جهود أميركية لاستعادة ثقة أفريقيا ومواجهة النفوذ الصيني والروسي

هاريس تعلن عن مبادرة بـ100 مليون دولار

هاريس تخاطب الجالية الأفريقية الشابة في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)
هاريس تخاطب الجالية الأفريقية الشابة في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)
TT

جهود أميركية لاستعادة ثقة أفريقيا ومواجهة النفوذ الصيني والروسي

هاريس تخاطب الجالية الأفريقية الشابة في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)
هاريس تخاطب الجالية الأفريقية الشابة في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)

تعهد الرئيس الأميركي جو بايدن ومسؤولو إدارته بالاعتراف بأفريقيا كلاعب جيوسياسي رئيسي في الساحة الدولية، معلناً دعم بلاده انضمام الاتحاد الأفريقي المكون من 55 دولة إلى مجموعة دول العشرين كعضو دائم.
ويعد التحدي الأكبر أمام إدارة بايدن هو إقناع القادة الأفارقة بأن الولايات المتحدة شريك موثوق به للقارة سريعة النمو.

- الحكم الرشيد والديمقراطية
استضاف بايدن، الأربعاء، عدداً من القادة الأفارقة، وبحث معهم قضايا نزاهة الانتخابات والاستقرار الأمني. وأكد الرئيس الأميركي «دعم الولايات المتحدة لانتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية في جميع أنحاء القارة». ويقول محللون إن إدارة بايدن تريد محاصرة نفوذ الجماعات الإرهابية داخل القارة، خاصة تنظيمي داعش والقاعدة وحركة الشباب وبوكو حرام، كما تسعى لتشجيع القادة الأفارقة على محاربة الفساد، ودعم عمليات الانتقال الديمقراطي، وإرساء قواعد لاحترام حقوق الإنسان وتعزيز السلام والأمن.
ويتطلع الرئيس بايدن إلى معالجة تهديد الكرملين للأمن الغذائي في أفريقيا، في مناقشات مع القادة، اليوم الخميس. وقال مستشار الأمن القومي جيك سوليفان للصحافيين، إن «الأمن الغذائي ومرونة النظم الغذائية مسألة حاسمة بالنسبة لشركائنا الأفارقة الذين تأثروا بشكل غير متناسب بارتفاع أسعار المواد الغذائية والأسمدة واضطرابات سلاسل التوريد العالمية، نتيجة للحرب الروسية ضد أوكرانيا». ويشكك كثيرون في قدرة واشنطن على توسيع نفوذها في مواجهة النفوذ الروسي المتصاعد في القارة، خاصة مع استمرار موسكو في تزويدها بالحبوب التي تشتد الحاجة إليها مقابل دعم الغزو الروسي لأوكرانيا.
وتسعى الإدارة الأميركية أيضاً للدفع بأجندتها الهادفة إلى مواجهة تغير المناخ في القمة، وسط دعوات ونقاشات حول استغلال الغابات الاستوائية المطيرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية لامتصاص انبعاثات الكربون، وبحث كيفية الحفاظ على تلك الغابات في مواجهة الشركات الكبرى العاملة في مجال التنقيب عن النفط والغاز.
واستضاف بايدن جميع رؤساء الوفود وقادة 49 دولة إلى عشاء بالبيت الأبيض مساء أمس، ومن المتوقع أن تعقد مناقشات رفيعة المستوى اليوم الخميس، يليها غداء عمل تستضيفه نائبة الرئيس كامالا هاريس، واجتماع حول الأمن الغذائي يستضيفه بايدن.

- 100 مليون دولار
شهدت القمة، أمس، محادثات حول دور المجتمع المدني والاستثمار والصحة، والمناخ، والسلام، والفضاء. وشهدت قاعات مركز المؤتمرات اجتماعات بين مسؤولي الإدارة الأميركية ومديرين تنفيذيين من أكثر من 300 شركة أفريقية وأميركية، كان تركيزها على التجارة والاستثمار.
وخلال جلسات منتدى القادة الشباب لأفريقيا، أعلنت هاريس عن تخصيص مبلغ 100 مليون دولار لمبادرة القادة الأفارقة الشباب (YALI)، كما أعادت إطلاق برنامج ريادة الأعمال لتوفير التمويل للنساء الأفريقيات. وأشارت هاريس إلى أن نحو 60 في المائة من سكان أفريقيا تحت سن 25 عاماً، وسيشكل الشباب 80 في المائة من إجمالي السكان بحلول عام 2050. وأكدت أن هذا الأمر يجعل التركيز المتزايد على القارة أمراً ضرورياً. وقالت نائبة الرئيس خلال المنتدى: «يمثل هذا النمو السكاني إمكانات هائلة للعالم من حيث النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والسياسي. وأعتقد بقوة أن إبداع وبراعة القادة الشباب في أفريقيا سيساعدان في تشكيل المستقبل».
وتعهدت الولايات المتحدة بدعم الجهود المبذولة لزيادة عدد النساء المشاركات في صناعة الطاقة الخضراء في نيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا. وستقدم أكثر من 4 ملايين دولار في شكل منح لدعم عدد من مشاريع الطاقة النظيفة، بما في ذلك محطة طاقة الكتلة الحيوية في ساحل العاج، ومشروع الطاقة الكهرومائية النظيفة في سيراليون، ومشروع تكنولوجيا تخزين طاقة البطاريات في زامبيا. ويوجد نحو 600 مليون شخص في أفريقيا لا يحصلون على الكهرباء، ومن الأولويات الرئيسية للاتحاد الأفريقي تسريع الجهود لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة دون التضحية بالنمو الاقتصادي.
وقال جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي: «في نهاية هذه القمة، ما ستراه هو طاقة حقيقية وروح تعاون ستعكسان حقيقة أن الولايات المتحدة لديها أصول وقدرات فريدة يمكن الاستفادة منها، وأن القارة الأفريقية ستشكل ليس فقط مستقبل الشعوب الأفريقية، ولكن العالم أيضاً». وأضاف سوليفان أن «مبلغ 55 مليار دولار من المساعدات الأميركية سيتم تسليمه على مدى السنوات الثلاث المقبلة؛ لمواجهة التحديات الأساسية في عصرنا». وشدد سوليفان على أن جذور القمة تكمن في الاعتراف بأن أفريقيا لاعب جيوسياسي رئيسي.
وألمحت كارين جان بيير، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إلى زيارات سيقوم بها كبار مسؤولي الإدارة الأميركية إلى دول القارة الأفريقية. وقالت للصحافيين، يوم الثلاثاء، إنه سيكون هناك «التزام واسع النطاق بالسفر إلى (أفريقيا) في عام 2023، سواء عبر رحلات يقوم بها الرئيس، أو نائبة الرئيس، أو الوزراء بالحكومة الأميركية».

- الأمن الغذائي والتغير المناخي
قال وزير الخارجية أنتوني بلينكن للقادة الأفارقة المجتمعين في مركز مؤتمرات في وسط مدينة واشنطن: «نحن نتعامل الآن مع أزمة انعدام أمن غذائي هائلة، إنه نتاج الكثير من الأشياء، نتاج تغير المناخ ولا بد من استجابة فورية، خاصة أننا ننظر إلى حالات الجفاف التاريخية في أماكن مختلفة، فنحن (نشهد) ظروف المجاعة في عدد من البلدان».
وقد تعهدت إدارة بايدن عند توليها السلطة بتوفير بمبلغ 1.1 مليار دولار لدعم الحفاظ على الموارد الطبيعية والتكيف مع المناخ والانتقال العادل للطاقة في أفريقيا. ويشمل ذلك نحو 300 مليون دولار خلال السنة المالية 2023 لدعم مشاريع الطاقة المتجددة. سيتم استخدام جزء من التمويل لتعزيز شبكة الطاقة النظيفة الجديدة بين الولايات المتحدة وأفريقيا لربط شركات الطاقة النظيفة بفرص السوق التي ستزيد من الوصول إلى الكهرباء النظيفة الموثوقة. وخلال اليوم الأول للقمة، أعلن القادة عن قرض جديد بقيمة 25 مليون دولار لبناء أول محطة للطاقة الشمسية في أفريقيا، في ملاوي جنوب الصحراء الكبرى. وقد التقى وزير الخارجية ووزير الدفاع لويد أوستن، الثلاثاء، برؤساء أنغولا وجيبوتي والنيجر والصومال والكونغو الديمقراطية والغابون وغانا والسنغال. وركزت المحادثات مع رئيس أنغولا، الدولة الغنية بالنفط التي تعد من أكبر المتلقين للاستثمارات الصينية في السنوات الأخيرة، على القاعدة البحرية التي سمحت أنغولا للصين ببنائها. أما جيبوتي فهي موطن لقاعدة عسكرية أميركية رئيسية، بالإضافة إلى منشأة عسكرية صينية.
وقال بلينكن: «نريد ببساطة استغلال القمة لمواصلة البناء على الشراكة الوثيقة والتعاون الأمني والأولويات المشتركة الأخرى، بما في ذلك المناخ والصحة والتعليم والأمن الغذائي». وقال وزير الدفاع الأميركي لرئيس جيبوتي: «نحن ممتنون للتعاون القوي مع الولايات المتحدة في العديد من الأهداف الرئيسية في استراتيجيتنا للدفاع الوطني، بما في ذلك الدفاع عن بلدنا وردع العدوان ومكافحة التطرف العنيف»، مشيراً إلى أن جيبوتي تستضيف قاعدة «كامب ليمونير» الأميركية.

- الصين وروسيا
تأمل إدارة بايدن في إعادة تأكيد نفوذها في أفريقيا بعد أن تجاوزت الصين الولايات المتحدة في الاستثمار الأجنبي في القارة، وتردد العديد من الدول الأفريقية في اتباع نهج الولايات المتحدة لإدانة الحرب الروسية في أوكرانيا.
وتشكل الدول الأفريقية ما يقرب من ربع أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، والعديد من هذه الدول إما امتنع عن التصويت وإما رفض التصويت لصالح قرار يدين الغزو الروسي لأوكرانيا. وقال خبراء إن رد فعل القادة الأفارقة على الحرب في أوكرانيا لعب دوراً كبيراً في قرار إدارة بايدن عقد القمة.
ويقول إبينيزر أوباداري، كبير الباحثين في دراسات أفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية: «هناك شعور بأن مؤسسة السياسة الأميركية اهتزت من رد الفعل الأفريقي على الصراع في أوكرانيا، ويبدو أن هذه مقدمة لإدراك أن الأشياء لم تكن كما كانت من قبل، وإذا كانت الولايات المتحدة ستضطر إلى التمسك بحلفائها في المنطقة».
من جهته، قال كاميرون هدسون، كبير الباحثين في برنامج أفريقيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: «من الواضح أن الولايات المتحدة تلعب دوراً في اللحاق بالركب في أفريقيا، مقارنة بالقوى الأخرى التي تميل إلى رؤية الفرص التي توفرها أفريقيا، وتواصل واشنطن النظر إلى مشاركتها في أفريقيا من منظور حل المشكلات وإنشاء تحالفات قوية مع الدول الأفريقية؛ لمواجهة التأثير الخبيث للأطراف الأخرى مثل روسيا والصين».
إلا أن غوستافو دي كارفالو، كبير الباحثين في الحوكمة والدبلوماسية الأفريقية في معهد جنوب أفريقيا للشؤون الدولية (SAIIA)، أشار إلى أن «مجرد تجمع العديد من رؤساء الدول الأفريقية لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستكون قادرة على تحقيق أهدافها». وتابع: «غالباً ما يتم النظر إلى أفريقيا كمسرح للأحداث وليس للتأثير فيها، وإذا كانت الحوافز الأميركية في القارة هي ببساطة لمواجهة روسيا والصين، فإن محاولات موسكو وبكين على تكوين شراكات ذات مغزى لن تتضاءل».
وأضاف دي كارفالو أن «هناك قلقاً لدى العديد من البلدان الأفريقية يتعلق بحقيقة أن الاقتصادات المتقدمة، مثل الولايات المتحدة، كانت تاريخياً المصدر الرئيسي لانبعاثات الكربون وساهمت بشكل أساسي في أزمة تغير المناخ الحالية. ولذا تطالب الدول الأفريقية بالتناسب في العديد من القضايا، بما في ذلك التعويض عن الأضرار البيئية. وتقول إنه ينبغي ألا يكون دور الولايات المتحدة مجرد الضغط على الدول الأفريقية، ولكن إيجاد حلول مشتركة للأزمة البيئية التي نواجهها حالياً».


مقالات ذات صلة

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

الولايات المتحدة​ إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

أشاد وفد من الكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي مايك روجرز، مساء أول من أمس في العاصمة المغربية الرباط، بالتزام الملك محمد السادس بتعزيز السلام والازدهار والأمن في المنطقة والعالم. وأعرب روجرز خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن «امتنانه العميق للملك محمد السادس لالتزامه بتوطيد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، ولدوره في النهوض بالسلام والازدهار والأمن في المنطقة وحول العالم».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

أصدرت محكمة فيدرالية أميركية، الخميس، حكماً يدين 4 أعضاء من جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، أبرزهم زعيم التنظيم السابق إنريكي تاريو، بتهمة إثارة الفتنة والتآمر لمنع الرئيس الأميركي جو بايدن من تسلم منصبه بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الماضية أمام دونالد ترمب. وقالت المحكمة إن الجماعة؛ التي قادت حشداً عنيفاً، هاجمت مبنى «الكابيتول» في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، لكنها فشلت في التوصل إلى قرار بشأن تهمة التحريض على الفتنة لأحد المتهمين، ويدعى دومينيك بيزولا، رغم إدانته بجرائم خطيرة أخرى.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

أدانت محكمة أميركية، الخميس، 4 أعضاء في جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، بالتآمر لإثارة الفتنة؛ للدور الذي اضطلعوا به، خلال اقتحام مناصرين للرئيس السابق دونالد ترمب، مقر الكونغرس، في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021. وفي محاكمة أُجريت في العاصمة واشنطن، أُدين إنريكي تاريو، الذي سبق أن تولَّى رئاسة مجلس إدارة المنظمة، ومعه 3 أعضاء، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية. وكانت قد وُجّهت اتهامات لتاريو و4 من كبار معاونيه؛ وهم: جوزف بيغز، وإيثان نورديان، وزاكاري ريل، ودومينيك بيتسولا، بمحاولة وقف عملية المصادقة في الكونغرس على فوز الديمقراطي جو بايدن على خصمه الجمهوري دونالد ترمب، وفقاً لما نق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

وجّه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، الأربعاء، انتقادات لقرار الرئيس جو بايدن، عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز الثالث، وذلك خلال جولة يجريها الملياردير الجمهوري في اسكتلندا وإيرلندا. ويسعى ترمب للفوز بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات التي ستجرى العام المقبل، ووصف قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج ملك بريطانيا بأنه «ينم عن عدم احترام». وسيكون الرئيس الأميركي ممثلاً بزوجته السيدة الأولى جيل بايدن، وقد أشار مسؤولون بريطانيون وأميركيون إلى أن عدم حضور سيّد البيت الأبيض التتويج يتماشى مع التقليد المتّبع بما أن أي رئيس أميركي لم يحضر أي مراسم تتويج ملكية في بريطانيا. وتعود آخر مراسم تتويج في بري

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

هناك شعور مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية والاكتئاب والسكري والوفاة المبكرة والجريمة أيضاً في الولايات المتحدة، وهو الشعور بالوحدة أو العزلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

البيت الأبيض يعلن مناقشة إجراء جولة تفاوض ثانية مع إيران في إسلام آباد

الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
TT

البيت الأبيض يعلن مناقشة إجراء جولة تفاوض ثانية مع إيران في إسلام آباد

الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)

أعلن البيت الأبيض، الأربعاء، أن الولايات المتحدة تجري مناقشات بشأن إجراء جولة مفاوضات ثانية مع إيران في باكستان، وأنها متفائلة بإمكان التوصل إلى اتفاق، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت لوسائل الإعلام: «هذه المناقشات تُجرى (...) ونحن نشعر بالارتياح حيال آفاق التوصل إلى اتفاق». وأضافت أن «من المرجح جداً» أن تُعقَد أي جولة أخرى من المحادثات في إسلام آباد.

ووصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران، اليوم، في وقت اقترب فيه الوسطاء من تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، واستئناف المفاوضات لإنقاذ الهدنة الهشة قبل انتهاء صلاحيتها الأسبوع المقبل.

واستقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الوفد الباكستاني، برئاسة عاصم منير، حسب صور وزّعتها الخارجية الإيرانية.

وأشار التلفزيون الرسمي الإيراني إلى أن الوفد، الذي يضم وزير الداخلية محسن نقوي، يحمل رسالة جديدة من واشنطن إلى طهران، وسيناقش مسألة المفاوضات المستقبلية مع المسؤولين الإيرانيين.

وقال مصدر إيراني كبير لـ«رويترز» إن زيارة الوفد الباكستاني تهدف إلى «تضييق الفجوة» بين إيران والولايات المتحدة للحيلولة دون استئناف الحرب.

وهبطت طائرة عاصم منير في مطار وسط طهران، حيث استقبله عراقجي، وذلك بعدما هدّد مسؤول عسكري إيراني رفيع بوقف التجارة في المنطقة إذا لم ترفع القوات الأميركية حصارها البحري، في الوقت الذي أعلن فيه الجيش الأميركي تطويق الموانئ الإيرانية بالكامل، بما يعكس التوترات التي تلقي بظلالها على الجهود الدبلوماسية.

أتى ذلك بعد ساعات من تأكيد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي استمرار الاتصالات الدبلوماسية، موضحاً أن المشاورات تجري عبر باكستان، وأن طهران «من المرجح» أن تستضيف في اليوم ذاته وفداً باكستانياً.

ونفى بقائي موافقة بلاده على تمديد وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن «جميع التكهنات في هذا الشأن غير قابلة للتأكيد».

وحذّر من أن الحصار البحري على إيران قد يشكل «مقدمة لانتهاك وقف إطلاق النار».


«حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
TT

«حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)

عندما وصفت الصين، يوم الاثنين، الحصار الأميركي للنفط الإيراني المغادر عبر مضيق هرمز بأنه «خطير وغير مسؤول»، شكّل ذلك لمحة سريعة عن التحدي الأخير الذي يواجهه الرئيس الأميركي دونالد ترمب: كيف يمنع نزاع إيران من تقويض انفراجة آخذة في التشكّل مع الصين؟

ومن المتوقع أن يصل ترمب إلى بكين بعد أربعة أسابيع، في زيارة كان يُنظر إليها على أنها جهد مُعدّ بعناية ومنظّم بإحكام لإعادة صياغة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. وكان الرئيس قد أرجأ الرحلة مرة بالفعل، ويؤكد مسؤولو البيت الأبيض أنه لا يوجد نقاش لتأجيلها مجدداً، حتى لو واصلت الولايات المتحدة خنق صادرات النفط الإيرانية. وكان نحو 90 في المائة من هذه الصادرات -أي أكثر من 1.3 مليون برميل يومياً- تتجه إلى الصين قبل بدء الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

في البداية، التزمت الصين قدراً من الهدوء إزاء العمل العسكري، مدركةً أن الشحنات الموجودة بالفعل في البحر، إلى جانب مخزون كبير من الاحتياطيات الطارئة من النفط، قد تكفيها مؤقتاً. كما تجاهلت مطلب ترمب إرسال سفن حربية للحفاظ على فتح المضيق، واكتفت بدعوات تقليدية للطرفين لخفض التصعيد.

لكن مع بدء الحصار يوم الاثنين، ومع احتمال أن تُمنع سفن شحن ترفع العلم الصيني، وبعضها بطواقم صينية، من المرور بواسطة البحرية الأميركية، تغيّرت النبرة.

«شريعة الغاب»

وأدلى الزعيم الصيني شي جينبينغ بأول تعليق علني له على الحرب يوم الثلاثاء، قائلاً إن العالم لا يمكنه المخاطرة بالعودة إلى «شريعة الغاب». ولم يذكر الولايات المتحدة أو ترمب بالاسم، لكنه أشار خلال اجتماع مع ولي عهد أبوظبي إلى أن «الحفاظ على هيبة سيادة القانون الدولي يعني عدم استخدامه عندما يناسبنا والتخلي عنه عندما لا يناسبنا».

وكانت تلك إشارة واضحة إلى ترمب، الذي قال في يناير (كانون الثاني) لصحيفة «نيويورك تايمز» إنه «لا يحتاج إلى القانون الدولي»، مضيفاً: «أنا لا أسعى لإيذاء الناس». وأوضح أنه سيكون الحَكَم في تحديد متى تنطبق القيود القانونية الدولية على أفعاله.

من جانبها، اتخذت وزارة الخارجية الصينية، التي تؤدي دورها المعتاد في توجيه الرسائل بين واشنطن وبكين، موقفاً أكثر تشدداً، متهمةً الولايات المتحدة بفرض «حصار موجّه» من شأنه «زيادة المواجهة وتصعيد التوتر، في ظل وقف إطلاق نار هش أصلاً، وتعريض سلامة الملاحة عبر مضيق هرمز لمزيد من الخطر».

تحفّظ على الانتقاد المباشر

في المقابل، تجنّب ترمب إلى حد كبير توجيه انتقادات حادة، حتى بعدما تبيّن الأسبوع الماضي، أن أجهزة الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين ربما أرسلت شحنة من صواريخ محمولة على الكتف إلى الإيرانيين لاستخدامها في النزاع. وهذه المعلومات غير حاسمة، ولا يوجد دليل على استخدام صواريخ صينية ضد القوات الأميركية أو الإسرائيلية.

وقال ترمب: «أشك في أنهم سيفعلون ذلك»، مضيفاً سريعاً: «إذا ضبطناهم يفعلون ذلك فستُفرض عليهم رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة»، في تهديد اعتاد توجيهه إلى أي دولة تتحدى إرادته. لكنه لم يتابع الموضوع، ربما إدراكاً منه أن أي تهديد بفرض رسوماً جديدة قد يعرقل آماله في إعلان اتفاق تجاري، وهو الهدف الأسهل تحقيقاً في مسار الدبلوماسية بين البلدين.

وقال كورت كامبل، نائب وزير الخارجية الأميركي السابق في عهد الرئيس جو بايدن، ورئيس مجموعة «آسيا غروب» التي أسسها، إن «الرئيس ترمب خلق وضعاً باتت فيه اثنتان من كبرى أولوياته في تعارض مباشر». وأضاف: «الأولى هي مراقبة والتحكم في جميع الشحنات التي تمر عبر المضيق، بما في ذلك شحنات الصين. والثانية هي رغبته في زيارة إيجابية إلى بكين».

محادثات صعبة

كان سفير ترمب لدى الصين، ديفيد بيرديو، في المكتب البيضاوي، مساء الثلاثاء، يناقش الزيارة المرتقبة. وقال مسؤولون في الأمن القومي إنه قبل اندلاع النزاع مع إيران، كان وزير الخزانة سكوت بيسنت، قد تفاوض على الخطوط العريضة لمبادرات اقتصادية كان البلدان سيعلنانها.

لكن لم يُحرز تقدم يُذكر في القضايا الأمنية الكبرى، حسب مسؤولين أميركيين، بما في ذلك كيفية التعامل مع مستقبل تايوان، أو الترسانة النووية الصينية المتنامية بسرعة، أو تعزيزها العسكري في بحر الصين الجنوبي والمواجهات التي أثارها ذلك مع الفلبين.

ومع تبقي شهر على وصول ترمب إلى بكين، لا يزال من غير الواضح كيف سيُدير الزعيمان نقاشاً حول الحصار -إذا استمر- أو حول استعراض القوة العسكرية الأميركية الذي بدأ بالقبض على نيكولاس مادورو في فنزويلا، ثم تواصل مع هجوم ترمب على إيران.

لكن هناك مؤشرات قوية على أن الجيش الصيني يراقب من كثب كيفية تنفيذ الولايات المتحدة لهذين الهجومين. ويبدو أن المسؤولين الصينيين قلقون من السرعة التي جرى بها «شلّ» القيادة الإيرانية في الساعات الأولى من الحرب.

وقال راش دوشي، أستاذ مساعد في جامعة جورجتاون ومستشار سابق للرئيس جو بايدن في شؤون الصين: «هناك كثير من التكهنات حول ما يمكن أن يعرقل الانفراجة بين الولايات المتحدة والصين ويقوّض القمة». وأضاف: «لم تكن قضايا مثل رقائق الذكاء الاصطناعي أو حتى المعادن النادرة هي العامل الحاسم... لكن قد تكون إيران».

وأشار إلى أن الحصار قد «يخلق ديناميكيات معقدة» في حال حدوث مواجهة بين البحرية الأميركية وسفن تجارية صينية، رغم أن الطرفين يبدوان حريصين على تجنب ذلك. وأضاف أن التقارير عن احتمال دراسة الصين إرسال دعم عسكري فتاك إلى إيران تُؤخذ بجدية من مسؤولين كبار في الكونغرس وأجهزة الاستخبارات.

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
TT

الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)

مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات مع إيران، تتوجه أنظار المشرعين إلى البيت الأبيض، حيث ينتظر الجميع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويترقب تحركاته تحسباً للخطوة المقبلة. غير أن مفتاح فهم المواقف يكمن في خلفية المشهد، حيث يراقب الكونغرس عقارب الساعة. فالجمهوريون، الذين يدعمون حتى الآن صلاحيات الرئيس في شن عمليات عسكرية ضد إيران، يقرّون بقرب انتهاء مهلة الستين يوماً التي تتيح للإدارة التحرك عسكرياً قبل أن يتدخل الكونغرس ويقول كلمته. وقد ينضمّ الجمهوريون حينها إلى الجهود الديمقراطية المستمرة لتقييد هامش تحرّك ترمب في الحرب.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في مؤتمر صحافي بالكونغرس 14 أبريل 2026 (رويترز)

وهذا ما تحدث عنه السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي قال: «دخلنا في اليوم الـ45، والآن يجب أن نبدأ بالحديث عن إقرار تفويض استعمال القوة العسكرية في الكونغرس». وتابع: «نحتاج إلى مؤشر واضح حول الوجهة التي تريد الإدارة الذهاب إليها: هل ستصعّد أكثر أم تبدأ بوقف الأعمال العدائية؟».

وتطرقت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي تخوض سباقاً حاسماً في ولايتها ماين للحفاظ على مقعدها، إلى مسألة تفويض الحرب، فقالت محذرة: «عند بلوغ عتبة الستين يوماً، أو في حال تم نشر قوات برية، تصبح موافقة الكونغرس ضرورية. حينها لن أصوّت لصالح إقرار هذا العمل العسكري».

مخاطر انتخابية

ويعلم ترمب جيداً المخاطر السياسية الناجمة عن استمرار الحرب، فهو يتحدث باستمرار مع القيادات الجمهورية التي تستعد لانتخابات نصفية حاسمة للحزب وللرئيس. ففوز الديمقراطيين فيها يعني عرقلة أجندة الجمهوريين، وتسليم الديمقراطيين مفتاح عزل ترمب. وفي هذا الإطار عقد الرئيس الأميركي اجتماعاً مطلع هذا الأسبوع مع رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون، ورئيس اللجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس، لرسم الاستراتيجية الانتخابية.

بدأ الكونغرس العد العكسي لإنهاء حرب إيران (رويترز)

ولعلّ ما يؤرق القيادات الحزبية هو التأييد شبه الغائب للحرب في صفوف الناخبين الأميركيين الذين يشعرون بتداعياتها الاقتصادية مع استمرار الأسعار بالارتفاع. وهذا سيكون عاملاً أساسياً يحسم توجهاتهم لدى الإدلاء بأصواتهم في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وقد شعر أعضاء الكونغرس بوطأة الحرب وتأثيرها على الأميركيين خلال إجازتهم الربيعية التي قضوها في ولاياتهم واستمعوا إلى آراء الناخبين. لهذه الأسباب، يبدو أن ترمب يسعى إلى كبح جماح الحرب قبل أن يفقد السيطرة على قاعدته الشعبية من جهة، وأن يفقد ثقة المستقلين الذين عادة ما يحسمون السباقات المتأرجحة في صناديق الاقتراع.

وفي هذا السياق، سعى ترمب إلى احتواء تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، بعدما قال في مقابلة سابقة إن أسعار الوقود قد تبقى على حالها أو ترتفع قليلاً بحلول انتخابات الكونغرس في نوفمبر. وفي مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، سُجّلت في البيت الأبيض وبُثّت الأربعاء، قال إنه أسيء اقتباسه، مؤكداً رضاه عن مستوى أسعار النفط الحالية عند نحو 92 دولاراً للبرميل. وأضاف: «ستنخفض بشكل كبير جداً فور انتهاء هذا الأمر»، في إشارة إلى الحرب، عادّاً أنها «قد تنتهي قريباً جداً». كما توقّع أن تتراجع أسعار البنزين، التي يبلغ متوسطها حالياً أكثر بقليل من 4 دولارات للغالون، إلى مستويات «أدنى بكثير» بحلول موعد الانتخابات، مؤكداً أن «أسعار الوقود ستنخفض بشكل هائل» فور تسوية النزاع.