مخيمات انتقالية للمتطرفين السابقين وضحاياهم في نيجيريا

أكثر من تسعين ألفاً من أتباع «بوكو حرام» و«داعش» سلموا أنفسهم منذ 2021

جنود من القوات النيجيرية (أ.ف.ب)
جنود من القوات النيجيرية (أ.ف.ب)
TT

مخيمات انتقالية للمتطرفين السابقين وضحاياهم في نيجيريا

جنود من القوات النيجيرية (أ.ف.ب)
جنود من القوات النيجيرية (أ.ف.ب)

يبدو مخيم الحج للوهلة الأولى شبيهاً بسائر مخيمات النازحين في شمال نيجيريا؛ ففيه تنهمك نساء محجبات في الأعمال اليومية في حين يجلس رجال متعطّلون أمام صفوف لا تنتهي من الخيم، لكن الفرق أن سكان المخيم جهاديون سابقون أو أشخاص كانوا تحت سيطرتهم.
أقنعت الحكومة العناصر السابقين في تنظيم «بوكو حرام» أو تنظيم «داعش» في غرب أفريقيا بتسليم أنفسهم لقاء بقائهم أحراراً، على أمل وضع حد لحركة تمرد أوقعت عشرات آلاف القتلى وتسببت بنزوح أكثر من مليوني شخص منذ 2009.
غير أن تحقيقاً أجرته وكالة الصحافة الفرنسية كشف عن ثغرات كبرى في آلية فرز المقاتلين واستئصال التطرف التي باشرتها السلطات بعد مقتل الزعيم التاريخي لحركة «بوكو حرام» أبو بكر شكوي في مايو (أيار) 2021 خلال مواجهات مع خصومه من تنظيم «داعش» في غرب أفريقيا.
وقررت ولاية بورنو في شمال شرقي نيجيريا اغتنام هذه الفرصة السانحة والتحرك بسرعة، فوزعت مناشير ألقتها مروحيات فوق الغابات التي يتحصن فيها الجهاديون، ووعدتهم بأن «لن نسلمكم إلى الجيش، سنعتني بكم وبعائلاتكم في مخيم في مايدوغوري لأربعة أو خمسة أشهر، وبعدها يتم إطلاق سراحكم».
وأتت هذه الاستراتيجية بنتائج إيجابية على أكثر من صعيد؛ إذ قام أكثر من تسعين ألفاً من أتباع الحركتين الجهاديتين بتسليم أنفسهم منذ 2021، مر معظمهم من خلال مخيم الحج، بينما توزع بعضهم على مخيمي شوكاري وبولومكوتو المماثلين.
وإن كان سكان المخيمات الثلاثة بغالبيتهم الكبرى ليسوا مقاتلين سابقين، بل عائلات عاشت تحت سيطرة الجهاديين، إلا أن عمليات إطلاق سراح هذه الأعداد اجتذبت انتباه الجهات الدولية الممولة. وتحظى المبادرة المعروفة بـ«نموذج بورنيو» بدعم الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والأمم المتحدة التي وعدت بالمساعدة على توسيع نطاق البرنامج باعتباره وسيلة لوضع حد للنزاعات.
واستطلعت وكالة الصحافة الفرنسية، أول وسيلة إعلام دولية دخلت مخيم الحج، الأكبر بين المخيمات الثلاثة، على مدى أشهر آراء 12 من المقيمين السابقين فيه الذين طلبوا عدم كشف أسمائهم، وبينهم مقاتلون سابقون، فضلاً عن مسؤولين كبيرين وعمال إنسانيين. وبحسب الوثائق الرسمية، تعتمد السلطات إجراءات تسمح بالفصل ما بين الجهاديين السابقين وغير المقاتلين، باعتماد «آلية مكثفة من التعرف على الهوية والتقييم لجميع الأفراد». لكن واحداً فقط من بين المقاتلين السابقين الثلاثة الذين استجوبتهم وكالة الصحافة الفرنسية قال، إنه سئل عن المعارك التي شارك فيها ودوافعه.
أما النساء اللواتي يصنّفن تلقائياً في فئة «الزوجات»، فلا يخضعن لأي استجواب.
وأفاد واحد من المزارعين الثلاثة الذين استجوبتهم وكالة الصحافة الفرنسية وكانوا يعيشون تحت سيطرة «بوكو حرام»، بأن مقاتلين سابقين من الجماعة أشرفوا على عملية التدقيق معه بعدما كلفتهم السلطات أن يحددوا من الذين يعتقدون أنهم من صفوفهم.
كما يشارك قادة المجموعات الإثنية ومجموعات الدفاع الذاتي في التعرف على هويات الأفراد.
وقال قاضٍ شرعي سابق في المجموعة الجهادية «هناك فساد؛ لأن الأقرباء يأتون أحياناً لإعطاء شيء لقادة المجموعات الإثنية ومجموعات الدفاع الذاتي من أجل أن يقولوا إنهم (ليسوا مقاتلين من «بوكو حرام»)». غير أن الجنرال المتقاعد عبد الله إسحق المستشار الخاص لحاكم بورنو في المسائل الأمنية، أكد أن البرنامج برمته بما فيه عمليات الفرز «يديره محترفون».
وقال لوكالة الصحافة الفرنسية «إنهم يؤدون اليمين، وبالتالي قد يتعرضون لمتاعب إن كذبوا، كل من يجازف بذلك يلعب بالنار». ويبقى المقاتلون السابقون مبدئياً بضعة أشهر في المخيمات، في حين يبقى فيها السكان غير المقاتلين بضعة أيام. ويحصل بعض المقيمين على تصريحات مرور للتنقل بحرية في المدينة خلال النهار.

عملية هشة لاستئصال التطرف
أوضح إسحق، أن المقاتلين السابقين يتبعون دورة إعداد تستمر أسبوعين وتتضمن دروساً حول «قيم الإسلام» و«حقوق الإنسان الأساسية». وقبل إطلاق سراحهم، يتحتم على الرجال أن يؤدوا اليمين ويقسموا أنهم لن يعودوا إلى الغابات ولن يتجسسوا لحساب المجموعات الجهادية.
كان المقاتل السابق «مومو» (26 عاماً) في الثالثة عشرة من العمر حين التحق بحركة «بوكو حرام»، ويقول إنه شارك في «هجمات عديدة» على جنود و«كفار» بهدف إقامة «دولة إسلامية»، قبل أن يسلم نفسه.
ولخص عملية «استئصال التطرف» التي خضع لها خلال الأشهر الخمسة التي قضاها في المخيم، فروى أن الدعاة قالوا لهم «علينا أن نبدي صبراً حيال الناس بعد رحيلنا، وأن نطيع السلطات المحلية ونواظب على الفرائض الدينية».
في المقابل، فإن بعض سكان المخيم من غير المقاتلين يعبرون عن قناعات متشددة، وكان من الممكن إخضاعهم لعملية استئصال التطرف.
ومن بينهم قاضٍ سابق أمضى سنوات يحكم بالجلد على الذين لا يتبعون تفسيره للشريعة، وأشرف على إعداد مئات الأطفال في مدرسته المخصصة للجهاديين الصغار. ويقول هذا الأب لتسعة أولاد والذي استعاد حريته الآن، إنه كان يفضل الانضمام إلى تنظيم «داعش» لو استطاع، بدلاً من أن يسلم نفسه.
كما تبدي ساراتو، المرأة الشابة العشرينية المتزوجة من قيادي كبير في «بوكو حرام»، أسفها للانفصال عن المجموعة التي «تقتل فقط مدمني المخدرات» على حد قولها. ومن الحوافز الأخرى التي تدفع المقاتلين إلى تسليم أنفسهم أن السلطات تعدهم بتقديم معاش شهري لهم ومبلغ من المال عند رحيلهم من المخيم، فضلاً عن الطعام ومواد أساسية.

بلا عدالة
ويثير خيار الحكومة هذا نقمة بين سكان بورنو الذين يعانون منذ سنوات جراء النزاع. فإن كان الخبراء يشددون على أهمية تأمين مخرج للذين يسلمون أنفسهم، إلا أن العديدين يعتبرون أنه يجدر التعويض على الضحايا. وقال خبير دولي في المجال الأمني، طالباً عدم كشف اسمه «ارتكبت جرائم خطيرة، لا بد من المحاسبة لأنه من دون شكل من أشكال العدالة، من الصعب أن نتصور كيف يمكن إحلال سلام دائم».
وتخشى السلطات المحلية إحالة مشتبه بهم على القضاء الفيدرالي، حيث ينتهي بهم الأمر بصورة عامة خلف القضبان لسنوات في ظل التوقيف الاحتياطي.
وما يساهم في انتفاء العدالة أن قدرة السلطات على التحقيق محدودة.
وقال إسحق «أي أدلة نملك لنرى من فعل ماذا؟ آلية العدالة سوف تأتي لاحقا، سنصل حتماً إلى هذه المرحلة، لكن لنبدأ الآن بإخراج الجميع».
ومع ميزانية تأمل أن تصل إلى نحو 140 مليون يورو، تتوقع الحكومة بناء مركز جديد وثلاث «قرى مدمجة» يمكن للذين سلموا أنفسهم العيش فيها بصورة موقتة قبل دمجهم في المجتمعات». وقال الخبير الأمني «ربما تنجح خطتهم... وإذا لم تنجح، هناك خطر بأن يكون هناك مقاتلون سابقون عنيفون طليقون، قد يستأنفون أنشطة إجرامية أو إرهابية». وتلقت وكالة الصحافة الفرنسية بعد أسبوعين على إتمامها المقابلات، اتصالاً هاتفياً من مصدر أبلغها أن ساراتو «عادت إلى الغابة مع أولادها». واتُّهمت الوحدة التي ينتمي إليها زوجها لاحقاً بارتكاب مجزرة قتل فيها 37 من صيادي السمك الشهر الماضي قرب مدينة ديكوا في شمال ولاية بورنو.


مقالات ذات صلة

المعلومات المضللة حول الانتخابات تشوه سمعة المؤسسات في نيجيريا

العالم المعلومات المضللة حول الانتخابات تشوه سمعة المؤسسات في نيجيريا

المعلومات المضللة حول الانتخابات تشوه سمعة المؤسسات في نيجيريا

كشفت موجة المعلومات المضللة التي تستهدف حاليا لجنة الانتخابات وقضاة المحكمة العليا في نيجيريا، وهما الجهتان المسؤولتان عن الفصل في الانتخابات الرئاسية، عن تشويه سمعة المؤسسات في أكبر بلد في إفريقيا من حيث عدد السكان، وفقا لخبراء. في حين أن الانتخابات في نيجيريا غالبا ما تتميز بشراء الأصوات والعنف، فإن الإخفاقات التقنية والتأخير في إعلان النتائج اللذين تخللا انتخابات 25 فبراير (شباط)، أديا هذه المرة إلى انتشار المعلومات المضللة. وقال كيمي بوساري مدير النشر في منظمة «دوبابا» لتقصّي الحقائق إن تلك «مشكلة كبيرة في نيجيريا... الناس يسخرون من تقصّي الحقائق.

«الشرق الأوسط» (لاغوس)
العالم 8 تلميذات مخطوفات يفلتن من خاطفيهن بنيجيريا

8 تلميذات مخطوفات يفلتن من خاطفيهن بنيجيريا

تمكنت 8 تلميذات خطفن على طريق مدرستهنّ الثانوية في شمال غربي نيجيريا من الإفلات من خاطفيهن بعد أسبوعين، على ما أعلنت السلطات المحلية الأربعاء. وأفاد صامويل أروان مفوض الأمن الداخلي بولاية كادونا، حيث تكثر عمليات الخطف لقاء فدية، بأن التلميذات خطفن في 3 أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (كانو)
الاقتصاد هل تنجح نيجيريا في القضاء على ظاهرة «سرقة النفط»؟

هل تنجح نيجيريا في القضاء على ظاهرة «سرقة النفط»؟

بينما يعاني الاقتصاد النيجيري على كل المستويات، يستمر كذلك في تكبد خسائر تقدر بمليارات الدولارات نتيجة سرقة النفط الخام.

العالم «قضية مخدرات» تثير الجدل حول الرئيس النيجيري المنتخب

«قضية مخدرات» تثير الجدل حول الرئيس النيجيري المنتخب

أثارت تغريدات لمنصة إعلامية على موقع «تويتر» جدلاً في نيجيريا بعد أن نشرت أوراق قضية تتعلق باتهامات وُجهت من محكمة أميركية إلى الرئيس المنتخب حديثاً بولا أحمد تينوبو، بـ«الاتجار في المخدرات»، وهو ما اعتبره خبراء «ضمن حملة إعلامية تديرها المعارضة النيجيرية لجذب الانتباه الدولي لادعاءاتها ببطلان الانتخابات»، التي أُجريت في فبراير (شباط) الماضي. والاثنين، نشرت منصة «أوبر فاكتس (UBerFacts»)، التي تعرّف نفسها على أنها «منصة لنشر الحقائق الموثقة»، وتُعرَف بجمهورها الكبير على موقع «تويتر»، الذي يقارب 13.5 مليون متابع، وثائق ذكرت أنها صادرة عن محكمة أميركية (متاحة للجمهور العام) في ولاية شيكاغو، تقول

العالم «العصابات المسلحة» تفاقم التردي الأمني في نيجيريا

«العصابات المسلحة» تفاقم التردي الأمني في نيجيريا

قُتل أكثر من 70 شخصاً، وخُطف نحو 80، في هجمات متفرقة بنيجيريا، على مدار الأيام الماضية؛ حيث تعاني الدولة الأكبر سكاناً في أفريقيا، انتشار «العصابات المسلحة» الساعية إلى الحصول على فدية مالية، أو القيام بعمليات نهب في القرى النائية. ووفق مسؤولين محليين ومتحدث أمني، فإن 74 شخصاً على الأقل قتلوا في ولاية بينوي النيجيرية بهجومين منفصلين، شنهما مسلحون في أحدث اشتباكات في منطقة تشهد أعمال عنف بين الرعاة والمزارعين. ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن المتحدثة باسم شرطة ولاية بينوي، كاثرين أنيني، أنه تم العثور على 28 جثة في مخيم للنازحين في منطقة مغبان الحكومية المحلية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.