جورج خباز لـ «الشرق الأوسط» : مشتاق إلى الممثل الكلاسيكي الموجود بداخلي

يشارك في بطولة الفيلم العالمي «يونان»

مع أمل عرفة في مسلسل «براندو الشرق»
مع أمل عرفة في مسلسل «براندو الشرق»
TT

جورج خباز لـ «الشرق الأوسط» : مشتاق إلى الممثل الكلاسيكي الموجود بداخلي

مع أمل عرفة في مسلسل «براندو الشرق»
مع أمل عرفة في مسلسل «براندو الشرق»

«وأنا عم فتش عا براندو، لقيت حالي بالغلط». بهذه الكلمات التي يتضمنها الإعلان المصور الترويجي لمسلسل «البحث عن براندو الشرق» يمكن اختصار تجربة الممثل جورج خباز مع هذا العمل الجديد.
جورج الذي سرقه المسرح لأكثر من 17 عاماً كانت إطلالاته الدرامية قليلة نسبياً، ها هو يعود اليوم إلى هذه الساحة من بابها العريض.
يملك خباز مواهب فنية متعددة تتمحور حول التمثيل والإخراج والكتابة والغناء والتلحين والعزف. ومن تابع مشواره الفني لا بد أن تلفته كل هذه الطاقة التي يملكها. فهو ومهما فرّغها في عمل سينمائي أو مسرحي هنا وآخر درامي هناك، ستشعر بأنه لا يزال يملك الكثير. يسابق الوقت بحيث لا وقت عنده للسكينة والهدوء، وهو يستعد اليوم لإطلالات مختلفة بين السينما والمسلسلات الدرامية.
أعمال بالجملة شرع خباز في التحضر لها، وهي بمثابة إطلاق سراح حصل عليه مؤخراً، بعد وقفة فرضتها عليه جائحة «كورونا» وأزمات لبنان المتلاحقة.
أول أعماله الدرامية التي سترى النور في 3 يناير (كانون الثاني) المقبل «البحث عن براندو الشرق». فهو من كتابته وإخراج صديقه أمين درة الذي ألّف معاً ثنائياً ناجحاً، كان أحدثه الفيلم السينمائي «غدي». أما أبطال العمل إلى جانب خباز وأمل عرفة، فهم باقة من نجوم الشاشة الصغيرة ككميل سلامة، وفؤاد يمين وزينة مكي، وغيرهم.

يلعب في «براندو الشرق» دورعازف البيانو يوسف

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «اليوم أعود إلى الساحة الدرامية التي أعتبرها عودة حميدة لي بعد انقطاع. وفي (براندو الشرق) وجدت كل ما يمكن أن يراود ممثل من طاقة وقاعدة درامية ومواقف كوميدية وفانتازيا ورومانسية، وغيرها. فهو يشكّل فرصة لي أعتز بها، خاصة بعد التجربة التي خضتها في فيلم (أصحاب ولا أعز). وهذا المسلسل سيثبت هذه الحالة التي مررت بها والتي انعكست عليّ إيجاباً بمطارح كثيرة».
يحكي «براندو الشرق» وهو من نوع الكوميديا السوداء عن مخرج سينمائي يدعى يوسف (جورج خباز) يبحث عن بطل لفيلمه الجديد. وخلال رحلته هذه يمر في حالات حزن ودموع وفرح فيعثر على «براندو الشرق» في شخصه.
تشارك الممثلة السورية أمل عرفة، خباز في بطولة العمل الذي هو من إنتاج شركة «الصبّاح». وعمن اختارها لتقوم بهذه المهمة، يقول خباز «جميعنا اخترناها، الشركة المنتجة والمخرج درة وأنا. فهي من الممثلات اللاتي يبرعن في الدراما كما في الكوميديا. تملك مسؤولية كبرى في أدائها وقلة من الممثلين يبرعون في ذلك». هل تريد القول بأنها تشبهك في هذا الموضوع؟ يرد «تماماً، فنحن ننتمي إلى نفس الخندق وإلى الممثلين الذين يسيرون على حبل مرتفع بإتقان».
يتألف المسلسل من 10 حلقات سيبدأ عرضها على منصة «شاهد» في 3 يناير المقبل. وسيتابع خلاله المشاهد عملاً درامياً لا يشبه غيره، لما يتضمن من مواقف ومفاجآت يستمتع بها على صعيد التمثيل والمحتوى والإخراج.
ومن ناحية ثانية، يتحضر خباز لدخول استوديوهات لتصوير المسلسل الرمضاني «النار بالنار». وهو أيضاً من إنتاج «الصبّاح إخوان» وكتابة رامي كوسا وإخراج محمد عبد العزيز. أما أبطاله، فيتألفون من عابد فهد، وكاريس بشار، وجورج خباز، وطوني عيسى، وزينة مكي وطارق تميم ونخبة من الممثلين اللبنانيين والسوريين. وسيتم عرضه، على محطات عربية عدة، وكذلك على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال (LBCI) اللبنانية.
ويخبرنا خباز عن قصة العمل، ويتألف من 30 حلقة «إنه يحكي عن حارة شعبية وصراع يدور فيها بين لبنانيين ونازحين سوريين. الموضوع رائع لم يجرؤ أحد بعد على مقاربته من قبل. وألعب فيه شخصية اللبناني عزيز ابن الحي وصاحب شخصية انطوائية. فهو أستاذ بيانو ويشكو من التغييرات التي لامست معالم الحي الذي يسكنه وغير راضٍ على البيئة المحيطة به. فما عاد يعرف إذا الحي هو سوري أم لبناني الهوية، ويميل أكثر نحو الفقر بعيداً عن الرفاهية التي كانت تطبعه».
لا يتابع خباز كثيراً أعمال الدراما؛ كونه يتفرغ بشكل كبير لأعماله التي تسرق منه كل الوقت. ولكنه يعلق «أنا سعيد جداً بما تشهده الدراما بشكل عام فهناك إنتاجات كثيرة ومنوعة وعلى المستوى المطلوب. إنها غزيرة ولو بينها الرديء وهو أمر طبيعي في إنتاجات لبنانية أو مختلطة. كما أن المنصات الإلكترونية أسهمت في انتشارها وهو أمر جيد برأيي».
منذ فترة وجيزة تواجد خباز في الكويت، حيث أقام ورش عمل خاصة بالمسرح. فدرّب مجموعة من محترفي التمثيل وهواة المسرح على عدد من المبادئ الأساسية لإعداد الممثل. وعرّفهم على قواعد تقنية ونفسية يجب اتباعها قبل الوقوف على خشبة المسرح. «جولتي هذه بدأتها في الكويت، ومن بعدها توجهت إلى مصر والسعودية، حيث شاركت في مهرجان البحر الأحمر السينمائي». وعما اكتشفه في المسرح الخليجي، يقول «هناك مواهب كبيرة عندهم وتستأهل تسليط الضوء عليها. ولكن يلزمها العناية والدراية في موضوع المسرح. كما أن هناك نقاط تشابه كثيرة بين مسرحينا فنلتقي في مطارح عدة. عندهم مثلنا موضوعات كوميديا اجتماعية هادفة، وأخرى تتناول قضايا معيشية يومية».
يغيب مسرح جورج خباز منذ فترة لا يستهان بها، هو الذي اعتاد على مدى 17 عاماً تقديم مسرح يومي. فكان وعلى مدى 6 أشهر في الموسم الواحد يقدم 6 حفلات بالأسبوع من الثلاثاء حتى الأحد. فهل يعوّض اليوم هذا الغياب بالدراما ويأخذ استراحة من المسرح؟ «المسرح هو من أخذ استراحة منا بسبب جائحة (كوفيد – 19) أولاً، والأزمة الاقتصادية التي ألمّت بلبنان وبأهله من بعدها. ولا أستطيع أن أخون جمهوري المسرحي وأحدد أسعار بطاقات لا يتحملها في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة. فمجمل رواد مسرحي هم من الطبقة الشعبية وما دون، إضافة إلى شريحة أخرى مرتاحة مادياً. فكان لا بد أن أفكر بهم؛ لأن كلفة دخول المسرح قد تتخطى المليوني ليرة بالنسبة لعائلة صغيرة صاحبة ميزانية خجولة. ولذلك؛ أتروى اليوم في العودة إلى المسرح في انتظار ما ستحمله لنا الأيام المقبلة».
وهل تجد تعويضاً في الدراما؟ «هو تعويض نسبي، وطبعاً بغير تقنيات، ولكنها أفضل من البقاء مكانك راوح».
يطول الحديث مع الفنان الشامل جورج خباز بين المسرح والتلفزيون ولكننا نتوقف عند خطوة عالمية يقوم بها على صعيد السينما. فقد أعلن أخيراً، أنه بصدد المشاركة في بطولة فيلم «يونان» للمخرج السوري أمير فخر الدين. ويجمعه مع البطلة الألمانية آنا شيغولا والممثلة التركية سيبيل كيكيلي المعروفة بدورها في المسلسل الشهير Game of Thrones، وبمشاركة الفنان السوري باسم ياخور.
وتدور أحداث الفيلم حول كاتب عربي في ألمانيا يسافر إلى جزيرة نائية بهدف الانتحار، ليلتقي بامرأة عجوز، توقظ فيه الرغبة في الحياة. وسيصوّر الفيلم في مارس (آذار) المقبل في هامبورغ بألمانيا. وهو من إنتاج مشترك ألماني وفرنسي وإيطالي. ويخبرنا خباز قصته مع هذا الفيلم «لقد شاهدني الكاتب والمخرج أمير فخر الدين في فيلم (أصحاب ولا أعز) على منصة (نتفليكس). فاتصل بي من خلال رسالة إلكترونية تضمنت فيلمه السينمائي (الغريب). فأعجبت كثيراً برؤيته السينمائية؛ لأنه يجمع ما بين تاركوفسكي وبرغمان. فقرأت نص فيلم (يونان) وأعجبت بالشخصية المسندة لي ووافقت على لعب دور الكاتب فيه».
ويرى خباز، أن فيلم «يونان» يعتبره فرصة سانحة له؛ فهو كغيره من الفنانين يحلم بالعالمية، ولكنها لم تشكل هاجساً عنده. واليوم وبعد «أصحاب ولا أعز» تلقى خبّاز عروضاً كثيرة للمشاركة في أفلام عالمية، ولكنه لم يكن يملك الوقت للمشاركة فيها. «(أصحاب ولا أعز) أثّر في مسيرتي الفنية بشكل لافت وعرّف العالمين العربي والغربي عليّ. كما أني أعمل في مجال أعشقه ومن الجيد أن ألاقي فرصة في عمل لست من يكتبه أو يخرجه كما هي العادة. فهو يغني رؤيتي بإضافات أخرى ويزودني بخبرة وتصور للأمور من منظار آخر. كما أني مشتاق للممثل الكلاسيكي الموجود داخلي».
وعما إذا هو يهنئ نفسه لما بلغه من إنجازات فنية يختم «طبعاً أهنئ نفسي وأهنئ كل ممثل لبناني استطاع أن يصنع شيئاً للبنان في ظل ظروف صعبة نعيشها. نعم أهنئ نفسي ليس من باب الغرور فحسب، بل من باب الواقع».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

سكان ضاحية بيروت يستغلون هدنة غير معلنة لتفقد منازلهم

دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

سكان ضاحية بيروت يستغلون هدنة غير معلنة لتفقد منازلهم

دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

يتحرك النازحون من ضاحية بيروت الجنوبية، بحذر وقلق، باتجاه منازلهم. يتفقدون ما حل بها، وعلى عجل، يحاولون سحب جزء من الملابس أو الحاجيات اليومية، ويعودون أدراجهم إلى حيث نزحوا، مستغلين تهدئة هشّة، لا يعرفون ما إذا كانت وهماً، أو حقيقة.

ومنذ التصعيد الكبير يوم الأربعاء في الاسبوع الماضي، لم تتعرض ضاحية بيروت الجنوبية لأي غارة إسرائيلية، رغم أن المسيَّرات لا تفارق أجواءها. نقلت وسائل إعلام عن مسؤول في «حزب الله» أن هناك «ما يبدو أنه تحييد للعاصمة وضاحيتها الجنوبية»، من غير أن يجزم بذلك... لكن الدولة اللبنانية، لم تعلن شيئاً من هذا القبيل، كما لم تعلنه إسرائيل أو الولايات المتحدة، مما أبقى السكان في دائرة القلق.

لكن بين التهدئة غير المعلنة، وغياب الغارات، يتحرك الناس على قاعدة الفرصة المؤقتة، يختبرونها سريعاً، ثم ينسحبون، لأنهم لا يعرفون متى تُقفل مجدداً.

بحث عن عام دراسي

في منطقة المريجة، تختصر زينب هذه المفارقة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «ما يُقال عن تحييد بيروت، لم يمنحها شعوراً حقيقياً بالأمان، لكنه أتاح لها نافذةً صغيرة لاتخاذ قرارٍ ظلّ مؤجلاً». نزلت إلى منزلها، مترددة، محكومةً بحسابٍ دقيق بين الخوف والحاجة، فقط لتجلب الكتب المدرسية لابنتها البالغة من العمر خمسة عشر عاماً.

تقول: «لم يكن النزول قراراً سهلاً، لكنني شعرت بأن عليّ استغلال أي هامش يُقال إنه متاح، مهما كان هشّاً». بالنسبة إليها، لم تكن الخطوة مجرّد إجراء عملي، بل محاولة لحماية ما تبقّى من انتظام حياة ابنتها. وتفصح: «يكفي ما نخسره يومياً من أمان واستقرار، لا أريد أن تخسر عامها الدراسي أيضاً».

داخل المنزل، بدت اللحظة مشحونة بالتناقض. الشوارع هادئة أكثر من اللازم، والحيّ مألوف وغريب في آنٍ معاً. تحرّكت بسرعة، كأنها تختصر الزمن، جمعت الكتب والدفاتر وبعض الحاجيات، وغادرت من دون أن تطيل البقاء. «كان فعلاً من أفعال الأمومة في وجه القلق»، تقول إن التعليم في مثل هذه الظروف يتحول إلى «محاولة للتمسّك بالحياة».

لكن هذا الهامش لا يبدّل في القاعدة العامة، فالأمان لا يزال غائباً. تتعامل زينب مع عناوين التهدئة بحذر، مشيرةً إلى أنها لا تبني عليها «قرارات طويلة الأمد»، بل تتحرك «وفق فرص صغيرة». في نظرها، الهدوء الحالي «ليس طمأنينة، بل صمت ثقيل يسبق المجهول».

مبنى متضرر جراء غارة جوية إسرائيلية في بيروت (د.ب.أ)

نزول خاطف

في بئر العبد، يصف حسن ما جرى خلال الأيام الماضية بأنه «نزول خاطف» لا أكثر. لم تكن عودةً فعلية إلى الحياة، بل لحظات قصيرة اقتنصها الأهالي لاستعادة بعض ما تركوه خلفهم. يؤكد أنّ «الذي كان ينتظر الفرصة، كان ينزل لعشر دقائق أو ربع ساعة بالكاد، يلتقط ما يستطيع، ثم يغادر فوراً».

هذا السلوك، برأيه، يعكس تبدّل حسابات الناس مع امتداد الحرب. «كثيرون نزلوا لجلب ملابس صيفية وربيعية، بعدما ظنّوا في البداية أن النزوح سيكون قصيراً. الآن صار واضحاً أن الأمور قد تطول».

يضيف: «لكن الحاجة ليست وحدها ما يدفع الناس إلى النزول. أحياناً الحنين هو الدافع الأول». يستعيد حسن تجربته الشخصية حين توجّه إلى برج البراجنة، حيث غيّر زيت سيارته. يكشف عن أنّه «لم يكن الأمر مجرد تصليح سيارة، بل محاولة للتمسّك بتفصيل صغير من حياتي الطبيعية». في تلك اللحظة، بدت بعض المحال مفتوحة بشكل متقطّع، في مشهد يعكس إصراراً خجولاً على الاستمرار.

المشهد في الضاحية، كما يصفه، متقلّب ومربك: «في لحظة تشعر بشيء من الأمان، ترى الناس في الشارع أو محالاً مفتوحة، فتقول إن الحياة عادت. لكن هذا الإحساس هشّ. بعض الطرق تشهد حركة محدودة، فيما تبدو أخرى شبه مشلولة، كأنها تعيش بين حالتين: الحياة والتوقف».

بين من ينزل ليتفقد بيته من داخل السيارة فقط، ومن يرفض المخاطرة تماماً، تتباين ردود الفعل. إذ يشدّد على أنّ «الحنين يدفعك إلى النزول، لكن الخوف يوقفك عند أول زاوية».

صدمة في «اللسان تيريز»

في منطقة السان تيريز، تأخذ هذه التجربة منحى أكثر قسوة. يقول أحد أبناء المنطقة إنّه استند إلى ما تردّد عن تحييد بيروت لينزل إلى منزله، مدفوعاً بهامش من الأمان قيل إنه متاح. كان المنزل قد تعرّض لدمار جزئي، لكنه بقي قائماً، ما عزّز لديه الأمل بأن يجد ما تركه كما هو.

تصاعد الدخان عقب غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أكن مطمئناً بالكامل، لكنّني شعرت بأن الفرصة قد لا تتكرّر»، مضيفاً أنّه أراد «أن يرى البيت بعينيه بعد أسابيع من الغياب».

لكن اللحظة التي توقّع أن تحمل شيئاً من الطمأنينة تحوّلت إلى صدمة. «فوجئت بأنّ المنزل تعرّض للسرقة، والأغراض لم تعد موجودة». لم تكن الخسارة مادية فقط، بل نفسية أيضاً: «شعرت بأنّ الأمان الذي استندت إليه لم يكن موجوداً أصلاً».

يصف إحساسه عند الوصول بأنه «ثقيل لا يُوصف»، مضيفاً: «ما يُقال شيء، وما نعيشه شيء آخر». بالنسبة إليه، كشفت التجربة عن هشاشة كلّ ما يُبنى على عناوين التهدئة، وطرحت سؤالاً أكبر عن معنى الأمان نفسه في ظل واقع متقلّب.

الضاحية في المنطقة الرمادية

في حارة حريك، يبدو المشهد أكثر ميلاً إلى الحذر. يقول مروان إن الحركة لا تزال «محدودة ومتقطعة، مع غياب أي مؤشر إلى عودة واسعة للسكان. بعض الأحياء شبه خالية، وأخرى تشهد حركة خجولة لا تعكس اطمئناناً فعلياً».

هذا التفاوت، برأيه، يرتبط بتقدير كلّ مجموعة لمستوى المخاطر. «الناس يتصرفون بحذر شديد، هناك من يفضّل التريث، وآخرون يحاولون تدبير أمورهم بالحد الأدنى». لكن العامل الحاسم يبقى القلق، حتى لدى من يخرجون لقضاء حاجاتهم.

في تجربته الشخصية، اضطر مروان إلى النزول لتأمين احتياجات أسرته، خصوصاً الملابس. لم يكن الأمر مجرد تدبير موسمي، بل «استعداداً لمرحلة قد تطول». يقول: «جلبت ملابس صيفية وربيعية لأنني أشعر بأن الحرب لن تنتهي قريباً».

أما عن الإحساس بالأمان، فيصفه بأنه «ارتياح مؤقت سرعان ما يتلاشى». ويرى أنّ «الحديث عن التهدئة يمنح الناس لحظة نفسية أفضل، لكن في داخلهم لا يزالون يتوقعون الأسوأ. لذلك، لا يتصرفون كأن الأمور حُسمت نحو التهدئة».


سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
TT

سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)

في صالة مكتظة داخل ملعب في مدينة القامشلي بشمال شرقي سوريا، ينتظر فراس أحمد، مع عشرات الأكراد الذين يحملون مستندات وصوراً شخصية، أن يحين دوره ليتقدّم بطلب الحصول على الجنسية السورية، وهو الحق الذي حرم منه عشرات الآلاف لعقود.

ويقول أحمد (49 عاماً): «الإنسان بلا جنسية يُعتبر من الموتى، تخيّلوا أنني لا أستطيع أن أسجل أولادي، أو البيوت بأسمائنا». ويشرح: «لم يملك جدي الجنسية، وكنا نعيش حتى الآن من دون وثائق» رسمية.

مركز لتلقي طلبات التجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

على طاولات اصطف أمامها طابور طويل، تناثرت استمارات التسجيل المختومة بشعار الدولة السورية، إلى جانب صور شخصية، ووثائق قديمة، بينما انهمك موظفون حكوميون في تسجيل البيانات، قبل أن تظهر على إحدى الشاشات عبارة «تمت بنجاح»، على ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» في تقرير لها الخميس.

ومنذ الأسبوع الماضي، يتوافد سوريون أكراد من «مكتومي القيد»، وممن لا يملكون أوراقاً ثبوتية رسمية إلى مراكز مخصصة للتسجيل، وتقديم الطلبات في مدن عدة في شمال شرقي سوريا، بينها القامشلي، والحسكة، والمالكية، إضافة إلى أخرى في محافظات حلب، ودير الزور، والرقة، ودمشق، بناء على إيعاز من وزارة الداخلية.

ويأتي ذلك تطبيقاً لمرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في يناير، ونصّ على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، بمن فيهم مكتومو القيد، بعد عقود من حرمان عشرات الآلاف منهم من الجنسية.

كما أقر حقوقاً ثقافية ولغوية للأكراد، بينها اعتبار لغتهم «لغة وطنية».

وصدر المرسوم في خضم مناوشات استمرت لأسابيع بين المقاتلين الأكراد الذين كانوا يسيطرون على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا والقوات الحكومية، وانتهت بتوقيع اتفاق أواخر يناير نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية وقواتها تباعاً في إطار مؤسسات الدولة.

مسنة كردية تقدم طلبها للتجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

وتبعت ذلك خطوات عدة، بينها دخول قوات الأمن إلى مدينتي الحسكة، والقامشلي، ثم تسلم الدولة إدارة مطار القامشلي في فبراير (شباط)، وتعيين القيادي العسكري الكردي البارز سيبان حمو في مارس (آذار) معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية، في إطار تطبيق بنود الاتفاق.

«عانينا كثيراً»

وتقول غالية كلش، وهي أم لخمسة أطفال، باللغة الكردية: «عانينا كثيراً من الصعوبات، لم يستطع أولادي الخمسة استكمال دراستهم، ولم يكن بمقدورنا السفر نهائياً».

وتتابع: «حتى الآن منزلنا ليس مسجلاً باسمنا».

وانعكس الحرمان من الجنسية على تفاصيل الحياة اليومية برمّتها، من تعذُّر تسجيل الولادات، وتثبيت الملكيات، إلى صعوبات الدراسة، والتنقل، والعمل، والسفر، ما أبقى كثيرين على هامش الدولة من دون اعتراف قانوني كامل بوجودهم.

ويعود حرمان الأكراد من الجنسية إلى تدابير استثنائية نجمت عن إحصاء مثير للجدل أجري عام 1962 في محافظة الحسكة (شمال شرق)، وتمّ بموجبه سحب الجنسية من عشرين في المائة من المكون الكردي حينها.

وإثر ذلك، عانى الأكراد، الذين يشكلون أساساً نحو مليونين من أصل 20 مليون سوري، من التهميش من جانب الحكومات السورية المتعاقبة، فحرموا طيلة عقود من تعليم لغتهم، والاحتفال بأعيادهم، وممارسة تقاليدهم.

وبحسب تقديرات «شبكة ضحايا انعدام الجنسية» الكردية المحلية في الحسكة، يبلغ عدد مكتومي القيد في سوريا حالياً نحو 150 ألف شخص، وفق ما يشرح عضو الشبكة علي موسى.

ملفات التجنيس... (أ.ف.ب)

ويطالب موسى السلطات بإبداء «مرونة في تطبيق القرار، وتقديم تسهيلات للمقيمين خارج سوريا»، والذين لم يشملهم مرسوم الشرع، مع توفير بدائل، لا سيما أن كثيراً منهم يعانون «صعوبة السفر إلى سوريا بسبب القيود المتعلقة بكونهم طالبي لجوء في بلدان أوروبية، أو تخوفهم على إقامتهم في ظل ظروف الحرب الإيرانية التي أغلقت معظم المطارات بسببها».

ومن المقرر أن تبقي السلطات السورية مراكز التسجيل مفتوحة لمدة شهر.

ويوضح مسؤول شؤون الأحوال المدنية في الحكومة السورية عبد الله العبد الله، أن «المدة المفترضة للتسجيل هي شهر واحد قابل للتمديد». ويضيف: «أهم تعويض لهؤلاء الناس هو اكتساب الجنسية بعد حرمان استمر سنوات».

من أحد مراكز تلقي طلبات التجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

داخل مركز التسجيل، يروي محمّد أيو (56 عاماً) كيف لازمه الإحساس بالعجز باعتباره «مكتوم القيد». ويشرح: «تدرس سنوات طويلة، وفي النهاية يقولون لا شهادة لك»، مشيراً إلى أنه لم يتمكن بعد إنهاء المرحلة الثانوية من الحصول على وثيقة تتيح له متابعة دراسته الجامعية.

ويضيف أيو، الذي يعمل في التجارة العامة، أنّ الحرمان طال أيضاً حقوقاً مدنية أساسية، إذ «لم يكن لدينا الحق في الترشح، أو الانتخاب». ويوضح كيف تعذّر عليه الحصول على شهادة لقيادة السيارة، وحتى الإقامة في فندق في دمشق، كون ذلك تطلب الحصول على «ورقة أمنية» مسبقة.


دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)
صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)
TT

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)
صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

ورحّبت الخارجية، في بيان، بـ«عملية التسليم الجارية والنهائية للمواقع العسكرية التي كانت تشغلها القوات الأميركية في سوريا إلى الحكومة السورية»، مضيفةً أن التسليم جرى «بمهنية عالية وبالتنسيق الكامل بين الحكومتين السورية والأميركية».

وأتى ذلك بعيد إعلان وزارة الدفاع أن قواتها تسلّمت قاعدة «قسرك» في شمال شرقي البلاد بعد انسحاب قوات التحالف.

ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) عن وزارة الدفاع قولها في بيان، إن قوات الجيش السوري «تتسلم قاعدة (قسرك) الجوية بريف الحسكة، بعد انسحاب قوات التحالف الدولي». وسبق للتحالف أن انسحب من قواعد عدة في سوريا خلال الأسابيع الأخيرة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

وأشار بيان الخارجية السورية إلى أن استعادة الدولة السورية سيادتها على المناطق التي كانت خارج نطاق السيطرة، بما في ذلك الشمال الشرقي والمناطق الحدودية، تأتي ثمرةً للجهود المتواصلة التي بذلتها الحكومة السورية لتوحيد البلاد ضمن إطار دولة واحدة.

ورأت الخارجية أن اكتمال تسليم المواقع الأميركية يشكّل نتيجة طبيعية لنجاح عملية دمج «قوات سوريا الديمقراطية» ضمن البنى الوطنية وتحمّل الدولة السورية مسؤولياتها الكاملة في مكافحة الإرهاب والتصدي للتهديدات الإقليمية على أراضيها.

Your Premium trial has ended