هل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة قاب قوسين أو أدنى؟

إنجاز علمي باهر لأغراض عسكرية ومدنية

هل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة قاب قوسين أو أدنى؟
TT

هل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة قاب قوسين أو أدنى؟

هل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة قاب قوسين أو أدنى؟

منذ إعلان وزيرة الطاقة الأميركية الشهر الماضي عن نجاح علماء في مختبرات «لورنس ليفرمور الوطنية» بولاية كاليفورنيا، التابعة للوزارة، في تحقيق إنجاز علمي فائق يمثل «اختراقاً كبيراً» في تكنولوجيا الاندماج النووي، ومعظم عناوين وسائل الإعلام تبشر - بشكل غير دقيق ومضلل أحياناً - بمستقبل من الطاقة النظيفة الوفيرة التي تنتجها محطات الطاقة النووية الاندماجية.
لكن ما هو هذا الإنجاز العلمي الباهر؟ وهل حقاً يمثل علامة فارقة في مسار تطوير تقنية الاندماج النووي؟ وهل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة وبأسعار معقولة قاب قوسين أو أدنى، بحيث تشكل مكوناً رئيسياً – إن لم يكن المكون الرئيسي - من مزيج الطاقة النظيفة الخالية من الكربون بحلول منتصف هذا القرن، وهو المتطلب الضروري لتحقيق أهداف اتفاق باريس المناخية؟

اندماج نووي
بدايةً، من المفيد العودة للوراء والتذكير بأن العلماء اكتشفوا قبل نحو قرن أن تفاعلات اندماج أنوية ذرات خفيفة مثل الهيدروجين مع بعضها بعضاً ينتج منها أنوية ذرات أثقل مثل الهيليوم، كما أن تفاعلات انشطار أنوية ذرات عناصر ثقيلة مثل نظير اليورانيوم ينتج منها أنوية ذرات عنصرين أخف. ويصاحب كلا النوعين من التفاعلات النووية إطلاق كميات هائلة من الطاقة تعادل نحو مليون ضعف ما يطلق أثناء حرق الكميات نفسها من الوقود الأحفوري. وقبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية تمكن العلماء والمهندسون من التحكم في تفاعلات الانشطار النووي، ونجحوا في تطوير تقنياتها في البداية لغرض تصميم وصنع القنابل النووية الانشطارية. وقد استخدمت أميركا اثنتين منها لتدمير مدينتي هيروشيما وناغازاكي؛ مما عجّل في استسلام اليابان وإنهاء الحرب. ثم نجحوا في تصميم وتشييد المئات من مفاعلات الانشطار النووي لتوليد الكهرباء.
بيد أن التحكم في تفاعلات الاندماج النووي كان أكثر صعوبة. وتلك التفاعلات هي المسؤولة عن ديمومة تشغيل الشمس والنجوم لبلايين السنين داخل المجرات الكثيرة في هذا الكون العظيم. وتمكن العلماء عام 1952 - رغم الصعوبات التي واجهتهم - من تصميم وصنع قنابل نووية حرارية (تعرف بالقنابل الهيدروجينية نسبة إلى وقودها) ذات قوة تفجيرية هائلة. لكن التحدي التكنولوجي غير المسبوق الذي ما فتئ يواجه العلماء والمهندسين منذ ذلك الحين هو كيفية تطويع هذه التفاعلات على سطح الأرض في مفاعلات يتم التحكم فيها بحيث يمكن تسخيرها في توليد الكهرباء أو الحرارة وبتكلفة زهيدة للمساعدة على تلبية احتياجات العالم من الطاقة النظيفة.
ورغم جهود آلاف العلماء في عشرات المختبرات حول العالم لنحو سبعة عقود وتخطي العديد من العتبات التكنولوجية بنجاح، لكن بعض «العقبات الرئيسية» لا تزال قائمة أمام الاندماج النووي. ولم تتمكن أي تقنية حتى الآن من إنتاج قدر أكبر من الطاقة اللازمة لتشغيل مثل هذه المفاعلات.
وهناك نهجان رئيسيان تم اللجوء إليهما لمواجهة تحدي الاندماج «الاندماج المغناطيسي»، باستخدام قفص من المجالات المغناطيسية القوية لحصر وقود الاندماج المكون من بلازما الهيدروجين ونظائره الساخنة لدرجات حرارة عالية جداً (لأكثر من مائة مليون درجة مئوية كما هي في قلب النجوم)؛ أو «اندماج الحبس بالقصور الذاتي»، باستخدام أشعة الليزر النبضية القوية أو حزم الجسيمات لضغط وتسخين كريات الوقود الصغيرة على الفور.
إن إنجاز الاندماج النووي الذي أعلنته وزارة الطاقة الأميركية مهم جداً من الناحيتين العلمية والتقنية، بل وباهر حقاً؛ ففي الخامس شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي نجح فريق علماء في مرفق الإشعال الوطني (NIF) بمختبر «ليفرمور» في إحداث ما يعرف «بالاشتعال» لأول مرة في العالم في تجربة اندماج خاضعة للتحكم؛ مما يعني أنه تم إنتاج طاقة من تفاعلات الاندماج النووي في الوقود أكثر من طاقة الليزر المستخدمة لإحداث الاشتعال وإطلاق التفاعلات الاندماجية ذاتياً إلى أن تتطاير وتتلاشى بقايا الوقود.

إنجاز علمي
لكن أهمية الإنجاز لا تتعلق إلا قليلاً بفرص توليد الكهرباء تجارياً من تقنية الاندماج النووي على نطاق واسع - بعكس ما هيأت لذلك معظم وسائل الإعلام. وللتدليل على ذلك يكفي التذكير بأن إحداث انفجار صغير واحد (أو ما يسمى «بالطلقة») في هذه التجربة تم باستخدام أقوى نظام ليزر في العالم، تبلغ مساحة منشأته أكبر من ثلاثة ملاعب لكرة القدم، حيث أسفر عن إنتاج طاقة اندماج أكثر قليلاً من طاقة الليزر الذي أصاب الهدف (تكفي لتسخين كوبين من الشاي تقريباً). وكان عائد الاندماج هذا أصغر بنحو 250 مرة من كمية الطاقة الكهربائية التي احتاج إليها نظام الليزر من أجل إشعال «الطلقة». وسيحتاج مفاعل الاندماج العملي القائم على هذا النهج إلى عائد اندماج أكثر 10 - 20 مرة لكل طلقة من الكهرباء الموردة إلى الليزر، وبالتالي 2500 - 5000 ضعف عائد تجربة «ليفرمور»، وسيحتاج إلى العمل بمعدل نحو 10 طلقات في الثانية – أي ما لا يقل عن مليون طلقة في اليوم، في حين يمكن لجهاز ليفرمور الحالي إدارة طلقتين في اليوم الواحد فقط.
للتعرف إذن على حقيقة الأهمية التي يمثلها هذا الإنجاز العلمي؛ ينبغي التمعن في قول وزيرة الطاقة الأميركية بحفل الإعلان – بما معناه - إن هذا الإنجاز العلمي يمثل تقدماً مهماً للولايات المتحدة في مجالي الدفاع والطاقة. وتقديم الوزيرة الإشارة إلى الدفاع قبل الطاقة لم يأت اعتباطاً. ويعضد ذلك أن كبار المسؤولين الحكوميين الموجودين إلى جانبها في الحفل كانوا من وزارة الدفاع وليسوا من مسؤولي وزارة الطاقة. على أن الطريقة التي قدم بها هذا الاختراق والتغطية الإعلامية التي تبعته حجبت إلى حد كبير، أو أخفت عن قصد، الأثر الرئيسي لهذا الإنجاز العلمي المتمثل فيما سيوفره من دعم لبرنامج الإشراف على مخزون الأسلحة النووية الحرارية التابع للإدارة الوطنية للأمن النووي بالولايات المتحدة. وبدلاً من ذلك، ركزت وسائل الإعلام - حتى بعض الجادة منها - على ما ذكرته الوزارة بأن هذا الإنجاز «سيوفر رؤى لا تقدر بثمن حول آفاق طاقة الاندماج النظيف، والتي من شأنها أن تغير قواعد اللعبة للجهود المبذولة لتحقيق هدف اقتصاد خال من الكربون -» رغم أن علاقته بإنتاج الطاقة بعيدة وعرضية فقط.
وما ذكرته الوزيرة في معرض حديثها، أن هذا الإنجاز يمثل خطوة تمكن من الوصول إلى مفاعلات الاندماج النووي تجارياً «خلال سنوات» كان مضللاً، إلا أن رئيسة المختبر التي حضرت المؤتمر الصحافي أوضحت، أن الإفادة منه في تطوير تقنية الاندماج النووي وصولاً إلى مفاعلات تجارية يحتاج إلى جهود كبيرة للتغلب على عقبات فنية ‏ستستغرق نحو عقدين.
لذا؛ وبينما تمثل «تجربة ليفرمور» تقدماً حقيقياً، فإنها أقل بكثير من الأداء اللازم لمفاعل اندماج عملي. إضافة إلى ذلك، فإن فجوة الطاقة الهائلة المذكورة آنفاً لا تأخذ في الاعتبار مشكلات لم تحل بعد، مثل تلك المتعلقة بالأضرار الهيكلية الناجمة عن نيوترونات الاندماج، وتوليد وإعادة تدوير التريتيوم المشع بكفاءة وأمان.
وفي المقابل، فإن نظام الاندماج بالليزر الموجود حالياً في إحدى منشآت «مختبرات ليفرمور» مفيد جداً لوظيفة الدفاع الوطني الأقل لفتا للانتباه؛ ألا وهي دراسة فيزياء التفجيرات النووية الحرارية دون تفجير قنابل حقيقية. ومن المعروف أن تطوير الأسلحة (وخاصة النووية) يحتاج عادة إلى إجراء تجارب متعددة للتعرف على مدى فاعلية التصاميم أو التحسينات التي يدخلها المصممون، أو للتأكد من صلاحية وفعالية المخزون منها. ولأن إجراء التجارب على الأسلحة النووية أصبح محظوراً، وفقاً للقانون الأميركي منذ عام 1996 (ووفقاً لمعاهدة حظر التجارب الشاملة التي وقّعتها 196 دولة، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ بعد)، فقد لجأ العلماء إلى اختبار مدى صلاحية وفاعلية مخزون الأسلحة النووية بعمليات محاكاة في نماذج رياضية معقدة باستخدام حواسيب فائقة السرعة. لكن مهما بلغت فاعلية تلك النماذج، فإنها تبقى أقل مما يمكن التحقق منه في تجربة عملية في الطبيعة. ومن هنا جاء اهتمام وزارة الدفاع الأميركية بإمكانية استخدام تقنية الاندماج النووي باستخدام الليزر لهذا الغرض. وقامت الوزارة بدعم وتمويل تطوير هذه التقنية الباهظة التكاليف عبر نحو ثلاثة عقود رغم أنها أقل واعدية للطاقة من تقنية النهج المغناطيسي للاندماج.
وفي الواقع تم الإعلان عن عدد من الاختراقات الفيزيائية والتكنولوجية المهمة في تجارب النهج المغناطيسي للاندماج في الأشهر الأخيرة، وهو النهج الذي لجأت إليه معظم الدول المتقدمة لكونه أقرب بكثير من نهج الاندماج بالليزر لتحقيق هدف توليد الكهرباء. ويجري حالياً تشييد المفاعل النمطي العالمي الذي تساهم فيه دول كثيرة منها الولايات المتحدة. ‏ومن المتوقع بناء مفاعل نمطي شبه تجاري باستخدام هذه التقنية في العقد المقبل. وهناك شركات خاصة أنشئت بهدف تطوير تصاميم متعددة لمفاعلات الاندماج النووي بنهجيها والاستفادة منها تجارياً، حيث حصلت هذه الشركات على تمويل بمليارات الدولارات من كبار المستثمرين وصناديق المخاطرة. وقد ينجح بعضها في إنتاج الكهرباء تجارياً قبل منتصف القرن، إلا أن العقبات الإضافية التي يجب التغلب عليها من أجل الوصول إلى مفاعل اندماج مغناطيسي عملي ما زالت هائلة.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
TT

حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة

في عيادة حديثة، قد يقدّم الذكاء الاصطناعي تشخيصاً خلال لحظات، ويضع أمام الطبيب احتمالات محسوبة بعناية. لكن المريض، حين يجلس قبالته، لا يحمل أرقاماً مجردة، بل حكاية كاملة: تاريخاً صحياً، وأسلوب حياة، وقلقاً دفيناً، وتفاصيل لا مكان لها في قواعد البيانات. عند هذه النقطة يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن للذكاء الاصطناعي، مهما تعاظمت قدرته الحسابية، أن يفهم الإنسان الفرد؟

على امتداد السنوات الماضية، سجَّل الذكاء الاصطناعي الطبي قفزات لافتة: نماذج تتدرّب على ملايين السجلات، تحلّل الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية أحياناً، وتنتج تنبؤات صحية على مستوى المجتمعات. بدا وكأن الطب يخطو نحو عصر جديد تقوده الخوارزميات. غير أن هذا التقدُّم ذاته فجَّر سؤالاً أعمق: هل التفوّق مع الجماعة يضمن الفهم الحقيقي للإنسان الواحد؟

ذكاء اصطناعي يفكر وإنسان يقرر

ذكاء يفهم الملايين... ويتعثّر أمام الفرد

تعتمد «النماذج العالمية» في الطب الذكي على التعلّم من كتل هائلة من البيانات الصحية، تمتد عبر مؤسسات ودول وسنوات طويلة. وبهذا، تنجح في رصد الأنماط العامة للأمراض، ومسارات تطورها، واستجاباتها العلاجية. غير أن الطب، في جوهره العميق، لا يُمارس أعماله على «المستويات المتوسطة».

القرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوَّل إلى قرار خاطئ إنسانياً

إن الدواء الذي يثبت نجاحه إحصائياً لدى الغالبية قد لا يلائم مريضاً بعينه. والقرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوّل إلى قرار خاطئ إنسانياً. هنا تتجلى المفارقة: الذكاء الاصطناعي يتقن التنبؤ، لكنه يعجز غالباً عن تفسير لماذا يحدث ذلك لهذا الشخص تحديداً.

بحث حديث يضع المرآة أمام الذكاء

في يناير (كانون الثاني) 2026، نُشر بحث علمي لافت على منصة «أركايف» العلمية (arXiv)، وهي مستودع بحثي مفتوح تُنشر فيه الدراسات الأولية قبل تحكيمها النهائي. أعدّ البحث فريق دولي من مختصي الذكاء الاصطناعي الطبي وعلوم البيانات الصحية، وناقش بشكل مباشر حدود ما يُعرف بـ«النماذج العالمية» (Foundation Models)، وهي نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات لتكوين فهم عام قابل للتطبيق في مجالات متعددة. وتعكس الدراسة، التي لم تصدر بعد في مجلة علمية مُحكَّمة، مساراً بحثياً متقدِّماً في الأوساط الأكاديمية الغربية، وتطرح سؤالاً غير مريح: هل صُمّمت هذه النماذج أساساً لفهم الإنسان الفرد، أم لإدارة صحة الجماعات فقط؟

ويشير الباحثون إلى أن النماذج العالمية، رغم قوتها الحسابية واتساع نطاقها، ليست مهيّأة بطبيعتها لاتخاذ قرارات علاجية دقيقة على مستوى الفرد الواحد.

اقتراح تطوير نماذج هجينة

لذلك يقترحون التوجَّه نحو نماذج هجينة، تمزج بين الذكاء الاصطناعي واسع النطاق وتجارب فردية من نوع N-of-1، أي دراسات تُصمَّم خصيصاً لمريض واحد، تُراقَب فيها استجابته للعلاج عبر الزمن بدل مقارنته بمتوسطات جماعية، بما يعيد الاعتبار للمريض بوصفه وحدة القرار الأساسية، لا مجرّد رقم ضمن معادلة إحصائية.

فرد واحد خارج الحساب

المريض ليس نقطة بيانات

هذا النقاش لا يتعلّق بالتقنية وحدها، بل يمسّ جوهر فلسفة الطب. من هو المريض في زمن الذكاء الاصطناعي؟ هل هو سجلّ رقمي تُحلَّل معطياته؟ أم إنسان يخوض تجربة المرض داخل سياق نفسي واجتماعي وزمني لا يمكن ضغطه في خوارزمية؟

في الطب التقليدي الحديث، لم يكن الطبيب يعالج عضواً منفصلاً، بل كياناً إنسانياً متكاملاً. واليوم، تعيد الخوارزميات طرح السؤال ذاته، ولكن بلغة رقمية حديثة: هل نفهم الجسد فقط... أم نفهم الإنسان؟

القرار الطبي... من يملك الكلمة الأخيرة؟

مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى فضاء القرار السريري، يطفو سؤال أخلاقي لا يمكن القفز فوقه: من صاحب القرار؟ الخوارزمية التي تقترح؟ أم الطبيب الذي يتحمّل المسؤولية؟ أم المريض الذي يعيش نتائج هذا القرار؟

وتشير الأبحاث الرصينة اليوم إلى إجابة متوازنة: الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم. يوسّع مساحة الفهم، لكنه لا يمتلك سلطة القرار. فالقرار الطبي ليس معادلة حسابية فحسب، بل لحظة توازن دقيقة بين العلم والخبرة... وقيم الإنسان نفسه.

ذكاء يعرف متى يتراجع

المفارقة أن نضج الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعني مزيداً من الهيمنة، بل قدراً أعلى من التواضع: أن يعرف متى يتقدّم، ومتى يتراجع خطوة إلى الخلف. فالقيمة الحقيقية لهذه النماذج لا تكمن في أن تحلّ محل الطبيب، بل في أن تعينه على الرؤية الأبعد، دون أن تنتزع منه سلطة القرار.

قد يبرع الذكاء الاصطناعي في قراءة صحة الملايين، لكن الطب لا يستعيد إنسانيته إلا حين يتوقّف أمام إنسان واحد، ويُنصت إلى قصته... لا إلى متوسطٍ إحصائي.

وأخيراً، فإن المستقبل الصحي لا يحتاج إلى ذكاءٍ يُفكّر بدل الطبيب، بل إلى ذكاءٍ يعيد إليه صفاء الرؤية، ويترك له - وللمريض - حق الاختيار. وحين يتعلّم الذكاء الاصطناعي الاعتراف بحدوده، يبدأ الطب في استعادة جوهره الأصيل: علمٌ يقوده العقل... ورعايةٌ تحفظ إنسانية الإنسان.

وكما قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: «الإنسان غاية في ذاته، وليس مجرّد وسيلة». عندها فقط، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الإنسان... لا العكس.


كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.