جُودِث بتلر... الضمير اللغوي والانتماء اليهودي

من أبرز منتقدي إسرائيل في أميركا والمتعاطفين مع القضية الفلسطينية

جُودِث بتلر... الضمير اللغوي والانتماء اليهودي
TT

جُودِث بتلر... الضمير اللغوي والانتماء اليهودي

جُودِث بتلر... الضمير اللغوي والانتماء اليهودي

جودث بتلر ناقدة ومفكرة وأستاذة في جامعة كاليفورنيا بيركلي. هي واحدة من أشهر الباحثات الأميركيات في مجالات الجندر (مسائل الذكورة والأنوثة وما بينهما)، وعلاقة ذلك بالثقافة ككل وبالفلسفة والعلوم الإنسانية. حققت شهرة واسعة نتيجة كتاباتها وكذلك نتيجة هويتها الجنسية أو الجندرية بوصفها «سحاقية» أو«ليزبيان»، تتباهى بهويتها وتدافع عنها وعن الهويات الأخرى الخارجة عن القيم التقليدية.
في المدخل الخاص ببتلر في موقع موسوعة الإنترنت ويكيبيديا ترد العبارة التالية: «تُدرس أعمالهم غالباً وتُناقش في المواد الدراسية حول الأفلام التي تتركز على الدراسات الجندرية». الضمير في (أعمالهم) في هذه العبارة يحيل عادة على عدد من الناس، لكن الإحالة في الواقع ليست إلى عدد من الناس وإنما إلى بتلر نفسها، بتلر وحدها، المفرد/ المتعدد غير المذكر وغير المؤنث. حين قلتُ «هي» واستخدمت ضمير المؤنث في كلمات مثل «كتابتها» و«هويتها» كنت أخالف التعريف ببتلر في المدخل المقتبس أعلاه من ويكيبيديا، فالإشارة إليها في نص المدخل ترد بضمير الجمع «هم» (they)، فبدلاً من أن يقول «ألفت كتاباً» يقول «ألفوا كتاباً» و«ألقوا محاضرة» بدلاً من «ألقت محاضرة». وهذا التوجه الجديد في الإحالات آخذ في الشيوع ضمن تطورات عجيبة في الإنجليزية وربما في لغات أوروبية أخرى. بدأت تلك التطورات باستعمال الباحثين في العقد أو العقدين الماضيين ضمير «هو» (بالإنجليزية He) للإحالة إلى المؤلف ذكراً كان أو أنثى لتتوحد الإشارة الجندرية تفادياً لاستعمال ضمير التأنيث الذي يأنف منه التيار النسوي فيما يبدو لما فيه من حمولة دلالية يراه أهل ذلك التيار منقصاً من شأن المرأة. وفي السياق نفسه صاروا في العالم الأنغلوسكسوني، أميركا بصفة خاصة، يشيرون إلى الممثلة بالممثل فتصير الممثلة actor وليس actress.
كنت أقرأ ما كتب عن بتلر في ويكيبيديا ووجدت صعوبة في الاستمرار، بل شعرت بنفور من ذلك لكثافة استعمال ضمير الجمع في غير موضعه وفي مخالفة لأبسط قواعد اللغة، لكنها الآيديولوجيا وأثرها الثقافي. اللافت أن المعاجم النقدية الإنجليزية تشير إلى بتلر نفسها بالضمير «هي» التقليدي، ومن ذلك معجم بنغوين: «معجم النظرية النقدية» الصادر عام 2000. ولعل الطبعات اللاحقة من ذلك المعجم غيرت ضميرها أيضاً.
هذه المسألة التي قد تبدو أقل أهمية حين تتعلق بمفكرة مثل بتلر هي في الواقع في غاية الأهمية بالنسبة لها، فهي إحدى قضاياها المركزية، وكانت ستستاء لو أن أحداً أشار إليها بالمؤنث مع أنها امرأة. ومع ذلك فإن لبتلر أهمية تتجاوز مسألة الجندر والضمير اللغوي. تلك الأهمية هي ما قادني لتتبع أعمالها، فقد كنت أواصل البحث في قضية مركزية أخرى تتصل بأعمالها. تلك هي قضية انتمائها اليهودي. فوالداها مهاجران يهوديان من المجر وروسيا، وهي وإن كانت أبعد ما تكون عن التدين اليهودي أو غيره فإن ذلك الانتماء يعني لها الكثير.
كنت أتتبع ذلك الانتماء استمراراً لما كنت ابتدأته في كتابي «المكون اليهودي في الحضارة الغربية» (2007). وكان بحثي عن بتلر لأنها من جيل جديد من المفكرين المهمين والفاعلين في تطور الفكر والثقافة في الغرب عامة، والمؤثرين من ثم في تطور الفكر في أماكن كثيرة أخرى من العالم، لا سيما بين المعنيين بالدراسات النسوية والجندرية ونظرية الشذوذ (كوير ثيوري).
جودث بتلر التي ستستاء لو أن أحداً أشار إليها بالمؤنث ستستاء أيضاً لو أن أحداً تجاهل هويتها اليهودية ليس لأنها تهتم بها فحسب، وإنما لأنها بنت الكثير من أهميتها الفكرية والسياسية على تلك الهوية وواجهت الكثير من المتاعب بسببها. ومع أن الهوية بالنسبة لها إشكالية شديدة التركيب، فإنها تظل مطروحة بقوة وأظنها ستستغرب لو علمت أن الباحثين من غير الغربيين، في العالم العربي تحديداً، أقرب إلى تجاهل تلك الهوية. ذلك أن الباحثين العرب اعتادوا تهميش الانتماء اليهودي حين يتصل بمفكرين أو كتاب أو فنانين غربيين. فبالنسبة لكثير من أولئك الباحثين ليس ماركس ودريدا وغولدمان وحنة أرنت وباومان وبتلر نفسها سوى مفكرين غربيين، ألمان أو فرنسيين أو أميركيين. هم كذلك فقط، وقلما أو نادراً ما يشار إلى يهوديتهم. وعكس ذلك هي الحال في الموسوعات والمعاجم الفلسفية والنقدية الغربية. ففي تلك المراجع تبرز الهوية اليهودية، ربما لأن الناس في الغرب يخشون من أن تهميش الانتماء اليهودي يجعلهم عرضة للاتهام بمعاداة السامية، أي عدم الاعتراف باليهودي بوصفه يهودياً أو يهودي الأصل. (بالطبع ليس المقصود باليهودية هنا الانتماء الديني وإنما الإثني، أي العرقي ممزوجاً بالثقافي والاجتماعي، كما هو التعريف الشائع للإثنية).
في عالمنا العربي يبرز الاهتمام المعاكس: تهميش الانتماء اليهودي تحت ذرائع مختلفة، منها القول بعدم أهمية ذلك الانتماء لفهم أولئك الكتاب، أو لأن الإشارة إليه من شأنه الإساءة إلى من يوصفون باليهودية لدى القراء، أو لأن الفكر يعلو على أي انتماءات اجتماعية أو ثقافية، أو غير ذلك من المبررات. لكن أولئك النقاد والباحثين العرب أنفسهم لا يترددون في التذكير بأن إدوارد سعيد عربي فلسطيني الأصل وليس أميركيا فقط، وسعيد نفسه حريص - أحياناً وليس دائماً - على التذكير بذلك الانتماء، حسب السياق.
الانتماء اليهودي مهم بالنسبة لبتلر مثلما كان مهماً لغيرها، وانشغالها بنقد الفكر الصهيوني والسياسات الإسرائيلية من أبرز المؤشرات على تلك الأهمية. فبتلر من أبرز منتقدي إسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية، وأحد أشهر المتعاطفين مع القضية الفلسطينية هناك. كتابها الصادر عام 2014 بعنوان «افتراق الطرق» أو «تباعد الدروب» Parting Ways يحمل عنواناً جانبياً هو «الهوية اليهودية ونقد الصهيونية». يتضمن الكتاب ثمانية فصول في كل واحد منها مناقشة لآراء مفكر أو كاتب تضمنت أعماله معالجة أو تأزماً لمسألة الهوية إلى جانب نقد للصهيونية أو إسرائيل تحديداً. وفي بعض تلك المعالجات وقوف على العلاقة بين الانتماءين اليهودي والفلسطيني. معظم الكتاب من اليهود الأوروبيين: الفيلسوف الفرنسي لفيناس، والكاتب الإيطالي بريمو ليفي، والألمانيان فالتر بنيامين، وحنة أرنت. كل أولئك يشار إليهم باليهود. لكن يأتي معهم إدوارد سعيد ومحمود درويش اللذان يحضران بوصفهما فلسطينيين.
المسألة الأساسية في فصول الكتاب هي معنى الانتماء اليهودي، ويأتي الانتماء العربي الفلسطيني من حيث هو متصل بذلك الانتماء نتيجة لوجود إسرائيل ومعاناة الفلسطينيين نتيجة لذلك الوجود. تقول بتلر ضمن نقدها لإسرائيل: «لا شيء يغامر باستدعاء العدوان أكثر من تأسيس أنماط من السيطرة الاستيطانية من خلال العنف، الأنماط التي تحرم الشعب المسيطر عليه من حقوقه الأساسية في تحديد المصير». لكن بتلر معنية في المقام الأول بالدفاع عن وجهة نظرها القائلة إن الانتماء اليهودي لا يعني بالضرورة الانتماء لإسرائيل أو تبني الفكر الصهيوني. تقول المفكرة الأميركية اليهودية إن إسرائيل والفكر الصهيوني من ورائها سعياً إلى توحيد الانتماءين على نحو غير مقنع، وتناقش في ذلك السياق قيماً طالما أكد الصهاينة على أنها قيم يهودية جوهرية مثل العدالة والمساواة. تؤكد بتلر هشاشة ذلك الطرح، بل إنها تبرز أن ما تدافع عنه إسرائيل من قيم ومفاهيم مثل «الشتات» يجب أن يكون مبرراً لإيقاف العداء الوحشي الذي تمارسه ضد الفلسطينيين المشتتين هم أيضاً. لكن لا شك أن حضور إدوارد سعيد بوصفه مفكراً فلسطينياً وليس أميركياً فقط، إلى جانب شاعر فلسطيني كبير مثل محمود درويش، كافٍ بحد ذاته لإزعاج الفكر الصهيوني وأسس الوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين. قد تسمح اللغة بضمير محايد في الإشارة إلى جودث بتلر، لكن بتلر نفسها لم تسمح بحياد الضمير في حديثها عن إسرائيل وفلسطين.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
TT

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)

زيّن تمثال للشاعر المصري الراحل فؤاد حداد «بيت الشعر العربي» في القاهرة (بيت الست وسيلة)، بعد أن أزاح المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، الستار عن التمثال الذي أهداه لـ«بيت الشعر» الفنان المصري أسامة السروي.

جاء إهداء التمثال ضمن فعاليات صالون أحمد عبد المعطي حجازي الذي يقام في «بيت الشعر العربي»، وسط حضور كبير من الشعراء والمبدعين ومحبي الشعر في أمسية حملت عنوان أحد رواد شعر العامية المصرية «في حضرة فؤاد حداد» حضرها نخبة من الشعراء من بينهم أحمد عبد المعطي حجازي والشاعر أمين فؤاد حداد.

ويعد فؤاد حداد (1927 - 1985) من آباء شعراء العامية المصرية، ويأتي هذا التمثال تقديراً لقيمته بوصفه أحد أبرز رموز قصيدة العامية المصرية، وصاحب تجربة إنسانية ووطنية أسهمت في تشكيل ملامح الشعرية المصرية الحديثة، وتركت أثراً ممتداً في الوجدان الثقافي، وفق بيان لوزارة الثقافة، الاثنين.

احتفال في «بيت الشعر العربي» بتمثال فؤاد حداد (وزارة الثقافة)

ولد فؤاد حداد بحي الظاهر بالقاهرة لأب لبناني وأم سورية، وتعلم فى مدرسة الفرير ثم مدرسة الليسيه الفرنسيتين، واطلع على التراث الشعرى فى الكتب الموجودة بمكتبة والده، كذلك تعرف على الأدب الفرنسى، إثر دراسته للغة الفرنسية، مما أهله لبعض الترجمات الفرنسية، ويعد من رواد القصيدة العامية المصرية، وهو الجيل التالي في قصيدة العامية المصرية بعد بيرم التونسي.

كتب فؤاد حداد العديد من الدواوين الشعرية والأغاني التي قدمها عدد من المطربين، من أهم أعماله «المسحراتي» التي تغنى بها سيد مكاوى عام 1964، وكتب البرنامج الإذاعي «من نور الخيال وصنع الأجيال»، كما قدم لسيد مكاوي أيضاً أغنية «الأرض بتتكلم عربي»، فيما غنى له العديد من المطربين من بينهم محمد منير «الجيرة والعشرة»، وحنان ماضي «ما فيش في الأغاني كده ومش كده»، و«يالعروسة» و«صلينا الفجر فين» لعلي الحجار. وعرف بروحه المصرية الأصيلة واستلهامه التراث في الكثير من أعماله.

وقال المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية، إن إهداء تمثال فؤاد حداد لـ«بيت الشعر العربي» يحمل دلالة ثقافية عميقة، خصوصاً في هذا المكان التراثي الذي يجمع بين الفنون المختلفة ويحتفظ بقيمة معمارية وثقافية تتجاوز حدود المكان.

الفنان أسامة السروي يهدي «بيت الشعر» تمثالاً لفؤاد حداد (وزارة الثقافة المصرية)

وعدّ السطوحي «الالتقاء في هذا الفضاء بين الشعر بوصفه أحد الفنون، وبين التمثال الذي ينتمي إلى فن النحت، وبين جدران معمار تراثي قيم، يعكس طبيعة العلاقة التكاملية بين الفنون في التعبير عن روح الثقافة».

وأعلن الدكتور أسامة السروي أن تنفيذ التمثال استغرق أربعة أشهر، مؤكداً اعتزازه به لما يمثله فؤاد حداد من قيمة إبداعية استثنائية بالنسبة له.

وقال الشاعر سامح محجوب، مدير «بيت الشعر العربي»، إن فؤاد حداد حالة استثنائية في شعر العامية المصري، وهو من الآباء الكبار لفن الشعر، وجاءت أشعاره دائماً تمس نبض الشارع والبسطاء، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الاحتفاء بفؤاد حداد وإهداء تمثال له لـ«بيت الشعر العربي» يدل على القامة الكبيرة التي يمثلها هذا الشاعر في الحركة الشعرية المصرية، على كافة المستويات، سواء الفنية أو الأسلوبية، أو حتى على مستوى الوزن والقافية والصور الجديدة النابضة بالحياة.


«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
TT

«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)

انتقدت «لجنة الدراما» بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمصر، إقحام حياة الفنانين الشخصية في مسلسلات رمضان، إذ رصدت اللجنة عدداً من سلبيات بعض الأعمال التي وقعت في فخ إقحام حياة الفنانين ضمن السياق الدرامي، واستخدام الحوار في بعض المسلسلات لتبادل رسائل مبطنة، إلى جانب وجود مشاهد عنف غير مبررة درامياً.

وجاء بيان «لجنة الدراما»، الأحد، بالتزامن مع جدل «الأكثر مشاهدة»، و«التلاسن العلني»، بين بعض نجوم مسلسلات الموسم الرمضاني خلال الأيام الماضية، الذي تسبب في أزمة كبيرة انتقدتها نقابة «الممثلين» المصرية، ووصفتها بأنها «حالة تراشق»، و«مهاترات»، و«معارك وهمية» غير لائقة، هدفها السعي وراء «الترند»، وأن مثل هذه السلوكيات لا تليق بتاريخ ومكانة الفن المصري.

من جانبها، قالت رئيسة «لجنة الدراما»، الكاتبة والناقدة الفنية المصرية ماجدة موريس، إن اللجنة رصدت وجود بعض مشاهد من مسلسلات درامية تم إقحام حياة الفنانين فيها دون مبرر، حيث تبين أنها رسائل شخصية يتم تمريرها لأطراف أخرى، وذلك لأول مرة في تاريخ الدراما التلفزيونية التي بدأت منذ ستينات القرن الماضي.

وأكدت ماجدة موريس في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «الدراما يجب أن تكون بعيدة عن الحياة الشخصية، وأن تكون قائمة على سيناريو وكتابة جيدة، لأن المشاهد لا يشغله سوى الحكاية المحكمة التي تحتوي على رسالة توعوية أو محتوى ترفيهي».

وعدّت ما يجرى «مسؤولية فريق العمل كافة بداية من الكاتب والمخرج والمنتج، وغيرهم، ويجب الانتباه إلى هذه النقطة، وتجنب إقحام الحياة الشخصية، كما يجب على النجوم أنفسهم الانتباه لذلك، وتجنب الترويج لحياتهم على حساب الدراما».

جانب من اجتماع لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (فيسبوك)

وتعليقاً على أزمة «الأكثر مشاهدة»، أكدت ماجدة موريس أن الصراع الذي يجري على «السوشيال ميديا»، خلفه فرق إلكترونية تعمل على ترويج بعض المسلسلات، وأن «الأرقام التي يتم الإعلان عنها ليست دقيقة ولا تعكس الواقع، كما أن المشاهد نفسه لا يشغله هذه الصراعات، بل القصة الدرامية الجيدة»، على حد تعبيرها.

وأصدرت «لجنة الدراما» بيانها، عقب مناقشة أعمال النصف الأول من موسم رمضان، لافتة إلى وجود طفرة في عناصر الإنتاج الدرامي، مثل الديكور والتصوير والموسيقى التصويرية والإضاءة والمونتاج.

وأشادت اللجنة بتوجه عدد من المسلسلات إلى إعلاء قيمة اللجوء إلى العدالة في إطار قانوني، من بينها «عين سحرية»، و«الست موناليزا»، و«وكان يا ما كان»، و«حد أقصى»، بعد أن كانت ظاهرة «أخذ الحق باليد»، قد انتشرت في مواسم درامية سابقة، كما أشادت اللجنة بتناول الأعمال الدرامية لقضايا وطنية وقومية واجتماعية، وأبرزها القضية الفلسطينية، عبر مسلسل «صحاب الأرض».

وأشارت اللجنة في بيانها، إلى وجود ضعف في بعض السيناريوهات، خصوصاً في الأعمال التي تمتد إلى 30 حلقة، إلى جانب انتشار ظاهرة الكتابة أثناء التصوير، وضغط الوقت وسرعة وتيرة التصوير للحاق بمواعيد العرض، مما أدى إلى وقوع عدد من الأخطاء التقنية والتنفيذية.

ولفتت اللجنة إلى غياب واضح للأعمال المكتوبة عن «الروايات»، و«الأعمال الأدبية»، إلى جانب غياب الأعمال الكوميدية المتميزة.

من جهته، أكد الناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الدراما حالياً تعاني من ظاهرة «الترند»، حيث يحاول الجميع أن يكونوا في الصدارة، وأن ما يحدث في الوقت الحالي لم يكن في السباق؛ بل كانت المسلسلات الجيدة تحظى بالاهتمام دون الحاجة إلى اللجوء لمثل هذه الأمور غير المبررة.

وأضاف الجمل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض الأعمال الدرامية حالياً تعاني من تخبط كبير، حيث يتم اختراع أخبار وقضايا، وتسريب فيديوهات، وصراعات لتصدر (الترند)، وغياب المؤلف الحقيقي هو السبب في هذه الحالة».


أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
TT

أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)

رحل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً، نتيجة تدهور حالته الصحية. ولم يحضر جنازته سوى قلة من زملائه. فكتب المنتج إيلي معلوف، الذي كان من بينهم: «لا أعرف ماذا أكتب... عجبي أم عتبي؟ أين الوفاء لمن صنع هوية الدراما التاريخية، وصنع أبطالاً على المسرح والخشبة؟ وفي مأتمه ستة أشخاص».

ويُعدُّ غندور أول من كتب حلقة تلفزيونية لبنانية مدتها ساعة ونصف الساعة، ضمن سلسلتي «كانت أيام» و«أديب وقصة». وقد تجاوزت أعماله المائة، بين مسلسلات تلفزيونية وأعمال مسرحية وإذاعية وسينمائية، فضلاً عن أعمال وثائقية عُرضت على شاشات لبنانية وعربية. وطبع الشاشة الصغيرة بأعمال درامية حفرت في ذاكرة اللبنانيين، وأسهم في صناعة نجوم الزمن الجميل للدراما، من بينهم أنطوان كرباج، ونبيه أبو الحسن، وفيليب عقيقي، وإيلي صنيفر.

كتب غندور حبكات درامية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأرض الوطن، وصبغ مؤلفاته بتاريخ لبنان، ناقلاً وقائع من ذاكرته الاجتماعية والسياسية إلى الشاشة، ومحوَّلاً أحداثاً مفصلية إلى حكايات إنسانية قريبة من الناس.

سبق وكرّمته وزارة الإعلام بجائزة «رائد الدراما التاريخية» (فيسبوك)

كما عُرف بقدرته على مزج التاريخ بالدراما، فاستعاد في نصوصه محطات من التراث اللبناني وسِيَر شخصيات تركت بصمتها في المجتمع. وكان حريصاً على تقديم أعمال تُبرز الهوية اللبنانية وتوثِّق تفاصيل الحياة اليومية للناس، فبدت نصوصه أشبه بمرآة تعكس تحوّلات المجتمع وتقلباته عبر العقود. ومن أشهر مؤلفاته «بربر آغا»، و«أخوت شاناي»، و«أربع مجانين وبس»، و«رصيف البارزيانا» وغيرها. كما قدَّم للمسرح أكثر من عمل، بينها «طانيوس شاهين»، و«المير واستير»، و«القبقاب». وكانت له تجربة سينمائية لافتة من خلال فيلم «كلنا فدائيون» عام 1969.

وفي مسلسل «دويك»، من بطولة الراحل عبد الله حمصي المعروف بـ«أسعد»، حفظ اللبنانيون تحية هذه الشخصية الريفية الشهيرة للعاصمة: «صبّحِك بالخير ستنا بيروت».

نقيب الممثلين نعمة بدوي، الذي كانت تربطه علاقة وطيدة بالراحل، أشار في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه لا يمكن توجيه العتب لمن غابوا عن جنازة غندور. وقال: «في ظل الحرب التي يشهدها لبنان لا أستطيع لوم أحد لعدم مشاركته في وداع كاتب رائد. لكنني أحمل في قلبي غُصَّة لأنه رحل في جنازة خجولة بحضور محدود وغياب رسمي. فأنطوان غندور كان سيِّد النص الدرامي التاريخي على الشاشة والخشبة، وعرف كيف ينقل تاريخ لبنان إلى أجيال متعاقبة بأسلوب سلس ومشبَّع برائحة التراب. وكان يجدر بنا تقديره بما يليق بقامته الفنية. لكن البلاد برمتها منشغلة بالحرب، كما أن رحيله جاء على عجل، حتى إن ولديه لم يتمكنا من الوصول إلى لبنان لوداعه، إذ يقيمان في دول الخليج».

رحيل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً (فيسبوك)

وكان الراحل أنطوان غندور قد ابتعد في السنوات الأخيرة عن الساحة بسبب تدهور حالته الصحية. وفي آخر ظهور له، خلال تكريمه من قبل «التجمع الوطني للثقافة والبيئة والتراث» في ديسمبر (كانون الأول) 2025، بدا متعباً وجالساً على كرسي متحرك أثناء تلقيه درعه التكريمي على خشبة مسرح جوزيف أبو خاطر.

ويستذكر النقيب نعمة بدوي مشواره مع الكاتب الراحل قائلاً: «تربطني به علاقة وثيقة. وكان أول من كسر حاجز بيروت الشرقية والغربية عندما طلب مني أداء بطولة مسرحية (المير واستير). يومها تعرَّض لانتقادات لأنه اختار ممثلاً من غير بيئته لتجسيد دور الأمير بشير الشهابي. لكنها كانت خطوة جريئة منه، اعتبرها جسراً لإعادة التواصل بين البيروتَين (بيروت الشرقية وبيروت الغربية) في فترة الحرب».

وُلد غندور في بلدة عين علق المتنية عام 1942، ومنذ طفولته المبكرة مال إلى القراءة والكتابة. ولم يكن قد بلغ العشرين من عمره عندما فقد والدته جميلة مراد. درس في مدرسة في جونية قبل أن ينتقل إلى جامعة الحكمة، حيث تابع دراسة علم النفس لعامين. تزوّج من زينب عازار ولهما ولدان، فادي وكريستيان. ومن أولى كتاباته سلسلة القصص «تحت شجرة الزيزفون».

نال جوائز عدة عن أعماله، بينها «صدفة» عام 2003 من بطولة تقلا شمعون، وبيار داغر، كذلك مسلسل «سقوط زهرة البيلسان» من بطولة إبراهيم مرعشلي، وجلنار شاهين، وفيليب عقيقي، وإخراج إيلي سعادة. وحاز عنه أيضاً جائزة التلفزيون الأولى في الكويت، وجائزة الحوار في جامعة الدول العربية، وعُرض على شاشة تلفزيون لبنان عام 1981.