بريطانيا 2023... التقشّف يمسّ أسس «القوّة الناعمة»

قرار حكومي «خطير» بتخفيض التمويل للفنون والثقافة والتعليم الجامعيّ

دار الأوبرا بلندن (غيتي)
دار الأوبرا بلندن (غيتي)
TT

بريطانيا 2023... التقشّف يمسّ أسس «القوّة الناعمة»

دار الأوبرا بلندن (غيتي)
دار الأوبرا بلندن (غيتي)

في خضم الضغوط التضخميّة الهائلة التي يتعرّض لها الاقتصاد البريطاني، وبعد تخبّط الحكومات المتعاقبة في منهجيّاتها المختارة لإدارة الأزمة، انتهى الأمر مع الحكومة الجديدة إلى اختيار طريق التقشّف، وإلزام المملكة للخضوع لسياسة «شد الأحزمة» لخمس سنوات مقبلة على الأقل؛ بغرض تمويل عجز في الميزانيّة يتوقّع أن يصل إلى 50 مليار جنيه إسترليني.
وفي الواقع فإن بريطانيا لم تخرج بداية عن سياسة التقشّف المستمرة واقعيّاً منذ أن اختارت السلطات استيعاب صدمة الأزمة الماليّة العالميّة في 2008 وما تلاها عبر تقليص نفقاتها على الخدمات العامّة، وتأجيل الاستثمارات الرأسماليّة في تطوير البنية التحتيّة، مع شبه تجميد للأجور على مستوياتها منذ عقدين تقريباً.
رهان النّخبة البريطانيّة المعاصرة دائماً هو على منعة مصادر اقتصاد البلاد القائم أساساً على مناحي القوّة الناعمة لا الماديّة المحض. فهذه المملكة لم تعد بعُشر قوتها العسكريّة أمام جبروتها أيّام الإمبراطوريّة الغاربة، ولم تعد حواضرها في مانشستر ولندن وليفربول مراكز للصناعات الاستراتيجيّة، وليست هي بحال قادرة على الاكتفاء الذاتيّ من الإنتاج الزراعيّ أو الطاقة أو حتى التكنولوجيّات المتخصصة دون الارتباط العضوي بالشبكات على البرّ الأوروبيّ، لكنّها مع ذلك مركز إقليمي للاستثمارات المالية والبنوك وتجارة الأسهم، وقطب سياحي هائل يتوفر على أدوات جذب تاريخيّة وحضريّة وثقافيّة وفنيّة وأكاديمية وفرص للتسوّق لا تكاد في مجموعها تُضاهى، ويسندها قطاع خدمات ممتاز، ناهيك عن نظام تعليمي وجامعيّ وبحثيّ متقدّم مرتبط بلغة صارت الأولى في عالم المال والأعمال والأكاديميات، وكذلك ماكينة نشر وإنتاج ثقافيّ وفنيّ ضخمة، وقطاع رياضيّ عالميّ الشعبيّة.
على أن تخبّط الحكومات المتعاقبة وسياساتها التقشفيّة العدميّة اتخذت في هذه الجولة الأخيرة منحنى ينذر بالخطر الشديد، بعدما استهدفت بالتخفيض والتقليص والإلغاء الميزانيات والإعفاءات للأعمدة التي تستند إليها القوّة البريطانيّة الناعمة.
خذ مثلاً في التسوّق، إذ طالما كانت لندن نقطة لا بدّ منها على خريطة التبضّع لأثرياء العالم وطبقاته البرجوازيّة، لكّن الحكومة الحاليّة قررت إلغاء إمكانيّة استرداد ضريبة القيمة المضافة (نحو 17 في المائة) من قبل الزوار غير المقيمين، الأمر الذي جعل أسعار لندن غير منافسة أبداً مقارنة، لنقل، بعواصم أوروبيّة أخرى مثل باريس وأمستردام وبرلين ومدريد، لتتراجع مبيعات الماركات الفاخرة بأكثر من النصف تقريباً، وهو ما يهدد شركات عدّة بالإفلاس، أو سيجبرها على الانتقال إلى البرّ الأوروبيّ لإدارة عملياتها واستثماراتها.
وتتعرض هيئة الإذاعة البريطانيّة، وهي من هي في الإعلام والإنتاجات الثقافيّة والفنيّة، إلى ضغوط مماثلة لتخفيض الإنفاق على نحو تسبب في إغلاق أنشطة إذاعيّة عدة وقنوات غير مربحة تجاريّاً، ولا شكّ سيؤدي ذلك إلى تراجع القدرة على المنافسة مع منتجي المادة الثقافيّة في الغرب عموماً وفي الولايات المتحدة تحديداً.
كما تشتكي الجامعات ومراكز البحث البريطانيّة من فقدانها الجاذبيّة التي كانت تتمتع بها من قبل وتسمح باستقطاب أفضل الكوادر الأوروبيّة والعالمية؛ بسبب تغيّر أنظمة الإقامة بعد قرار المملكة ترك عضوية الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تراجع فرص التمويل المكثّف التي كانت تتمتع بها من ميزانية التكتل الأوروبيّ.
لكن الأخطر الآن قد يكون قرار الحكومة الأحدث بتخفيض التمويل بشكل دراماتيكي لقطاعات الفنون والثقافة والتعليم الجامعيّ المرتبط بها، إذ إنه على الرّغم من صغر تلك الميزانيّات نسبيّاً، فإنّها ستتعرض لضغوط تقشفيّة جذريّة الطابع، وستجعل أكثر من نحو 850 منظمة وهيئة وطنيّة، تعنى بجوانب من مصادر قوة بريطانيا الناعمة، في مأزق غير مسبوق بينما تدير نشاطاتها خلال الفترة المقبلة، إذ تلقى مجلس الفنون في إنجلترا تعليمات صريحة من الوزارة المعنيّة (وزارة الرقمية والثقافة والإعلام والرياضة) بتقليص الميزانيات المرصودة للسنوات الثلاث المقبلة، كما قرر وزير التعليم من جهته خفض الميزانية السنوية لدعم تعليم موضوعات الفنون والثقافة والإعلام والمسرح والتصميم في التعليم العالي بالجامعات بإنجلترا، من 36 مليون جنيه إسترليني إلى 19 مليوناً، على أن تحوّل قيمة تلك التخفيضات لدعم تعليم تخصصات العلوم الأساسيّة والتكنولوجيا والهندسة.
ويغفل وزير التعليم في قراره حقيقة أن قطاع الفنون والثقافة على الرغم من تصنيفه في حقل «القوة الناعمة» فإنّه أسهم حتى في قلب أزمة «كوفيد» عام 2020 برفد الاقتصاد القومي بمبلغ يقارب 11 مليار جنيه إسترليني مباشرة دون احتساب المساهمات الجانبيّة في رفد القطاعات الأخرى، وحقق نمواً عن السنة السابقة بمقدار 390 مليون جنيه إسترليني.
ومن الجليّ أن هجمة حكومات المحافظين المتعاقبة هذه على مصادر «القوّة الناعمة» للمملكة المتحدة نتاج نظرة شعبويّة قاصرة تتعامل مع السياسة استناداً إلى الرأي العام العابر، وتستهدف بشكل أو آخر إعادة الفنون والثقافة إلى حيّز الطبقات المرفهة بعيداً عن متناول المواطن العاديّ، وتكاد تكون تكراراً للتسرع الشعبوي في ترك عضوية الاتحاد الأوروبيّ والتي تتجه المؤشرات كافة الآن إلى اعتباره قراراً خاطئاً بكل أبعاده، الاقتصادية والثقافيّة، بما في ذلك موقف الناخبين نفسه الذي يميل الآن لمصلحة البقاء في نطاق تلك العضويّة.
الجهات المعنيّة بالثقافة عبّرت عن دهشتها من فشل متخذي القرار في فهم التفاعل التاريخيّ بين العلم والثقافة، لا سيّما في المملكة المتحدة. واستحضر أحدهم كيف تشاركت الأكاديميّة الملكيّة للفنون المبنى ذاته في سومرست مع الجمعيّة العلميّة الملكيّة في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، حيث كان الفنانون العظام ومؤسسو العلوم الحديثة يلتقون ويعملون جنباً إلى جنب ويتبادلون الأفكار.
وبالطبع فإن أي مؤرخ ناشئ للثورة الصناعيّة التي كان مهدها بريطانيا سيجد صعوبة كبيرة في فصل مسارات تطوّر الأفكار الفلسفيّة والفنيّة عن القفزات العلميّة التي شهدتها تلك المرحلة وأنتجت للعالم النظام الرأسماليّ بصيغته الحديثة. لكن وزراء الحكومة الحاليين يرون أن الخيال والإبداع الفكريّ والفنيّ والأدبي ترف ينبغي التخلّص منه الآن في هذه الأوقات العصيبة.
وبالطبع فإن اقتطاع التمويل عن قطاع الثقافة والفنون يعني حكماً الأموال التي يتم ضخها حالياً لدعم العمليّات الإبداعيّة في المناطق الأقل حظاً في بريطانيا خارج العاصمة، وهي المناطق ذاتها التي رفدت البلاد بأهم فنانيها المعاصرين الذين انحدروا من خلفيات الطبقة العاملة، وكانوا من دون الفرص التي قدمتها مؤسسات ثقافية وفنية سيضيعون في شبكات التعليم التقليدي، وستنتهي الفنون والثقافة تالياً إلى فضاءات محتكرة يقتصر عبورها على الطبقات المتيسرة مادياً.
لا مندوحة بالطبع عن تفهّم الحاجة الماسة إلى إجراء خفض في النفقات وإعادة تقييم طرائق الصرف الحاليّة للأموال العامّة.
لكن المسألة تتعدى ذلك إلى تحديد الأولويات. فلا يعرف كثيرون مثلاً أن الحكومة البريطانيّة قد طلبت للتو يختاً فاخراً مخصصاً للرحلات الملكيّة البحريّة علماً بأنّه سيكلف دافعي الضرائب سعراً معلناً قدره 250 مليون جنيه إسترليني.
وبالطبع فإن مثل هذا المشروع ليست له أية أغراض عمليّة باستثناء استعراض «القوة الناعمة» للمملكة المتحدة، وسيتحوّل فور تسلمه إلى مصدر تكلفة مستمرة.
ولكن ألا يمكن تحقيق تأثير «ناعم» أكبر ينعكس إيجاباً على نطاق أوسع وأكثر إنتاجيّة من خلال دعم المبدعين في الموسيقى والأدب والسينما والفنون الأدائية للحصول على فرص أفضل لإلهام العالم وتحفيز التبادلات مع جهاته الأربع؟
إن هذه الإمبراطوريّة المتقاعدة ليست على ما يرام.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

تطبيق «إذاعة القرآن الكريم» يجتذب 50 مليوناً في وقت قياسي

تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)
تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

تطبيق «إذاعة القرآن الكريم» يجتذب 50 مليوناً في وقت قياسي

تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)
تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعلنت الهيئة الوطنية للإعلام في مصر عن أن تطبيق إذاعة القرآن الكريم اجتذب ما يزيد على 50 مليون طلب تحميل التطبيق، في وقت قياسي خلال الأيام الخمسة الأولى لإطلاق التطبيق، وهو ما عدّته الهيئة «رقماً تاريخياً مقارنة بالتطبيقات المماثلة».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أعطى إشارة البدء لإطلاق موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم في الاحتفالات بليلة القدر.

ويتيح التطبيق والموقع الاستماع لإذاعة القرآن الكريم في كل أنحاء العالم، وإتاحة تراثها منذ نشأتها في ستينات القرن العشرين وحتى اليوم. كما يضم الموقع جميع التلاوات ترتيلاً وتجويداً، وجميع البرامج والابتهالات على مدى زمني يمتد لأكثر من ستين عاماً.

ووجهت الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة الكاتب أحمد المسلماني الشكر للرئيس عبد الفتاح السيسي على منحه إشارة البدء لانطلاق موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم من القاهرة.

وقال المسلماني، في بيان للهيئة، إن الرئيس وجّه بحماية تراث الإذاعة والتليفزيون وفي المقدمة تراث إذاعة القرآن الكريم، موضحاً: «تلقينا في أغسطس (آب) 2025 توجيهاً من الرئيس بالعمل على إنهاء الموقع والتطبيق استعداداً لإطلاقه»، ووفق تصريحاته فقد بذل فريق عمل إذاعة القرآن الكريم والموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام بالتعاون مع وزير الاتصالات والمستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية جهوداً متواصلة، حتى تم إطلاق الموقع والتطبيق في ذكرى الاحتفال بليلة القدر.

وأرجع رئيس إذاعة القرآن الكريم، إسماعيل دويدار، الطلب الكبير على استخدام التطبيق والموقع الخاص بالإذاعة إلى المكانة الكبرى التي حظي بها التطبيق بعد افتتاحه من قبل رئيس الجمهورية، وفي الوقت نفسه فإن مكانة إذاعة القرآن الكريم مترسخة في قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «المستمعين كانوا يتمنون الاستماع لإذاعة القرآن الكريم في جميع البلدان العربية والإسلامية، فلما انطلق هذا التطبيق تحقق الغرض والهدف، فمن الطبيعي أن يصل العدد إلى أكثر من 50 و60 مليوناً، ونتوقع أن يصل إلى 100 مليون خلال الأيام المقبلة إن شاء الله».

بيانات حول عدد مستخدمي التطبيق (الهيئة الوطنية للإعلام)

واحتل موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم من القاهرة المركز الأول وتصدر «#Top App Store» في الأكثر بحثاً ومطالعة وتحميلاً على «غوغل بلاي» ليصبح الأعلى بحثاً في مصر لخمسة أيام متواصلة منذ انطلاق الموقع والتطبيق في احتفالات ليلة القدر.

ولفت دويدار إلى أن التطبيق والموقع بهما كل أرشيف إذاعة القرآن الكريم، موضحاً أن «الأمر لا يقتصر على وقت افتتاح إذاعة القرآن الكريم عام 1964، وإنما هناك تلاوات وقراءات وبرامج دينية منذ انطلاق الإذاعة المصرية عام 1934، كل البرامج والقراءات منذ ذلك الوقت متاحة على التطبيق».

ووفق بيان سابق للهيئة، ارتفع الطلب على الموقع والتطبيق بشكل كبير في أول 24 ساعة من افتتاحه وتصدرت مصر المنحنى الصاعد بأكثر من 15 مليون طلب، تلتها المملكة العربية السعودية بنحو 2 مليون طلب، ثم الإمارات العربية المتحدة بأكثر من 500 ألف طلب دخول للموقع والتطبيق، وفي المركز الرابع الكويت بأكثر من 400 ألف، وفي المركز الخامس جاءت الولايات المتحدة بأكثر من 200 ألف طلب، وفي المركز السادس جاءت دولة قطر بـ150 ألف طلب تقريباً، ثم إيطاليا بنحو 100 ألف، تليها بريطانيا ثم عمان بالعدد نفسه، وفي المركز العاشر جاءت ألمانيا بما يقرب من 100 ألف طلب تقريباً، وفق تقرير للهيئة.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أعلن خلال احتفالية ليلة القدر التي أقيمت في 16 مارس (آذار) إطلاق موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم ليكون رسالة محبة وسلام من مصر إلى كل مسلمي العالم.

ويرى أستاذ الفقه والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتور أحمد كريمة، أن مصر على مدى تاريخها دائماً كانت في خدمة الإنسانية وفي نفع البشرية بعلومها وأزهرها الذي يقارب عمره 1083 عاماً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العام وفي شهر رمضان المبارك يأتي العطاء المصري من رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، لنقل البث الإعلامي لإذاعة القرآن الكريم من المحلية إلى العالمية، وهي من أعظم المهمات في خدمة القرآن الكريم ونفع الناس على اختلاف مستويات ثقافتهم ومشاربهم، فلا عجب أن يصل عدد من انضموا إلى التطبيق إلى 50 مليوناً، فالمسلمون متعطشون لمثل هذه الجهود التي تبذل لخدمة القرآن ونشره في أنحاء الأرض».


أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
TT

أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)

أعلنت أسرة الفنان المصري الراحل عبد الحليم حافظ مقاضاة أحد الأطباء اتهمته بـ«الإساءة للعندليب»، وذلك بالتزامن مع الاحتفاء بالذكرى الـ49 لرحيله، إذ توفي في 30 مارس (آذار)، 1977، بعد حياة فنية حافلة، ومعاناة طويلة مع المرض.

وانتقدت أسرة عبد الحليم حافظ، في بيان نشرته على حساب يحمل اسم «منزل عبد الحليم حافظ» على موقع «فيسبوك»، الجمعة، «الطبيب الذي ظهر في فيديو مصور وأساء للعندليب وأعماله الفنية»، مؤكدة أن «إساءته غير مبررة، والرد عليها سيكون بالقانون، وأن الفيديو تمت صناعته من أجل جذب المشاهدات، وتصدر (الترند)».

وقال الطبيب، ويدعى ضياء العوضي، في الفيديو، «إن عبد الحليم حافظ أفسد أجيالاً بسبب أغنياته الرومانسية، مستنكراً حزن البعض عليه وقت رحيله، كما ذكر بعض الأمور زعم أنها من حياة عبد الحليم الخاصة على الملأ».

وأشادت الأسرة في بيانها بجمهور «العندليب الأسمر»، وكيف تصدوا له عبر تعليقات «سوشيالية»، واستنكروا ما يردده، لافتة إلى «أن المستشار ياسر قنطوش محامي العائلة، بدأ في اتخاذ إجراءات قانونية بالفعل، ومقاضاة الطبيب».

وأكَّدت الأسرة، في بيان آخر أن «جهات رسمية بدول عدة تداوم على الاحتفاء بالفنان المصري الراحل، من خلال إقامة حفلات غنائية، والحرص على عرض مقتنياته، والاهتمام باسمه الفني، لمعرفتهم الجيدة بقيمة فنه وقوته الناعمة، وتأثيره على وجدان الشعوب، إلى جانب حرص جمهوره من كل دول العالم على زيارة منزله ومقبرته بشكل خاص».

«العندليب الأسمر» تحل ذكراه خلال أيام (فيسبوك)

ويؤكِّد الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن الإساءة للفنان الراحل عبد الحليم حافظ بأي شكل من الأشكال غير مقبولة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «فناناً كبيراً بحجم وموهبة وأهمية عبد الحليم حافظ، أكبر من أي تشويه، بل يستحق الثناء والإشادة، بعد سيرة كبيرة ومهمة وحافلة».

وتساءل شوقي: «هل يصح في الوقت الذي يهتم باسمه الناس في كل أنحاء العالم ويحرصون على الاحتفاء به في كل مناسبة، أن نجد هذه الإساءة؟».

ولفت شوقي إلى أن «عبد الحليم حافظ ليس الفنان الأول ولن يكون الأخير، فهناك فئات حريصة على الإساءة للرموز الفنية بين الحين والآخر، إذ تعرض نخبة منهم لمغالطات، وأخبار كاذبة وتشويه متعمد، لكنهم برغم ذلك ما زالوا في قلوب وعقول محبيهم، ولن يستطيع أحد هز عرشهم الفني».

ونوَّه بأن الجمهور له دور كبير مع الأسرة، والجهات المعنية في التصدي للإساءة، والتعبير بأكثر من طريقة عن رفضه لما يدور من خلال التفاعل السريع على «السوشيال ميديا»، «من أجل الحفاظ على تاريخنا الفني، وتراثنا من العبث والاستباحة من معدومي الموهبة والفن والثقافة»، حسب تعبيره.

وقبل أزمة إساءة الطبيب، تعرَّض اسم الفنان عبد الحليم حافظ لإساءات متكررة خلال الآونة الأخيرة، إذ أكَّدت الأسرة تصديها لما يحدث بشكل قانوني، مثل أزمة «العندليب الأبيض»، وانتهاك «حقوق الملكية الفكرية» لاسمه وصورته من قبل إحدى الشركات الفنية، وكذلك أزمة «الخطاب» الذي نشرته الأسرة على موقع «فيسبوك»، ويشير إلى عدم زواج «العندليب»، من «السندريلا»، سعاد حسني، وشائعة بيع منزله لثري مصري، وغير ذلك.

وفنياً، قدَّم عبد الحليم حافظ والملقب بـ«العندليب الأسمر»، خلال مشواره حفلات، وأغنيات كثيرة، من بينها «على قد الشوق»، و«توبة»، و«موعود»، و«رسالة من تحت الماء»، و«قارئة الفنجان»، و«جانا الهوى»، و«صورة»، و«عدى النهار»، و«أحلف بسماها»، إلى جانب أفلام سينمائية غنائية، من بينها، «معبودة الجماهير»، و«لحن الوفاء»، مع شادية، و«الوسادة الخالية»، مع لبنى عبد العزيز، و«شارع الحب»، مع صباح، و«أبي فوق الشجرة»، و«الخطايا»، مع نادية لطفي، و«أيامنا الحلوة،» مع فاتن حمامة، و«يوم من عمري» مع زبيدة ثروت.


أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
TT

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة، بدأت بصورة عابرة؛ لكنها ظلت تطارده سنوات، موضحاً أن الشرارة الأولى جاءت من جدِّه الذي قضى عمره مُدرساً، قبل أن يجد نفسه بعد التقاعد في حالة من الفراغ القاسي، كأن حياته فقدت معناها فجأة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن جده، رغم مكانته الكبيرة واحترام الجميع له؛ إذ كان مدرّساً للغة الإنجليزية ومدير مدرسة لسنوات طويلة، لم يكن يرى نفسه إلا مزارعاً مرتبطاً بالأرض والمواشي، وهو ما جعله يعيش صدمة حقيقية حين اضطر للتخلي عن هذا العالم تدريجياً، تحت ضغط التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

زحف المدن

ووصف تلك اللحظة بأنها كانت بمنزلة «لحظة انفصال عن الهوية»، وكانت مدخله الأساسي لصناعة الفيلم؛ حيث بدأ يتساءل: ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد الشيء الذي عرفه طوال حياته؟ مشيراً إلى أن فيلمه لا يروي حكاية تقليدية؛ بل يستند إلى إعادة تمثيل لوقائع حقيقية عاشها مع عائلته في الريف، في منطقة هاريانا؛ حيث تتآكل أنماط الحياة القديمة أمام زحف المدن.

تدور أحداث فيلم «العِجل البديل» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» حول أستاذ متقاعد يعيش في قرية ريفية تختنق تدريجياً تحت وطأة التمدد الحضري؛ حيث يواجه لحظة قاسية عندما تلد بقرته عجلاً ميتاً، فيجد نفسه أمام أزمة تتجاوز الخسارة المادية إلى صدمة إنسانية تمس علاقته بالمكان والهوية، مع غياب مَن يساعده، وتفكك نمط الحياة الذي اعتاده.

وأشار إلى أن من الحوادث المفصلية التي أثَّرت فيه، حادثة موت عِجل حديث الولادة داخل المزرعة، وقد أعادت طرح طقوس قديمة كانت تمارس في القرى، من بينها صنع «دمية العِجل» كبديل رمزي للحفاظ على سلوك أُم العجل، وهي طقوس تحمل أبعاداً إنسانية وفلسفية تتجاوز ظاهرها.

المخرج الهندي أنكور هودا (الشركة المنتجة)

وأكد أن الفيلم يسير على هذا الخط الفاصل بين الوثائقي والروائي؛ حيث شارك أفراد عائلته الحقيقيون في العمل، عبر حضورهم أشخاصاً حقيقيين يعيدون تمثيل ذواتهم، وهو ما أضفى على الفيلم طابعاً شديد الخصوصية والصدق، لافتاً إلى أن هذا المزج بين الحقيقة والخيال كان ضرورياً للتعبير عن طبيعة القصة نفسها التي تتداخل فيها الذاكرة مع الحاضر، والواقع مع التأويل؛ لأن هدفه لم يكن تقديم حكاية عن عائلة بعينها؛ بل التقاط حالة إنسانية أوسع تعيشها المجتمعات الريفية التي تواجه التحولات الحديثة.

تحولات عميقة

وأوضح أن الفيلم يعكس أيضاً التحولات الاجتماعية العميقة التي تشهدها القرى؛ حيث يهاجر الشباب إلى المدن بحثاً عن فرص أفضل، تاركين خلفهم كبار السن يواجهون مصيراً غامضاً، وهو ما يخلق فجوة بين الأجيال، ويضع من تبقوا في حالة من التيه، بين ماضٍ يتلاشى وحاضر لا ينتمون إليه كاملاً.

وعن التحديات الإنتاجية، قال هودا إن فيلم «العِجل البديل» تم تنفيذه بإمكانات محدودة للغاية؛ حيث لم يتمكن من الحصول على تمويل تقليدي؛ مشيراً إلى أن العمل خرج إلى النور بفضل دعم الأصدقاء والعائلة الذين آمنوا بالفكرة وساعدوه في تنفيذها.

وأضاف أنه اشترى كاميرا بسيطة، وصوَّر الفيلم في مواقع حقيقية داخل القرية، مؤكداً أن التكلفة الإجمالية لم تتجاوز 500 دولار، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي واجهه، ولكنه في الوقت نفسه منح الفيلم صدقاً بصرياً وحرية إبداعية كبيرة. وتابع بأن غياب التمويل لم يكن عائقاً بقدر ما كان دافعاً للبحث عن حلول بديلة؛ مشيراً إلى أن العمل بروح جماعية صغيرة جعله أكثر قرباً من موضوعه.

قدَّم المخرج جانباً من حياة جدِّه (الشركة المنتجة)

وأشار هودا إلى أن عرض فيلم «العِجل البديل» في قريته كان تجربة مختلفة تماماً؛ حيث لم تكن هناك إمكانات تقنية أو تجهيزات احترافية، ولكن الحضور الإنساني كان طاغياً، مؤكداً أن مشاهدة أهل القرية أنفسهم على الشاشة كانت لحظة مؤثرة، أعادت ربطهم بقصتهم وبالتحولات التي يعيشونها، معتبراً أن هذا التفاعل المباشر مع الجمهور كان من أهم مكاسب الفيلم؛ لأنه جعله يدرك أن السينما يمكن أن تكون وسيلة لفهم الذات، قبل أن تكون وسيلة للعرض أو الترفيه.

مشروع طويل

وأكد المخرج الهندي أن فيلمه ليس مجرد فيلم مستقل؛ بل بداية مشروع سينمائي أطول يسعى من خلاله إلى توثيق التحولات التي تشهدها المجتمعات الريفية في الهند؛ مشيراً إلى أنه مهتم باستكشاف العلاقة بين الإنسان والمكان، وكيف تؤثر التغيرات الاقتصادية والاجتماعية على هذه العلاقة، وما يهمه في النهاية ليس فقط الحكايات نفسها؛ بل تلك المساحات الصامتة التي تتشكل فيها الهوية، أو التي يشعر فيها الإنسان بأنه يفقد جزءاً من نفسه، دون أن يدرك تماماً كيف أو لماذا.