المناورات العسكرية الإسرائيلية ـ الأميركية توجّه رسائل إلى «الجيران» والداخل

هم الهموم في تل أبيب وواشنطن صمود التعاون الاستراتيجي إبان حكم نتنياهو

نتنياهو محتفلاً بفوزه الانتخابي وبجانبه زوجته سارة (أ.ف.ب)
نتنياهو محتفلاً بفوزه الانتخابي وبجانبه زوجته سارة (أ.ف.ب)
TT

المناورات العسكرية الإسرائيلية ـ الأميركية توجّه رسائل إلى «الجيران» والداخل

نتنياهو محتفلاً بفوزه الانتخابي وبجانبه زوجته سارة (أ.ف.ب)
نتنياهو محتفلاً بفوزه الانتخابي وبجانبه زوجته سارة (أ.ف.ب)

بعدما اختتم الجيشان الإسرائيلي والأميركي، قبل عشرة أيام، مناورات عسكرية تحاكي «هجوماً على المنشآت النووية الإيرانية»، ضمن الاستراتيجية المعلنة «منع إيران من أن تصبح دولة ذات قدرة نووية»، جلس الجنرالات من الطرفين لاستخلاص النتائج. ما لم يُقل في الجلسات الرسمية، ارتفع وبقوة خلال استراحة شرب القهوة. وهنا تردد كثيراً اسم بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي المكلف. ومع أن جميع القادة العسكريين بدوا مقتنعين بأن العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين راسخة وثابتة، بغض النظر عن هوية القيادات السياسية، فإنهم اعتبروا عودة نتنياهو إلى الحكم هو «هم الهموم». بل إنه بمثابة تحد جديد قديم. فهم لم ينسوا الفترة العصيبة، التي مروا بها خلال فترتي حكم الرئيس الأميركي باراك أوباما اللتين اتسمتا بخلافات علنية بين القيادتين السياسية، وتلاحم تظاهري بين القيادتين العسكريتين في تل أبيب وواشنطن. بعضهم كانوا في ذلك الوقت أيضاً من كبار الضباط، وخاضوا مع قادتهم ذلك التحدي: «كيف تحافظ على التعاون الاستراتيجي وثيقاً وراسخاً، رغم الخلافات السياسية». وهذه خلافات قد تنفجر في السنتين المقبلتين على الأقل، وثمة يوجد احتمال بأن تمتد إلى ست سنوات، في حال أعيد انتخاب الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن وصمد نتنياهو في الحكم. وحسب الجنرالات الإسرائيليين، فإن الأسئلة نفسها التي طرحها الجنرالات الأميركيون، سمعوها أيضاً من الجنرالات الفرنسيين خلال المناورات التي أجريت خلال الأسبوع الأخير، ومن الجنرالات اليابانيين، الذين جاءوا لإبرام صفقات أسلحة واتفاقيات تعاون استراتيجي، وغيرهم من القادة العسكريين في دول الغرب والشرق الأوسط.
مع أن المناورات - أو التمارين - العسكرية الإسرائيلية - الأميركية العلنية على مواجهة التهديد الإيراني، كانت مقررة سلفاً قبل عدة شهور، وتأتي في إطار نشاط الجيش الإسرائيلي والقيادة الوسطى للجيش الأميركي في الشرق الأوسط، فرض الواقع السياسي الإسرائيلي الجديد نفسه عليها. ذلك أن حكومة يائير لبيد ونفتالي بينيت، التي أدارت سياسة انسجام مع الإدارة الأميركية في مواجهة النووي الإيراني، قد أبدلت. وخلال الأسابيع المقبلة ستأتي حكومة أخرى ذات رؤية مختلفة، ورئيسها بنيامين نتنياهو، زعيم تكتل «الليكود»، يواجَه بكثير من التحفّظات في أروقة البيت الأبيض. وفقط، قبل الانتخابات الإسرائيلية بأيام، هاجم نتنياهو سياسة الرئيس بايدن تجاه إيران، وذكره بأيام الخلافات في عهد أوباما.

ثلاث دوائر جغرافية
مع هذا، أصرت القيادتان على المضي ببرنامج المناورات كما هو، وأعلنتا أنه أنجزت خلاله عمليات كثيرة مشتركة، تحاكي عدة سيناريوهات حربية كبيرة تريد إسرائيل أن تكون هناك شراكة أميركية فيها. ولقد حاولت «الشرق الأوسط» معرفة ماهية هذه الشراكة وما هو مداها. وبدا من بيانات الجيش الإسرائيلي، أنه أجرى عدة مناورات لمحاربة إيران وحده، حتى الآن. وأن المناورات الأخيرة كانت عبارة عن «تدريب إسرائيلي» بالأساس، شاركت فيه القوات الأميركية في مرحلة لاحقة وبشكل محدود لكنه استراتيجي. وكان «التدريب» لسلاح الجو (الإسرائيلي) على خطة «عمليات حربية بعيدة المدى»، في ثلاث دوائر جغرافية، ترافقت مع تدريب واسع أجرته شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، ضمن معركة المواجهة، خصوصاً في دائرة التهديد الثالثة.
وفق تصنيفات الجيش الإسرائيلي، فإن دائرة التهديد الأولى التي تواجهه تضم الدول والمناطق الحدودية مثل لبنان وسوريا وقطاع غزة، بينما تشمل الثانية دولاً أبعد، منها اليمن والعراق، أما دائرة التهديد الثالثة والأبعد فتضم إيران. وفي الدائرة الثالثة، جرى اختبار قدرات «أمان» على جمع المعلومات وتحليلها وبلورة الأهداف، وتمكين الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية للقوات العملياتية. وفي هذه الدائرة بالذات جاء دور القوات الأميركية.
وبهذا الصدد قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: «تشكل هذه المناورات جزءاً أساسياً من التعاون الاستراتيجي المتزايد بين الجيشين في مواجهة التحديات المشتركة في الشرق الأوسط وعلى رأسها إيران». وأردف «انطلقت المناورات في عملية تخطيط مشتركة قامت خلالها أربع طائرات (أدير)، وهذا هو الاسم الإسرائيلي للطائرة الأميركية الحديثة (إف 35 آي) بمرافقة أربع مقاتلات قاذفة أميركية من طراز (إف 15) في سماء البلاد. وفي إطار التمرين، أجرى سلاحا الجو الإسرائيلي والأميركي مناورة التزوّد بالوقود جواً عبر طائرة صهريج أميركية عملاقة من طراز (كيه سي 10) تولّت تزويد عدة مقاتلات إسرائيلية من طراز (سوفا) أي (العاصفة)، وهو الاسم الإسرائيلي للمقاتلة (إف 16) بالوقود».
كما هو معروف فإن إسرائيل طلبت شراء الطائرات الصهريج هذه؛ لأنها تحتاج إليها بشكل مُلحّ في حال قررت شن هجوم على إيران، لكن واشنطن لم تستجب بعد. وتعتبر القيادات الإسرائيلية مشاركة الولايات المتحدة في عملية تزويد الوقود إشارة مهمة للغاية ورسالة موجهة إلى إيران، مفادها أن واشنطن لا تتخلى عن الخيار العسكري لمنع تطويرها السلاح النووي. لكن عودة نتنياهو إلى الحكم تحمّل هذه المناورات رسائل لعدة عناوين أخرى، إحداها إلى الائتلاف الجديد الذي سيتولى الحكم في تل أبيب. فالجيش الإسرائيلي يريد تذكير نتنياهو بأهمية أجهزته الأمنية وحيوية العلاقات مع واشنطن، إذا كان معنياً حقاً بمواجهة التحديات العسكرية، وبالأخص، ضرب النووي الإيراني.
لماذا «تذكير» واشنطن؟
لماذا يبدو هذا التذكير مهماً، في هذا الوقت بالذات؟
لأن نتنياهو يدير حملة ضد قيادة الجيش الإسرائيلي منذ عام 2010، وحتى اليوم. ففي حينه قرّر مع وزير دفاعه، إيهود باراك، شن هجوم عسكري على المفاعل النووية في إيران. إلا أن جميع قادة الأجهزة الأمنية في ذلك الوقت، رئيس أركان الجيش غابي أشكنازي، ورئيس «الموساد» (جهاز الاستخبارات الخارجية) مئير دغان، ورئيس «الشاباك» (الاستخبارات العامة) يوفال ديسكين، اعترضوا.
هؤلاء لم يعترضوا فحسب، بل أبلغوا نتنياهو وباراك بأن إصدار أمر بالهجوم الحربي على إيران سيكون بمثابة أمر غير قانوني، لأن مثل هذا الأمر يجب إقراره في جلسة للمجلس الوزاري الأمني المصغر للحكومة (الكابينيت). ولم يكن لدى نتنياهو أكثرية مضمونة في «الكابينيت». ثم عام 2011 دبت خلافات شخصية حادة بين نتنياهو وباراك، جعلت الأخير يتراجع عن الفكرة، ويقف ضدها. وفي العام نفسه، عندما عيّن بيني غانتس رئيساً لأركان الجيش، تحدث الأخير صراحة عن الاحتمالات والأخطار في مثل هذا الهجوم. وتسبب هذا في مواصلة إيران مشروعها وتوصلها إلى اتفاق نووي مع الدول الكبرى.
منذ ذلك الوقت، تشن الصحف والمواقع الإخبارية ومعاهد الدراسات اليمينية التي رعاها نتنياهو، مثل صحيفة «يسرائيل هيوم» وموقع «ميدا» ومركز أبحاث شؤون الدولة والجمهور ومواقع المستوطنين، حملات متواصلة ضد قيادة الجيش، وتنشر المقالات والدراسات التي تتهم الجيش بالتخلّي عن العقيدة الحربية وعقيدة الإقدام وبث الروح القيادية وتتهمه بالتبذير والفساد. هذا الأمر أقلق قيادة الجيش كثيراً. ولذا عملت كل ما في وسعها لمنع انتخاب نتنياهو ودعم خصمه لبيد، لكن مساعي الجيش أخفقت، ففاز نتنياهو واستعاد الحكم. وقبل أن يحتل مقعد رئاسة الحكومة بث رسائل للجيش بأنه لا يصفح، وباشر سحب صلاحيات الجيش من إدارة الشؤون المدنية في الضفة الغربية.
أيضاً، إبان حملات اليمين بقيادة نتنياهو ضد الجيش، بدأت تسمع نغمة جديدة تجاه واشنطن أيضاً. ولقد كتب يورام إتنيغر، وهو دبلوماسي قديم خدم في عدة مناصب إبان حكم الليكود بينها مدير مكتب الصحافة الحكومي وقنصل عام في الولايات المتحدة، يقول إن واشنطن «ملزمة بمساندة إسرائيل ليس لأنها دولة محتاجة أو ضعيفة، بل لأنها تقدم خدمات للمصالح الأميركية أكثر من أي دولة في العالم، قيمتها المادية تفوق قيمة المساعدات الأميركية بعدة أضعاف». وفي مقال مفصل نشر في صحيفة «يسرائيل هيوم» يوم 23 ديسمبر (كانون الأول) 2021، كتب «المعلومات الاستخبارية التي توفرها إسرائيل للولايات المتحدة عن أعدائها في العالم، تفوق المعلومات التي تقدمها لها دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) مجتمعة بعدة أضعاف، كمّاً ونوعاً. كذلك باتت إسرائيل مختبرا للأسلحة الأميركية ومئات الآليات القتالية. نحن نجربها ونقدم للأميركيين تقارير عن أدائها وعن نقاط ضعفها وأين يمكن تحسينها، وبذلك نوفر عليهم مليارات الدولارات. الملاحظات التي قدّمها سلاح الجو الإسرائيلي عن أداء الطائرة المقاتلة (إف 16) وحدها أدت إلى تحسينها، وبالتالي زيادة الرّواج لها وكثرة شرائها في العالم، وهذا وحده حقق للأميركيين أرباحا بعشرات مليارات الدولارات».
ويقتبس إتينغر عن الأدميرال إلمو زومفالت، الذي كان رئيس قسم العمليات في أسطول الولايات المتحدة، أنه سمع القائد العام الأسبق لقوات «ناتو» ووزير الخارجية لاحقاً ألكسندر هيغ، يقول إن «إسرائيل هي أكبر حاملة طائرات للولايات المتحدة، بفارق أنها لا تحتاج إلى جنود أميركيين ولا توجد أي إمكانية لإغراقها، بل ترسو في أهم المناطق حيوية للغرب، وتوفر على الولايات المتحدة وتجعلها قادرة على الامتناع عن إرسال حاملات طائرات حقيقية في الشرق الأوسط أو إرسال فرق جنود كبيرة. وبهذا توفر علينا على الأقل 15 مليار دولار في السنة».
وعليه، يستنتج إتينغر، أنه «صحيح أن الولايات المتحدة شريك كبير مع إسرائيل الشريك الصغير، ولكن هناك علاقات تعاون مثمر بينهما للطرفين على السواء وليس علاقة محتاج يمد يده سائلا الصدقة من الغني الذي يعطيه منّة». ويوضح أن «المساعدة الأميركية السنوية لإسرائيل بقيمة 3.8 مليار دولار، عملياً ليست منحة بل هي استثمار أميركي مُجدٍ يعود على واشنطن بأرباح مضاعفة عدة مرات. بل هي أكبر استثمار تديره الولايات المتحدة بنجاح. إنها علاقات تسير في اتجاهين، والمساهمة الإسرائيلية فيها كبيرة وغنية ووافرة».
تزايد خطر التخصيب
من جهة ثانية، يقول مقدم (الاحتياط) الدكتور رفائيل أوفيك، وهو خبير في الفيزياء والتكنولوجيا النووية، وخدم في الماضي في الاستخبارات الإسرائيلية كباحث ومحلل كبير في مجال قضايا الأسلحة النووية في العالم، وخاصة في الشرق الأوسط، إن إسرائيل قادرة بمفردها على شن هجوم على إيران في سبيل إجهاض مشروعها النووي، من دون دعم أو مشاركة واشنطن. وأضاف، في مقال نشره في صحيفة «يسرائيل ديفينس» في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أن «عملية التخصيب بنسبة 60 في المائة التي نفذتها إيران ليس لها غرض آخر لها سوى إنتاج أسلحة نووية. ووفقاً لتقرير حديث للوكالة الدولية للطاقة الذرية، جمعت إيران، حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، 62.3 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بمعدل 60 في المائة، وهي كمية ستكفي بعد تخصيبها بنسبة 90 في المائة لإنتاج قنبلتين نوويتين على الأقل. بجانب ذلك، في الأيام الأخيرة، بدأت إيران تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة أيضاً في منشأة فوردو من خلال سلسلتين من أجهزة الطرد المركزي، يحتوي كل منها على 166 جهاز طرد من طراز (آي آر 6)، وهذا، من بين أمور أخرى، وفقاً لتقرير أعده رافائيل غروسي (رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية) في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أكد هذه الأمور. وحتى الآن، تم تشغيل 1044 فقط من أجهزة الطرد المركزي من طراز (آي آر 1)، وهي الجيل الأول من أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، في منشأة فوردو».
أوفيك، الذي يُعدّ أحد الخبراء المقربين من نتنياهو، يضيف أنه «من الناحية النظرية، فإن قدرة التخصيب لجهاز الطرد المركزي آي آر 6 أعلى بحوالي 8 مرات من قدرة جهاز الطرد المركزي السابق، وينطوي على تقدم مهم جداً من وجهة نظر إيران. ولكن بما يتعلق بدولة إسرائيل، فإن صورة الوضع النووي الإيراني مقلقة للغاية الآن. وحسب وتيرة سلوك إيران الحالية، ما لم توقف، فقد تصل إلى ترسانة نووية في غضون سنة. وهذا مبني على افتراض أنه حتى الصواريخ الباليستية الإيرانية ستتطور وفقاً لهذا المعدل. ولذا يبدو لي أن حالة اليقظة الحالية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية في ضوء السلوك النووي الإيراني من جهة، وأعمال الشغب في إيران ضد النظام في طهران من جهة أخرى، مناسبة تماماً لمهاجمة مرافق التخصيب الإيراني. وأنا أعتقد أن إسرائيل وحدها تستطيع تدمير منشآت التخصيب الإيرانية، حتى من دون دعم أو مشاركة الولايات المتحدة». ومن ثم، يرفض أوفيك «الادعاء الشائع بأنه نظراً لأن منشأة فوردو، بالإضافة إلى جزء كبير من مصنع التخصيب في نطنز، مبنيان تحت الأرض، من الصعب جداً تدميرهما... وفي رأيي المتواضع، هناك أيضاً ميزة كبيرة في هذا العيب، لا أعتقد أنها جديرة بالتفصيل هنا، ويكفي أن أكون ذكياً في الإشارة والتلميح».
مثل هذه اللهجة لم تكن معروفة في الخطاب الإسرائيلي السياسي والأمني. إلا أن اليمين الفائز بالحكم، لا يتردد في استخدامها، بكل ما يعنيه ذلك من مساس بالجيش الإسرائيلي وبالولايات المتحدة. وهذا الأمر يثير تساؤلات عدة لدى قيادة المؤسسة العسكرية في تل أبيب والقيادات السياسية والعسكرية في واشنطن. وثمة من يتخوّف من تبعات هذا الخطاب، ويعتبره جارحا لدرجة يمكن أن تغيظ الجنرالات وتجعلهم يتحرّكون مجروحين. والتاريخ الإسرائيلي يعرف حقبا أدى فيها الغيظ إلى عربدة مخيفة، اشتمت فيها رائحة تململ وحتى التهديد بانقلاب عسكري.
الجنرالات يحذّرون من «التحدّيات الجسام التي تواجه إسرائيل في عدة جبهات» وفي ثلاث دوائر، كل واحدة منها أخطر من الأخرى. ويقولون إن هذا ليس الوقت الذي يناسب المساس بالجيش والمؤسسة العسكرية. ولا يقولون فحسب، بل إن المناورات العسكرية المتصاعدة تشير إلى أنهم يقولون ويستعدون لفعل ما. وها هو عضو الكنيست غادي أيزنكوت، الرئيس السابق لهيئة رئاسة أركان الجيش، يهدد بإنزال مليون مواطن إلى الشوارع «لحماية الأسس الديمقراطية والتوازنات في المجتمع»، والجنرال متان فلنائي، رئيس المجلس العسكري الأمني للجنرالات المتقاعدين، يحذر من «مغبة كسر التوازنات»، وعشرات الجنرالات ينشرون مقالات تحذر حكومة نتنياهو من تغييرات جوهرية تمسّ بالأمن الاستراتيجي، والحبل على الجرّار.

من المناورات الإسرائيلية الأميركية الأخيرة

إسرائيل... والتعايش الصعب بين السياسة ومحورية الجيش
> الإسرائيليون بشكل عام يستبعدون حدوث انقلاب عسكري عندهم، إذ إنهم يعتبرون الديمقراطية قيمة عليا في المجتمع. ويؤمنون بأن الجيش هو جزء من المؤسسة الديمقراطية، ويلتزم بالقانون، ويتقبل الولاء للقيادة السياسية، كما ينص على ذلك القانون.
لكنهم في المقابل، يرون أن حكومة اليمين تحاول لأول مرة تجريد الجيش من صلاحياته، باسم الديمقراطية، جنباً إلى جنب مع المساس بالأسس الديمقراطية. ومَن يراجع التاريخ الإسرائيلي يعرف أن الجنرالات عرفوا دائماً كيف يضمنون لأنفسهم نفوذاً واسعاً يتعدّى بكثير صلاحياته القانونية، ولم يسلموا بأية محاولة للمساس بمكانتهم المميزة في الحكم. وعشية «حرب يونيو 1967»، فرض أعضاء رئاسة أركان الجيش (11 جنرالا)، بقيادة إسحاق رابين وعيزر وايزمان وأرئيل شارون، الحرب فرضا على رئيس الوزراء ليفي إشكول، الذي كان يرجوهم أن يعطوه بضعة أيام فقط حتى يوافق على الحرب. وقال إشكول في مذكراته إن «هؤلاء الجنرالات يريدون لإسرائيل أن تعيش على حرابها فقط، وإلى آخر العمر». وحسب مذكرات زوجته مريم، طلب منها أن تكتب ما يشبه الوصية قائلاً: «مريم... سجِّلي أنني أول رئيس لوزراء إسرائيل يأتي إلى هذا المنصب من خارج الجيش، وبعيداً عن نفوذه المباشر، وفوق ذلك فإنني أول رئيس وزراء لا يقبل أن يكون لُعبة في يد العسكريين».
أيضاً، عُرف عن إسحاق شامير تحذيره من خطورة الجنرال أرئيل شارون و«أن يحبسني في مكتب حتى أسلمه الحكم». وحذّر مناحيم بيغن أيضاً من شارون، الذي ضلله خلال «حرب لبنان»، وقاد الجيش إلى حرب أوسع بكثير ممّا قرّرته حكومته. وانتهى به المطاف إلى الاعتزال السياسي في البيت حتى وفاته.


مقالات ذات صلة

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

شؤون إقليمية غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

في اليوم الذي استأنف فيه المتظاهرون احتجاجهم على خطة الحكومة الإسرائيلية لتغيير منظومة الحكم والقضاء، بـ«يوم تشويش الحياة الرتيبة في الدولة»، فاجأ رئيس حزب «المعسكر الرسمي» وأقوى المرشحين لرئاسة الحكومة، بيني غانتس، الإسرائيليين، بإعلانه أنه يؤيد إبرام صفقة ادعاء تنهي محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بتهم الفساد، من دون الدخول إلى السجن بشرط أن يتخلى عن الحكم. وقال غانتس في تصريحات صحافية خلال المظاهرات، إن نتنياهو يعيش في ضائقة بسبب هذه المحاكمة، ويستخدم كل ما لديه من قوة وحلفاء وأدوات حكم لكي يحارب القضاء ويهدم منظومة الحكم. فإذا نجا من المحاكمة وتم تحييده، سوف تسقط هذه الخطة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

سادَ هدوء حذِر قطاع غزة، صباح اليوم الأربعاء، بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، على أثر وفاة المعتقل خضر عدنان، أمس، مُضرباً عن الطعام في السجون الإسرائيلية، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وكانت وسائل إعلام فلسطينية قد أفادت، فجر اليوم، بأنه جرى التوصل لاتفاق على وقف إطلاق النار بين فصائل فلسطينية والجانب الإسرائيلي، وأنه دخل حيز التنفيذ. وقالت وكالة «معاً» للأنباء إن وقف إطلاق النار في قطاع غزة «مشروط بالتزام الاحتلال الإسرائيلي بعدم قصف أي مواقع أو أهداف في القطاع».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد مرور 75 عاماً على قيامها، أصبح اقتصاد إسرائيل واحداً من أكثر الاقتصادات ازدهاراً في العالم، وحقّقت شركاتها في مجالات مختلفة من بينها التكنولوجيا المتقدمة والزراعة وغيرها، نجاحاً هائلاً، ولكنها أيضاً توجد فيها فروقات اجتماعية صارخة. وتحتلّ إسرائيل التي توصف دائماً بأنها «دولة الشركات الناشئة» المركز الرابع عشر في تصنيف 2022 للبلدان وفقاً لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، متقدمةً على الاقتصادات الأوروبية الأربعة الأولى (ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا)، وفقاً لأرقام صادرة عن صندوق النقد الدولي. ولكن يقول جيل دارمون، رئيس منظمة «لاتيت» الإسرائيلية غير الربحية التي تسعى لمكافحة ا

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي، كيفين مكارثي، في تل أبيب، امتعاضه من تجاهل الرئيس الأميركي، جو بايدن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو وامتناعه عن دعوته للقيام بالزيارة التقليدية إلى واشنطن. وهدد قائلاً «إذا لم يدع نتنياهو إلى البيت الأبيض قريباً، فإنني سأدعوه إلى الكونغرس». وقال مكارثي، الذي يمثل الحزب الجمهوري، ويعدّ اليوم أحد أقوى الشخصيات في السياسة الأميركية «لا أعرف التوقيت الدقيق للزيارة، ولكن إذا حدث ذلك فسوف أدعوه للحضور ومقابلتي في مجلس النواب باحترام كبير. فأنا أرى في نتنياهو صديقاً عزيزاً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

بدأت المواجهة المفتوحة في إسرائيل، بسبب خطة «التعديلات» القضائية لحكومة بنيامين نتنياهو، تأخذ طابع «شارع ضد شارع» بعد مظاهرة كبيرة نظمها اليمين، الخميس الماضي، دعماً لهذه الخطة، ما دفع المعارضة إلى إظهار عزمها الرد باحتجاجات واسعة النطاق مع برنامج عمل مستقبلي. وجاء في بيان لمعارضي التعديلات القضائية: «ابتداءً من يوم الأحد، مع انتهاء عطلة الكنيست، صوت واحد فقط يفصل إسرائيل عن أن تصبحَ ديكتاتورية قومية متطرفة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
TT

حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

تتناول تقارير أميركية حديثة استنزاف مخزونات الذخائر في الحرب مع إيران؛ ما قد يؤدي إلى معضلة أكبر من مجرد حسابات عسكرية آنية في الشرق الأوسط. فالمسألة لم تعد محصورة في قدرة الولايات المتحدة على مواصلة حملة جوية وصاروخية مكثفة ضد إيران، بل باتت تتصل مباشرة بجاهزية الجيش الأميركي لمواجهة طارئة في مسارح أخرى، خصوصاً في غرب المحيط الهادئ إذا قررت الصين التحرك ضد تايوان، أو في أوروبا إذا تصاعد التهديد الروسي.

وفي خلفية هذا النقاش، يبرز سؤال سياسي لا يقل حساسية، وفق ما يطرحه محللون، وهو: هل تعكس التسريبات قلقاً حقيقياً داخل المؤسسة العسكرية، أم أنها تتحول أيضاً أداةَ ضغطٍ على الكونغرس لتمرير ميزانية دفاعية ضخمة وطلب تمويل إضافي للحرب؟

وتستند هذه المخاوف إلى تقارير نشرتها صحف أميركية عدة، إضافة إلى تقديرات من مركز دراسات استراتيجية ودولية، تشير إلى أن الحرب مع إيران استهلكت كميات كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى واعتراضات دفاعية باهظة التكلفة.

وعلى سبيل المثال، تحدثت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن إطلاق أكثر من ألف صاروخ «توماهوك» وما بين 1500 و2000 صاروخ دفاع جوي اعتراضي، بينها «ثاد» و«باتريوت» و«ستاندرد»، مع تقديرات بأن تعويض بعض المخزونات بالكامل قد يستغرق حتى ست سنوات.

أما صحيفة «نيويورك تايمز»، فأشارت إلى استخدام نحو 1100 صاروخ «جاسم - إي آر» وأكثر من 1200 صاروخ «باتريوت»، فضلاً عن أكثر من ألف صاروخ أرضي من طرازات دقيقة؛ ما جعل المخزون العالمي الأميركي تحت ضغط شديد.

مخزون يتآكل سريعاً

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ورئيس أركان القوات المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون 24 أبريل (أ.ف.ب)

وتكمن خطورة هذه الأرقام في أن كثيراً من الذخائر المستهلكة ليست من النوع الذي يمكن استبداله سريعاً. فصواريخ «توماهوك» و«جاسم - إي آر» و«باتريوت» و«ثاد» ليست ذخائر عادية، بل هي جزء من العدة الأساسية لأي مواجهة مع قوة كبرى، خصوصاً في بيئة بحرية وجوية معقدة كالتي يتوقعها المخططون الأميركيون في حال نشوب حرب حول تايوان مثلاً. لذلك؛ لا يقاس الاستنزاف بعدد الصواريخ وحده، بل بموقع هذه الصواريخ داخل خطط الحرب الأميركية.

وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن بعض المسؤولين في الإدارة باتوا يقدّرون أن الولايات المتحدة قد لا تستطيع، في المدى القريب، تنفيذ خطط الدفاع عن تايوان بالكامل إذا وقع غزو صيني مفاجئ.

ويكمن جوهر القلق في أن الحرب مع إيران استهلكت ذخائر كان يُفترض أن تبقى جزءاً من «مخزون الردع» في آسيا. فالصين، بخلاف إيران، تملك قوة صاروخية وبحرية وجوية ضخمة، وتستند عقيدتها العسكرية في أي حرب محتملة إلى منع القوات الأميركية من الاقتراب، عبر كثافة نيران وصواريخ مضادة للسفن والطائرات.

في مثل هذا السيناريو، تصبح الاعتراضات الدفاعية والصواريخ البعيدة المدى سلعة استراتيجية لا يمكن تعويض نقصها بمجرد نقل وحدات أو حاملات إضافية.

تايوان وحرب إيران

تجربة صاروخ باليستي لكوريا الشمالية في موقع غير محدد 19 أبريل (أ.ف.ب)

من جانبها، تؤكد الإدارة الأميركية أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عن خوض حرب كبرى. فالبيت الأبيض نفى بشدة خلاصات التقارير التي تتحدث عن ضعف القدرة العسكرية؛ إذ قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، إن فرضية النقص «خاطئة»، مؤكدة أن الولايات المتحدة تملك أقوى جيش في العالم ومخزونات كافية لتنفيذ أي عملية يوجه بها الرئيس.

وقال أيضاً المتحدث باسم وزارة الحرب (البنتاغون) شون بارنيل، إن الجيش يملك ما يحتاج إليه لتنفيذ المهمة في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس.

لكن النفي السياسي لا يلغي جوهر المشكلة العملياتية. فقائد القوات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال صامويل بابارو، حاول خلال شهادته في الكونغرس، الموازنة بين دعم العمليات الجارية في الشرق الأوسط والطمأنة إلى أن الردع ضد الصين لم يتضرر. غير أنه أقرّ ضمناً بوجود حدود في «المخزن»، وهي عبارة تحمل دلالة مهمة في النقاش العسكري الأميركي، مفادها أن القضية ليست فقدان القدرة، بل ارتفاع المخاطر إذا جاءت الأزمة التالية قبل إعادة ملء المخازن.

وتتعمق هذه المخاوف مع نقل منظومات وذخائر من آسيا وأوروبا إلى الشرق الأوسط. فالتقارير تتحدث عن إرسال رادارات من كوريا الجنوبية، وتحريك صواريخ اعتراضية من منظومة «ثاد»، وتحويل وحدات من مشاة البحرية من المحيط الهادئ إلى المنطقة.

كما سبقت ذلك إعادة توجيه حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط.

هذه التحركات لا تعني انسحاباً أميركياً من آسيا، لكنها تمنح بكين مادة دعائية وسياسية للقول إن واشنطن مشتتة بين حروب متعددة، وإن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الحلفاء ليست بلا حدود، وفق ما يقول عدد من المحللين.

امتحان الزمن والتكلفة

حاملة طائرات أميركية من طراز «نيميتز» خلال مناورات تدريبية في تشيلي 18 أبريل (رويترز)

تكشف الحرب مع إيران عن فجوة مزمنة في قاعدة التصنيع الدفاعي الأميركية. فقد اعتادت الولايات المتحدة على خوض حروب ضد خصوم أضعف بتكلفة عسكرية يمكن احتواؤها، لكنها تجد نفسها الآن أمام معادلة مختلفة، وهي استخدام ذخائر بملايين الدولارات لاعتراض صواريخ أو مسيّرات أرخص بكثير، أو لضرب أهداف كثيرة ومتفرقة في مسرح واسع.

وإذا صح أن تكلفة الحرب حتى الآن تراوح بين 25 و35 مليار دولار، حسب تقديرات نقلتها «نيويورك تايمز»، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالنفقات، بل بوتيرة الاستهلاك مقارنة بوتيرة الإنتاج.

تقول بعض التقارير إن إنتاج «باتريوت» في عام كامل لا يعادل تقريباً نصف ما استُهلك في الحرب. وتضيف أن تعويض «توماهوك» و«ثاد» و«ستاندرد» قد يستغرق سنوات، حتى لو ضُخت أموال جديدة. فالمال يشتري العقود، لكنه لا يبني فوراً خطوط إنتاج ولا يؤمّن سلاسل توريد معقدة ولا يضاعف العمالة المتخصصة خلال أسابيع.

لهذا؛ يضغط «البنتاغون» على شركات مثل «لوكهيد مارتن» و«آر تي إكس» لزيادة الإنتاج، بل ويفتح قنوات مع شركات السيارات والمصانع المدنية لاختبار إمكان تحويل جزء من القدرة الصناعية الأميركية إلى نمط أقرب إلى «اقتصاد حرب».

غير أن هذا التحول يصطدم بواقع سياسي واقتصادي. فشركات الدفاع تريد عقوداً طويلة الأجل قبل توسيع مصانعها، والكونغرس يريد رقابة على التكلفة، والرأي العام قد لا يتقبل بسهولة إنفاقاً إضافياً ضخماً على حرب لا تزال نهايتها غير واضحة.

وبينما تطلب الإدارة ميزانية دفاعية تصل إلى 1.5 تريليون دولار، وتطرح في الوقت نفسه حاجة إلى تمويل إضافي بنحو 200 مليار دولار للحرب مع إيران، تصبح أرقام الذخائر جزءاً من معركة داخل واشنطن حول حجم الدولة الأمنية والعسكرية في عهد ترمب.

إنذار أم ضغط على الكونغرس؟

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

ويتفق المراقبون على أنه من الصعب فصل البعد العسكري عن البعد السياسي في توقيت هذه التقارير. فالتسريبات تخدم، من جهة، وظيفة إنذارية حقيقية: تنبيه صناع القرار إلى أن الحروب الإقليمية الطويلة قد تستهلك بسرعة ذخائر مخصصة أصلاً لمنافسة القوى الكبرى. لكنها، من جهة أخرى، تمنح «البنتاغون» وحلفاءه في الكونغرس حجة قوية لطلب اعتمادات إضافية، تحت عنوان أن عدم التمويل لا يهدد حملة إيران وحدها، بل يضعف الردع في تايوان وأوروبا وكوريا الجنوبية.

هنا تتبدى المفارقة في خطاب الإدارة. فترمب يقول إن لدى الولايات المتحدة إمدادات تكاد تكون «غير محدودة» من بعض الذخائر، بينما تطالب مؤسسته العسكرية بزيادة تاريخية في الإنفاق وتسريع الإنتاج.

وينفي البيت الأبيض أن تكون الجاهزية قد تضررت، لكنه يدفع في الوقت نفسه باتجاه استثمارات ضخمة في القاعدة الصناعية الدفاعية. هذه المفارقة ليست جديدة في السياسة الأميركية: الطمأنة مطلوبة للحلفاء والخصوم، أما التهويل المدروس فمفيد داخل الكونغرس.

الخلاصة، أن حرب إيران لا تختبر القوة الأميركية في الشرق الأوسط وحده، بل تختبر نموذج القوة الأميركية عالمياً. فإذا كانت واشنطن قادرة على ضرب آلاف الأهداف، فإن السؤال الأعمق هو: كم مرة تستطيع أن تفعل ذلك، وفي كم مسرح، وبأي تكلفة، ومن دون أن تفتح نافذة إغراء أمام خصومها؟ تلك هي المعضلة التي تجعل نقص الذخائر قضية استراتيجية لا لوجستية فحسب.


نتنياهو يعلن خضوعه لاستئصال «ورم خبيث» صغير من البروستاتا

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو يعلن خضوعه لاستئصال «ورم خبيث» صغير من البروستاتا

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)

أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الجمعة أنه خضع لاستئصال «ورم خبيث في مرحلة مبكرة» من البروستاتا، وذلك في إطار نشر تقريره الصحي السنوي.

وفي منشور على منصة «إكس»، أوضح نتنياهو (76 عاما) الذي يخضع لمتابعة طبية منذ عملية في البروستاتا قبل نحو عام ونصف العام، أنه «خلال الفحص الأخير، تم العثور على كتلة صغيرة لا يتجاوز حجمها سنتيمترا واحدا في البروستاتا. وأكدت الفحوص أنها ورم خبيث في مرحلة مبكرة، من دون انتشار».

ولم يحدّد موعد العملية، لكنه أشار إلى «علاج موجّه أتاح إزالة المشكلة من دون أن يترك أثرا». وأضاف أنه أرجأ نشر تقريره الصحي السنوي «لمدة شهرين» لتجنّب صدوره خلال الحرب مع إيران التي اندلعت أواخر فبراير (شباط)، وكذلك لتفادي ما وصفه بـ«الدعاية المضللة» التي قد تستغلها طهران.

ومنذ عودته إلى السلطة في (كانون الأول) 2022، أُدخل نتنياهو إلى المستشفى مرات عدة، بينها لإجراء تنظير قولون روتيني في مايو (أيار) 2025، وفق مكتبه. وفي يوليو (تموز) 2023، أي قبل أقل من ثلاثة أشهر على هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) وبداية الحرب في غزة، خضع لزرع جهاز لتنظيم ضربات القلب.

كما أُجريت له عملية جراحية بسبب فتق في مارس (آذار) 2024.


تركيا: السفير الأميركي يدافع عن تصريحات أثارت غضب المعارضة

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)
TT

تركيا: السفير الأميركي يدافع عن تصريحات أثارت غضب المعارضة

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)

قدم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك توضيحات لتصريحات مثيرة للجدل أدلى بها الأسبوع الماضي، دفعت المعارضة إلى المطالبة بإعلانه «شخصاً غير مرغوب فيه».

ودافع براك عن تصريحاته، التي أدلى بها خلال «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» بجنوب تركيا في 18 أبريل (نيسان) الحالي، والتي قال فيها إن «الأنظمة ذات القيادة القوية» فقط هي التي نجحت في الشرق الأوسط، إنْ الأنظمة الملكية المستنيرة أو نوع من الجمهوريات الملكية، وما عدا ذلك تلاشى واختفى بعد الربيع العربي.

واستخدم أيضاً عبارة «الدول التي تتستر برداء الديمقراطية والتي نستهدفها بحجة حقوق الإنسان»، والتي قال إنها فشلت أيضاً، لافتاً إلى أنه يعلم أنه سيتعرض للانتقاد لقوله هذا؛ لأنه سيُعدّ مناهضاً للديمقراطية.

هجوم من المعارضة التركية

وفي رد مكتوب على أسئلة من «فوكس نيوز ديجيتال»، نقلته وسائل إعلام تركية، الجمعة، قال براك إننا «نؤمن بالسلام من خلال القوة، والتقييم الصادق للحقائق، والنتائج التي تحمي مصالح الولايات المتحدة دون جرها إلى حروب لا نهاية لها».

براك متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في 18 أبريل (إعلام تركي)

وأضاف: «إنني عندما قلت إن الحكومات الوحيدة التي استطاعت البقاء في الشرق الأوسط هي الأنظمة الملكية ذات القيادة القوية، لم أكن أتحدث من منطلق آيديولوجي، بل من واقع عقود من الملاحظة الدقيقة».

وتابع براك، موضحاً وجهة نظره، قائلاً إن الدول التي تبنت ديمقراطيات على النمط الغربي بعد انتفاضات «الربيع العربي»، سقطت في الغالب في براثن «الفوضى والحرب الأهلية وأشكال جديدة من الاستبداد».

ولفت إلى أنه، في المقابل، فإن الحكومات «التي تركز على النتائج»، كتلك الموجودة في دول الخليج، التي تحكمها الملكيات، قد ازدهرت. وضرب براك مثلاً بتركيا وإسرائيل على الدول التي تنمو تحت قيادة «قادة أقوياء»، مشيراً إلى أنهما أحرزا تقدماً رغم الانتقادات الموجهة إليهما بشأن القيم الديمقراطية.

أشاد براك بـ«القيادة القوية» لإردوغان لتركيا (الرئاسة التركية)

وواصل براك: «تُظهر تركيا، التي يحكمها نظام جمهوري رئاسي مع انتخابات دورية متعددة الأحزاب، استقراراً وديناميكية اقتصادية ونفوذاً إقليمياً طموحاً بفضل القيادة القوية والمركزية للرئيس رجب طيب إردوغان؛ ومع ذلك، يصف النقاد نظامها بأنه نظام هجين ذو نزعات استبدادية قوية».

وتعرض براك لهجوم عنيف من جانب أحزاب المعارضة التركية على اختلاف توجهاتها، بسبب تصريحاته التي اعتبرت مناهضة للديمقراطية، إلى حد المطالبة بطرده من البلاد وإعلانه «شخصاً غير مرغوب فيه».

زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل طالب بطرد براك بعد تصريحاته التي عدّها إخلالاً بالديمقراطية (حساب الحزب في إكس)

وقال زعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، إن «تصريحات السفير الأميركي لا تليق في بلد أقامه مصطفى كمال أتاتورك على أساس الديمقراطية، ومن الوقاحة أن يأتي شخص إلى هنا ويتحدث بهذه الطريقة... ينبغي ألا يبقى في هذا البلد دقيقة أخرى ما لم يتراجع عن كلامه. لقد أصبح الآن (شخصاً غير مرغوب فيه) في ظل الديمقراطية التركية».

رفع العقوبات عن تركيا

من ناحية أخرى، جدد براك تأكيده أن تركيا قد تعود إلى برنامج إنتاج وتطوير المقاتلات الأميركية «إف - 35» في غضون أشهر، قائلاً إن تركيا لا تزال حليفاً رئيسياً، حيث تستضيف عناصر أميركية حيوية، وتساهم في مهام حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتواجه التهديدات المشتركة».

وأشار إلى أن العقوبات الأميركية المفروضة على تركيا واستبعادها من برنامج المقاتلات «إف - 35» بسبب حصولها على منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس - 400» أدت إلى توتر العلاقات بلا داعٍ، وأن روسيا استفادت من هذا الوضع.

يؤكد براك أن تركيا ستعود خلال أشهر إلى برنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية «إف - 35» (موقع شركة لوكهيد مارتن الأميركية)

وعدّ براك أنه «يمكن، بل يجب، حل مسألة (إس – 400) في غضون أشهر من خلال دبلوماسية دقيقة يقودها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو»، لافتاً إلى أن هذا الحل سيرتكز على «العلاقة الشخصية المتينة» بين الرئيسين إردوغان ودونالد ترمب.

وقال إن ما قصده هو أن اختراقات حقيقية ستحدث قريباً، تتمثل في إعادة ترسيخ دور تركيا في برنامج «إف - 35»، وتعزيز قابلية التشغيل البيني لحلف الناتو، ودعم الصناعة الأميركية، ومواجهة النفوذ الروسي، مضيفاً أن أي حل لقضية «إف - 35» سيتوافق مع التشريعات الأميركية ذات الصلة، وهذا يعني التأكيد على انتهاء وضع امتلاك واستخدام منظومة «إس - 400» الروسية، والمصادقة رسمياً من وزيري الدفاع والخارجية التركيين على عدم وجود أي خطر يهدد تكنولوجيا «إف - 35» الحساسة.

انتقادات أميركية

ولم يتعرض براك للهجوم والانتقادات من جانب المعارضة التركية فحسب، لكنه واجه أيضاً انتقادات لاذعة في الصحافة الأميركية بسبب تصريحاته في أنطاليا؛ إذ قالت صحيفة «وول ستريت جورنال»، في مقال رأي، الثلاثاء الماضي: «ينبغي على السفراء الأميركيين الدفاع عن سياسات الولايات المتحدة في البلدان التي يوجدون فيها، لا الدفاع عن تلك البلدان ضد هذه السياسات».

منظومة «إس - 400» الروسية حصلت عليها تركيا وتسببت لها في عقوبات أميركية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وأضافت: «دافع السيد براك عن بيع تركيا طائرات (إف – 35)، وفصل هذه المسألة عن حصول تركيا على منظومات الدفاع الجوي الروسية (إس – 400) رغم اعتراضات واشنطن، وخلط بين هذا وحصول اليونان على منظومات (إس – 300) الروسية في التسعينات لحل نزاع قبرص قبل وقت طويل من بدء العمل بقانون مكافحة خصوم أميركا بالعقوبات (كاتسا)».

كما انتقدت الصحيفة تصريح براك بشأن احتمال نشوب صراع بين تركيا وإسرائيل، قائلاً إن تركيا ليست دولة يستهان بها، متسائلة: «ماذا يعني هذا؟». وأضافت: «من الأجدر نصح السيد إردوغان بالكف عن مدح حركة (حماس) الفلسطينية».