جهود أميركية لاستعادة ثقة أفريقيا ومواجهة النفوذ الصيني والروسي

هاريس تعلن عن مبادرة بـ100 مليون دولار

هاريس تخاطب الجالية الأفريقية الشابة في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)
هاريس تخاطب الجالية الأفريقية الشابة في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)
TT

جهود أميركية لاستعادة ثقة أفريقيا ومواجهة النفوذ الصيني والروسي

هاريس تخاطب الجالية الأفريقية الشابة في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)
هاريس تخاطب الجالية الأفريقية الشابة في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)

تعهد الرئيس الأميركي جو بايدن ومسؤولو إدارته بالاعتراف بأفريقيا كلاعب جيوسياسي رئيسي في الساحة الدولية، معلناً دعم بلاده انضمام الاتحاد الأفريقي المكون من 55 دولة إلى مجموعة دول العشرين كعضو دائم.
ويعد التحدي الأكبر أمام إدارة بايدن هو إقناع القادة الأفارقة بأن الولايات المتحدة شريك موثوق به للقارة سريعة النمو.

- الحكم الرشيد والديمقراطية
استضاف بايدن، الأربعاء، عدداً من القادة الأفارقة، وبحث معهم قضايا نزاهة الانتخابات والاستقرار الأمني. وأكد الرئيس الأميركي «دعم الولايات المتحدة لانتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية في جميع أنحاء القارة». ويقول محللون إن إدارة بايدن تريد محاصرة نفوذ الجماعات الإرهابية داخل القارة، خاصة تنظيمي داعش والقاعدة وحركة الشباب وبوكو حرام، كما تسعى لتشجيع القادة الأفارقة على محاربة الفساد، ودعم عمليات الانتقال الديمقراطي، وإرساء قواعد لاحترام حقوق الإنسان وتعزيز السلام والأمن.
ويتطلع الرئيس بايدن إلى معالجة تهديد الكرملين للأمن الغذائي في أفريقيا، في مناقشات مع القادة، اليوم الخميس. وقال مستشار الأمن القومي جيك سوليفان للصحافيين، إن «الأمن الغذائي ومرونة النظم الغذائية مسألة حاسمة بالنسبة لشركائنا الأفارقة الذين تأثروا بشكل غير متناسب بارتفاع أسعار المواد الغذائية والأسمدة واضطرابات سلاسل التوريد العالمية، نتيجة للحرب الروسية ضد أوكرانيا». ويشكك كثيرون في قدرة واشنطن على توسيع نفوذها في مواجهة النفوذ الروسي المتصاعد في القارة، خاصة مع استمرار موسكو في تزويدها بالحبوب التي تشتد الحاجة إليها مقابل دعم الغزو الروسي لأوكرانيا.
وتسعى الإدارة الأميركية أيضاً للدفع بأجندتها الهادفة إلى مواجهة تغير المناخ في القمة، وسط دعوات ونقاشات حول استغلال الغابات الاستوائية المطيرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية لامتصاص انبعاثات الكربون، وبحث كيفية الحفاظ على تلك الغابات في مواجهة الشركات الكبرى العاملة في مجال التنقيب عن النفط والغاز.
واستضاف بايدن جميع رؤساء الوفود وقادة 49 دولة إلى عشاء بالبيت الأبيض مساء أمس، ومن المتوقع أن تعقد مناقشات رفيعة المستوى اليوم الخميس، يليها غداء عمل تستضيفه نائبة الرئيس كامالا هاريس، واجتماع حول الأمن الغذائي يستضيفه بايدن.

- 100 مليون دولار
شهدت القمة، أمس، محادثات حول دور المجتمع المدني والاستثمار والصحة، والمناخ، والسلام، والفضاء. وشهدت قاعات مركز المؤتمرات اجتماعات بين مسؤولي الإدارة الأميركية ومديرين تنفيذيين من أكثر من 300 شركة أفريقية وأميركية، كان تركيزها على التجارة والاستثمار.
وخلال جلسات منتدى القادة الشباب لأفريقيا، أعلنت هاريس عن تخصيص مبلغ 100 مليون دولار لمبادرة القادة الأفارقة الشباب (YALI)، كما أعادت إطلاق برنامج ريادة الأعمال لتوفير التمويل للنساء الأفريقيات. وأشارت هاريس إلى أن نحو 60 في المائة من سكان أفريقيا تحت سن 25 عاماً، وسيشكل الشباب 80 في المائة من إجمالي السكان بحلول عام 2050. وأكدت أن هذا الأمر يجعل التركيز المتزايد على القارة أمراً ضرورياً. وقالت نائبة الرئيس خلال المنتدى: «يمثل هذا النمو السكاني إمكانات هائلة للعالم من حيث النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والسياسي. وأعتقد بقوة أن إبداع وبراعة القادة الشباب في أفريقيا سيساعدان في تشكيل المستقبل».
وتعهدت الولايات المتحدة بدعم الجهود المبذولة لزيادة عدد النساء المشاركات في صناعة الطاقة الخضراء في نيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا. وستقدم أكثر من 4 ملايين دولار في شكل منح لدعم عدد من مشاريع الطاقة النظيفة، بما في ذلك محطة طاقة الكتلة الحيوية في ساحل العاج، ومشروع الطاقة الكهرومائية النظيفة في سيراليون، ومشروع تكنولوجيا تخزين طاقة البطاريات في زامبيا. ويوجد نحو 600 مليون شخص في أفريقيا لا يحصلون على الكهرباء، ومن الأولويات الرئيسية للاتحاد الأفريقي تسريع الجهود لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة دون التضحية بالنمو الاقتصادي.
وقال جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي: «في نهاية هذه القمة، ما ستراه هو طاقة حقيقية وروح تعاون ستعكسان حقيقة أن الولايات المتحدة لديها أصول وقدرات فريدة يمكن الاستفادة منها، وأن القارة الأفريقية ستشكل ليس فقط مستقبل الشعوب الأفريقية، ولكن العالم أيضاً». وأضاف سوليفان أن «مبلغ 55 مليار دولار من المساعدات الأميركية سيتم تسليمه على مدى السنوات الثلاث المقبلة؛ لمواجهة التحديات الأساسية في عصرنا». وشدد سوليفان على أن جذور القمة تكمن في الاعتراف بأن أفريقيا لاعب جيوسياسي رئيسي.
وألمحت كارين جان بيير، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إلى زيارات سيقوم بها كبار مسؤولي الإدارة الأميركية إلى دول القارة الأفريقية. وقالت للصحافيين، يوم الثلاثاء، إنه سيكون هناك «التزام واسع النطاق بالسفر إلى (أفريقيا) في عام 2023، سواء عبر رحلات يقوم بها الرئيس، أو نائبة الرئيس، أو الوزراء بالحكومة الأميركية».

- الأمن الغذائي والتغير المناخي
قال وزير الخارجية أنتوني بلينكن للقادة الأفارقة المجتمعين في مركز مؤتمرات في وسط مدينة واشنطن: «نحن نتعامل الآن مع أزمة انعدام أمن غذائي هائلة، إنه نتاج الكثير من الأشياء، نتاج تغير المناخ ولا بد من استجابة فورية، خاصة أننا ننظر إلى حالات الجفاف التاريخية في أماكن مختلفة، فنحن (نشهد) ظروف المجاعة في عدد من البلدان».
وقد تعهدت إدارة بايدن عند توليها السلطة بتوفير بمبلغ 1.1 مليار دولار لدعم الحفاظ على الموارد الطبيعية والتكيف مع المناخ والانتقال العادل للطاقة في أفريقيا. ويشمل ذلك نحو 300 مليون دولار خلال السنة المالية 2023 لدعم مشاريع الطاقة المتجددة. سيتم استخدام جزء من التمويل لتعزيز شبكة الطاقة النظيفة الجديدة بين الولايات المتحدة وأفريقيا لربط شركات الطاقة النظيفة بفرص السوق التي ستزيد من الوصول إلى الكهرباء النظيفة الموثوقة. وخلال اليوم الأول للقمة، أعلن القادة عن قرض جديد بقيمة 25 مليون دولار لبناء أول محطة للطاقة الشمسية في أفريقيا، في ملاوي جنوب الصحراء الكبرى. وقد التقى وزير الخارجية ووزير الدفاع لويد أوستن، الثلاثاء، برؤساء أنغولا وجيبوتي والنيجر والصومال والكونغو الديمقراطية والغابون وغانا والسنغال. وركزت المحادثات مع رئيس أنغولا، الدولة الغنية بالنفط التي تعد من أكبر المتلقين للاستثمارات الصينية في السنوات الأخيرة، على القاعدة البحرية التي سمحت أنغولا للصين ببنائها. أما جيبوتي فهي موطن لقاعدة عسكرية أميركية رئيسية، بالإضافة إلى منشأة عسكرية صينية.
وقال بلينكن: «نريد ببساطة استغلال القمة لمواصلة البناء على الشراكة الوثيقة والتعاون الأمني والأولويات المشتركة الأخرى، بما في ذلك المناخ والصحة والتعليم والأمن الغذائي». وقال وزير الدفاع الأميركي لرئيس جيبوتي: «نحن ممتنون للتعاون القوي مع الولايات المتحدة في العديد من الأهداف الرئيسية في استراتيجيتنا للدفاع الوطني، بما في ذلك الدفاع عن بلدنا وردع العدوان ومكافحة التطرف العنيف»، مشيراً إلى أن جيبوتي تستضيف قاعدة «كامب ليمونير» الأميركية.

- الصين وروسيا
تأمل إدارة بايدن في إعادة تأكيد نفوذها في أفريقيا بعد أن تجاوزت الصين الولايات المتحدة في الاستثمار الأجنبي في القارة، وتردد العديد من الدول الأفريقية في اتباع نهج الولايات المتحدة لإدانة الحرب الروسية في أوكرانيا.
وتشكل الدول الأفريقية ما يقرب من ربع أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، والعديد من هذه الدول إما امتنع عن التصويت وإما رفض التصويت لصالح قرار يدين الغزو الروسي لأوكرانيا. وقال خبراء إن رد فعل القادة الأفارقة على الحرب في أوكرانيا لعب دوراً كبيراً في قرار إدارة بايدن عقد القمة.
ويقول إبينيزر أوباداري، كبير الباحثين في دراسات أفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية: «هناك شعور بأن مؤسسة السياسة الأميركية اهتزت من رد الفعل الأفريقي على الصراع في أوكرانيا، ويبدو أن هذه مقدمة لإدراك أن الأشياء لم تكن كما كانت من قبل، وإذا كانت الولايات المتحدة ستضطر إلى التمسك بحلفائها في المنطقة».
من جهته، قال كاميرون هدسون، كبير الباحثين في برنامج أفريقيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: «من الواضح أن الولايات المتحدة تلعب دوراً في اللحاق بالركب في أفريقيا، مقارنة بالقوى الأخرى التي تميل إلى رؤية الفرص التي توفرها أفريقيا، وتواصل واشنطن النظر إلى مشاركتها في أفريقيا من منظور حل المشكلات وإنشاء تحالفات قوية مع الدول الأفريقية؛ لمواجهة التأثير الخبيث للأطراف الأخرى مثل روسيا والصين».
إلا أن غوستافو دي كارفالو، كبير الباحثين في الحوكمة والدبلوماسية الأفريقية في معهد جنوب أفريقيا للشؤون الدولية (SAIIA)، أشار إلى أن «مجرد تجمع العديد من رؤساء الدول الأفريقية لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستكون قادرة على تحقيق أهدافها». وتابع: «غالباً ما يتم النظر إلى أفريقيا كمسرح للأحداث وليس للتأثير فيها، وإذا كانت الحوافز الأميركية في القارة هي ببساطة لمواجهة روسيا والصين، فإن محاولات موسكو وبكين على تكوين شراكات ذات مغزى لن تتضاءل».
وأضاف دي كارفالو أن «هناك قلقاً لدى العديد من البلدان الأفريقية يتعلق بحقيقة أن الاقتصادات المتقدمة، مثل الولايات المتحدة، كانت تاريخياً المصدر الرئيسي لانبعاثات الكربون وساهمت بشكل أساسي في أزمة تغير المناخ الحالية. ولذا تطالب الدول الأفريقية بالتناسب في العديد من القضايا، بما في ذلك التعويض عن الأضرار البيئية. وتقول إنه ينبغي ألا يكون دور الولايات المتحدة مجرد الضغط على الدول الأفريقية، ولكن إيجاد حلول مشتركة للأزمة البيئية التي نواجهها حالياً».


مقالات ذات صلة

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

الولايات المتحدة​ إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

أشاد وفد من الكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي مايك روجرز، مساء أول من أمس في العاصمة المغربية الرباط، بالتزام الملك محمد السادس بتعزيز السلام والازدهار والأمن في المنطقة والعالم. وأعرب روجرز خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن «امتنانه العميق للملك محمد السادس لالتزامه بتوطيد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، ولدوره في النهوض بالسلام والازدهار والأمن في المنطقة وحول العالم».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

أصدرت محكمة فيدرالية أميركية، الخميس، حكماً يدين 4 أعضاء من جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، أبرزهم زعيم التنظيم السابق إنريكي تاريو، بتهمة إثارة الفتنة والتآمر لمنع الرئيس الأميركي جو بايدن من تسلم منصبه بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الماضية أمام دونالد ترمب. وقالت المحكمة إن الجماعة؛ التي قادت حشداً عنيفاً، هاجمت مبنى «الكابيتول» في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، لكنها فشلت في التوصل إلى قرار بشأن تهمة التحريض على الفتنة لأحد المتهمين، ويدعى دومينيك بيزولا، رغم إدانته بجرائم خطيرة أخرى.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

أدانت محكمة أميركية، الخميس، 4 أعضاء في جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، بالتآمر لإثارة الفتنة؛ للدور الذي اضطلعوا به، خلال اقتحام مناصرين للرئيس السابق دونالد ترمب، مقر الكونغرس، في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021. وفي محاكمة أُجريت في العاصمة واشنطن، أُدين إنريكي تاريو، الذي سبق أن تولَّى رئاسة مجلس إدارة المنظمة، ومعه 3 أعضاء، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية. وكانت قد وُجّهت اتهامات لتاريو و4 من كبار معاونيه؛ وهم: جوزف بيغز، وإيثان نورديان، وزاكاري ريل، ودومينيك بيتسولا، بمحاولة وقف عملية المصادقة في الكونغرس على فوز الديمقراطي جو بايدن على خصمه الجمهوري دونالد ترمب، وفقاً لما نق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

وجّه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، الأربعاء، انتقادات لقرار الرئيس جو بايدن، عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز الثالث، وذلك خلال جولة يجريها الملياردير الجمهوري في اسكتلندا وإيرلندا. ويسعى ترمب للفوز بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات التي ستجرى العام المقبل، ووصف قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج ملك بريطانيا بأنه «ينم عن عدم احترام». وسيكون الرئيس الأميركي ممثلاً بزوجته السيدة الأولى جيل بايدن، وقد أشار مسؤولون بريطانيون وأميركيون إلى أن عدم حضور سيّد البيت الأبيض التتويج يتماشى مع التقليد المتّبع بما أن أي رئيس أميركي لم يحضر أي مراسم تتويج ملكية في بريطانيا. وتعود آخر مراسم تتويج في بري

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

هناك شعور مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية والاكتئاب والسكري والوفاة المبكرة والجريمة أيضاً في الولايات المتحدة، وهو الشعور بالوحدة أو العزلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بيل غيتس سيمثل أمام لجنة في الكونغرس في قضية إبستين

بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)
بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)
TT

بيل غيتس سيمثل أمام لجنة في الكونغرس في قضية إبستين

بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)
بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)

سيدلي الملياردير بيل غيتس بشهادته في العاشر من يونيو (حزيران) أمام لجنة في الكونغرس تُحقق في قضية المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين وشريكته غيلاين ماكسويل، حسبما أفاد مصدر مطّلع وكالة الصحافة الفرنسية الثلاثاء.

ويرد اسم بيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، ضمن أسماء شخصيات ذُكرت في وثائق نشرتها وزارة العدل الأميركية، وكشفت عن علاقات صداقة وثيقة وتعاملات مالية غير مشروعة وصور خاصة مع إبستين.

وأوضح المصدر أن غيتس سيخضع لـ«مقابلة مُسجّلة»، ما يُشير إلى أن شهادته ستُكون في القاعة المغلقة نفهسا التي عُقدت فيها جلسات استجواب الرئيس الأسبق بيل كلينتون ووزيرة الخارجية السابقة عضو مجلس الشيوخ هيلاري كلينتون.

وقال متحدث باسم بيل غيتس في رسالة إلكترونية إن غيتس «يرحب بفرصة المثول أمام اللجنة». وأضاف أن غيتس «لم يشهد أو يُشارك في أي من سلوكيات إبستين غير القانونية، لكنه يتطلع إلى الإجابة على جميع أسئلة اللجنة لدعم عملها المهم».

أقرّ غيتس بارتكابه «خطأ فادحا» في علاقته بإبستين، وصرح لموظفي مؤسسته الخيرية في فبراير (شباط) بأنه أقام علاقات مع امرأتين روسيتين، لكنه نفى أي تورط له في جرائم المتمول المُدان. وفي مسودة بريد إلكتروني ضمن الوثائق التي نشرتها وزارة العدل، يقول إبستين أن غيتس كان على علاقة خارج إطار الزواج، وكتب أن علاقته بغيتس راوحت بين «مساعدة بيل في الحصول على مخدرات للتخفيف من عواقب ممارسة الجنس مع فتيات روسيات، وتسهيل لقاءاته غير المشروعة مع نساء متزوجات».

واعترف غيتس البالغ 70 عاما، في لقاء عام، بعلاقتين خارج إطار الزواج. وقال «أقمت علاقتين، إحداها مع لاعبة بريدج روسية التقيتها في فعاليات لعبة البريدج، والأخرى مع عالمة فيزياء نووية روسية تعرفت عليها من خلال أنشطة تجارية».

لكنه نفى أي تورط له مع ضحايا إبستين الذي توفي في زنزانته بسجن نيويورك عام 2019 أثناء انتظاره المحاكمة بتهمة الاتجار بالجنس بقاصرات.

وقال غيتس في اللقاء العام «لم أفعل شيئا غير قانوني، ولم أرَ شيئا غير قانوني». وأوضح قطب التكنولوجيا أن علاقته بإبستين بدأت عام 2011، بعد ثلاث سنوات من إقرار الأخير بالذنب في قضية استدراج قاصر لممارسة الدعارة.

وأضاف أنه كان على علم بحظر سفر مفروض على إبستين لمدة 18 شهرا، لكنه لم يتحقق من خلفيته. وقال إن زوجته آنذاك ميليندا، عبرت عن مخاوفها بشأن إبستين عام 2013 لكنه استمر في علاقته به لعام آخر على الأقل.


غوتيريش يبدي «قلقه البالغ» حيال تصريحات ترمب الأخيرة عن إيران

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)
TT

غوتيريش يبدي «قلقه البالغ» حيال تصريحات ترمب الأخيرة عن إيران

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الثلاثاء، عن قلقه إزاء تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أن «حضارة بكاملها» سيتم القضاء عليها في إيران إذا لم تستجِب البلاد لإنذار نهائي بقبول مطالب الولايات المتحدة المتعلقة بالحرب، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال المتحدث باسم الأمين العام ستيفان دوجاريك في تصريح لصحافيين: «إن الأمين العام قلق للغاية إزاء التصريحات التي سمعناها أمس ومجدداً هذا الصباح، وهي تصريحات توحي بأن شعباً بكامله أو حضارة بكاملها قد تُحَمّل عواقب قرارات سياسية وعسكرية».

وتسارعت وتيرة الضربات داخل إيران مع تركيز واضح على الجسور وشبكات السكك الحديدية، بالتوازي مع انقضاء مهلة حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة فتح مضيق هرمز.

وطالت غارات إسرائيلية جسراً للسكك الحديدية في كاشان، ومحطة قطار في مشهد، وجسراً على طريق سريع قرب تبريز، مما أدى إلى تعطيل محاور نقل رئيسية داخل البلاد.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه قصف ثمانية جسور في أنحاء إيران. ولم يُفصح الجيش عن أسماء الجسور، لكن وفقاً لرسم بياني مرفق بالإعلان، يبدو أنها تتركز في شمال غربي إيران.

وفي وقت مبكر من الثلاثاء، أصدر ترمب أحد أكثر تهديداته صراحةً خلال الحرب. وهدد بمحو الحضارة الإيرانية بأكملها إذا لم تستجِب طهران لمطالبه بحلول الساعة الثامنة مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة.


مهلة ترمب لإيران... حافة هاوية أم جولة حرب أقسى؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

مهلة ترمب لإيران... حافة هاوية أم جولة حرب أقسى؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

دخلت الحرب مع إيران، بعد المؤتمر الصحافي للرئيس الأميركي دونالد ترمب الاثنين، مرحلة أكثر التباساً وخطورة في آن واحد: تهديدات قصوى تكاد تلامس منطق «الحرب الشاملة» ضد البنية التحتية الإيرانية، تقابلها إشارات إلى أن باب التفاوض لم يُغلق نهائياً، بل ربما يُترك موارباً حتى اللحظة الأخيرة إذا ظهرت صيغة تحفظ لواشنطن مكسباً سياسياً وعسكرياً، وتمنح طهران مخرجاً من دون استسلام معلن.

وبين هذين المسارين، يبدو أن الإدارة الأميركية نفسها لم تحسم بعد: هل تريد استخدام التهديد الأقصى لفرض تسوية، أم أنها تتهيأ فعلاً لجولة أشد إيلاماً من الحرب؟ وتستند هذه التساؤلات إلى ما أعلنه ترمب نفسه، وما أوردته تقارير صحافية أميركية، فضلاً عن حديثين خاصين لـ«الشرق الأوسط» مع خبيرين في شؤون المنطقة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمره الصحافي الاثنين في البيت الأبيض (أ.ب)

ترمب يرفع السقف

أهم ما كشفه مؤتمر ترمب ليس فقط مستوى التهديد، بل التناقض المقصود في الخطاب. فقد قال إنه «لا يستطيع الجزم» ما إذا كانت الحرب تتجه إلى الانحسار أم إلى التصعيد، وربط الأمر بما ستفعله إيران قبل مهلة يوم الثلاثاء. وفي الوقت ذاته، رسم مشهداً تدميرياً هائلاً، متحدثاً عن القدرة على شلّ الجسور ومحطات الطاقة الإيرانية خلال ساعات، بل وذهب أبعد حين قال إن «البلاد كلها يمكن القضاء عليها في ليلة واحدة».

هذا الجمع بين أقصى التهديد وأدنى اليقين السياسي ليس عرضياً. فهو يعكس أسلوب ترمب التفاوضي القائم على دفع الخصم إلى حافة الهاوية، ثم ترك مساحة لمراجعة اللحظة الأخيرة. موقع «أكسيوس» كان واضحاً في هذا السياق، إذ أشار إلى أن ترمب يواجه قراراً مصيرياً: تنفيذ تهديده بتدمير البنية التحتية الإيرانية ابتداءً من الثامنة مساءً، أو تمديد المهلة مرة أخرى إذا بدت ملامح اتفاق ممكنة. كما نقل عن مسؤولين أن الرئيس وحده يتخذ القرار، وأن وسطاء من باكستان ومصر وتركيا يعملون لإعادة «الوقت إلى الساعة» إذا لاحت فرصة.

دخان كثيف يتصاعد بعد ضربة جوية على طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)

هل المفاوضات حقيقية؟

الحديث عن مفاوضات مباشرة، كما ورد في التسريبات التي نشرتها الصحف الأميركية، لا يعني بالضرورة أن اختراقاً وشيكاً قد حصل. الأرجح أن ما يجري هو تفاوض تحت النار، هدفه الأساسي اختبار حدود الطرف الآخر، لا الوصول السريع إلى تسوية. فـ«بوليتيكو» كشفت أن نائب الرئيس جي دي فانس «في حالة تأهب» للدخول على الخط إذا تقدمت المحادثات الخلفية إلى مستوى لقاء مباشر مع الإيرانيين، على أن يقود المسار حالياً ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، قال مايكل روبين الباحث في معهد «أميركان إنتربرايز» إن ما يجري لا ينبغي قراءته بوصفه مساراً تفاوضياً مستقراً، بل بوصفه لعبة حافة هاوية يتقنها الطرفان. وأضاف: «القيادة الإيرانية والرئيس ترمب يتبنيان سياسة (حافة الهاوية)».

ومع ذلك، توقع روبين «انطلاقات كاذبة عدة». وقال إن «تمديد المهل في اللحظة الأخيرة لا يوحي فقط بأن الدبلوماسية ممكنة، بل يحمل قيمة استخباراتية، لأن البنتاغون يستطيع أن يرى ما الذي يفعله الإيرانيون كلما اقتربت المهل. وتكرار هذه الانطلاقات الكاذبة يبدد جاهزية إيران».

أما برايان كاتوليس الباحث في «معهد الشرق الأوسط» فكان أكثر تشاؤماً في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إذ رأى أنه «لم تكن هناك مفاوضات جادة أو حقيقية في أي وقت مع إيران. كل هذا مسرح سياسي يسبق مزيداً من الحرب والدمار، ثم ينتهي بادعاء كاذب بالنصر من الطرفين».

بهذا المعنى، فإن الحديث عن «مفاجأة في اللحظة الأخيرة لا يمكن استبعاده، لكنه أيضاً لا ينبغي أن يُفهم على أنه انعطافة نحو السلام، بقدر ما قد يكون مجرد تأجيل لجولة أخرى من التصعيد»، وفق كاتوليس.

جنود أميركيون يحضرون القاذفة «ب 52» في قاعدة فيرفورد ببريطانيا تمهيداً لمشاركتها بعمليات القصف على إيران الثلاثاء (رويترز)

لماذا لا تستجيب طهران؟

لماذا تواصل إيران الرفض، رغم أن الحرب أظهرت محدودية فاعلية الرهان على «المجتمع الدولي» أو على دعم الحلفاء؟ يتحدث روبين، لـ«الشرق الأوسط»، عن سببين يفسران السلوك الإيراني. الأول آيديولوجي، إذ إن الغرب، برأيه، لم يعد يفهم أثر العقيدة في صناعة القرار لدى بعض دوائر الحكم في إيران. أما الثاني فهو أن طهران تعتقد أن الولايات المتحدة تفتقر إلى الصبر الاستراتيجي. ويقول روبين: «إيران لا تحتاج إلى أن تنتصر في ساحة المعركة؛ بل إلى الصمود حتى تشعر الولايات المتحدة بالملل وتغادر».

هذا التفسير يتقاطع مع تقدير كاتوليس بأن النظام الإيراني لا يراهن على انتصار عسكري مباشر، بل على رفع تكلفة الحرب على الإقليم والعالم. وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» قال إن «النظام الإيراني قدّم عبر قنوات مختلفة عروضاً مضادة، لكن يبدو أن الطرفين ما زالا بعيدين جداً عن بعضهما. والاستراتيجية الأساسية للنظام هي إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر والخسائر الاقتصادية بالشرق الأوسط الأوسع وبالعالم».

ومن هنا يصبح مضيق هرمز جوهر المعركة، وليس تفصيلاً فيها. فترمب جعل إعادة فتحه شرطاً رئيسياً لأي تهدئة، فيما أظهرت تقارير «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» أنه عاد وطرح أفكاراً مرتبكة، من القبول الضمني بصيغ مختلفة إلى الحديث حتى عن «تحصيل رسوم» أميركية على المرور في المضيق.

هذا التخبط لا يعكس فقط صعوبة فرض الشروط الأميركية، بل يكشف أيضاً أن واشنطن تبحث عن صيغة تعيد حرية الملاحة من دون الانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة.

دمار واسع جراء ضربة جوية على جامعة الشريف للتكنولوجيا في طهران (أ.ف.ب)

سلاح ضغط أم فخ سياسي؟

إذا فشلت المفاوضات، فإن السؤال التالي هو: هل يؤدي قصف محطات الطاقة والجسور إلى تغيير قواعد اللعبة؟ هنا تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما يوحي به خطاب ترمب. فقد نقلت «وول ستريت جورنال» عن خبير الطاقة أومود شوكري أن الضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية ستصيب المدنيين على نطاق واسع، لكنها لن تشلّ بالضرورة القدرات العسكرية، لأن الشبكة الإيرانية موزعة جغرافياً، ومتعددة المصادر، ومترابطة على نحو يمنحها قدراً من المرونة.

ووفق التقرير، فإن أكبر 15 إلى 20 محطة لا تنتج سوى نسبة محدودة من الكهرباء، كما أن كثيراً من المواقع العسكرية يملك مولدات احتياطية أو بدائل إمداد.

هذا يعني أن قصف الطاقة قد يوجع المجتمع الإيراني أكثر مما يحسم المعركة عسكرياً. لذلك تبدو الإدارة الأميركية وكأنها تبحث عن مخرج قانوني وسياسي لهذا الخيار.

«بوليتيكو» كشفت أن البنتاغون وسّع لائحة الأهداف لتشمل مواقع «مزدوجة الاستخدام» توفر الوقود والطاقة للمدنيين والعسكريين معاً، بما يمنح البيت الأبيض حجة لتفادي اتهامات ارتكاب جرائم حرب.

لكن التقرير نفسه أشار إلى جدل داخلي حول مدى مشروعية هذا المنطق، وإلى أن تقليص دوائر المراجعة القانونية داخل البنتاغون قد يقلل من الضوابط السابقة.

سياسياً، هذا المسار ينطوي على مخاطرة مزدوجة: فهو قد لا يكسر قدرة النظام على القتال، وقد يدفع في الوقت نفسه قطاعات من الإيرانيين إلى الالتفاف حول الدولة تحت وطأة العقاب الجماعي. وحتى افتتاحية «وول ستريت جورنال»، المؤيدة عادة لسياسات الضغط، حذرت من أن الضربات غير التمييزية على البنية الأساسية قد تكون «خاطئة وغير حكيمة»، وأن المعيار الأهم لأي تصعيد يجب أن يكون: هل يساعد فعلاً في تهيئة عملية إعادة فتح هرمز أم يضاعف معاناة الإيرانيين من دون مكسب عسكري واضح؟

«الناتو» الصامت

ورغم انتقادات ترمب المتكررة لحلفاء الأطلسي، فإن صورة العزلة الأميركية ليست دقيقة بالكامل. فحسب تقرير «وول ستريت جورنال»، هناك دعم أوروبي «صامت» لكنه عملي، يشمل قواعد، وحقوق عبور، وإسناداً لوجيستياً وعملياتياً من بريطانيا وألمانيا والبرتغال وإيطاليا وفرنسا بدرجات مختلفة، فيما بقيت إسبانيا الاستثناء الأوضح. أهمية هذا المعطى أنه يبيّن أن الحرب، وإن افتقدت الغطاء السياسي الأوروبي العلني، لا تُدار من دون بنية الدعم الغربية الممتدة من القارة الأوروبية إلى المتوسط.

وهنا تحديداً يظهر تناقض آخر في خطاب البيت الأبيض: ترمب يهاجم «الناتو» سياسياً، لكنه يستفيد عملياً من ممرات القوة التي يوفرها الحلفاء. وهذا يفسر لماذا تبقى واشنطن حريصة، رغم التصعيد اللفظي، على عدم تحويل الخلاف مع أوروبا إلى قطيعة تشغيلية، خصوصاً في حرب تعتمد بهذا القدر على القواعد والتموين والانتشار الجوي.

الخلاصة أن الحرب تقف عند تقاطع بالغ الحساسية. لا مؤشرات حاسمة إلى أن المسار الدبلوماسي وصل إلى اختراق، لكن لا مؤشرات أيضاً إلى أن قرار «محو الحضارة» قد اتُّخذ نهائياً. الأرجح أن ترمب يستخدم أقصى درجات التهديد لانتزاع تنازل إيراني في ملف هرمز وشروط التهدئة، من دون أن يكون واثقاً من أن تنفيذ تهديده سيمنحه النتيجة التي يريدها.

إذا حصلت «مفاجأة» في اللحظة الأخيرة، فستكون على الأرجح في شكل تمديد جديد، أو تفاهم جزئي، أو صيغة مؤقتة توقف الانفجار الأكبر ولا تنهي الحرب فعلاً. أما إذا لم تحصل فإن الضربات المقبلة قد تكون أوسع وأكثر إيذاءً، لكن ليس بالضرورة أكثر حسماً.