مكتبة لإدوار الخراط في القاهرة... وجائزة سنوية باسمه

مثقفون أكدوا أن مشروعه الإبداعي واكبه جهد تنظيري يؤسس لأفكاره

لقطة من الاحتفالية
لقطة من الاحتفالية
TT

مكتبة لإدوار الخراط في القاهرة... وجائزة سنوية باسمه

لقطة من الاحتفالية
لقطة من الاحتفالية

في افتتاح مكتبته التي تضم آثاره الأدبية والنقدية بوسط القاهرة، اعتبر مبدعون ونقاد مصريون أن إدوار الخراط كان صاحب مشروع إبداعي متميز في السرد المصري والعربي الحديث، وكان يسعى إلى التأثير في الأجيال الأخرى، ويجعلها امتداداً له، ولتياره الأدبي.
وقال الروائي إبراهيم عبد المجيد: «إن الخراط لم يكن مجرد كاتب؛ بل علامة فارقة في الأدب العربي، وقد عرفنا إبداعاته مبكراً، كانت مدهشة ومختلفة، وهو واحد من أوائل المجددين بين كتاب جيل الستينات، مع كاتبي القصة: محمد حافظ رجب، ويوسف الشاروني، وكان أكثر ما يميزه اللغة الإبداعية التي كان يكتب بها، وقد عرف في سن مبكرة جداً العلاقة بين اللغة والكتابة، فالأولى لم تكن بالنسبة له إناء حاملاً للمعنى؛ لكنها في نظره كانت المعنى نفسه، فقد كانت كتابته عبارة عن صور ذات تركيبات خاصة، محمولة على لغة لا تنتسب لسواه».

الكاتب الروائي إدوار الخراط

تأثر عبد المجيد -حسب قوله- في شبابه بإبداعات إدوار الخراط، وكتب قصة يحذو فيها حذوه، كان عنوانها «شمس الظهيرة»، ونشرها في مجلة «الطليعة»، في بداية السبعينات، ثم توقف عن الكتابة حتى يتخلص من تأثيره، ويجد طريقه بعيداً عن تأثيرات الآخرين: «وكان إدوار الخراط واحداً منهم، ويدرك أن العالم يمضي إلى الأمام، وأنه لا يمكن لكاتب أن يلغي آخر أو يوقفه، من هنا كان موقفه مع كتاب القصة من أبناء جيل السبعينات، وكتب كتاباً مهماً عنهم، بعنوان (القصة في السبعينات)، دشن بها وجودنا».
من جهته، ذكر الناقد الدكتور صبري حافظ، أن إدوار الخراط كان واحداً من أبناء مرحلة الأربعينات؛ حيث تكون معرفياً في سياقها، وكان من أوائل خريجي جامعة الإسكندرية التي أسسها طه حسين عام 1942، وضمن أول دفعة تخرجت فيها، مع مصطفى صفوان، وعبد الحميد صبرة، ومصطفى بدوي، وجميعهم صاروا رموزاً في الثقافة والعلوم والنقد فيما بعد، وعملوا في عدد من جامعات أوروبا، مثل هارفارد وأكسفورد.
وكان لدى الخراط -حسب رأي حافظ- حساسية مغايرة تكونت لديه منذ فترة الأربعينات التي شهدت ظهور يوسف إدريس وسعد مكاوي، وغيرهما؛ لكن كتابة إدوار تميزت بخاصية قريبة جداً من كتابات عادل كامل، وهو واحد من أبناء جيل نجيب محفوظ، «وقد كتبت مقالاً تتبعت خلاله تلك الحساسية الرمزية المغايرة التي كان يمثلها كامل، الذي أرى أنه كان أهم من نجيب محفوظ حينما بدآ معاً، والدليل على ذلك أن رواية عادل كامل التاريخية (ملك من شعاع) لا تزال أفضل من روايات محفوظ التاريخية الثلاث المعروفة، وحين انتقل للرواية الواقعية، وكتب (مليم الأكبر) قدم عملاً يعتبر علامة إبداعية في تاريخ الأدب المصري، هذا إضافة لإسهاماته المهمة في القصة القصيرة والمسرح، وقد أشرت إلى ذلك في دراسة نشرتها قبل 58 عاماً».
وأشار حافظ إلى أنه في دراسته الطويلة التي كتبها عام 1969 عن إدوار الخراط، والتي نشرها في حلقتين بمجلة «الآداب» البيروتية بعنوان «أقصوصة الرغبات المحبطة» عن مجموعته القصصية «حيطان عالية» كان قد مر على صدورها عشر سنوات، وظل الخراط محافظاً على حساسيته المغايرة في كتاباته التي قدمها فيما بعد، وهي مرتبطة في جزء منها بعادات المجتمع القبطي المسيحي المصري وعاداته وتقاليده، وقد ظل الخراط كاتباً إشكالياً مثيراً لكثير من المشكلات، أما عن مساهمات الخراط النقدية فقد كانت من أجل الترويج للتيار الذي يكتب فيه. لم تكن كتاباته معيارية تلتزم بدرجة كبيرة بالخريطة الأدبية الأوسع، وبالتالي كان هناك كُتاب لا يلتفت إليهم، وكان إن كتب عنهم تأتي كتاباته سلبية جداً، وهو ما قام به عندما تصدى لإبداعات نجيب محفوظ، ومحفوظ كاتب كبير بالطبع بأي معيار، سواء كان محلياً، أو عالمياً؛ لكن نقد إدوار لصاحب «نوبل» كان يتسم بهذه الإشكالية التي تنتصر لطريقته في الكتابة، والتي كان يهدف منها أن يستمر أسلوبه ويسود، وهذا ما يتضح من طريقته في تقديم الأجيال الجديدة، وقد اختار منهم من كان يكتب بأسلوبه.
من جهته، قال الشاعر جمال القصاص، إن إدوار الخراط كان مغامراً مجدداً في شتى مناحي الإبداع، وذكرياته تظل ساطعة وحية لا تغيب، وقد تكون هي بذاتها ذاكرة خاصة له «كمبدع كبير»، لم يترك مجالاً إلا وكتب فيه، بما في ذلك الشعر، وقد قدم مجموعة شعرية. اللغة عند الخراط لم تكن ثمرة من ثمرات الطفولة فحسب؛ لكنها كانت صورة منحوتة سردياً، تبرز علاقته بالفن التشكيلي، وتظهر ما وراءها من فراغ وخطوط مبهمة، وتكوينات بارزة وغامضة، تشاكس الصمت والعمق معاً. كان يستحلب اللغة، ويطاردها إلى أقصى مفرداتها ومرادفاتها بقوة الصورة البصرية، وكان هدفه الكشف عما تحتويه المفردة الشعرية من أشياء تكمن فيما وراء الإدراك المادي الملموس، ما وراء النطق والسمع والبصر. هذه البصيرة المتقدة بالكتابة والوعي بجمالياتها، هي التي جعلتنا كأبناء لجماعة «إضاءة» الشعرية نتواصل معه، وهو الذي أطلق علينا جيل السبعينات، وكان المحفز الأساسي وراء كل ما قدمناه من إبداعات وحراك ثقافي على مختلف الأصعدة.
ولفت القصاص إلى فكرة «الإصاتة» واللعب على جماليات الحرف شعرياً، وهي الفكرة التي مارسها في بعض قصائده، وأيضاً رفيقاه الشاعر حلمي سالم وحسن طلب. لقد استعرناها من كتابات إدوار الخراط وغرامه اللغوي الباذخ. كانت لعبة شعرية مغوية ومهمة جداً، ضمن نسق شعر التفعيلة.
أضاف القصاص أن «أجمل ما تعلمناه من إدوار الخراط أنه كان يمنحنا الثقة بالذات وبكينونتنا المبدعة، ولم يكن يفعل ذلك مع الشعراء فقط؛ لكنه أيضاً يدعم الفنانين وكثيراً من المشتغلين بالهم الثقافي العام».
أما الكاتب منتصر القفاش، فقد بدأ بالحديث عن أول لقاء جمعه ومجموعة من زملائه بإدوار الخراط، والذي كان قد نحت مصطلح «القصة القصيدة» في دراسته عن يحيي الطاهر عبد الله. وقتها شعر القفاش وزملاؤه بأن هذا المصطلح يفتح الباب أمام نوع آخر من السرد: «فقررنا أن تتضمن مجلة كنا قررنا طباعتها حوارين: مع إدوار الخراط، والناقد الكبير سيد البحراوي، لنقدم على أساسهما نظرتين مختلفتين للقصة القصيرة. وقد كان حوارنا معه هو أساس الفصل الذي تضمنه مؤلفه (الكتابة عبر النوعية)، وقد أشار فيه إلى لقائنا معه الذي كان أشبه بورشة نقدية مصغرة. وقد كان من الكتاب الذي يرون أنه يجب على المبدع أن يبلور آراءه النقدية، ويكون له موقف نقدي من الكتابة والإبداع، لذلك كان مهموماً طوال الوقت بالكتابة عن الآخرين، أو طرح رؤيته للقصة والرواية والشعر. وليس غريباً تعدد التسميات التي كان يقترحها الخراط؛ سواء لنصوصه أو لنصوص الآخرين، مثل: متتالية قصصية، وكولاج روائي، ونزوات روائية. وقد يبدو هذا ظاهرياً به نوع من التكلف؛ لكن الذي يمعن النظر سوف يجد أن الخراط يريد طول الوقت من القارئ أن يعيد النظر في النوع الأدبي وفي إمكاناته، وخصائصه، وما هو معروف عنه، وقد كانت تجربته الإبداعية يتداخل فيها الواقع والحلم والأسطورة، واللغة التقريرية والشعرية، والوصف الحسي الدقيق للتفاصيل التي يمكن أن تشكل في كتاباته لوحات مستقلة، تجعل القارئ يستمتع بوصفه لأي شيء، بما فيها آثار العصافير على الرمال، وقد فعل ذلك في مجموعته القصصية (اختناقات العشق والصباح)، وفيها يختلط الوصف الحسي بالرؤى الصوفية، وهي سمة يتميز بها الخراط في كل كتاب من مؤلفاته؛ حيث يتعايش القارئ مع (اللاحدود). لم يكن إدوار يعرف التمهيد، ولا يمنح القارئ فرصة لالتقاط أنفاسه؛ بل كان يقدم عجينة سردية يتداخل فيها كثير من الأزمنة والمستويات، في رحلة إبداعية كانت بلا ضمانات ولا خرائط».
من جهته، تحدث الدكتور إيهاب الخراط، النجل الأكبر لإدوار الخراط، مستعرضاً ما تتضمنه المكتبة من ذخائر ومقتنيات ومؤلفات، وكتب مترجمة، فضلاً عن مخطوطاته من الروايات والقصص ومسوداتها، والكتب والأعمال التي ترجمها، ورسائل الدكتوراه والماجستير التي كُتبت عن إبداعاته، وقال إنه تقرر إتاحتها جميعاً للدراسة والتعرف عليها ودراستها.
وأعلن إيهاب -بناء على مقترحات من الحضور- إطلاق جائزة للخراط، تهتم بالكتابات الطليعية الشابة المجددة، وأنه سوف يتم الإعلان عن الفائزين بها في احتفال يقام سنوياً بالمكتبة، في يوم ميلاد إدوار الخراط.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

جاد أبو علي لـ«الشرق الأوسط»: في دور «رالف» أكشف الوجه الآخر لبعض «التيكتوكرز»

في «بالحرام» يتقمص شخصية «التيكتوكرز رالف» (جاد أبو علي)
في «بالحرام» يتقمص شخصية «التيكتوكرز رالف» (جاد أبو علي)
TT

جاد أبو علي لـ«الشرق الأوسط»: في دور «رالف» أكشف الوجه الآخر لبعض «التيكتوكرز»

في «بالحرام» يتقمص شخصية «التيكتوكرز رالف» (جاد أبو علي)
في «بالحرام» يتقمص شخصية «التيكتوكرز رالف» (جاد أبو علي)

يطلّ الممثل جاد أبو علي في الموسم الرمضاني بشخصيتين متناقضتين في مسلسلي «بخمس أرواح» و«بالحرام». ففي الأوَّل يُجسِّد دور «ريان»، الابن المدلّل لرجل أعمال ثري، في شخصية تحمل كثيراً من الترف والغموض وتكشف تدريجياً عن أبعاد نفسية وإنسانية متشابكة.

أما في «بالحرام» فيقدّم شخصية مختلفة تماماً، إذ يتقمّص دور «رالف» المعروف بـ«الدكتور فان»، وهو «تيكتوكر» ينتمي إلى شبكة مافيا تستدرج الشباب وتوقعهم في فخاخها لخدمة مصالحها المشبوهة، في شخصية مركَّبة تجمع بين الكاريزما والخطورة وتضع الممثل أمام تحدٍ أدائي مختلف تماماً عن دوره الأول.

يؤدي جاد الدورين بحرفية لافتة، متنقلاً بسلاسة بينهما، ما يضفي متعة خاصة على متابعة أدائه.

وكان جاد أبو علي قد اعتذر عن عرض تمثيلي في عمل درامي معرّب، بعدما كان قد ارتبط مسبقاً بالمشاركتين المذكورتين. فكيف صدف اختياره لمسلسلين رمضانيين بعد غياب عن الشاشة؟ يردّ لـ«الشرق الأوسط»: «غيابي كان بسبب انشغالي بأعمال أخرى خارج لبنان، متنقلاً بين مصر وتركيا. وقررت هذا العام العودة إلى الدراما اللبنانية، لا سيما أن العرضين اللذين تلقيتهما يلبِّيان تطلعاتي بصفتي ممثلاً».

يتحدّث جاد أبو علي عن دوره في «بالحرام» بشغف واضح، مؤكداً أنّ شخصية «رالف»، المعروف بـ«الدكتور فان»، يقدِّمها بحماسة كبيرة. ويشرح: «سبق أن تعرَّفت إلى عدد من المؤثرين المشهورين على وسائل التواصل الاجتماعي، واكتشفت وجهاً آخر لهم، وجهاً مجبولاً بالفساد والشر. بعضهم يختبئ وراء الشهرة ليخفي ماضياً أسود. ومن خلال (رالف) وظَّفت هذه المعطيات لكشف حقيقة بعض صانعي المحتوى على (تيك توك)، وحملت مسؤولية إيصال رسالة توعوية بشأن هذه الظاهرة».

يصف دوره في «بالحرام» بمسؤولية إيصال رسالة توعوية (جاد أبو علي)

ويتابع: «منذ سنوات طويلة أحمل هذه القضية على عاتقي، وهي تتصدر منشوراتي عبر منصاتي الاجتماعية، حيث أحذّر متابعي من عصابات تشبه إلى حد كبير الشبكة التي يعمل ضمنها رالف في المسلسل».

وعن سؤال عمَّا إذا كان قد تأذَّى شخصياً من هؤلاء، يوضح: «لست أنا من تأذّى، بل مقرّبون مني. وعندما قرأت دوري في (بالحرام) وجدته مناسباً لخدمة هذه القضية. استعنت ببعض ما خزَّنته عن شخصياتهم الحقيقية، ورسمت للدور ملامح أساسية مستوحاة من الأقنعة التي كانوا يرتدونها لإخفاء مرضهم النفسي وحبّهم لأذية الآخرين».

ويرى جاد أنّ التحدي في الدور لم يكن في صعوبته التقنية بقدر ما كان في حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه لتقديمه في الإطار الصحيح. ويضيف: «كان ضرورياً أن أؤدّيه بدقة بحيث يكرهني المشاهد. عندها فقط أكون قد نجحت في إيصال الرسالة».

في «بخمس أرواح» يقدّم جاد أبو علي تجربة درامية مختلفة تماماً. فمن خلال شخصية «ريان»، يقدّم أداءً يتدرّج بسلاسة بين النعومة الظاهرة والقلق الدفين، ليكشف تباينات الشخصية وأبعادها.

فريان الذي يبدو في بداياته أسير حياة مترفة ومحصّنة بالنفوذ والمال، سرعان ما تتصدَّع هذه القشرة البراقة عندما تهتزّ ركائز أمانه، ليتجه بالشخصية نحو منعطف درامي حاد يبدِّل ملامحها بالكامل.

هذا التحوّل الجذري، الناتج عن خوف «ريان» من خسارة حياته الفخمة وما تمثّله له من سلطة وهوية، يقدّمه جاد بصدق، فيجعل المشاهد يتماهى معه ويصدّق انكساره. وهكذا ينجح في رسم مسار داخلي للشخصية ينتقل بها من سطحية الرفاه إلى هشاشة الإنسان حين يشعر بأن كل ما اعتاده مهدّد بالانهيار.

ويعلّق جاد: «إن شخصية (ريان) غير نمطية وتعيش حالة صراع حقيقية. فهو يشاهد حياته المرفهة تُسلب منه، ومسؤوليته تتطلب إنقاذ عائلته من الانهيار. فبعد ممارسته العنجهيّة يتجه نحو الدبلوماسية. وفي الوقت نفسه يعاني من الملل، لأنه رغم كل الثراء الذي كان يعيشه لم يشعر يوماً بالسعادة. وفي الحلقات المقبلة سنرى نقلة واضحة له في هذا الإطار».

ويشيد أبو علي بتجربته في «بخمس أرواح»، لا سيما أنها ليست الأولى مع شركة الصبّاح للإنتاج. فهو سبق أن شارك في بداياته معها في مسلسل «تشيللو» عام 2014.

في «بخمس أرواح» يجسّد شخصية الابن المدلل لرجل ثري (جاد أبو علي)

ويتابع: «استمتعت بتعاوني مع مخرج (بخمس أرواح) رامي حنا. استغللت كل دقيقة عمل لأتزود بخبراته، فهو مخرج مبدع، وهدوؤه في موقع التصوير ينعكس راحة على الممثل، فيولّد شراكة مميزة».

ويشير إلى أن علاقة أخوية نشأت بينه وبين الممثل قصي الخولي، ويستطرد: «التجربة برمّتها كانت رائعة، لا سيما أنها تحمل في طياتها مسؤولية المنافسة في شهر رمضان».

ويصف جاد خياراته اليوم في الأدوار التي يؤديها بأنها نابعة من حرصه على تقديم الجديد، ويقول: «يجب أن تحمل إضافة لي وللجمهور، وإلا فلن أخوض تجربة تذكّر الناس بأدوار سبق أن قدّمتها. هذا التوازن بين خياراتي ورغبة الجمهور أحاول الحفاظ عليه قدر الإمكان. وتلعب المهنية دوراً أساسياً في مسيرة الممثل».

ومن المسلسلات التي يتابعها في الشهر الفضيل «مولانا»، إذ يستمتع بمتابعة أداء كلٍّ من تيم حسن ونور علي، التي يصفها بأنها صديقة وزميلة عزيزة. كما يشاهد من وقت لآخر «مطبخ المدينة»، و«أنا وهي وهي»، و«سوا سوا»، وغيرها من الأعمال التي يشارك فيها أصدقاء كثر له.

ويضيف: «أعمال رمضان هذا العام رائعة وتشرح القلب، ومن بينها (المحافظة 15) الذي يحقق نجاحاً ملحوظاً. وأحرص على تهنئة كثيرين لأنهم يستحقون الإشادة بأدائهم والجهد الذي يبذلونه».

وعن سؤال عمّا إذا كان يتلقى بدوره التهاني من زملائه، يردّ: «لا أتوقف كثيراً عند هذه الأمور. هناك زملاء على اتصال دائم معي، وأعذر غيرهم لانشغالاتهم».

ويصف جاد أبو علي نفسه بأنه صاحب شخصية تميل إلى الانطوائية، إذ يفضّل الابتعاد عن الأضواء وعدم الانخراط في نشاطات ومناسبات فنية كثيرة.

ويقول: «لا تهمني الشهرة أو زيادة عدد متابعي على وسائل التواصل الاجتماعي. أنأى بنفسي عن المشكلات وأكتفي بمحبة الناس التي تشعرني بالرضا. فالفنان يحمل مسؤولية تأثيره على الآخرين. وهو يشبه السياسيين إلى حد ما، لأنه يستطيع التأثير في جمهور كبير بأفكاره ومبادئه. هذا الأمر يعنيني مباشرة، وأسعد عندما ألمس هذا القرب بيني وبين الناس».


«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
TT

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)

كان دخول الدراما الكورية وموسيقى الـK-Pop (كي بوب) إلى قلوب الناس حول العالم سريعاً. سبقَ التبنّي الجماهيري لتلك المسلسلات والأغاني الناطقة بلغةٍ غير مفهومة، اعترافَ المحافل الفنية العالمية بالصناعة الترفيهية الكورية الجنوبية.

لكن خلال السنوات القليلة الماضية، توالت الإنجازات الدرامية والموسيقية الكورية على منابر عريقة مثل حفلَي جوائز «إيمي» و«غرامي». من فريق BTS الغنائي المحبوب، مروراً بمسلسل «لعبة الحبّار Squid Game»، وليس انتهاءً بفيلم «فرقة البوب الكورية: صائدات الشياطين K-Pop Demon Hunters».

K-Pop Demon Hunters أحدث إنجازات الآلة الترفيهية الكورية (نتفليكس)

الـ«كي بوب» إلى الأوسكار

هذا الفيلم الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وحقق أرقاماً مليونيّة عليها، يتّجه صوب الأوسكار منافساً على جائزتَين: أفضل فيلم رسوم متحركة وأفضل أغنية. وإذا جاءت الجائزتان أو إحداهما من نصيب الفيلم، فإنه سيحقق بذلك إنجازاً تاريخياً للبوب الكوري في هوليوود.

كل الذين تبنّوا الموسيقى الكورية أو أيّ محتوى ترفيهي آتٍ من سيول، وهُم بمعظمهم من «الجيل زد»، يظنّون أنّ تلك الظاهرة حديثة العهد. لكن فيلم «صائدات الشياطين» حَرص في مقدّمته على التذكير بأنّ لهذا الفنّ رائدات مؤسِّسات. في مشهدٍ افتتاحيّ يرجع الفيلم 65 سنة إلى الوراء، ليقدّم تحية مصوّرة إلى فريق «الشقيقات كيم The Kim Sisters».

إعدامات ولجوء وجوع

ألهمَت تلك الفتيات الثلاث أجيالاً من مغنّي البوب الكوري، بمَن فيهم البطلات الافتراضيات لفيلم «صائدات الشياطين». فمَن هنّ «الشقيقات كيم» اللواتي أسّسن البوب الكوري وصدّرنه إلى العالم، قبل حتى أن يصير اسمه K-Pop؟ وكيف تحوَّلت حكايةُ القهر التي طلعن منها إلى قصة مجدٍ على الأراضي الأميركية؟

بدأ كل شيء في مطلع خمسينيات القرن الماضي، بينما كان الاجتياح الكوري الشمالي يعصف بكوريا الجنوبية. وجدت المغنّية الشهيرة لي نان يونغ نفسها بلا مالٍ ولا مأوىً، بعد إعدام زوجها المايسترو كيم ها سونغ على أيدي قوات كوريا الشمالية. لم تكن يونغ بمفردها، بل كانت مسؤولة عن أولادها السبعة، ومن بينهم ابنتَاها سو وآيجا، وابنة عمّهما ميا التي توفّي والدُها الموسيقيّ هو الآخر فتبنّتها يونغ.

في المخزن الذي لجأت إليه بعد أن أحرق الشماليون بيتها، عاشت يونغ وأولادها في مساحة ضيّقة مع 22 شخصاً لا تربطها بهم أي صِلة. أمضوا أياماً من دون طعام وتشاركوا الحمّام ذاته مع اللاجئين الآخرين، وفق ما توثّق سو كيم في حوار مع منصة «هيستوري». بقيت الأوضاع على حالها إلى أن حلّ يونيو (حزيران) 1950 وجلبَ معه الجيش الأميركي إلى سيول، بعد أن انضمّت واشنطن إلى الحرب الكورية مسانِدةً الجنوبيين.

الشقيقات كيم كما ظهرن في فيلم K-Pop Demon Hunters (يوتيوب)

سو وآيجا وميا يغنّين للمارينز

وجدت يونغ الخلاص في «المارينز» فاسترجعت صوتها وبدأت بإقامة الحفلات في المخيّمات العسكرية الأميركية. سرعان ما جلبَ ذلك طعاماً إلى المائدة وسدّ جوع الأولاد، فالجنود كانوا يقدّمون لها صناديق المشروبات الكحولية بدلاً عن أتعابها فتستبدلها بالأرزّ والمواد الغذائية في السوق السوداء.

من السوق السوداء، أحضرت يونغ كذلك أسطوانات لأغانٍ أميركية معروفة. من بين الأولاد انتقت سو وآيجا وميا لتدرّبهنّ على حفظ تلك الأغاني من دون أي معرفةٍ للّغة الإنجليزية. وهي أيضاً لم تكن تنطق بتلك اللغة. كانت الفتيات حينها بين الـ8 والـ9 من العمر، لكنّ ذلك لم يَحُل دون اعتلائهنّ الخشبة والغناء والعزف أمام الجنود.

الشقيقات سو وآيجا وميا كيم (إنستغرام)

المنتج الأميركي في كوريا من أجلهنّ

بآلاتهنّ الموسيقية المتعددة وأصواتهنّ البريئة، لفتن الأنظار والأسماع وأيقظن الحنين إلى الأرض رغم اللكنة الكورية في أداء الأغاني. كبرت الفتيات بين صفوف الجنود واحتكرن الترفيه الفنيّ عنهم، فاستحققنَ اسماً رسمياً عام 1953: The Kim Sisters أي «الشقيقات كيم».

استمرت الحال هذه حتى 1958 وكانت قد بلغت شعبية الأخوات الثلاث ذروتها بين الجنود، الذين خطّوا رسالة للمنتج الأميركي طوم بال مطالبين إياه بزيارة كوريا الجنوبية لمشاهدة عرضٍ للفرقة. لبّى بال الطلب، وكما جنود بلاده، أُعجب كثيراً بهنّ فقدّم لهنّ عقدَ عمل في الولايات المتحدة.

تميزت الشقيقات كيم في الغناء والعزف على آلات متعددة (إنستغرام)

من لاس فيغاس إلى التلفزيون

تأخّر الحصول على فيزا لكن بحلول 1959، حطّت الشقيقات كيم رحالهنّ في لاس فيغاس. بدأت هناك رحلة الغناء في الفنادق من دون أي ضمانات لناحية الحصول على إجماع الحاضرين. فالجنود الأميركيون في كوريا الجنوبية تعلّقوا بهنّ لأنهن جلبن إليهم نفحةً من هواء الوطن، لكنّ التحدّي في لاس فيغاس كان التميّز بين عشرات الفنانين الأميركيين والعالميين الذين لا يتعثّرون في اللغة الإنجليزية.

لم تكن المهمة صعبة، إذ أسرت الفتيات قلوب الجماهير، وسرعان ما انتقلن من فنادق لاس فيغاس وقاعات الرقص فيها، إلى شاشات التلفزة الأميركية. ظهرن في 22 حلقة من «برنامج إد سوليفان» والذي كان يُعدّ الأكثر جماهيريةً حينذاك. بالزيّ التقليديّ الكوريّ أو الـ«هانبوك»، كرّرن الإطلالات التلفزيونية إلى أن بتنَ وجوهاً وأصواتاً معروفة على امتداد الولايات الأميركية.

قصة نجاح أو دعاية سياسية؟

غير أنّ الرحلةَ لم تَخلُ من الصعوبات، فالشقيقات كيم واجهنَ العنصريّة حيال العرق الآسيويّ والنظرة الدونيّة تجاه المرأة ذات البشرة الصفراء. مع ذلك، هنّ تصدّرن أغلفة أهمّ المجلّات كـ«نيوزويك» و«لايف»، وأصدرن ألبومهنّ الأول عام 1963 ليصبحن بذلك أول فريق آسيوي ينتج الموسيقى داخل الأراضي الأميركية.

كانت المنفعةُ متبادلة، فمع تراجع الدعم الشعبي الأميركي للحرب الكورية، جرى استخدام قصة نجاح الشقيقات كيم كبروباغندا أو دعاية سياسية ساعدت في تبرير القرار الأميركي بالدفاع عن كوريا الجنوبية. كما شكّلن الدليل القاطع على أنّ تحقيق «الحلم الأميركي» ليس مستحيلاً، مما أدّى إلى نشوء ظواهر مشابهة في سيول من دون أن تحقّق النجاح ذاته.

الشقيقات كيم على غلاف مجلة «لايف» عام 1960 (إنستغرام)

جدّات الكي بوب

في حوارها مع «هيستوري» عام 2019، أي بعد 44 سنة على اعتزال الفريق، تقول سو كيم إنها «متأكدة من أن الشقيقات كيم مهّدن الطريق أمام نجوم الـK-Pop الحاليين».

صحيح أنّ الموسيقى الكورية المعاصرة لا تُشبه في شيء ما كانت الشقيقات يقدّمنه، غير أنّ ثمة نقاطاً مشتركة. تجتمع النسختان القديمة والجديدة على مسار المثابرة والقصة الملهمة التي يطلع منها الفنانون. كما أنّ المظهر الموحّد أساسي في الإطلالة. ليست الأصوات الجميلة مهمة بقَدر أهمية الصورة البرّاقة والقدرات الاستعراضية.

ليس مُستغرباً إذن أن تؤدّي بطلات «صائدات الشياطين» التحيّة لجدّاتهنّ «الشقيقات كيم»، وذلك نيابةً عن سائر نجوم الكي بوب الذين يغزون العالم بأغانيهم ورقصاتهم وألوانهم.


97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.