، أو شبكات أخرى إلى شراء الحقوق الفكرية لروايات هندية، وإيطالية، أو لروايات فازت بجوائز أو حققت أرقام مبيعات مرتفعة؟ ليس سوى التنافسِ محركاً لهذا التسابق إلى النص الأدبي.
وأعتقد أيضاً أن التنافسَ، أو بالتعبير الصحيح والدقيق غياب التنافس، أحد المفاتيح إلى فهم ظاهرة مجافاة الدرامي للمنجز الإبداعي السردي محلياً، وحتى عربياً، فليس الحال أفضل في المنطقة العربية كلها. وستستمر المجافاة ما دام التنافسُ مستمراً في غيابه؛ وإن كان هذا لا يحول دون حدوث الاستثناء بمشروعات قليلة ومتباعدة زمنياً لتحويل بعض الروايات والقصص إلى مسلسلات أو أفلام. فعلى المستوى المحلي، على سبيل المثال، شهدنا في 2020، تحويل ثلاثية «ضرب الرمل» للروائي السعودي محمد المزيني إلى مسلسل «ضرب الرمل»، لكن لسوء الحظ، عُرِضَ «ضرب الرمل» على شاشة قناة لا أظنها تستطيع الادعاء بأنها تحظى بدرجةِ مُشَاهَدَةٍ عالية. لكنها كانت خطوة جديرة بالتقدير والالتفات إليها عند التحدث أو البحث في موضوع الرواية والقصة القصيرة في السعودية على الشاشتين الصغيرة والكبيرة. أما على المستوى العربي، فالوضع ليس مختلفاً تماماً وليس وردياً كما يقال، فالتنافسُ على النص الأدبي معدوم تماماً. ويمكن القول إن شبكة «إم بي سي» السعودية تنفرد في ميدان الإنتاج والبث دون منافسٍ يشكل وجوده تحدياً لها؛ فهي المنتج الأقوى حالياً، والمنصة الأولى بكثافة البث الدرامي بغض النظر عن الكيف والجودة.
وليس ثمة ما يدل، أيضاً، على احتمال اهتمامها والتفاتها، بشكل كبير، إلى الرواية والقصة في السعودية، أو في الوطن العربي مصدراً لموضوعات وثيمات لمشروعات درامية. وهذا ما يثير الاستغراب من شبكةٍ أنتجت وعرضت من البرامج ما يؤكد ميلها إلى محاكاة التلفزة الأميركية واستنساخ برامجها، لكنها لم تبادر، لأسباب غير واضحة، إلى المتح من معين الأدب السردي العربي، وإن على سبيل الاقتداء بالشبكات الأميركية، كما فعلت في تقديم نُسَخٍ من برامج أميركية مثل مسابقات المواهب، والمسابقات المعلوماتية، أو في تجربة مسلسل «الميراث»، وأخيراً المسلسل المقبل «قيامة الساحرات» الذي سيسبقه إلى الشاشة الصغيرة في الخامس من يناير 2023 مسلسل الشبكة الأميركية (إي إم سي) «ساحرات مايفير» الذي تشارك هيفاء المنصور في إخراج عدد من حلقاته.
لحسن المصادفة كان هنالك كاتب سعودي اسمه أسامة المسلم، وله سلسلة روايات أعد منها «سكريبت» مسلسل يمثل حلقة جديدة من حلقات المحاكاة.
وعلى الرغم من أنني قد أبدو مبالغاً كثيراً، فإني لا أستبعد أنه حتى مسلسل «رشاش» كان محاكاة للدراما الأميركية بتقديم «رشاش» نقيضاً للبطل (antihero).
إن «نقيض البطل» أحد الملامح البارزة للدراما الأميركية في عصرها الذهبي الثالث الذي أُستهل، في 1999، بمسلسل قدّمَ أول «نقيض بطل» في العصر الجديد: توني سوبرانو في مسلسل «آل سوبرانو». وتكرر «نقيض البطل»، كمثال آخر، في شخصية والتر رايت في مسلسل «الانحراف (Breaking bad)».
ربما يكون «قيامة الساحرات» بداية التفات «إم بي سي» إلى الأعمال السردية المحلية والعربية. أقول ربما لأنني لست متفائلاً بذلك، وكما أنه لا يمكن التعويل على «إم بي سي» في هذا الشأن، لا يمكن التعويل، أيضاً، على قطاعات ومؤسسات الإنتاج الدرامي في الوطن العربي. فقطاع الإنتاج الدرامي في مصر، مثلاً، خارج المنافسة كونه ينوء تحت ثقل أزمة في الإنتاج أدت أخيراً إلى إلغاء عدد من مسلسلات موسم الدراما الرمضانية المقبل، وإلى تخفيض حلقات بعضها حسب أحمد جمال (العرب، 23/12/2022). وحال الإنتاج أشد سوءاً في الأردن الذي يشهد هجرة الفنانين إلى الدول المجاورة (العرب،23/12/2022).
لم أتطرق إلى مؤسسات الإنتاج التي يملكها فنانون وفنانات في المملكة والخليج العربي؛ لأنه من الخطأ مطالبتها بتوجيه اهتمامها إلى النص الأدبي. يكفيها البحث عن قصص تُكْتَبُ وتُفَصَّل على مقاسات مُلاّكِها، وحسب أمزجتهم، لتهيئ لهم أدوار البطولة الدائمة والمتكررة في مسلسلاتها في كل موسم درامي رمضاني.
* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
TT

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)

في مشهد أقرب إلى الاستكشافات النادرة، خرج الغواص دان جيكوبس مؤخراً من فتحة ضيقة شُقّت في جليد بحيرة فنلندية متجمِّدة، كاشفاً عن عالم خفيّ يرزح تحت سطح الماء، لا تطوله الأبصار إلا نادراً.

وغاص جيكوبس، مستشار التنوّع البيولوجي القادم من هولندا، لعمق 8 أمتار (26 قدماً) تحت سطح الجليد، حيث تسلَّلت خيوط الضوء عبر الكتل المتجمِّدة، لتُنير مشهداً أخّاذاً لأسماك تسبح حول تشكيل صخري في بيئة نائية قلّة مَن يحظون بمشاهدتها، خصوصاً خلال فصل الشتاء حين تنخفض درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر.

في الأعماق دهشة لا تنتهي (أ.ب)

وذكرت «الإندبندنت» أنّ هذه المغامرة جاءت ضمن دورة «الغوص العلمي القطبي» في شمال فنلندا، التي تشرف عليها «الأكاديمية العلمية الفنلندية للغوص». وتهدف هذه المبادرة إلى إعداد جيل جديد من الباحثين والعلماء الذين يتمتّعون بمهارات استكشاف ما تحت جليد القطبين الشمالي والجنوبي، ودراسة الكائنات الحيّة الفريدة من الحيوانات والنباتات. وبعد الغوص لمدة وصلت إلى 45 دقيقة، وصف جيكوبس التجربة بعبارة مقتضبة موجزة هي: «المشهد جميل».

وتشير المعطيات إلى ارتفاع درجة الحرارة في القطب الشمالي بمعدل أسرع من باقي أنحاء الكوكب بمقدار 4 أمثال. ويمثّل ارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالي كارثة على العالم بأسره؛ إذ يؤثّر في أنماط الطقس على مستوى العالم، ويهدّد وجود الدببة القطبية ويضعفها ويزيد من جوعها، نظراً لاعتمادها على الجليد البحري للصيد.

حين تنكسر السطحية... نرى أكثر (أ.ب)

وعلى الجانب الآخر، في القارة القطبية الجنوبية، يؤدّي الاحتباس الحراري العالمي إلى ذوبان الصفائح الجليدية، مما يُسهم في ارتفاع مستوى سطح البحر واضطراب النظم البيئية للمحيطات.

العنصر البشري في الغوص يظلّ ضرورةً لا غنى عنها

وسط هذا المشهد، يواصل العلماء مساعيهم في دراسة ما يجري تحت ما تبقى من الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي، لتحديد كيفية تأثير التغير المناخي على النباتات والحيوانات التي عاشت تقليدياً على طول قاع البحر في وجود قدر ضئيل من أشعة الشمس.

ومع ذلك، يتطلَّب إجراء هذه البحوث مهارات متخصِّصة في الغوص، إلى جانب تأهيل علمي مناسب، وهي مؤهّلات لا يمتلكها سوى بضع مئات من المتخصّصين عالمياً في الوقت الحالي، وفق ما يوضح الخبراء.

ولا تهدف الأكاديمية الفنلندية إلى تدريب مزيد من الغواصين فحسب، بل تعمل على إقناع العالم بضرورة تكثيف البحوث لمواجهة أزمة الجليد القطبي. وقال عالم الأحياء البحرية وأحد مدرّبي الغوص العلمي في الدورة، إريك وورز: «نظراً إلى سرعة الذوبان، نحتاج إلى مزيد من الباحثين، وزيادة الجهود العلمية هناك لفهم ما يحدث بشكل أفضل».

وأضاف: «علينا التحرُّك سريعاً لإنقاذ هذا النظام البيئي الفريد، سواء في القطب الشمالي أو الجنوبي».

وفي عالم يتزايد فيه الاستعانة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات في إنجاز الأعمال والمَهمّات، يرى عالم الأحياء البحرية في «المسح البريطاني للقطب الجنوبي»، سايمون مورلي، أنّ الدور البشري لا يزال ضرورياً. وقد يُدمّر استخدام الشباك في أنحاء قاع البحر البيئة والموائل الطبيعية، في حين لا تستطيع غواصة تعمل عن بعد أو روبوتات سوى جمع عيّنة واحدة في المرة الواحدة.

وقال مورلي، الذي لا يشارك في الدورة المذكورة: «يمكن للغواص جمع 12 قنفذاً بحرياً ووضعها داخل حقيبة من دون الإضرار ببقية النظام البيئي».

كلّما تعمّقنا اتّسعت الحكاية (أ.ب)

ظروف قاسية

تُجرى التدريبات في محطة «كيلبيسجارفي» البيولوجية التابعة لجامعة هلسنكي. وخلال الدورة الواحدة، التي تستغرق 10 أيام داخل بحيرة متجمِّدة، يُدرّب المعلم المتخصِّص نحو 12 غواصاً متمرّساً. ومنذ إطلاق البرنامج في 2024، تزايد الإقبال عليه، ممّا أتاح إضافة دورة أخرى سنوياً.

ويضمّ البرنامج طيفاً متنوّعاً من المشاركين، من علماء أحياء إلى علماء في تخصّصات أخرى، وغواصين ذوي مهارة عالية، وصنّاع أفلام وثائقية.

ويريد الطالب في قسم الأحياء البحرية وعلم دراسة المحيطات بجامعة بليموث في إنجلترا، رورلي بوجيز، في النهاية العمل في القطب الجنوبي والبحث في شؤون الحيوانات البحرية الضخمة. وقد سجَّل في دورة الغوص القطبي للشهر الحالي في محاولة لزيادة فرص توظيفه عند التخرج. وأوضح: «اعتقدت أنّ هذه ستكون خطوة جيدة تجاه تحقيق هدفي».

ويواجه فريق الدعم السطحي تحدّيات، حيث يتعيَّن عليهم تشغيل معدات لضمان سلامة الغواص، إضافة إلى تفادي خطر التعرُّض لقضمة الصقيع. كذلك يجب عليهم تعلم كيف يصبحون غواصي إنقاذ في حالات الطوارئ، مثل عدم تمكُّن الغواص الأساسي من العثور على فتحة في الجليد للعبور من خلالها إلى السطح بعد 45 دقيقة من البقاء تحت الماء.

ومع ذلك، بمجرّد وجودهم تحت الماء، يقول الغواصون إنها تجربة مذهلة. وخلال الدورة الحالية، غاصت المجموعة تحت طبقة من الجليد يبلغ سمكها نحو 80 سنتيمتراً (نحو قدمين ونصف قدم تقريباً). وشاهدت تشين بعض الأسماك، في حين كانت أشعة الشمس تنفذ عبر الجليد فيما يشبه ظاهرة قطبية أخرى. وقالت: «يبدو المشهد من الأسفل إلى الأعلى مذهلاً. إنه يتغيَّر باستمرار، كأنه الشفق القطبي».


فطر نادر يُشبه اللسان يظهر للمرة الأولى في بريطانيا

من قلب الأرض يولد العجب (فيسبوك)
من قلب الأرض يولد العجب (فيسبوك)
TT

فطر نادر يُشبه اللسان يظهر للمرة الأولى في بريطانيا

من قلب الأرض يولد العجب (فيسبوك)
من قلب الأرض يولد العجب (فيسبوك)

كشفت محمية طبيعية في جنوب إنجلترا عن فطر نادر يتّخذ هيئة اللسان، في اكتشاف يُنظر إليه على أنه شهادة حيّة على القيمة البيئية الفريدة للمحميات الطبيعية الوطنية في البلاد. وقد سُجّل ظهور فطر «ميكروغلوسوم سيانوبيسيس» للمرة الأولى في المملكة المتحدة، في محمية «كينغلي فيل» بمقاطعة ويست ساسكس، ليكون بذلك ثاني توثيق له على مستوى قارة أوروبا.

ووفق «الغارديان»، جاء الاكتشاف على يد ليز فروست، المتحمِّسة المولعة بعلم الفطريات، التي اعتادت زيارة الموقع بانتظام. وقالت في تدوينة على موقع «ناتشورال إنغلاند»: «لا أزال غير مصدّقة تماماً لما حدث».

وأضافت أنها كانت تبحث عن الفطريات في غابات الطقسوس العتيقة بالمحمية خلال ديسمبر (كانون الأول)، حين «عثرت مصادفة على شيء استثنائي، وهو فطر صغير على هيئة لسان يبرز من بين الطحالب وبقايا الأوراق. ولم أكن أعلم أنني أسجّل بذلك أول ظهور لهذا النوع في بريطانيا، والثاني له في أوروبا».

ويبلغ ارتفاع هذا الفطر الصغير، الذي يصعب رصده لقدرته على التمويه، نحو 45 إلى 55 مليمتراً، وله سيقان دقيقة وهشّة، ويبدو تماماً كما يوحي اسمه، إذ يتّخذ شكل ألسنة صغيرة تخرج من باطن الأرض. ومع ذلك، فإن ما يميّز هذا النوع عن غيره من فطريات «لسان الأرض» الشائعة هو قاعدة ساقه ذات اللون الأزرق المائل إلى السماوي.

وقالت فروست: «من هنا جاء اسمه، فـ(سيانوبيسيس) تعني القاعدة الزرقاء. وهذه السمة تحديداً هي ما يميّزه عن سائر الأنواع الأخرى. وتعدّ فطريات لسان الأرض مؤشراً على جودة الموائل الطبيعية. ووجودها يدل على تمتّع الموقع بقيمة بيئية حقيقية».

من جانبها، أكدت هيئة «ناتشورال إنغلاند» أن هذا الاكتشاف يذكّر بأهمية الإدارة والرعاية الدقيقة للبيئة، وما يمكن أن تسفر عنه من نتائج استثنائية. وقالت مديرة محمية «كينغلي فيل» راتشيل غاي: «إن اكتشاف هذا الفطر يبرز جودة الموائل الطبيعية، ويؤكد قيمة محمياتنا الطبيعية الوطنية البالغ عددها 224 في إنجلترا وأهميتها».

وأضافت: «وتعدّ تلك المناطق الخاصة، التي تتمتّع بقيمة بيئية استثنائية، مصدر فخر لجميع مَن يعتني بها. ويشير وجود الفطريات إلى وجود أراضٍ عشبية بكر قليلة التغذية وأنواع تربة غابات مستقرة منذ مدّة طويلة. وتزداد ندرة تلك البيئات بسبب التخصيب، وتصريف المياه، والحرث، وتغيير استخدام الأراضي».

وحدث اكتشاف فطر «ميكروغلوسوم سيانوبيسيس» للمرة الأولى في إسبانيا عام 2009.


أنغام تتألَّق في جدة... إطلالة جديدة وتفاعل جماهيري واسع

أنغام خطفت الأضواء بحفلها في جدة (إم بي سي مصر)
أنغام خطفت الأضواء بحفلها في جدة (إم بي سي مصر)
TT

أنغام تتألَّق في جدة... إطلالة جديدة وتفاعل جماهيري واسع

أنغام خطفت الأضواء بحفلها في جدة (إم بي سي مصر)
أنغام خطفت الأضواء بحفلها في جدة (إم بي سي مصر)

خطفت المطربة المصرية أنغام الأضواء بإطلالة جديدة خلال حفلها الذي أُقيم مساء الخميس في مدينة جدة بالسعودية ضمن حفلات موسم عيد الفطر، وقدّمت خلال الحفل عدداً من أغنياتها الشهيرة والجديدة، وسط تفاعل جماهيري، فضلاً عن الإشادات التي حظيت بها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدَّر اسم أنغام «الأكثر تداولاً» على محرّك البحث «غوغل» في مصر، الجمعة، مع أخبار ومقاطع وصور من حفلها على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» بجدة، وتفاعل الجمهور خصوصاً مع أحدث أغنياتها «مش قادرة» التي طرحتها بالتزامن مع حفلات عيد الفطر، وحقَّقت مشاهدات تجاوزت 8 ملايين مشاهدة على المنصات المختلفة خلال يومين من طرحها، وحين قدَّمتها على المسرح حظيت بإعجاب وتفاعل. وغنّت أيضاً أغنيات «وين تروح»، و«قلبك»، و«ياريتك فاهمني»، وغيرها.

وحظي الحفل بتعليقات متنوّعة أشادت بأداء أنغام وإحساسها في الغناء، وأبرزت بعض الصفحات المؤتمر الصحافي الذي تحدَّثت فيه الفنانة لهذه المناسبة.

وأكدت سعادتها وحرصها على الغناء في جدة، مؤكدة أن جمهور جدة يمنحها طاقة مختلفة لتقديم أغنياتها بطريقة مميزة.

وتحدَّثت أنغام عن كلمات أغنياتها، مستبعدة الاعتماد بالضرورة على تجاربها الشخصية، لافتة إلى أنها اعتادت أن تعيش كلمات هذه الأغنيات وتتفاعل معها بإحساسها، وعن هذا الإحساس تقول إنه من الصعب وصفه، ولكنه حالة تعيشها.

أنغام في إطلالة جديدة (صفحتها في «فيسبوك»)

وقال الناقد الموسيقي المصري محمود فوزي السيد إنّ «حفلات أنغام في جدة والرياض أصبحت أشبه بعلامة مميزة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الحفلات عادة ما تصاحبها أوركسترا موسيقية ضخمة وتقام في أجواء مبهرة».

وأشار إلى أن «الحالة والأجواء في حفلات أنغام مميزة جداً، والأهم هو التفاعل الجماهيري معها، فتشعر دائماً بأنها تغني وسط أشخاص يحبّونها ويردّدون معها أغنياتها بودّ ومحبّة كبيرَيْن».

ولفت إلى أن الحضور الطاغي لأنغام وقدرتها على جذب تفاعل الجمهور بأسلوبها وطريقتها، من خلال إحساسها والحالة الطربية التي تُقدّمها، يضمن لحفلاتها النجاح دائماً.

وأنغام من الأصوات الطربية المميّزة في مصر، وقد أصدرت ألبومات عدّة منذ ثمانينات القرن الماضي، من بينها «في الركن البعيد الهادي»، و«ببساطة كده»، و«إلا أنا»، و«وحدانية»، و«عمري معاك»، و«أحلام بريئة»، وأحدث ألبوماتها الغنائية صدر قبل عامين بعنوان «تيجي نسيب».

أنغام خلال الحفل (إم بي سي مصر)

وعدَّ الناقد الموسيقي المصري أنّ «حب الجمهور من أكثر المظاهر البارزة في حفلات أنغام بجدة، فالحالة الخاصة جعلت حفلاتها من الأنجح، لذلك يحرص (موسم الرياض) عادة على تنظيم أكثر من حفل لها، وهو أمر يحمل كثيراً من التقدير للفنّ المصري ولصوت أنغام خصوصاً».