كيف تعيد القمة الأميركية ـ الأفريقية تشكيل المنافسة على «قارة المستقبل»؟

سباق عالمي بـ«وجه اقتصادي» وآخر «آيديولوجي»

جانب من أعمال القمة الأميركية الأفريقية في واشنطن الثلاثاء (أ.ف.ب)
جانب من أعمال القمة الأميركية الأفريقية في واشنطن الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

كيف تعيد القمة الأميركية ـ الأفريقية تشكيل المنافسة على «قارة المستقبل»؟

جانب من أعمال القمة الأميركية الأفريقية في واشنطن الثلاثاء (أ.ف.ب)
جانب من أعمال القمة الأميركية الأفريقية في واشنطن الثلاثاء (أ.ف.ب)

أعادت القمة الأميركية الأفريقية الثانية التي تستضيفها العاصمة واشنطن حالياً، إحياء تساؤلات حول موقع الولايات المتحدة في سباق القوى الدولية لتعزيز النفوذ في أفريقيا، لا سيما مع نجاح قوى منافسة، كالصين وروسيا، في بسط حضورها بصور متنوعة في دول القارة، كما لم تغب قوى حليفة لواشنطن، كفرنسا وبريطانيا وألمانيا، أو حتى تركيا، عن مشهد التنافس الدولي على القارة التي وصفتها الإدارة الأميركية نفسها بأنها «قارة المستقبل».
وبينما يكتسي التنافس الدولي على الساحة الأفريقية وجهاً اقتصادياً، فإن البعد الثقافي لا يبدو غائباً، فالقوى المتنافسة تحمل رؤى آيديولوجية أو حتى دينية متباينة، ما يضفي على التنافس بعداً أعمق من مجرد صراع اقتصادي على قارة تمتلك وفرة في الموارد الطبيعية، وأقل متوسط أعمار لسكانها (18.8 عام) في مقابل (30 عاماً) متوسطاً عالمياً.
ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن عودة الولايات المتحدة إلى القارة الأفريقية «لن تكون سهلة»، فواشنطن تعود إلى الساحة الأفريقية بعدما «أدارت ظهرها لدول القارة لسنوات»، الأمر الذي يسَّر لقوى أخرى التمدد اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً في كثير من دول القارة.
وتنعقد القمة الأميركية الأفريقية الثانية في واشنطن، خلال الفترة من 13- 15 ديسمبر (كانون الأول) الحالي. وتعد القمة التي يحضرها 49 من القادة الأفارقة، أكبر تجمع دولي في واشنطن، منذ ما قبل انتشار جائحة «كوفيد-19».
وتعهدت واشنطن قبيل انطلاق القمة، على لسان مستشارها للأمن القومي، جاك سوليفان، بتخصيص 55 مليار دولار لتعزيز التعاون مع دول القارة خلال السنوات الثلاث المقبلة.
ويرى الدكتور محمد يوسف الحسن، الباحث والمحلل السياسي التشادي المختص بالشأن الأفريقي، أن القمة «لا تعبر عن حماية المصالح الأميركية فقط؛ بل تستهدف حماية الأنظمة التابعة للمعسكر الغربي التي كانت تُدار من قبل الاتحاد الأوروبي بعد التراجع الملحوظ للنفوذ الأوروبي، وعدم قدرته على مواجهة المد الشيوعي المتمثل في روسيا والصين على المستويين السياسي والاقتصادي، في القارة الأفريقية».
ويضيف الحسن لـ«الشرق الأوسط» أن الولايات المتحدة «تستهدف الاقتصادات القوية في القارة، وخصوصاً التي تمتلك مصادر للطاقة» فضلاً عن الدول ذات الموقع الاستراتيجي بعيداً عن الضوضاء والإعلام؛ خصوصاً بعد الخسارة الجزئية في التحكم بمصادر الطاقة على مستوى دول الخليج، وكذلك بعد القمة العربية الصينية التي «هزت المعسكر الغربي بشكل عام، وأميركا بشكل خاص».
من جانبه، يرى السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، أن القمة «جاءت متأخرة» إذا ما قورنت بالنشاط اللافت لقوى أخرى في أفريقيا، كالصين وروسيا وتركيا وحتى إيران، فالإدارة الأميركية «تقاعست عن الاهتمام بالقارة منذ انعقاد القمة الأولى عام 2014، في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، ودفعت ثمناً فادحاً لسياسات وتصريحات خلفه دونالد ترمب، الذي أدت تصريحاته التي لم تخلُ من ازدراء وعنصرية إلى أزمات مع عدة دول أفريقية، ومع الاتحاد الأفريقي نفسه».
ويعرب حليمة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عن اعتقاده بأن الانسحاب الأميركي من القارة فتح المجال أمام دول كالصين التي تجاوز حجم تجارتها مع أفريقيا 400 مليار دولار، بينما بلغ حجم التجارة الثنائية بين الولايات المتحدة وأفريقيا 64.3 مليار دولار في عام 2021، وهو ما يقل عن 2 في المائة تقريباً من التجارة العالمية الأميركية.
ويضيف نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، أن المناخ في أفريقيا «لا يبدو مواتياً لعودة واشنطن إلى الساحة الأفريقية، والتمتع بما يحظى به منافسوها من حضور»، على الرغم مما تحاول أن تظهره خلال القمة من حرص على بناء شراكات لا تقتصر على المستوى الرسمي، وإنما تمتد إلى المجتمع المدني والشباب والقطاعات الشعبية. ويتابع: «واشنطن بحاجة إلى مقاربة ورؤية جديدة ومختلفة تماماً عما اتبعته لعقود، وعليها أن تدرك أن الدول الأفريقية باتت تتأثر بمواقف منافسي الولايات المتحدة، فهناك 23 دولة أفريقية لم تؤيد الموقف الغربي من روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهذا بحد ذاته إشارة تفهمها الإدارة الأميركية جيداً».
وحسب تقارير سابقة للبنك الدولي، فإن الصين تتفوق على الولايات المتحدة في حجم التجارة والاستثمار في أفريقيا، فخلال الفترة من عام 2007 إلى 2017 انخفضت التجارة الأميركية مع أفريقيا بنسبة 54 في المائة، بينما نمت التجارة الصينية بنسبة 220 في المائة. واستضافت بكين خلال العقد الماضي منتدى التعاون الصيني الأفريقي بانتظام، مرة كل 3 سنوات.
في المقابل، أعلنت واشنطن في 8 أغسطس (آب) الماضي، عن «وثيقة توجيهية جديدة» تتضمن «إعادة صياغة شاملة لسياستها في أفريقيا جنوب الصحراء، لمواجهة الوجود الروسي والصيني ومكافحة الإرهاب». وحذَّرت إدارة بايدن، في استراتيجيتها من أن الصين «تعتبر المنطقة ساحة يمكن لبكين فيها تحدي النظام الدولي القائم على القواعد، وتعزيز مصالحها التجارية والجيوسياسية الضيقة، بينما تقوض الشفافية والانفتاح».
كما تتهم الإدارة الأميركية روسيا بأنها «تاجر الأسلحة الأبرز في أفريقيا»، وأن الشركات العسكرية الخاصة التي تقول واشنطن إنها مرتبطة بالكرملين «تثير عدم الاستقرار في دول القارة، من أجل مصالحهم الاستراتيجية والمالية».
ويعتقد يوسف الحسن أن الصراع الآيديولوجي والديني «حاضر في التنافس الدولي على أفريقيا»، لافتاً إلى أن الكنيسة الأميركية صاحبة نفوذ على الحياة السياسية في الداخل الأميركي، و«تسعى إلى تعزيز حضورها في كثير من دول القارة، مثل الحالة النيجيرية والحالة التشادية والكاميرونية»، إضافة إلى استخدام البعد الثقافي المتمثل في الهوية على أساس عرقي، في مناطق التماس العربي الزنجي، مثل موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو والسودان وتشاد، فضلاً على ملف المغرب العربي، والتفرقة ما بين العرب والأمازيغ.
في المقابل، يؤكد السفير صلاح حليمة أن التنافس على أفريقيا «اقتصادي واستثماري في المقام الأول، ويمكن استخدام المقاربة الثقافية وحتى الدينية أحياناً لدعم هذه المصالح»، ويلفت في هذا الصدد إلى أن تركيا -على سبيل المثال- تستخدم البعد الثقافي والديني بكثافة لفرض حضورها في أفريقيا؛ مشيراً إلى أن هناك أكثر من 20 ألف طالب صومالي مبتعث في مدارس وجامعات تركية بمنح مجانية.


مقالات ذات صلة

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

الولايات المتحدة​ إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

أشاد وفد من الكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي مايك روجرز، مساء أول من أمس في العاصمة المغربية الرباط، بالتزام الملك محمد السادس بتعزيز السلام والازدهار والأمن في المنطقة والعالم. وأعرب روجرز خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن «امتنانه العميق للملك محمد السادس لالتزامه بتوطيد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، ولدوره في النهوض بالسلام والازدهار والأمن في المنطقة وحول العالم».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

أصدرت محكمة فيدرالية أميركية، الخميس، حكماً يدين 4 أعضاء من جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، أبرزهم زعيم التنظيم السابق إنريكي تاريو، بتهمة إثارة الفتنة والتآمر لمنع الرئيس الأميركي جو بايدن من تسلم منصبه بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الماضية أمام دونالد ترمب. وقالت المحكمة إن الجماعة؛ التي قادت حشداً عنيفاً، هاجمت مبنى «الكابيتول» في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، لكنها فشلت في التوصل إلى قرار بشأن تهمة التحريض على الفتنة لأحد المتهمين، ويدعى دومينيك بيزولا، رغم إدانته بجرائم خطيرة أخرى.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

أدانت محكمة أميركية، الخميس، 4 أعضاء في جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، بالتآمر لإثارة الفتنة؛ للدور الذي اضطلعوا به، خلال اقتحام مناصرين للرئيس السابق دونالد ترمب، مقر الكونغرس، في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021. وفي محاكمة أُجريت في العاصمة واشنطن، أُدين إنريكي تاريو، الذي سبق أن تولَّى رئاسة مجلس إدارة المنظمة، ومعه 3 أعضاء، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية. وكانت قد وُجّهت اتهامات لتاريو و4 من كبار معاونيه؛ وهم: جوزف بيغز، وإيثان نورديان، وزاكاري ريل، ودومينيك بيتسولا، بمحاولة وقف عملية المصادقة في الكونغرس على فوز الديمقراطي جو بايدن على خصمه الجمهوري دونالد ترمب، وفقاً لما نق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

وجّه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، الأربعاء، انتقادات لقرار الرئيس جو بايدن، عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز الثالث، وذلك خلال جولة يجريها الملياردير الجمهوري في اسكتلندا وإيرلندا. ويسعى ترمب للفوز بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات التي ستجرى العام المقبل، ووصف قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج ملك بريطانيا بأنه «ينم عن عدم احترام». وسيكون الرئيس الأميركي ممثلاً بزوجته السيدة الأولى جيل بايدن، وقد أشار مسؤولون بريطانيون وأميركيون إلى أن عدم حضور سيّد البيت الأبيض التتويج يتماشى مع التقليد المتّبع بما أن أي رئيس أميركي لم يحضر أي مراسم تتويج ملكية في بريطانيا. وتعود آخر مراسم تتويج في بري

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

هناك شعور مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية والاكتئاب والسكري والوفاة المبكرة والجريمة أيضاً في الولايات المتحدة، وهو الشعور بالوحدة أو العزلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا

تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
TT

29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا

تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)

قتل مسلّحون 29 شخصاً على الأقل في ولاية أداماوا في شمال شرق نيجيريا على ما أفاد حاكمها، الاثنين، فيما روى سكّان محليون أن منفذي الهجوم استهدفوا شبّاناً كانوا متجمعين في ملعب لكرة القدم، فيما أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن الهجوم.

وتشهد ولاية أداماوا الكثير من أعمال العنف التي يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية تُعرف باسم «قطاع الطرق»، بينما تعود أخرى إلى نزاعات على الأراضي.

وتفقّد الحاكم أحمدو أومارو فينتيري موقع هجوم، الأحد، وأكّد الناطق باسمه في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن «29 شخصاً على الأقل قُتلوا في هجوم دموي على مجتمع غياكو في منطقة حكومة غومبي المحلية».

وقال أحد السكان المحليين ويُدعى فيليب أغابوس لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الهجوم وقع بعد ظهر الأحد عندما اجتمع عدد من أبناء المنطقة «في ملعب لكرة القدم في مجتمع غياكو، فهاجمهم متمردون دخلوا وهم يحملون أسلحة نارية وبدأوا إطلاق النار عشوائياً».

وأوضح جوشوا عثمان وهو من السكان أيضاً للوكالة الفرنسية، أن القتلى كانوا «من الشباب، بينهم بعض الفتيات اللواتي كنّ يشاهدن مباراة لكرة القدم». وأضاف: «أحرقوا أيضاً مواقع عبادة ومنازل ودراجات نارية».

ونقل مكتب الحاكم عن الزعيم المحلي أغري علي أن «المهاجمين تحرّكوا لساعات عدّة، وقتلوا عشرات السكان، وأحرقوا أماكن عبادة، ودمّروا ممتلكات من بينها دراجات نارية».


هدوء في مالي... واختفاء مريب للرئيس

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
TT

هدوء في مالي... واختفاء مريب للرئيس

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

عاد الهدوء إلى العاصمة المالية، باماكو، صباح أمس، بعد يومين من المواجهات العنيفة بين الجيش ومقاتلي تنظيم «القاعدة»، التي قُتل فيها وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، لكنّ اختفاء الرئيس أسيمي غويتا يثير كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن غويتا كان موجوداً في إقامته داخل معسكر كاتي، الأكثر تحصيناً وحمايةً، حين تعرض للهجوم فجر السبت، على يد المئات من مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لـ«القاعدة».

وقالت المصادر إن غويتا تمكَّن من مغادرة المعسكر بعد الهجوم، من دون أن يتعرض لأي أذى، وظل يتنقل ما بين مواقع مختلفة طيلة يوم السبت، وكان يسهم في قيادة التصدي للهجوم المباغت والقوي. ومنذ بدء الهجمات، لم يُسجل أي ظهور للجنرال غويتا، كما لم يوجه أي كلمة أو خطاب إلى الشعب.


أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
TT

أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)

عاد الهدوء إلى العاصمة المالية، باماكو، صباح الاثنين، بعد يومين من المواجهات العنيفة بين الجيش ومقاتلي تنظيم «القاعدة»، التي قُتل فيها وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، ولكنّ اختفاء الرئيس أسيمي غويتا يثير كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

الرجلُ الذي يحكمُ مالي منذ 2020، خسر خلال الهجمات ذراعه اليمنى ووزير دفاعه، وسط اختفاء تام لرئيس المخابرات في ظل شائعات لم تتأكد حتى الآن حول مقتله في الهجمات، مما يعني أن المجلس العسكري تلقى ضربة موجعة ومفاجئة.

اللحظات الأولى

وأكدت مصادر موثوقة لـ«الشرق الأوسط» أن غويتا لم يسكن القصر الرئاسي أبداً منذ وصوله إلى الحكم قبل خمس سنوات، بل فضَّل الإقامة في معسكر «كاتي» الأكثر تحصيناً وحمايةً، والذي ظل لعقود مركز القرار العسكري ومنه انطلقت جميع الانقلابات في تاريخ البلاد.

بوتين يستقبل رئيس مالي خلال القمة الروسية - الأفريقية الثانية في «منتدى إكسبو 2023» (صفحة رئيس مالي على «إكس»)

وأكدت هذه المصادر أن غويتا كان موجوداً في إقامته داخل معسكر كاتي، حين تعرض للهجوم فجر السبت، على يد المئات من مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لـ«القاعدة».

وقالت المصادر إن غويتا تمكَّن من مغادرة المعسكر بعد الهجوم، من دون أن يتعرض لأي أذى، وظل يتنقل ما بين مواقع مختلفة طيلة يوم السبت، وكان يسهم في قيادة التصدي للهجوم المباغت والقوي.

اختفاء تام

منذ بدء الهجمات، لم يُسجل أي ظهور للجنرال غويتا، كما لم يوجه أي كلمة أو خطاب إلى الشعب المالي، فيما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر أمني مالي أنه «نقل من كاتي السبت خلال النهار، وهو موجود في مكان آمن».

وكتب الصحافي المختص في الشأن الأفريقي، الخليل ولد اجدود، على منصة «إكس»: «نقلت مصادر موثوقة عن بعض معاوني الرئيس المالي أسيمي غويتا قولهم إنهم فشلوا، خلال محاولات متكررة، في استعادة التواصل معه، فيما يستمر الغموض بشأن مصيره ومستقبله السياسي».

وزير دفاع مالي الجنرال ساديو كامارا خلال اجتماع في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو 15 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

وقال الصحافي: «الرئيس غويتا لجأ إلى قاعدة سامانكو، وهي منطقة تقع على بُعد نحو عشرين كيلومتراً جنوب غربي باماكو»، مشيراً إلى أنه «انتقل في ساعات السبت، الطويل والصعب، من موقع إلى آخر مع حمايته الشخصية التي تديرها شركة أمنية تركية».

وأضاف الصحافي أن غويتا «يفاوض الآن للحصول على مخرج آمن مع أسرته»، مؤكداً أنه «لم يعد يثق بالروس بعد اتفاقهم مع ممثلي (حركات تحرير أزواد) على خروج قواتهم من كيدال برعاية إقليمية، ولهذا تجنب اللجوء إلى قاعدة روسية يتركز فيها فيلق أفريقيا في المطار العسكري».

الوضع تحت السيطرة

في المقابل أكد أحمد مصطفى سنغاريه، وهو صحافي مالي موجود في العاصمة باماكو، أن الوضع في البلاد يسوده «هدوء مشوب بالحذر»، وقال في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إن «الجيش تمكَّن من السيطرة على الوضع، والقضاء على عدد كبير من الإرهابيين» المشاركين في الهجمات.

وأضاف سنغاريه: «شاهدنا السكان يجرّون جثث الإرهابيين في الساحات، كما ساعدوا الجيش على القبض على كثير منهم»، مشيراً إلى أن «الجيش المالي أحكم قبضته على الوضع الأمني في باماكو، حيث أُغلقت المحاور الرئيسية المؤدية إلى القواعد العسكرية والمؤسسات الرئيسية، وكانت باماكو مساء الأحد، أشبه ما تكون بمدينة عسكرية مغلقة».

دخان في أحد شوارع العاصمة المالية باماكو الأحد (أ.ف.ب)

وبخصوص اختفاء الرئيس غويتا، قال سنغاريه، إن ما يجري تداوله «مجرد شائعات ومبالغات»، مؤكداً أن انهيار نظام غويتا والعسكريين الذين يحكمون مالي منذ 2020 «مجرد أوهام يروج لها الإعلام المضاد، ونحن نتذكر أزمة البنزين حين روَّج الإعلام الغربي لسقوط وشيك للعاصمة باماكو، وهو ما لم يحدث».

وقال سنغاريه إن صمت الرئيس واختفاءه لا يحملان أي دلالة، مشيراً إلى أن «الجيش نشر بياناً لطمأنة المواطنين، أكد فيه أنه ماضٍ في بسط الأمن والاستقرار على كامل التراب الوطني، والقضاء على الإرهابيين والمفسدين أينما كانوا».

ورفض بشكل قاطع الحديث عن إمكانية تمرد داخل الجيش ضد غويتا، وقال: «الدولة تمر بصعوبات لكنها لا تصل إلى درجة تمرد أو سقوط وشيك للنظام أو الدولة»، مؤكداً أن «الشعب موالٍ للحكومة الحالية لأنه لا يرى حلاً ناجعاً أكثر من العسكريين الذين في الحكم اليوم، نظراً إلى النتائج الملموسة التي حققوها منذ وصولهم إلى مقاليد الحكم».

الحماية التركية

وتتحدث المصادر المحلية عن وجود الرئيس المالي تحت حماية وحدة عسكرية تركية تابعة لشركة «سادات» التي أبرمت عدة صفقات مع الحكومة المالية للحصول على مسيرات وتكنولوجيا قتالية متطورة، كما تتولى منذ سنوات تدريب وتأهيل الحرس الشخصي للرئيس غويتا.

الشركة التركية تأسست عام 2012 على يد الجنرال السابق عدنان تانري فيردي، المستشار العسكري السابق المقرب من رجب طيب أردوغان، وغالباً ما توصف بأنها أداة نفوذ لتركيا في منطقة الساحل، ويطلق عليها بعض الخبراء والمعارضين الأتراك لقب «فاغنر التركية».

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

ورغم التقارير الإعلامية المتكررة التي تتحدث عن تورط الشركة في أعمال عسكرية ميدانية في مالي والنيجر، فإن الشركة تنفي بشكل قاطع أي تورط عملياتي أو قتالي، وتؤكد أن نشاطها يقتصر على التدريب والاستشارات واللوجستيات، وسبق أن أصدرت بياناً كذَّبت فيه تقارير تداولها الإعلام الفرنسي.

كما لم يسبق أن صدر أي تأكيد رسمي من الحكومتين المالية أو التركية بخصوص أي دور للشركات التركية في تأمين شخصيات عسكرية أو سياسية مهمة في دولة مالي.

وأعلن «فيلق أفريقيا» وهو قوة شبه عسكرية خاضعة لسيطرة ​الكرملين، الاثنين، أن قواته انسحبت من بلدة كيدال في شمال مالي بعد اشتباكات عنيفة دارت هناك.

ونفذت «جبهة تحرير أزواد» وهي ‌جماعة متمردة ‌يهيمن عليها الطوارق، ​هجمات ‌متزامنة ⁠في ​أنحاء البلاد ⁠مطلع الأسبوع، بما في ذلك كيدال، بالتنسيق مع جماعة لها صلات بتنظيم «القاعدة في غرب أفريقيا».

وذكر فيلق أفريقيا، ⁠الذي يدعم الحكومة ‌المركزية ‌التي يقودها الجيش، في ​بيان، أن ‌قرار الانسحاب من كيدال ‌اتُّخذ بالتنسيق مع قيادات مالي.

وجاء في البيان، الذي نُشر على «تلغرام»: «وفقاً لقرار مشترك ‌مع قيادة جمهورية مالي، انسحبت وحدات فيلق أفريقيا ⁠التي ⁠كانت متمركزة وتشارك في القتال في مدينة كيدال من المنطقة مع أفراد جيش مالي... تم إجلاء الجنود الجرحى والعتاد الثقيل أولاً. ويواصل الأفراد تنفيذ مهمتهم القتالية الموكلة إليهم. ولا تزال الأوضاع ​في ​جمهورية مالي صعبة».