تفجير سيارة في ديار بكر على وقع التصعيد التركي في سوريا والعراق

خبراء الأدلة الجنائية في الشرطة يعاينون الموقع بعد انفجار قنبلة في سيارة على جانب الطريق أثناء مرور حافلة صغيرة للشرطة في ديار بكر (رويترز)
خبراء الأدلة الجنائية في الشرطة يعاينون الموقع بعد انفجار قنبلة في سيارة على جانب الطريق أثناء مرور حافلة صغيرة للشرطة في ديار بكر (رويترز)
TT

تفجير سيارة في ديار بكر على وقع التصعيد التركي في سوريا والعراق

خبراء الأدلة الجنائية في الشرطة يعاينون الموقع بعد انفجار قنبلة في سيارة على جانب الطريق أثناء مرور حافلة صغيرة للشرطة في ديار بكر (رويترز)
خبراء الأدلة الجنائية في الشرطة يعاينون الموقع بعد انفجار قنبلة في سيارة على جانب الطريق أثناء مرور حافلة صغيرة للشرطة في ديار بكر (رويترز)

أُصيب 8 من أفراد الشرطة التركية ومدني واحد، اليوم (الجمعة)، في تفجير سيارة مفخخة استهدف مركبة تقل عناصر من قوات الأمن في ولاية ديار بكر، كبرى الولايات ذات الغالبية الكردية، في جنوب شرقي تركيا.
وقال مكتب والي ديار بكر، في بيان، إن الحادث وقع عندما انفجرت قنبلة زُرعت في سيارة قرب سوق للماشية على مسافة نحو 10 كيلومترات جنوب مركز مدينة ديار بكر. وأشار إلى أن الانفجار وقع أثناء مرور حافلة صغيرة تقل 8 من عناصر الشرطة، إضافة إلى سائقها المدني، وأوضح أنه لم يسفر عن إصابات خطيرة، وأضاف أن المصابين التسعة نُقلوا إلى المستشفى لإجراء فحوص.
من جهتها، ذكرت وكالة «الأناضول» الرسمية أن الهجوم تم بواسطة سيارة مفخخة جرى تفجيرها لدى مرور حافلة صغيرة تنقل أفراداً من شرطة مكافحة الشغب على طريق ديار بكر - ماردين أثناء توجههم إلى العمل في الساعة 05:10 صباحاً (02:10 ت.غ).
وأفاد وزير الداخلية، سليمان صويلو عبر «تويتر»، بأن شخصين اعتقلا، ويعتقد أنهما منفذا الانفجار، مشيراً إلى أن جروح المصابين في الانفجار طفيفة، بينما قالت مصادر أمنية في ديار بكر إنه تم القبض على 5 مشتبهين.
ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الانفجار حتى الآن، كما لم تنسب السلطات التفجير إلى جهة معينة.
* الصراع الكردي
ولطالما كانت ديار بكر، ومنطقة جنوب شرقي تركيا عموماً، مسرحاً للصراع المسلح بين مسلحي حزب العمال الكردستاني وقوات الجيش والشرطة التركيين، منذ انطلاقه عام 1984، حيث قتل أكثر من 40 ألفاً من الجانبين.
ومنذ انهيار هدنة أعلنها «العمال» الكردستاني، استمرت قرابة 3 سنوات في 20 يوليو (تموز) 2015 عقب إعلان أنقرة تجميد مفاوضات السلام الداخلي معه لحل المشكلة الكردية في تركيا، التي أطلقتها الحكومة في 2012، صعد الجيش التركي وقوات الأمن من عملياتهما في شرق وجنوب شرقي تركيا.
وأدت العمليات العسكرية والأمنية إلى تدمير قرى وأحياء كاملة في المنطقة ذات الغالبية الكردية، ونزوح مئات الآلاف من قراهم؛ بسبب فرض حظر التجول أثناء هذه العمليات التي استهدفت تدمير حواجز وخنادق أقامها مسلحو الحزب في كل من ديار بكر وشيرناق وماردين، بحسب تقارير لمنظمات حقوقية تركية.
وحمل حزب العمال الكردستاني السلاح عام 1984؛ سعياً لإقامة منطقة تتمتع بالحكم الذاتي في جنوب شرقي تركيا، وقتل نحو 40 ألف شخص خلال الصراع بين الحزب والسلطات التركية.
وأعلن الجيش التركي في 18 فبراير (شباط) 2016 مقتل 7 عسكريين في تفجير بعبوة ناسفة استهدف رتلاً عسكرياً قرب مدينة ليجا في ديار بكر، كما أعلنت رئاسة الأركان التركية، في اليوم التالي، مقتل جنديين تركيين وضابط شرطة في هجوم نفذه مسلحون من حزب العمال الكردستاني في ديار بكر.
https://twitter.com/aawsat_News/status/1603743682313588737
وفي 16 فبراير 2018 بدأت القوات التركية عملية عسكرية في ديار بكر استهدفت مواقع وعناصر حزب العمال الكردستاني، استبقتها بفرض حظر التجول في 176 قرية وبلدة في الولاية.
وذكرت مصادر أمنية لوسائل الإعلام التركية أن نحو 1200 من عناصر قوات الدرك وحراس القرى، وهم عناصر من المتعاقدين مع الجيش التركي، تساندهم طائرات من دون طيار ومروحيات، يشاركون في العملية.
وأشارت المصادر إلى أن العملية تستُخدم فيها تقنيات التعرف على الوجوه بهدف التحديد الدقيق لعناصر «العمال» الكردستاني، الذي تدرجه أنقرة وواشنطن والاتحاد الأوروبي على قوائم المنظمات الإرهابية لديها.
وكانت السلطات التركية نفذت حملة اعتقالات في ديار بكر في يناير (كانون الثاني) من العام ذاته، بعد انطلاق عملية «غصن الزيتون» العسكرية في منطقة عفرين في شمال سوريا المتاخمة للحدود التركية، في العشرين من الشهر نفسه.
وأعلنت وزارة الداخلية التركية اعتقال العشرات في ديار بكر، بعد أن حرضوا مواطنين من أصول كردية وشجعوهم على الخروج إلى الشوارع للاحتجاج على عملية «غصن الزيتون».
وشن مسلحون ينتمون إلى حزب العمال الكردستاني خلال العام 2017 سلسلة هجمات قُتل في بعضها مسؤولون في حزب «العدالة والتنمية»، الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب إردوغان، بينما استهدفت الهجمات بشكل عام مواقع عسكرية وأمنية.
وفي أوائل فبراير 2018 فُرض حظر تجول لمدة يومين في نحو 60 بلدة في ولاية ديار بكر نفسها.
وفي مطلع العام الماضي، أعلنت وزارة الداخلية التركية إطلاقها عملية «أرن 2 ليجا» ضد مسلحي «حزب العمال الكردستاني» في ولاية ديار بكر جنوب شرقي البلاد، بمشاركة ألفين و24 عنصر أمن.
وقالت وزارة الداخلية إن «العملية تعد استمراراً لعملية (أرن)، التي أطلقتها في جبل تندورك بولاية آغري شرق البلاد، في إطار مساعيها الرامية إلى اجتثاث المنظمة (حزب العمال الكردستاني) من جذورها».
* عمليات شمال سوريا
وعلى مدى 3 أعوام تنفذ قوات الأمن التركية سلسلة عمليات تستهدف عناصر «العمال» الكردستاني في جنوب شرقي البلاد تحت اسم «أرن الحصار» بلغ عددها حتى الآن 36 عملية، بمشاركة الآلاف من قوات الشرطة والدرك وحراس القرى.
وأطلق الجيش التركي منذ العام 2019 سلسلة عمليات عسكرية (جوية وبرية) ضد مواقع «العمال» الكردستاني تحت اسم «المخلب»، وتواصلت تحت مسميات عدة، جميعها يرتبط بالمخلب، مثل «المخلب - البرق» و«المخلب - الصاعقة»، وصولاً إلى «المخلب - القفل»، التي أسهمت كثيراً في الحد من هجمات «العمال» الكردستاني في جنوب شرقي البلاد.
وفي سوريا نفذت تركيا 3 عمليات عسكرية استهدفت مواقع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري، هي «درع الفرات» في 2016، و«غصن الزيتون» في 2018، و«نبع السلام» التي أطلقتها تركيا في 9 أكتوبر (تشرين الأول) في 2019، والتي توقفت بعد أيام من إطلاقها بتوقيع مذكرتي تفاهم مع الولايات المتحدة في أنقرة في 17 أكتوبر 2019، ومع روسيا في سوتشي في 22 من الشهر ذاته، حيث أوقفت تركيا العملية بعد سيطرتها بمساعدة الفصائل الموالية لها فيما يعرف بـ«الجيش الوطني السوري» على مناطق في شرق الفرات، منها تل أبيض ورأس العين.
وأطلقت تركيا في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) عملية جوية باسم «المخلب - السيف» استهدفت بها مواقع «العمال» الكردستاني شمال العراق، ومواقع «قسد» في شمال سوريا في وقت واحد.
وجاءت العملية بعد أسبوع من تفجير إرهابي وقع في شارع الاستقلال بمنطقة «تقسيم» في إسطنبول، في 13 نوفمبر، تسبب في مقتل 6 أشخاص وإصابة 81 آخرين. ونسبت السلطات التفجير إلى وحدات حماية الشعب الكردية، أكبر مكونات «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) و«العمال» الكردستاني.
ويرى خبراء ومراقبون أنه لا يمكن الفصل بين عودة الاستهدافات في إسطنبول وجنوب شرقي تركيا، والعمليات العسكرية التي تنفذها القوات التركية في شمال كل من سوريا والعراق ضد المسلحين الأكراد.
وهددت تركيا عقب عملية «المخلب - السيف» بتنفيذ عملية برية ضد مواقع «قسد» في شمال سوريا، وتحديداً في منبج وعين العرب (كوباني) وتل رفعت؛ بهدف استكمال حزام أمني بعمق 30 كيلومتراً في عمق الأراضي السورية جنوب الحدود التركية، لكن العملية قوبلت باعتراضات من جانب الولايات المتحدة المتحالفة مع «قسد» في الحرب على تنظيم «داعش» الإرهابي في شمال سوريا، وروسيا التي توجد قواتها مع قوات «قسد» والنظام السوري في مناطق سيطرة «قسد».
* تراجع تركي
وتحركت روسيا عبر المشاورات مع تركيا على صيغة تتضمن، بحسب ما أفادت مصادر وتقارير متعاقبة، سحب قوات «قسد» وأسلحتها من منبج وعين العرب (كوباني) وإحلال قوات النظام مكانها، والإبقاء فقط على عناصر أمن قسد (الأشايس) ودمجهم في جهاز الأمن السوري التابع للنظام، بينما طالبت أنقرة بتنفيذ تفاهم سوتشي كاملاً.
وبعد ما يقرب من شهر من التصعيد الشديد والتهديد بالاجتياح البري من جانب تركيا، بدا أن خيار العملية العسكرية البرية تراجع إلى الخلفية، مع تصعيد للحديث عن التقارب بين تركيا ونظام بشار الأسد بدفع من روسيا التي ترغب في إعادة سيطرة النظام على جميع المناطق التي لا تزال في يد المعارضة في شمال سوريا، وإعادة سيطرته على الحدود مع تركيا.
وخلال الأيام الثلاثة الماضية، تحدث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الثلاثاء، مرة عن أنه طلب الدعم من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في اتصال هاتفي بينهما الأحد الماضي؛ للقيام بعملية مشتركة في شمال سوريا تنهي التهديدات الأمنية للحدود التركية، مشدداً على التمسك بالحزام الأمني بعمق 30 كيلومتراً. ثم تحدث، الخميس، عن أنه اقترح على بوتين عقد لقاء ثلاثي يجمعهما مع رئيس النظام السوري بشار الأسد، «وبهذا الشكل نكون قد بدأنا بسلسلة اللقاءات، وأن بوتين تلقى العرض بإيجابية».
وأضاف إردوغان، الذي سبق أن أبدى أكثر من مرة على مدى الشهرين الماضيين استعداده للقاء الأسد: «نريد أن نقْدم على خطوة ثلاثية تركية - روسية - سورية، ولذلك يجب أولاً عقد لقاءات بين أجهزة المخابرات، ومن ثم وزراء الدفاع، ثم وزراء الخارجية».
كما قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، الثلاثاء، إن أنقرة مستعدة للعمل مع النظام السوري وإعادة العلاقات معه، وإن أجهزة المخابرات تُواصل اتصالاتها به منذ فترة. وأضاف أنه «إذا تصرَّف النظام بواقعية، فنحن مستعدّون للعمل معاً على محاربة الإرهاب، والعملية السياسية، وعودة السوريين».
ووضع مراقبون، تلك التصريحات عن التقارب مع النظام في ملفات مكافحة الإرهاب (ويقصد به التعاون ضد الوحدات الكردية) وإعادة اللاجئين والعملية السياسية في سوريا، في إطار تراجع أنقرة عن العملية العسكرية التي لوحت بها، ليس فقط عقب التفجير الإرهابي في إسطنبول، وإنما منذ مايو (أيار) الماضي، عندما قال إردوغان: «سنأتيهم ذات ليلة على حين غرة» وحدد نطاق العملية بمناطق منبج وتل رفعت، قبل أن تضاف عين العرب (كوباني)، بعدما وجدت معارضة قوية من أميركا وتحفظاً شديداً من روسيا التي تحرص تركيا على الحفاظ على وتيرة تصعيد التعاون معها في مجالات الاقتصاد والطاقة رغم التباين في المواقف في عديد من الملفات، وفي مقدمتها الملف السوري.
* تحركات روسيا
وتحافظ أنقرة وموسكو على نسق علاقات يقوم على الحفاظ على وتيرة التقارب المتسارعة وعدم السماح للملفات الخلافية بعرقلة هذه الوتيرة، وبذلك تم تحويل التباين في سوريا إلى تنسيق عبر التفاهمات في أستانة وسوتشي وموسكو بشأن إدلب ومناطق سيطرة «قسد»، وصولاً إلى الوساطة في إعادة العلاقات مع النظام السوري إلى سابق عهدها قبل 2011.
وواقع الأمر، أن الوساطة الروسية تأتي في وقت حساس ودقيق بالنسبة للرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي يواجه بعد 6 أشهر استحقاقاً انتخابياً لا يتوقع أن يمر فيه وكذلك حزبه (العدالة والتنمية الحاكم) بالسهولة التي مكنته بالسيطرة على مقاليد السلطة في البلاد لمدة 20 عاماً في ظل معارضة هشة ومشتتة.
ويبرز الملف السوري باعتباره أحد العناصر الحاسمة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في 18 يونيو (حزيران) المقبل، في ظل منافسة حامية مع المعارضة التي ركزت، في جانب مهم من دعايتها، على حل مشكلة اللاجئين السوريين عبر التعاون مع النظام السوري وأوروبا والأمم المتحدة، فكانت الوساطة الروسية للتقارب بين الأسد وإردوغان بمثابة الفرصة ليتولى إردوغان الأمر بنفسه، وأن يوجد الحل وينزع تلك الورقة من يد المعارضة، وبالتالي إبعاد الملف السوري عن حلبة الصراع الانتخابي الساخن.
* موقف المعارضة
وفي هذا الإطار، يبدو أن المعارضة السورية استوعبت الصدمة الأولى لحديث أنقرة عن التقارب مع الأسد، والتي بدأت بتصريح لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في 11 أغسطس (آب) الماضي، عن لقاء عابر جمعه مع وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في بلغراد في أكتوبر 2021، وتأكيده ضرورة الوصول إلى توافق بين المعارضة والنظام من أجل التوصل إلى حل في سوريا.
وبذلت أنقرة جهوداً لتوضيح الصورة للمعارضة عبر لقاء وزير الخارجية مع قادة الائتلاف الوطني السوري عقب تصريحاته التي أشاعت حالة من الارتباك، وقابلها السوريون في مناطق المعارضة في شمال سوريا بالاحتجاجات والمظاهرات ضد تركيا، ولم تخف المعارضة قلقها أيضاً.
لكن الواضح الآن أن المعارضة استوعبت التحركات التركية، لا سيما مع حرص أنقرة على تأكيد أن وجود المعارضة في تركيا لن يتأثر بخطوات التطبيع مع الأسد.


مقالات ذات صلة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

المشرق العربي «قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

أعلنت سوريا، أمس، سقوط قتلى وجرحى عسكريين ومدنيين ليلة الاثنين، في ضربات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع في محيط مدينة حلب بشمال سوريا. ولم تعلن إسرائيل، كعادتها، مسؤوليتها عن الهجوم الجديد الذي تسبب في إخراج مطار حلب الدولي من الخدمة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

في حين أعلنت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع تأكيد ما أعلنته تركيا عن مقتل زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي أبو الحسين الحسيني القرشي في عملية نفذتها مخابراتها في شمال سوريا، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن قوات بلاده حيدت (قتلت) 17 ألف إرهابي في السنوات الست الأخيرة خلال العمليات التي نفذتها، انطلاقاً من مبدأ «الدفاع عن النفس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، يوم أمس (الأحد)، مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا خلال عملية نفذتها الاستخبارات التركية. وقال إردوغان خلال مقابلة متلفزة: «تم تحييد الزعيم المفترض لداعش، واسمه الحركي أبو الحسين القرشي، خلال عملية نفذها أمس (السبت) جهاز الاستخبارات الوطني في سوريا». وكان تنظيم «داعش» قد أعلن في 30 نوفمبر (تشرين الأول) مقتل زعيمه السابق أبو حسن الهاشمي القرشي، وتعيين أبي الحسين القرشي خليفة له. وبحسب وكالة الصحافة الفرنيسة (إ.ف.ب)، أغلقت عناصر من الاستخبارات التركية والشرطة العسكرية المحلية المدعومة من تركيا، السبت، منطقة في جينديرس في منطقة عفرين شمال غرب سوريا.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
المشرق العربي الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

قالت الرئاسة التونسية في بيان إن الرئيس قيس سعيد عيّن، اليوم الخميس، السفير محمد المهذبي سفيراً فوق العادة ومفوضاً للجمهورية التونسية لدى سوريا، في أحدث تحرك عربي لإنهاء العزلة الإقليمية لسوريا. وكانت تونس قد قطعت العلاقات الدبلوماسية مع سوريا قبل نحو عشر سنوات، احتجاجاً على حملة الأسد القمعية على التظاهرات المؤيدة للديمقراطية عام 2011، والتي تطورت إلى حرب أهلية لاقى فيها مئات آلاف المدنيين حتفهم ونزح الملايين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

أثار تمسك سوريا بانسحاب تركيا من أراضيها ارتباكاً حول نتائج اجتماعٍ رباعي استضافته العاصمة الروسية، أمس، وناقش مسار التطبيع بين دمشق وأنقرة.


مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
TT

مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)

يتقدّم ملف استهداف المدارس في جنوب لبنان إلى واجهة المشهد، مع تصاعد العمليات العسكرية واتساع رقعتها، في وقتٍ يتزايد فيه القلق من تحوّل البنية التربوية إلى أحد أبرز ضحايا التصعيد. وبينما تتحدث إسرائيل عن «أهداف عسكرية» داخل منشآت مدنية، تؤكد الدولة اللبنانية خلوّ هذه المواقع من أي استخدام قتالي، في سياقٍ يربطه مراقبون بمسار أوسع يرمي إلى فرض «منطقة عازلة» على الأرض.

اتهامات إسرائيلية باستخدام المدارس

في هذا الإطار، أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية، الخميس، أن «قوات (لواء غفعاتي)، العاملة تحت قيادة (الفرقة 98)، عثرت داخل مدرسة في جنوب لبنان على أكثر من 130 وسيلة قتالية».

وأوضحت أن العمليات البرية «تستهدف تدمير البنى التحتية»، مشيرة إلى أن الأسلحة المضبوطة تشمل «بنادق (كلاشنيكوف)، ومسدسات، وأسلحة أخرى، إضافة إلى أعلام ورموز تابعة لـ(حزب الله)».

وأضافت أن القوات الإسرائيلية «صادرت الوسائل القتالية وتواصل عمليات التمشيط»، متهمة «حزب الله» بـ«استغلال السكان المدنيين لتنفيذ مخططات عسكرية».

وتتقاطع هذه التغريدة مع إعلان إسرائيلي سابق عن تدمير مدرسة في بلدة الشهابية في 10 أبريل (نيسان) 2026، حيث زعم الجيش الإسرائيلي أنه رصد «منصات لإطلاق الصواريخ داخل حرم المدرسة»، ونشر مقاطع قال إنها تُظهر راجمة صواريخ في الموقع، معتبراً أن استخدام منشآت مدنية لأغراض عسكرية «يمثل انتهاكاً للقانون الدولي».

مروحين... استهداف وتنديد رسمي

في المقابل، برزت بلدة مروحين في صلب هذه التطورات، بعد تداول مقاطع فيديو تُظهر تدمير مبنى ثانوية مروحين الرسمية إثر انفجار عنيف أدى إلى انهياره.

ولم تتضح على الفور ملابسات الضربة، وسط تباين في الروايات، غير أن وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي دانت ما جرى، ووصفت تفجير المدرسة بأنه «عدوان سافر على البنى التربوية».

صور «سونار» لجنين بين أنقاض مبنى دُمر الأسبوع الماضي بقصف إسرائيلي في بيروت (أ.ب)

وأكدت في بيان أن المبنى «كان خالياً من أي وجود عسكري أو مدني»، داعية المجتمع الدولي، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى التحرك العاجل لـ«تحييد المؤسسات التربوية والتلاميذ».

ولا تبدو مروحين حالة منفصلة؛ إذ جرى تداول مشاهد لتدمير مبنى مدرسي في بلدة «طورا» القريبة من الحدود، ما يعزز مؤشرات على اتساع نطاق استهداف المنشآت التعليمية في القرى الواقعة ضمن مسرح العمليات.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التباين بين الروايتين: تأكيد إسرائيلي على وجود استخدام عسكري لهذه المواقع، في مقابل نفي لبناني يضعها ضمن الأعيان المدنية المحمية، ما تضعه أوساط جنوبية في إطار «استهداف ممنهج للبنية المدنية في الجنوب، ولا سيما المؤسسات التربوية لمنع عودة أي مظهر من مظاهر الحياة إلى القرى الحدودية، وتحديداً مناطق جنوب الليطاني».

مزاعم استهداف المدارس تندرج في إطار دعاية كاذبة

رأى العميد المتقاعد بسام ياسين عبر «الشرق الأوسط» أنّ «الحديث عن استهداف مدارس في جنوب لبنان بذريعة احتوائها على وسائل قتالية، يندرج في إطار دعاية كاذبة تُستخدم لتبرير الاعتداءات، في ظل غياب أدلة ميدانية موثوقة تثبت هذه المزاعم»، معتبراً أن ما يحصل «يندرج في إطار دعاية كاذبة تُستخدم لتبرير الاعتداءات».

وأشار ياسين إلى أنّ «ما نشرته المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي بشأن العثور على أسلحة داخل أحد المواقع في بنت جبيل، لا يخرج عن كونه عرضاً لبنادق صيد، وهي موجودة بشكل طبيعي لدى عدد كبير من الأهالي في المناطق الريفية، ولا يمكن تصنيفها ضمن ترسانة عسكرية، أو استخدامها كدليل على وجود بنية قتالية منظمة».

وشدّد على أنّ «استهداف المدارس والمنشآت المدنية لا يمكن تبريره عسكرياً تحت أي ذريعة»، مؤكداً أنّ «ما يجري يتجاوز البعد العسكري المباشر، ويعكس محاولة فرض وقائع ميدانية تحت غطاء إعلامي يفتقر إلى المصداقية».

في موازاة ذلك، يربط العميد المتقاعد بسام ياسين هذه التطورات بمسار ميداني أوسع، معتبراً أن الحديث عن وقف قريب لإطلاق النار «غير واقعي».

وقال إنه «لا شيء اسمه وقف إطلاق نار قبل أن ينتهي الإسرائيلي من موضوع المنطقة العازلة»، موضحاً أن العمليات الجارية «تندرج ضمن خطة لفرض وقائع ميدانية جديدة»، ولافتاً إلى أن التحركات الإسرائيلية تهدف إلى الوصول إلى عمق يقارب عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مع احتمال توسيع الضغط باتجاه البقاع الغربي لـ«قطع التواصل مع الجنوب».

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

البنية التربوية في قلب الاشتباك

وتعكس التطورات إدخال البنية التربوية في صلب المعركة، سواء كهدف عسكري وفق الرواية الإسرائيلية، أو كضحية مباشرة وفق الموقف اللبناني.

وتشير أوساط جنوبية إلى أنّ «استهداف المدارس والمنشآت التعليمية لا يبدو معزولاً أو ظرفياً، بل يندرج ضمن مسار ممنهج يطول البنية التربوية، بما يعكس توجهاً لضرب مقومات الاستقرار المجتمعي في القرى الحدودية».

وبين هذين المسارين تتقاطع العمليات الميدانية مع أهداف أبعد من الاشتباك المباشر، لتطول مقومات الحياة اليومية، في ظل مسار يبدو أنه يسعى إلى إعادة رسم الجغرافيا والسكان معاً ضمن إطار «المنطقة العازلة».


الموضوع الناقص في المفاوضات الإسرائيلية - اللبنانية

ندى حمادة معوّض سفيرة لبنان في واشنطن التي مثّلت بلادها في المباحثات (أ.ف.ب)
ندى حمادة معوّض سفيرة لبنان في واشنطن التي مثّلت بلادها في المباحثات (أ.ف.ب)
TT

الموضوع الناقص في المفاوضات الإسرائيلية - اللبنانية

ندى حمادة معوّض سفيرة لبنان في واشنطن التي مثّلت بلادها في المباحثات (أ.ف.ب)
ندى حمادة معوّض سفيرة لبنان في واشنطن التي مثّلت بلادها في المباحثات (أ.ف.ب)

نال موضوع في المفاوضات الإسرائيلية - اللبنانية لم يلق الاهتمام اللازم في الإعلام، هو مطلب طرحته رئيسة الوفد اللبناني، السفيرة ندى معوض، يتلخص في وقف الغارات الإسرائيلية التي تهدف إلى تدمير البنى التحتية. وكما يتضح من تقرير لصحيفة «يسرائيل هيوم»، اليمينية، فقد تساءلت معوض عن المنطق الذي يسير به أولئك الذين وضعوا بنك أهداف الحرب. وقالت إن من يبحث عن جيرة حسنة، في القريب أو في المستقبل البعيد، يفترض ألا يحدث ضرراً بالغاً للإنسان العادي، الذي لا يحارب.

فماذا كان جواب رئيس الوفد الإسرائيلي السفير يحيئيل لايتر؟ قال إن الحكومة اللبنانية، التي تترأس دولة لبنان ذات السيادة، هي المسؤولة في نهاية المطاف عن كل ما يحدث على أراضيها. وهناك ممثلون عن «حزب الله» يشغلون مناصب في هذه الحكومة، ويوجد للحزب أعضاء في البرلمان، وإن الحزب يمثل شريحة طائفية واسعة ويتمتع بشرعية سياسية ومدنية، ويشارك في ميزانية الدولة، وفي الواقع لا يوجد أي فصل بين الدولة اللبنانية والحزب، الذي يستطيع جرها إلى الحرب وإملاء سياسته عليها.

مستشار وزارة الخارجية الأميركية مايكل نيدهام وسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وسفير أميركا لدى لبنان ميشيل عيسى وسفيرة لبنان لدى أميركا ندى حمادة معوض وسفير إسرائيل لدى أميركا يحيئيل لايتر، يقفون معاً قبل اجتماعهم في وزارة الخارجية في واشنطن (أ.ف.ب)

ويتضح أن هذا الجواب السريع الجاهز لم يكن صدفة؛ فقد جرى جدل في القيادتين السياسية والعسكرية الإسرائيلية في هذا الموضوع، وفقاً للصحيفة، وما فعله لايتر هو أنه جلب رد أولئك الذين أيدوا هذا التدمير وهم كثر. وتوجد لديهم خبرة غنية من تدميرهم قطاع غزة ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم وغيرهما في الضفة الغربية.

لكن، هناك من قدم رداً مميزاً عليهم، جلب فعلاً من التجربة الفلسطينية. جلب هذا الرد محرر شؤون العالم العربي في صحيفة «هآرتس»، د. تسفي برئيل، وهو ليس صحافياً وحسب، بل أيضاً هو عضو في رئاسة التحرير ومحاضر جامعي وباحث في موضوع الشرق الأوسط. قال إن «حزب الله» فعلاً تنظيم إرهابي، ولكن هذا يصلح بالنسبة لإسرائيل. ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للبنان. وروى برئيل أنه «في شهر فبراير (شباط) الماضي، قطع السيناتور الجمهوري المؤثر لندسي غراهام اجتماعه مع قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل وقال: )عندما سألته إذا كان الجيش اللبناني يعتبر (حزب الله( منظمة إرهابية أجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وطالما بقي هذا الموقف هو السائد في الجيش اللبناني فأنا لا أعتقد أن لبنان شريك موثوق. لقد سئمت من ازدواجية الأقوال الشائعة في الشرق الأوسط. الأمر عظيم».

أعلام إيرانية وأخرى لـ«حزب الله» فوق مقبرة جماعية مؤقتة إلى جانب مبنى متضرر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة صور (رويترز)

ويضيف برئيل: «إسرائيل، كما هي الحال في لبنان، لديها أيضاً ميليشيات إرهابية يهودية تتمتع بدعم سياسي كامل، بما في ذلك من وزراء في حكومتها. وتعتمد هذه الميليشيات بشكل كبير على ميزانية الدولة، ويمتلك أعضاؤها سلاحاً مرخصاً من الدولة، ويؤيدها كثيرون علناً، وحتى أولئك الذين يعارضونها لا يتجرؤون على وصفها بأنها إرهابية. عندما سئل بنحاس فالرشتاين في مقابلة أجرتها معه «هآرتس»، الأسبوع الماضي، إذا كان يعترف بمصطلح «الإرهاب اليهودي»، أجاب بأعصاب باردة: «بالطبع، هذا عنف يهودي له أساس عرقي. هل هذا يعتبر إرهاباً؟ لا أعرف، لا أريد الخوض في جدل المصطلحات؛ لأنه ينفر ممن يرغبون في التعبير عن رفض هذه الأفعال».

ويتساءل برئيل: «إذا كان هذا هو الجواب الذي سيعطيه أيضاً لفالرشتاين وبنيامين نتنياهو ويسرائيل كاتس وديفيد زيني، الذين لا يعتبرون هذه )الحفنة) العنيفة منظمة إرهابية في السياق الإسرائيلي». ويضيف: «هنا يكمن الفرق الكبير بين الحكومة اللبنانية وحكومة إسرائيل. لقد اتخذت حكومة لبنان قراراً جريئاً برفض الاعتراف بشرعية )حزب الله) العسكرية، وأمرت الجيش بنزع سلاحه، واعتبرته كياناً ينتهك سيادتها، بينما تحتضن إسرائيل الميليشيات فيها، وجيشها يتعاون معها والشرطة تدعم جرائمها، وتعدّها جزءاً لا يتجزأ من منظومة الدفاع الإسرائيلية. ويتجلى هذا التفاوت بشكل أوضح عند مقارنة ضعف قدرات الجيش اللبناني في قتاله ضد )حزب الله) مع القوة العسكرية التي تمتلكها إسرائيل لمواجهة إرهابها الداخلي، لكنها لا تقوم بتفعيل هذه القوة. بالتالي، في حين يحظى طلب إسرائيل نزع سلاح )حزب الله) والميليشيات الأخرى بدعم كامل من المجتمع الدولي يمكن للمرء أن يتخيل بسهولة حجم الاضطراب الكبير الذي كان سيثور لو طالبت جهة دولة بنزع سلاح الميليشيات اليهودية، مهددة إياها بأنه سيتم إدراجها في قائمة الدول الداعمة للإرهاب إذا لم تعمل على تحييدها؛ فمنظمات الإرهابيين اليهود أيضاً تحتاج وبشكل ملحّ إلى تفكيك كامل وشامل ومصادرة سلاحها ومحاكمتها؛ ففي حين أسست هذه الميليشيات في الدول الجارة دولة داخل دولة، أصبحت في إسرائيل هي الدولة نفسها».

يذكر أن إسرائيل تشهد موجة اعتراض على وقف الحرب في لبنان، يطالبون فيها بمواصلة الحرب حتى تحقيق أهدافها في تفكيك «حزب الله». ويقف وراء هذه الحملة رؤساء البلديات الإسرائيلية في الشمال وقادة معظم أحزاب المعارضة.


اشتباكات متواصلة في بنت جبيل وفصل جنوب لبنان بتدمير «جسر القاسمية»

جنود الجيش اللبناني وعناصر الدفاع المدني يتفقدون موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت جسر القاسمية المبني فوق نهر الليطاني في منطقة القاسمية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود الجيش اللبناني وعناصر الدفاع المدني يتفقدون موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت جسر القاسمية المبني فوق نهر الليطاني في منطقة القاسمية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

اشتباكات متواصلة في بنت جبيل وفصل جنوب لبنان بتدمير «جسر القاسمية»

جنود الجيش اللبناني وعناصر الدفاع المدني يتفقدون موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت جسر القاسمية المبني فوق نهر الليطاني في منطقة القاسمية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود الجيش اللبناني وعناصر الدفاع المدني يتفقدون موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت جسر القاسمية المبني فوق نهر الليطاني في منطقة القاسمية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تتداخل مسارات التصعيد الميداني الواسع مع مؤشرات سياسية حذرة على وقفٍ محتمل لإطلاق النار، في مشهد جنوبي مفتوح على كل الاحتمالات؛ فمن قتالٍ مباشر داخل أحياء «بنت جبيل»، إلى تدمير ممنهج للبنى التحتية وقطع خطوط الإمداد عبر استهداف جسر «القاسمية»، مروراً بغارات كثيفة طالت المستشفيات وفرق الإسعاف والقرى الممتدة من النبطية إلى مرجعيون وجزين، وصولاً إلى استهداف سيارة في منطقة ضهر البيدر خارج نطاق الجنوب، يتكرّس واقع ميداني يتجاوز حدود الاشتباك التقليدي.

بنت جبيل: قتال وجهاً لوجه وتدمير متصاعد

اندفعت المواجهات إلى داخل مدينة بنت جبيل، حيث دارت اشتباكات مباشرة بين عناصر «حزب الله» والقوات الإسرائيلية، لا سيما عند محور الملعب وحي العويني، بمساندة الطيران الحربي والمروحي، وسط قصف مدفعي كثيف طال مداخل المدينة ومحور المهنية.

وترافقت الاشتباكات مع عمليات نسف طالت منازل عند مدخل السوق الكبير، في سياق تصاعدي يعكس انتقال المعركة إلى نمط استنزافي داخل الأحياء السكنية.

جسر القاسمية: ضربة تعمّق عزل الجنوب

في تطور لافت، دمّر الجيش الإسرائيلي مجدداً جسر القاسمية، بعد إنذار للجيش اللبناني بإخلائه، ما أدى إلى قطع أحد أبرز خطوط الربط بين جنوب لبنان وبقية المناطق. وأفاد مسؤول أمني بأن الضربة جعلت الجسر خارج الخدمة بالكامل.

وفي هذا السياق، تقول أوساط جنوبية لـ«الشرق الأوسط» إن استهداف الجسر اليوم «يعزل جنوب الليطاني عن شماله بالكامل»، معتبرة أن الخطوة تأتي «في إطار تكريس واقع المنطقة العازلة ميدانياً، عبر فصل جغرافي ولوجيستي بين الضفتين».

وبالتوازي، استُهدفت ورشة لعمال سوريين قرب الجسر، ما أدى إلى سقوط أكثر من 15 إصابة، وفق تقديرات أولية.

أنقاض ومقتنيات مدنيين في موقع غارات إسرائيلية قرب مستشفى حيرام في مدينة صور (رويترز)

حرب مدن طويلة واستراتيجية «الهجوم الدائم»

في قراءة لطبيعة المعركة، قال العميد المتقاعد خليل الحلو لـ«الشرق الأوسط»: «المواجهة في «بنت جبيل» هي حرب مدن بكل ما للكلمة من معنى، وهذا النوع من القتال معروف بطوله وكلفته العالية». وأضاف: «حرب المدن لا تُخاض كما يعتقد البعض عبر قصفٍ كثيف أو تقدم سريع للدبابات، بل هي قتال بطيء ينتقل من مبنى إلى مبنى، ومن نقطة إلى أخرى».

وتابع: «العملية تتطلب استطلاعاً دقيقاً، والتأكد مما يوجد داخل الأبنية، ثم إدخال مجموعات صغيرة، حيث يتقدم عنصر ويؤمّن له آخر، ما يجعل التقدم بطيئاً جداً ويحتاج إلى وقت طويل»، مشيراً إلى أن «الاشتباك في هذا النوع من القتال يكون على مسافات قريبة جداً، أحياناً بضعة أمتار فقط».

وقال: «في حرب المدن، يحتاج المهاجم إلى تفوق عددي كبير»، مضيفاً: «هذا ما يفسر لماذا تستغرق هذه المعارك وقتاً طويلاً».

وأضاف: «المعركة في بنت جبيل ستأخذ وقتاً طويلاً، لأن كل طرف يسعى إلى تحقيق إنجاز ميداني يُحسّن موقعه»، لافتاً إلى أنّ «(حزب الله)، حتى لو لم يكن طرفاً مباشراً في التفاوض، فإنه يقاتل بطريقة تنعكس على موقعه في أي مسار تفاوضي».

وأضاف: «يجب ألا ننتظر من الإسرائيليين الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار؛ لأنهم تاريخياً يتابعون عملياتهم حتى في ظلّ الهدن»، لافتاً إلى أن «هذا السلوك يندرج ضمن استراتيجيتهم القديمة التي اعتمدوها سابقاً في تعاملهم مع المنظومات الفلسطينية».

وتابع: «الشعار العملي لهذه الاستراتيجية هو البقاء في حالة هجوم دائم؛ أي أن تبقى المبادرة بيدك وتستمر في الضغط، من دون أن تترك للخصم وقتاً ليلتقط أنفاسه أو يعيد تنظيم نفسه».

أنقاض ومقتنيات مدنيين في موقع غارات إسرائيلية قرب مستشفى حيرام في مدينة صور (رويترز)

إنذارات وتوسيع نطاق العمليات

ميدانياً، كرر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إنذاره عاجلاً إلى سكان المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني، داعياً إلى الإخلاء الفوري نحو الشمال، معتبراً أن العمليات ستتواصل «بقوة كبيرة»، في إطار ما وصفه بتعميق العملية البرية وتدمير البنى التحتية.

وطالت الغارات محيط مستشفى تبنين، ما أدى إلى اندلاع حريق داخله، عملت فرق الدفاع المدني على إخماده، في وقت سُجّل فيه استهداف مباشر لفرق إسعاف. وفي بلدة المجادل (قضاء صور)، قُتل مسعف من «كشافة الرسالة الإسلامية»، كما دُمّرت سيارة إسعاف تابعة لـ«الهيئة الصحية الإسلامية» في الشهابية.

حزام ناري وغارات واسعة

واتسع نطاق الضربات ليشمل قرى إقليم التفاح وقضاء صيدا، حيث سُمع دوي الانفجارات في صيدا ومحيطها، فيما تحدّثت مصادر ميدانية عن حزام ناري لفّ مرتين المنطقة بين كفرمان والنبطية. كما شهدت مرجعيون أعنف الضربات، مع ثلاث غارات متتالية على بلدة دبين خلال ربع ساعة، إضافة إلى استهداف بلاط، الأحمدية، القنطرة وعريض دبين، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء.

وفي جزين، استهدفت الغارات القطراني - محلة شبيل، ما تسبب بانقطاع التيار الكهربائي عنها وعن بلدات مجاورة، كما طالت غارات أخرى بلدة عرمتى.

«حزب الله»: عمليات مكثفة وردّ بالنيران

في المقابل، أعلن «حزب الله» في بيانات متتالية أنه نفّذ سلسلة عمليات استهداف ضد مواقع وانتشارات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وعلى امتداد الحدود، شملت استخدام مسيّرات انقضاضية وصليات صاروخية.

وأوضح أن من بين الأهداف التي طالتها الهجمات مربض مدفعية في الزاعورة، إضافة إلى تجمعات لآليات وجنود في بلدة الناقورة، وذلك عبر مسيّرات انقضاضية. كما أشار إلى استهداف مرابض مدفعية مستحدثة في جبل الباط عند بلدة عيترون بصليات صاروخية، إلى جانب تجمعات مماثلة في بلدة البيّاضة.

وأضاف أن الهجمات شملت أيضاً تجمعات للجيش الإسرائيلي في محيط مدرسة الإشراق في مدينة بنت جبيل، حيث تم استهدافها للمرة الثانية بصليات صاروخية كبيرة، فضلاً عن قصف تجمعات أخرى في تلة الحمامص جنوب مدينة الخيام بصليات مماثلة.

غارة إسرائيلية قطعت آخر جسر يربط جنوب لبنان ببقية المناطق (رويترز)

وفي سياق متصل، أعلن الحزب استهداف موقع رأس الناقورة بسرب من المسيّرات الانقضاضية، إضافة إلى مربض مدفعية في كفرجلعادي بصليات صاروخية. كما أفاد باستهداف تجمعات لآليات وجنود الجيش الإسرائيلي في مدينة الخيام، وفي تلة الحمامص جنوبها، وكذلك شرق بلدة رب ثلاثين، فضلاً عن قصف مستوطنة كفرجلعادي بصليات صاروخية.