«الخوف» يحاصر مستقبل نيجيريا

تزايد حوادث العنف المدفوعة باعتبارات «طائفية وقبلية»

العنف المتزايد صار آفة في نيجيريا (أ.ب)
العنف المتزايد صار آفة في نيجيريا (أ.ب)
TT

«الخوف» يحاصر مستقبل نيجيريا

العنف المتزايد صار آفة في نيجيريا (أ.ب)
العنف المتزايد صار آفة في نيجيريا (أ.ب)

بات شبح الخوف يهدد مستقبل نيجيريا، خاصة في ولاياتها الشمالية، في ظل استمرار أحداث العنف المدفوع بصراعات قبلية ودينية وطائفية، تنذر بتفجر الأوضاع إذا ما تحالفت عصابات «قطاع الطرق»، ذات الانتماءات القبلية والدوافع المادية، مع تنظيم «بوكو حرام» المتطرف، بدوافعه السياسية المعروفة والرامية إلى فرض السيطرة على عدد من دول القارة الأفريقية، تحت لواء «تنظيم داعش» الإرهابي. أيا كانت الجهة المسؤولة عن أحداث العنف، فالمواطنون النيجيريون هم من يدفعون الثمن.، وخلال الفترة الماضية شهدت البلاد حوادث دامية بدأت بحادث أسفر عن مقتل 12 مصليا واختطاف آخرين في هجوم للعصابات المسلحة في شمال البلاد. ولم تمض أيام قليلة، حتى قُتل مدنيان وأربعة شرطيين برصاص مسلّحين هاجموا دورية للشرطة قرب سوق تجارية بالقرب من الحدود مع النيجر، وفقا لما أعلنته السلطات النيجيرية. وتأتي مثل هذه الحوادث استمرارا لمسلسل العنف الدامي في نيجيريا، ففي الخامس من شهر يوليو (تموز) الماضي، اقتحم أكثر من مائة مسلح سجن كوجي بضواحي العاصمة أبوجا، مستخدمين المتفجرات لتحرير مئات المعتقلين، وبينهم حوالي 70 متطرفاً. ثم يوم 20 يوليو قتل 17 شخصا بينهم 5 شرطيين في هجمات مسلحة شنتها عصابة إجرامية في ولاية كاتسينا (شمال غربي نيجيريا)، ووفقا للمعلومات الرسمية فإن «مجموعة تضم 300 من قطاع الطرق، أغاروا على قرية غاتاكاوا في منطقة كانكارا، وهاجموا مركزا للشرطة». ولم يمر أسبوع واحد حتى قتل 13 شخصا من هواة جمع الخردة المعدنية في مدينة باما، بولاية بورنو (شمال شرق) في انفجار قنبلة من بقايا الصراع الطويل بين الحكومة والجماعات المتطرفة، الذي تسبب في مقتل أكثر من 40 ألف شخص، وتشريد 2.2 مليون آخرين، وفقا للتقديرات الحكومية الرسمية، في حين يقدر عدد ضحايا العنف، جراء هجمات مجموعات قطاع الطرق بأكثر من 2600 مدني عام 2021، بزيادة تتجاوز 250 في المائة مقارنة بعام 2020، كما تسبب قطاع الطرق في تشريد نحو 11500 نيجيري.
تصاعد أحداث العنف اليومية في نيجيريا يرصده مجلس العلاقات الخارجية الأميركي بشكل دوري. ولقد أشار أخيراً إلى أن أعداد الضحايا جراء هذه الأحداث، بصرف النظر عن الجهة المسؤولة (الدولة، بوكو حرام، الجماعات الطائفية، وغيرها) بلغ 93.938 شخصا في الفترة من مايو (أيار) 2011 وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2022، بينهم 18.992 شخصا ضحايا هجمات تنظيم «بوكو حرام»، و22.658 شخصا ضحايا هجمات مشتركة أجهزة الدولة و«بوكو حرام»، إضافة إلى 15.980 شخصا ضحايا أحداث نفذتها أجهزة الأمن، و19.983 شخصا سقطوا في صراعات طائفية. ووفق مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، فإن مستقبل نيجيريا في خطر بسبب تصاعد أعمال العنف اليومية، بما في ذلك عمليات الاختطاف، والهجمات ذات الدوافع الدينية، والاعتداءات من قبل العصابات المسلحة ووحشية الشرطة في حال فشل السلطات في احتواء هذه الفوضى.
ما يذكر أن ارتفاع عدد ضحايا العنف جراء هجمات عصابات «قطاع الطرق» دفع الحكومة النيجيرية الاتحادية في يونيو (حزيران) الماضي إلى «حث السكان على حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم»، نتيجة لـ«النقص في تمويل تنفيذ العمليات ضد قطاع الطرق»، ما اعتبره محللون إنذارا بتفجر الأوضاع. إلا أن مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، في تقرير نشرته في يوليو الجاري، علّقت معتبرة «أن وضع السلاح بين أيدي المدنيين سيكون بمثابة دعوة لفوضى شاملة، تؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح، وتزيد من ترسيخ الصراع العنيف الذي طال أمده في ولاية زامفارا، والمنطقة الشمالية الغربية بشكل عام».
- صراع قبلي أم نزاع على الموارد
تتمركز عصابات قطاع الطرق في ولايات شمال غربي نيجيريا، وتعتبر ولاية زامفارا «بؤرة الأزمة» حيث يوجد فيها، وفي خمس ولايات شمالية أخرى مجاورة حوالي 30 ألف شخص منتمين لهذه العصابات، التي تُغير على القرى وتمارس أعمال العنف ضد سكانها، وتتسبب في موتهم وتهجيرهم. وبينما تشير «فورين بوليسي» إلى أن هذه العصابات تأتي مدفوعة بالانتهازية الاقتصادية لا الآيديولوجية السياسية، وهو ما يميزها عن الجماعات الإرهابية مثل «بوكو حرام» و«داعش غرب أفريقيا»، يربط آخرون هذه العصابات بالنزاع القبلي في نيجيريا. إذ يشير فيلم وثائقي أذاعته هيئة الإذاعة البريطانية الـ(بي بي سي) بنهاية يوليو 2022، عن ولاية زامفارا إلى أن «عصابات قطاع الطرق تنتمي إلى قبائل الفولاني، التي شكّل شبابها عصابات قطاع طرق مسلحة تغير على القرى، وتقتل كل من يعارضها، في المقابل شكل أفراد من قبائل الهاوسا جماعات للحماية والردع تعمل مع القوات الحكومية لرد هجوم العصابات، لينتهي تاريخ طويل من السلام عاشه الشعبان الكبيران (بغالبيتهما المسلمتان) جنبا إلى جنب، حيث كان الهاوسا يعملون في الزراعة، والفولاني في الرعي».
«الصراع القبلي في نيجيريا، هو امتداد للصراع القبلي في عدد من الدول الأفريقية»، بحسب الدكتورة نرمين توفيق، الباحثة في الشؤون الأفريقية، والمنسق العام لمركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، التي أوضحت في تصريحاتها لـ«الشرق الأوسط» أن «قبائل الهاوسا تمتد في عدة دول أفريقية، وأعدادها بالملايين. والصراعات القبلية متكررة في عدد كبير من دول القارة، ومنها نيجيريا، وهي صراعات في الغالب على الموارد الطبيعية، وتزداد حدتها في ظل التغيرات المناخية التي يشهدها العالم... ثم إن مشكلة الشمال تكمن في شعور سكانه الدائم بالتهميش».
ومع أن الأوضاع في نيجيريا ليست على نفس مستوى درجة السوء أو التطور الذي تشهده دول أفريقية أخرى كالسودان والصومال، يوضح السفير صالح حليمة، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، ونائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه أن «البلاد تعاني من صراع بأبعاد طائفية دينية وقبلية، حيث تنشط فيها الجماعات المتطرفة المرتبطة بـ(داعش)، بالإضافة إلى عصابات قطاع الطرق، وغيرها من الأطراف التي تعبث بالقارة السمراء».
- التركيبة السكانية
يبلغ عدد سكان نيجيريا نحو 206 ملايين نسمة، وفقا لتقديرات عام 2020، وعليه فهي الدولة الأكثر سكانا في أفريقيا، ويقطنها خليط متنوع من الشعوب والقبائل، ويُعد شعب الهاوسا المكوّن الأكبر (ومعظمه من المسلمين)، بنسبة تتجاوز الـ27 في المائة من السكان. يليه شعب اليوروبا (المقسوم مناصفة تقريباً بين المسيحيين والمسلمين) بنحو 25 في المائة، ثم شعب الإيجبو - أو الإيبو - (سواده الأعظم مسيحي)، ثم شعب الفولاني (سواده الأعظم مسلم)، ثم تأتي باقي المكوّنات العرقية واللغوية الأخرى، ويفرض هذا التنوع في الانتماءات القبلية تنوعا في اللغة، واللهجات. ويقول الخبراء إن «سكان نيجيريا يتكلمون ما يقرب من 500 لغة قبائلية وعشائرية مختلفة، وإن كانت اللغة الإنجليزية، ولغات الهاوسا (من اللغات التشادية الأفروآسيوية) واليوروبا والإيجبو والفولاني (الشعوب الثلاثة لغتهم من اللغات النيجر - كونغولية) أهم اللغات السائدة»، أما دينيا فغالبية السكان تدين بالإسلام بنسبة تقترب من 52 في المائة، أما الباقي فموزع بين الطوائف المسيحية المختلفة، مع نسبة ضئيلة جدا لا تتجاوز الواحد في المائة للمعتقدات الأفريقية الأخرى.
هذا المزيج من القبائل والأعراق يصبغ الصراع بملامح طائفية، فشعب الفولاني التي يعمل معظم أفراده في الرعي ويمتد حضوره من شمال نيجيريا حتى السنغال وغينيا غرباً، عانى بعض أبنائه من التهميش (رغم تولي عدد من زعمائهم حكم نيجيريا)، ومصادرة الحكومة الاتحادية لأراضيه، في حين ينتمي غالبية المزارعين للديانة المسيحية، ولذلك شهد الصراع انتهاكات للرموز الدينية للطرفين. وحسب الدكتورة أميرة محمد عبد الحليم، في بحثها المنشور على موقع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عام 2018، شهدت «ولايات وسط وجنوب نيجيريا خلال الفترة من 2010 وحتى 2018 مواجهات دورية بين الرعاة والمزارعين، كانت أكثرها دموية عام 2018».
من ناحية أخرى، يلعب الدين دوراً معقداً في انتشار العنف وتكثيفه في نيجيريا، بحسب إبنزز أوبادار، الباحث في الشؤون الأفريقية بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، الذي يقول في مقال نشره في شهر يونيو الماضي، إن «تنظيم (بوكو حرام) قتل الآلاف منذ بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وشملت الأهداف الكنائس والمساجد والمدارس، ومراكز الشرطة... ويتقاطع الدين في نيجيريا، ويتفاعل ديناميكيا مع الهوية العرقية والمنطقة والطبقة والمهنة، وتزيد النزاعات بين المزارعين والرعاة عبر ولايات شمال وجنوب الحزام الأوسط من تعقيد المشهد»، مضيفاً أن «العنف له دوافع دينية بحتة خاصة موجة القتل بتهمة التجديف».
- التغيّرات المناخية
ولكن يبدو أيضاً أن للمناخ تأثيره على تأجج الصراع في نيجيريا التي تمتلك موارد طبيعية متنوعة على رأسها النفط. وهنا تقول عبد الحليم إن «التغيرات المناخية هي العامل الأكبر وراء الصراع الجاري في الحزام الأوسط في نيجيريا، بمساعدة مجموعة من العوامل الأخرى، المتمثلة في ضعف تكيّف مجتمعات الرعاة مع التغيرات المناخية، وعجز الحكومة النيجيرية عن التعامل مع تأثيرات هذه التغيرات في شمال البلاد، بالإضافة إلى الأزمات المتعلقة بالتهميش والمظالم التاريخية الواقعة على بعض الجماعات». وبالفعل، تزايدت أحداث العنف خلال الفترة الأخيرة مدفوعة بتدهور قدرة الدولة وضعف إنفاذ القانون، لترتفع نسب الاختطاف مقابل طلب فديات، إذ اختطف 1484 شخصا بين يناير (كانون الثاني) ومارس (آذار) من العام الجاري، بحسب أوبادار، الذي يضيف أنه «إضافة إلى التوترات العرقية والدينية، فإن هجمات الرعاة على المستوطنات الزراعية تأتي مدفوعة بالتصحّر، الذي تفاقم بسبب الجفاف الشديد الناجم عن تغير المناخ، بين عامي 2017 و2020، حين قتل الرعاة 2539 شخصاً في ما يقرب من 654 هجوماً»، لافتا إلى أن «60 في المائة من الأراضي في نيجيريا تواجه خطر التصحر».
هذا، ولعل أشهر حوادث الاختطاف كانت حادثة خطف ما يقرب من 300 فتاة من مدرسة داخلية في منطقة جانغيبي بولاية زامفارا، خلال فبراير (شباط) 2021، وقد أطلق سراحهن فيما بعد، مقابل فدية بحسب الخاطفين وإن لم تعترف الحكومة بدفع الفدية. وتقول الدكتورة نرمين توفيق إن «جماعات قطاع الطرق المسلحة بدأت تنتهج نفس نهج الجماعات المتطرفة مثل (بوكو حرام) في القيام بعمليات خطف مقابل الحصول على فدية». وتشير أيضاً إلى أن «التغيرات المناخية تلعب دورا في تصعيد الصراع في نيجيريا... ورغم أن نيجيريا غنية بالموارد الطبيعية مثل النفط، فإن سكانها يعيشون في ظروف صعبة، نتيجة الفساد السياسي». وللعلم، وفقا لبيانات ساعة الفقر العالمية للعام الجاري، فإن نيجيريا تعتبر «الأولى» في أفريقيا من حيث عدد الفقراء، حيث يعيش أكثر من 70 مليونا من سكانها تحت خط الفقر.
- تحديات أمنية... وصراع سياسي
ووسط التحديات الأمنية التي تواجهها نيجيريا حاليا، من تنظيم «بوكو حرام» المتطرف في الشمال الشرقي، وتزايد العنف بين الرعاة (من الفولاني) والمزارعين (من الهاوسا) على امتداد الحزام الأوسط جنوباً إلى منطقة الشمال الغربي، تشهد نيجيريا حاليا انتشارا لما يسمى بـ«الجماعات الأهلية المسلحة لمكافحة الجريمة»، وهي عبارة عن مجموعات صغيرة من المتطوعين، أنشأتها حكومات الولايات، للمساعدة في حماية المناطق من هجمات المجموعات المسلحة وقطاع الطرق، وهو الأمر الذي ترى مجموعة الأزمات الدولية في تقرير نشرته في أبريل (نيسان) الماضي أنه «يزيد من تفاقم المشاكل في البلاد، ويهدد بمزيد من الصراعات الطائفية».
ومن ناحية أخرى، يربط البعض بين تصاعد أعمال العنف في نيجيريا، وبين الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها العام المقبل. ويقول أوبادار إن «أحداث العنف التي تشهدها البلاد تأتي مدفوعة بعدة عوامل، من بينها احتدام المنافسة السياسية، قبيل الانتخابات المقرر عقدها العام المقبل، حيث تدفع المخاطر السياسية الساسة إلى البحث عن قنوات غير رسمية، لتحقيق أهدافهم ما يؤدي إلى تزايد أعمال العنف». ويتابع «ثلثا النيجيريين يفتقرون إلى الثقة في النظام القضائي، بينما يعتقد 88 في المائة أنه فاسد، بحسب استطلاع رأي أجري عام 2020، وانعدام الثقة في القانون يدفع الناس لتسوية نزاعاتهم بأنفسهم».
ويشرح أوبادار، الذي يرصد اختلاف أنماط العنف في نيجيريا طيلة العقد الماضي، فيقول عبر «تزايد العنف العشوائي، كما هو الحال في جنوب شرق البلاد، بدأ من خلال شرعنة العمليات التي تقوم بها جماعة (IPOB) في بيافرا، لحماية نفسها. ثم بدأت الجماعة بتنفيذ ما يشبه عمليات العنف المجاني للجميع، حتى قررت الحكومة تصنيفها كجماعة إرهابية عام 2017»، وهو يعتبر أن «منح حق الدفاع عن النفس لبعض الجماعات، والموافقة على تسليحها، ربما يكون مبررا لتصاعد العنف، خاصة أن هؤلاء يتفرقون فيما بعد عبر التجمعات المختلفة حاملين معهم أسلحتهم».
ختاماً، إن الصراع في نيجيريا ليس داخليا فحسب، فهناك قوى غربية ربما تساهم في تأجيج الصراع، خاصة في ظل الأزمة الروسية - الأوكرانية، والصراع الروسي - الأميركي على النفوذ في القارة الأفريقية، وحسب السفير حليمة فإن «الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا والصين على السيطرة والنفوذ في القارة الأفريقية، يزيد من دخول الأطراف الداخلية المتنازعة كحلقة في الصراع السياسي، مما ينذر بتفجر الأوضاع».
- تاريخ الصراعات الدينية والعرقية في نيجيريا
> يحفل تاريخ نيجيريا بالصراعات والحروب بين مكوناتها العرقية المختلفة، ولا يكاد يمر يوم دون أنباء عن صراع ديني أو قبلي، في الدولة الأكثر سكانا في أفريقيا.
في عام 1901 أصبحت نيجيريا مستعمرة بريطانية، واستمر الحكم البريطاني حتى عام 1960، حين نالت البلاد استقلالها، في إطار حركات التحرر والاستقلال داخل قارة أفريقيا. وبعد ثلاث سنوات تكوّنت الجمهورية النيجيرية الأولى عام 1963، ولم تستمر الجمهورية طويلا إذ خضعت البلاد للحكم العسكري عام 1966. وفي عام 1967، أعلنت حركة انفصالية من شعب الإيجبو (الإيبو) عن قيام جمهورية بيافرا في جنوب شرقي البلاد، ما تسبب في اندلاع حرب أهلية في البلاد، استمرت 3 سنوات.
بعد الحرب قامت الجمهورية الثانية، التي وضعت دستورا للبلاد عام 1979، لكن الجيش استولى مرة ثانية على السلطة، واستمر في الحكم 10 سنوات، حتى تم إعلان الجمهورية الثالثة عام 1993، وهي الجمهورية التي انتهت بانقلاب قاده الجنرال ساني أباتشا - الذي توفي عام 1998 - ليجري إعلان الجمهورية الرابعة عام 1999.
- حرب بيافرا الأهلية 1967 - 1970
راح ضحية الحرب الأهلية بين الحكومة النيجيرية والقوى الانفصالية من شعب الإيجبو أكثر من مليون شخص، وفقا للتقديرات الرسمية
- أحداث شغب ميتاتسين (1980 - 1985)
تعتبر هذه الأحداث هي أول موجة كبيرة من موجات العنف المرتبط بالدين في شمال نيجيريا، ونشأت حركة «ميتاتسين» من شعب الهاوسا بقيادة محمدو مروة، وتسببت أحداث الشغب في مقتل الآلاف في مختلف الولايات النيجيرية
- أحداث دلتا النيجر
بدأ الصراع منذ تسعينات القرن الماضي على خلفية التوزيع غير العادل للثروة النفطية وتدهور الظروف البيئية، ما أفقد السكان مصدر رزقهم، لتبدأ الأنشطة الإجرامية في دلتا النيجر التي تتضمن الخطف والقرصنة والتخريب والهجمات على المنشآت النفطية، وما زالت الجرائم ترتكب هناك حتى الآن.
- أزمة المزارعين بداية من عام 2000
أدى التضاؤل المتزايد للموارد، وانتشار الأسلحة الصغيرة إلى تأجيج التوترات بين المجتمعات الزراعية والرعاة في نيجيريا، وهو صراع قائم على خلفيات قبلية ودينية، حيث وصفت مجموعة الأزمات الدولية هذا الصراع بأنه «أخطر تحد أمني لنيجيريا».
- «بوكو حرام» 2009... وحتى الآن
بدأت الجماعة المسلمة المتطرفة المسلحة في الظهور والنشاط في شمال نيجيريا عام 2009، وتسببت في مقتل وتشريد الآلاف.


مقالات ذات صلة

المعلومات المضللة حول الانتخابات تشوه سمعة المؤسسات في نيجيريا

العالم المعلومات المضللة حول الانتخابات تشوه سمعة المؤسسات في نيجيريا

المعلومات المضللة حول الانتخابات تشوه سمعة المؤسسات في نيجيريا

كشفت موجة المعلومات المضللة التي تستهدف حاليا لجنة الانتخابات وقضاة المحكمة العليا في نيجيريا، وهما الجهتان المسؤولتان عن الفصل في الانتخابات الرئاسية، عن تشويه سمعة المؤسسات في أكبر بلد في إفريقيا من حيث عدد السكان، وفقا لخبراء. في حين أن الانتخابات في نيجيريا غالبا ما تتميز بشراء الأصوات والعنف، فإن الإخفاقات التقنية والتأخير في إعلان النتائج اللذين تخللا انتخابات 25 فبراير (شباط)، أديا هذه المرة إلى انتشار المعلومات المضللة. وقال كيمي بوساري مدير النشر في منظمة «دوبابا» لتقصّي الحقائق إن تلك «مشكلة كبيرة في نيجيريا... الناس يسخرون من تقصّي الحقائق.

«الشرق الأوسط» (لاغوس)
العالم 8 تلميذات مخطوفات يفلتن من خاطفيهن بنيجيريا

8 تلميذات مخطوفات يفلتن من خاطفيهن بنيجيريا

تمكنت 8 تلميذات خطفن على طريق مدرستهنّ الثانوية في شمال غربي نيجيريا من الإفلات من خاطفيهن بعد أسبوعين، على ما أعلنت السلطات المحلية الأربعاء. وأفاد صامويل أروان مفوض الأمن الداخلي بولاية كادونا، حيث تكثر عمليات الخطف لقاء فدية، بأن التلميذات خطفن في 3 أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (كانو)
الاقتصاد هل تنجح نيجيريا في القضاء على ظاهرة «سرقة النفط»؟

هل تنجح نيجيريا في القضاء على ظاهرة «سرقة النفط»؟

بينما يعاني الاقتصاد النيجيري على كل المستويات، يستمر كذلك في تكبد خسائر تقدر بمليارات الدولارات نتيجة سرقة النفط الخام.

العالم مخيمات انتقالية للمتطرفين السابقين وضحاياهم في نيجيريا

مخيمات انتقالية للمتطرفين السابقين وضحاياهم في نيجيريا

يبدو مخيم الحج للوهلة الأولى شبيهاً بسائر مخيمات النازحين في شمال نيجيريا؛ ففيه تنهمك نساء محجبات في الأعمال اليومية في حين يجلس رجال متعطّلون أمام صفوف لا تنتهي من الخيم، لكن الفرق أن سكان المخيم جهاديون سابقون أو أشخاص كانوا تحت سيطرتهم. أقنعت الحكومة العناصر السابقين في تنظيم «بوكو حرام» أو تنظيم «داعش» في غرب أفريقيا بتسليم أنفسهم لقاء بقائهم أحراراً، على أمل وضع حد لحركة تمرد أوقعت عشرات آلاف القتلى وتسببت بنزوح أكثر من مليوني شخص منذ 2009. غير أن تحقيقاً أجرته وكالة الصحافة الفرنسية كشف عن ثغرات كبرى في آلية فرز المقاتلين واستئصال التطرف التي باشرتها السلطات بعد مقتل الزعيم التاريخي لحرك

«الشرق الأوسط» (مايدوغوري)
العالم «قضية مخدرات» تثير الجدل حول الرئيس النيجيري المنتخب

«قضية مخدرات» تثير الجدل حول الرئيس النيجيري المنتخب

أثارت تغريدات لمنصة إعلامية على موقع «تويتر» جدلاً في نيجيريا بعد أن نشرت أوراق قضية تتعلق باتهامات وُجهت من محكمة أميركية إلى الرئيس المنتخب حديثاً بولا أحمد تينوبو، بـ«الاتجار في المخدرات»، وهو ما اعتبره خبراء «ضمن حملة إعلامية تديرها المعارضة النيجيرية لجذب الانتباه الدولي لادعاءاتها ببطلان الانتخابات»، التي أُجريت في فبراير (شباط) الماضي. والاثنين، نشرت منصة «أوبر فاكتس (UBerFacts»)، التي تعرّف نفسها على أنها «منصة لنشر الحقائق الموثقة»، وتُعرَف بجمهورها الكبير على موقع «تويتر»، الذي يقارب 13.5 مليون متابع، وثائق ذكرت أنها صادرة عن محكمة أميركية (متاحة للجمهور العام) في ولاية شيكاغو، تقول


ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.