10 مخاطر يواجهها العالم في 2023

جنود أوكرانيون يطلقون النيران المدفعية باتجاه المواقع الروسية (رويترز)
جنود أوكرانيون يطلقون النيران المدفعية باتجاه المواقع الروسية (رويترز)
TT

10 مخاطر يواجهها العالم في 2023

جنود أوكرانيون يطلقون النيران المدفعية باتجاه المواقع الروسية (رويترز)
جنود أوكرانيون يطلقون النيران المدفعية باتجاه المواقع الروسية (رويترز)

مع اقتراب نهاية عام 2022، رصدت مجلة «ناشيونال إنترست» الأميركية في تقرير أبرز 10 مخاطر عالمية متوقعة في عام 2023، ومنها ما يتعلق بحرب أوكرانيا والأمن الغذائي وإيران والصين.
وقالت المجلة، في مقدمة التقرير، إن هذا الرصد جاء بالاعتماد على سنوات خبرتها العديدة في توقع المخاطر، والاتجاهات العالمية في مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي، حيث تم تكليفها تزويد قادة الولايات المتحدة بتحليلات ورؤى بعيدة المدى.
وأوضحت أنها حددت المخاطر العالمية الكبرى في عام 2023 من منظور الولايات المتحدة، ومن منظور عالمي، وفق التالي:

1- الأزمات المتعددة للحرب الأوكرانية
لا تزال نهاية الحرب في أوكرانيا، وكيف ومتى ستحدث لغزاً. ومع ذلك، توجد سلسلة من الأزمات المتعددة والمتتالية للحرب، والمتعلقة بالطاقة وانعدام الأمن الغذائي والتضخم والتباطؤ الاقتصادي.
ومع حلول فصل الشتاء، وتباطؤ الحرب، سيعمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بلا شك، على تكثيف استراتيجيته القائمة على الاستنزاف، بمهاجمة البنية التحتية للطاقة والمياه في أوكرانيا، ساعياً إلى جعل أوكرانيا تنهار كدولة فاعلة، قبل أن تجبره خسائره على قبول درجة معينة من الهزيمة.
وتولد الحرب مخاطر مترابطة متعددة، تشمل صراعاً متوقفاً ومستمراً. وسيحصل التصعيد إذا أرسلت الولايات المتحدة و«الناتو» أسلحة متقدمة إضافية إلى كييف رداً على قصف بوتين، ما قد يؤدي إلى استخدام روسيا الأسلحة النووية إذا حاولت كييف الاستيلاء على شبه جزيرة القرم.

2- الأمن الغذائي
يتزايد خطر انعدام الأمن الغذائي، وسلط برنامج الأغذية العالمي الضوء على «حلقة النار» من الجوع وسوء التغذية في أنحاء العالم جميعاً من أميركا الوسطى وهايتي، وشمال أفريقيا وغانا وجمهورية أفريقيا الوسطى، وجنوب السودان والقرن الأفريقي وصولاً إلى سوريا واليمن وباكستان وأفغانستان.
وارتفع عدد الأشخاص الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد من 135 مليوناً إلى 345 مليوناً منذ عام 2019، وأسهمت في ذلك حرب أوكرانيا وتغير المناخ وارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة.
وتتزايد تكاليف الإغاثات بسبب التضخم، وبالتالي فإن المبلغ الإضافي الذي ينفقه برنامج الأغذية العالمي الآن على تكاليف التشغيل كان يطعم 4 ملايين شخص في السابق لمدة شهر واحد.

3- الاضطرابات... والمواجهة مع إيران
كما هي الحال مع حرب أوكرانيا، يمكن للانتفاضة الشعبية غير المسبوقة أن تسهم في أزمات متعددة، وهناك خطر بالفعل من اندلاع صراع أميركي أو إسرائيلي مع طهران، خصوصاً أن الاتفاق النووي الإيراني، الذي كان على وشك النجاح قبل بضعة أشهر فقط، مجمد الآن، إن لم يكن ميتاً.
وتعمل إيران على تسريع إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب المطلوب لصنع قنبلة نووية، ولا تفصلنا سوى أسابيع قليلة عن امتلاك ما يكفي لإنتاج قنبلة.

4- تفاقم أزمات الديون في الدول النامية
حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) من أن 54 دولة، منخفضة ومتوسطة الدخل، تعاني «مشاكل ديون حادة».
وتمثل هذه البلدان 18 في المائة من سكان العالم، وأكثر من 50 في المائة من الأشخاص فيها يعيشون في فقر مدقع، و28 من 50 دولة تعتبر من الأكثر عرضة للتأثر بالتغير المناخي (...) وهناك أزمات ديون طويلة الأمد مع عواقب اقتصادية وخيمة. وتحتل البلدان المنخفضة الدخل، مثل الصومال وزيمبابوي، صدارة قائمة البلدان المتعثرة اقتصادياً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

5- ارتفاع الديون العالمية
ارتفعت ديون الشركات غير المالية (88 تريليون دولار، نحو 98 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي)، وديون الحكومات والمجموعات الكبيرة والأسر المشتركة بلغت (290 تريليون دولار بحلول الربع الثالث من عام 2022)، وجميعها آخذة في الارتفاع خلال السنوات الأربع إلى الخمس الماضية، وفقاً للمعهد الدولي للتمويل.
وهناك أزمات متعددة أسهمت في ذلك، وتتمثل في ارتفاع أسعار الفائدة، والركود في أوروبا والاقتصاد الصيني الضعيف، والحرب في أوكرانيا، ما يرجح أيضاً أن تؤدي كل تلك العوامل إلى أزمة مالية إقليمية أو حتى عالمية أخرى.

6- تراجع التعاون الدولي
يسهم المستوى المتدهور للتعاون الدولي في تزايد المخاطر العالمية، ما ينعكس سلباً على ملفات مثل تغير المناخ، وديون البلدان الأقل نمواً، وحطام الفضاء الخارجي، حيث تزيد المنافسة بين القوى الكبرى من صعوبة تحقيق التعاون بشأن المشكلات العالمية المشتركة.
والنظام التجاري العالمي في حالة تراجع شديد، كما حذرت المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، نجوزي أوكونغو إيويالا أخيراً، وقد يؤدي انهيار النظام العالمي إلى زيادة مخاطر الفقر والقومية والصراع.
وعددت المجلة أيضاً في تقريرها مخاطر تتعلق باشتداد الحرب التكنولوجية الصينية - الأميركية، خصوصاً فيما يتعلق بصناعة المعالجات الرقمية، وبتعميق التوترات بين واشنطن وبكين، وخلافات قائمة حول تايوان، وقواعد ومعايير التكنولوجيا، والتجارة، وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى تفاقم آثار تغير المناخ، ومخاطر التهديدات من تجارب كوريا الشمالية الصاروخية وقدرات بيونغ يانغ النووية.

7- نظام مجزأ ومتعدد التقنية
تقدر مجموعة بوسطن الاستشارية أنه إذا حاولت القوى الكبرى تحقيق اكتفاء ذاتي واسع النطاق في أشباه الموصلات كما تريد إدارة بايدن، فقد يصل الاستثمار المسبق إلى تريليون دولار، وسترتفع الرقائق من 35 إلى 65 في المائة إضافية.
مع اشتداد الحرب التكنولوجية الصينية - الأميركية، لن تتمكن الصين من الوصول إلى عديد من المنتجات الأجنبية، وستحتاج إلى استبدال العناصر المصنوعة في الصين، ما يقوض الحافز للالتزام بالمعايير العالمية.
وجدت دراسة، أجراها معهد ماكينزي العالمي في فحص 81 تقنية قيد التطوير، أن الصين تستخدم حتى الآن معايير عالمية لأكثر من 90 في المائة منها.
في كثير من هذه الحالات، كانت بكين تعتمد على الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات بنسبة بين 20 و40 في المائة من المدخلات المطلوبة. ونظراً لأن أشباه الموصلات تلعب دوراً متزايداً في السلع الاستهلاكية جميعاً، وليس فقط الإلكترونيات أو المعدات التكنولوجية المتطورة، فمن المرجح أن تتفتت أسواق السلع الصناعية جميعاً مع زيادة التكاليف وخيارات أقل للمستهلكين.
على المدى الطويل، سيؤدي فصل الاقتصاد العالمي إلى كتلتين، غربية وصينية قائمة بذاتها، إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 5 في المائة على الأقل، وهو أسوأ من الضرر الناجم عن الأزمة المالية في 2007 - 2008، وفقاً لمنظمة التجارة العالمية.

8- تفاقم آثار التغير المناخي
انتهى اجتماع «كوب27» بإحباط أكثر من الإنجاز. ويعتقد معظم العلماء بأن العالم سيصل قريباً إلى هذه الزيادة البالغة 1.5 درجة مئوية، وبأننا نسير على الطريق لزيادة 2.2 درجة مئوية في نهاية المطاف ما لم تلتزم الدول بخفض إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 43 في المائة.

وبالتالي سينتج عن ذلك مناخ أكثر سخونة وفترات جفاف إضافية وفيضانات ممتدة، فضلاً عن التغيرات الخطيرة في أنماط هطول الأمطار التي من المقرر أن تعطل المحاصيل الزراعية.

9- التوترات الأميركية - الصينية إلى مزيد من التأزم
على الرغم من عقد قمة بايدن - شي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حيث أطلق الزعيمان جهوداً لتحقيق الاستقرار في العلاقات، فإن الخلافات الأساسية لا تزال قائمة حول تايوان، وقواعد ومعايير التكنولوجيا، والتجارة، وحقوق الإنسان، وعدوان بكين في بحري الصين الجنوبي والشرقي.
لقد تم استئناف التجارة والحوارات العسكرية مبدئياً، لكن القومية المتقلبة من كلا الجانبين يمكن أن تعطل أي إنجازات جوهرية.

10- مأزق أكثر خطورة في شبه الجزيرة الكورية
اختبار بيونغ يانغ المستمر لمجموعة كاملة من الصواريخ الباليستية (86 اختباراً في عام 2022)؛ صواريخ كروز، صواريخ تكتيكية ذات قدرة نووية ومتحركة ومتوسطة المدى، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات هي جزء من أجندة كوريا الشمالية لإنشاء ترسانة من الضربة الثانية قابلة للنجاة، وتوفير مزيد من الخيارات للإكراه والهجوم المحتمل.
وتجري الاستعدادات لإجراء تجربة نووية سابعة منذ أشهر، كما حذرت حكومتا الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. قد يفسر التفاهم المحتمل حول المساعدة لضبط النفس بين بيونغ يانغ وبكين سبب عدم حدوث مثل هذا الاختبار.
ومع ذلك، إذا حدث اختبار سابع واستخدمت بكين حق النقض ضد عقوبات مجلس الأمن الدولي التي تهدف إلى معاقبة كوريا الشمالية، فمن المحتمل أن يتعمق الخلاف في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين.


مقالات ذات صلة

زيت الزيتون البكر يعزّز الإدراك ويحمي الدماغ مع التقدُّم في العمر

صحتك زيت الزيتون البكر الممتاز يسهم في حماية الوظائف المعرفية (جامعة هارفارد)

زيت الزيتون البكر يعزّز الإدراك ويحمي الدماغ مع التقدُّم في العمر

أظهرت دراسة إسبانية أنّ استهلاك زيت الزيتون البكر يمكن أن يعزّز الوظائف الإدراكية لدى كبار السنّ...

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا شاحنات برنامج الأغذية العالمي تنقل إمدادات غذائية من تشاد إلى مخيم زمزم في دارفور بالسودان 9 نوفمبر 2024 (رويترز)

الأمم المتحدة تنجح في إيصال مساعدات إنسانية إلى كردفان

وصلت قافلة مساعدات نظمتها عدّة وكالات تابعة للأمم المتحدة إلى مدينتين منعزلتين في كردفان حيث تشتدّ وطأة الحرب التي تمزّق السودان منذ ثلاث سنوات.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
صحتك قطع من الدجاج (أ.ب)

أيهما أكثر فائدة لبناء العضلات...الدجاج أم البيض؟

يُعدّ كلٌّ من الدجاج والبيض ممتازاً لبناء العضلات، لكن لكلٍّ منهما فائدة مختلفة قليلاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الأطعمة فائقة المعالجة قد تزيد من الالتهاب (أرشيفية - رويترز)

الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الوفاة لدى الناجين من السرطان

ربطت دراسة جديدة أجرتها الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان بين زيادة استهلاك هذه الأطعمة الجاهزة للأكل وزيادة خطر الوفاة.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق صورة واحدة كافية لتغيير مصير مكان كامل (شاترستوك)

مَشاهد صادمة تُغلق مطعماً في ماليزيا 14 يوماً

أغلقت السلطات الماليزية مطعماً بعد انتشار فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يزعم أنّ موظّفيه كانوا يغسلون بقايا الطعام لإعادة استخدامها وبيعها

«الشرق الأوسط» (لندن)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.