هدوء حذر على وقع تعزيزات روسية وتركية شمال سوريا

أنقرة تطالب حلفاءها بوقف دعم «قسد»... وتتمسك بانسحاب القوات الكردية من شريط حدودي بعمق 30 كلم

مخيم للنازحين قرب معبر باب السلامة على الحدود السورية - التركية يوم الاثنين الماضي (د.ب.أ)
مخيم للنازحين قرب معبر باب السلامة على الحدود السورية - التركية يوم الاثنين الماضي (د.ب.أ)
TT

هدوء حذر على وقع تعزيزات روسية وتركية شمال سوريا

مخيم للنازحين قرب معبر باب السلامة على الحدود السورية - التركية يوم الاثنين الماضي (د.ب.أ)
مخيم للنازحين قرب معبر باب السلامة على الحدود السورية - التركية يوم الاثنين الماضي (د.ب.أ)

بينما ساد الهدوء وتراجعت حدة الهجمات التركية على مواقع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في شمال وشمال شرقي سوريا، لوحظ أن القوات الروسية وقوات النظام السوري، بالإضافة إلى قوات «قسد» والميليشيات الإيرانية، استقدمت تعزيزات إلى أرياف حلب (شمال سوريا) في مقابل تعزيزات ضخمة موازية دفع بها الجيش التركي إلى إدلب المجاورة. وجاء ذلك وسط معلومات عن تمسك أنقرة بانسحاب قوات «قسد» التي يهيمن عليها الأكراد، من شريط حدودي بعمق 30 كلم داخل سوريا، ورفضها عرضاً روسياً بنشر قوات النظام مكانها.
وبموازاة هذه التطورات الميدانية، دعت تركيا حلفاءها إلى وقف تقديم دعم إلى «وحدات حماية الشعب» الكردية، أكبر مكونات «قسد». وقال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إنه ينبغي على البعض من حلفاء أنقرة وقف دعم «التنظيمات الإرهابية» في سوريا، في إشارة إلى الدعم الأميركي لـ «قسد» كحليف في الحرب على «تنظيم داعش» الإرهابي في سوريا. وأضاف جاويش أوغلو، خلال مشاركته في اجتماع وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي (ناتو) في العاصمة الرومانية بوخارست الأربعاء، أن «دعم بعض حلفائنا وعلى رأسهم الولايات المتحدة للتنظيمات الإرهابية في سوريا واضح للعيان، ونؤكد ضرورة وقف هذا الدعم».
بدوره، رفض مندوب تركيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فريدون سينيرلي أوغلو، الانتقادات الموجهة إلى العمليات التي تقوم بها بلاده شمال سوريا ضد «قسد». وقال إن «تغيير اسم تنظيم إرهابي إلى ديمقراطي (في إشارة إلى تحالف قوات سوريا الديمقراطية) هو إهانة للديمقراطية». وأضاف، في كلمة أمام مجلس الأمن الدولي ليل الثلاثاء - الأربعاء، أن قوات «التنظيم الإرهابي»، في إشارة إلى «الوحدات» الكردية، تصول وتجول في شمال سوريا، وهو ما يشكل تهديداً مصيرياً للأمن القومي التركي، لافتاً إلى استهدافها حدود تركيا مراراً خلال العامين الأخيرين، وتبنيها علناً تلك الهجمات عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي.
وذكّر الدول المنتقدة لعمليات تركيا شمال سوريا في مجلس الأمن بالتفجير الإرهابي الذي وقع في شارع الاستقلال بمنطقة تقسيم في إسطنبول في 13 نوفمبر (تشرين الثاني)، وأسفر عن مقتل 6 أشخاص وإصابة 81 آخرين، والهجمات التي طالت ولاية غازي عنتاب الحدودية مع سوريا بقذائف مصدرها مواقع «قسد». وشدد على أن تركيا ستواصل عمليات مكافحة الإرهاب بموجب «الحق المشروع للدفاع عن النفس» الوارد في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن الدولي. ووصف التصريحات الأميركية القائلة إن عمليات تركيا ضد «قسد» ستؤثر سلباً على مكافحة «تنظيم داعش» الإرهابي بأنها منفصلة عن الواقع، معتبراً أن الحقيقة هي أن «داعش» لا يزال يشكل تهديداً للدول المجاورة بسبب الأخطاء والاستراتيجيات الخاطئة لأولئك الذين يطلقون مثل هذه التصريحات. وأكد أن تركيا حذّرت مراراً من أنه لا يمكن مكافحة «داعش» عبر استخدام تنظيم إرهابي آخر (قسد)، مشيراً إلى أن «قوات سوريا الديمقراطية» هي نفسها «وحدات حماية الشعب» الكردية و«حزب العمال الكردستاني»، مضيفاً أنه مهما تم تغيير اسم التنظيم فإن ذلك لا يغيّر حقيقة نياته.
ورداً على تصريحات المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، بأن «قسد لم يتبن تفجير إسطنبول»، قال سينرلي أوغلو: «للأسف سمعنا اليوم إشارة إلى بيان ما يسمى بـ(قسد)، الذي ينكر فيه مسؤوليته عن التفجير الإرهابي بإسطنبول، وهذا الأمر بمثابة رش للملح على الجرح، لا يمكن قبول الإشارة إلى بيان تنظيم إرهابي في مجلس الأمن». ودعا المندوب التركي قوات النظام السوري إلى إنهاء هجماتها البرية والجوية في إدلب، وإسرائيل إلى التوقف عن شن غارات جوية على دمشق وحمص وحماة واللاذقية.
بالتوازي، قالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إنها خفضت عدد الدوريات المشتركة شمال سوريا مع «قوات سوريا الديمقراطية» بعد ضربات تركية في المنطقة وقبل هجوم بري تخشاه من جانب تركيا. وقال المتحدث باسم «البنتاغون»، باتريك رايدر، إنه بينما لم تتوقف العمليات ضد «تنظيم داعش» فقد تعيّن تقليص الدوريات لأن «قسد» خفضت عدد الدوريات الخاصة بها. وأضاف رايدر أن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن سيتحدث مع نظيره التركي قريباً.
وكان قائد «قسد»، مظلوم عبدي، أعلن منذ أيام التوقف عن تسيير الدوريات المشتركة مع القوات الأميركية بسبب انشغال قواته بالتصعيد التركي.
- رفض تركي
في الوقت ذاته، أفادت مصادر تركية بأن أنقرة أبلغت الجانب الروسي عدم قبولها انتشار قوات النظام في مناطق «قسد» كضمانة لعدم شن العملية العسكرية لأنها ترى أن هذا الانتشار يبقى شكلياً، وأن ما تطالب به تركيا هو انسحاب «قسد» إلى مسافة 30 كيلومتراً بعيداً عن حدودها الجنوبية.
ونقلت وسائل إعلام تركية عن تلك المصادر أن أنقرة تتمسك بإخراج قوات «قسد» من مناطق النفوذ الروسي شمال سوريا، وأنها لن تتنازل عن انسحاب تلك القوات لمسافة 30 كيلومتراً.
وبشأن شكوى الولايات المتحدة من تعرض جنودها للخطر بسبب العمليات التركية، قالت المصادر إن الجانب الأميركي أبدى تفهمه لمطالب تركيا المتعلقة بأمنها، وإن المعلومات المتوافرة لدى تركيا تشير إلى أن الجنود الأميركيين انسحبوا من بعض المواقع. وأكدت أن العملية العسكرية التركية المرتقبة ستنفذ «بشكل دقيق» ومن دون أي تهديد لسلامة القوات الأميركية والروسية.
- تعزيزات متبادلة
ميدانياً، أنشأت القوات الروسية نقطة عسكرية جديدة في قرية تل جيجان، ضمن مناطق انتشار «قسد» والنظام في ريف حلب الشرقي، ورفعت العلم الروسي عليها، وقامت بنشر المدافع الميدانية في محيط النقطة. وقرية تل جيجان متاخمة لقرية عبلة بريف الباب شرق حلب، الخاضعة لسيطرة القوات التركية والفصائل الموالية لها والتي توجد فيها قاعدة عسكرية تركية. وبحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، أرسلت القوات الروسية تعزيزات عسكرية شملت عشرات الجنود ومدافع ميدانية بعيدة المدى ومواد لوجستية، مشيراً إلى أن هذه تعد المرة الأولى التي تنتشر فيها القوات الروسية على خطوط التماس مع القوات التركية.
في الوقت ذاته، أرسلت قوات النظام ومسلحون موالون لإيران من بلدتي نبل والزهراء، تعزيزات عسكرية مساء الثلاثاء، تضمنت دبابات «تي 90» حديثة، وناقلات جند ومئات من الجنود. وانتشرت هذه التعزيزات على طول خطوط التماس مع فصائل «الجيش الوطني السوري» الموالي لأنقرة في ريف حلب الشمالي. وتعد التعزيزات الجديدة الأضخم منذ إطلاق تركيا عمليتها الجوية «المخلب - السيف» مساء 19 نوفمبر (تشرين الثاني).
وأفاد «المرصد السوري» من قبل بدخول تعزيزات عسكرية روسية إلى قاعدة صرين جنوب عين العرب (كوباني)، وقاعدة «السعيدية» العسكرية غرب مدينة منبج شرق حلب، بعد أقل من 48 ساعة على بدء العملية الجوية التركية. وبالإضافة إلى ذلك، تجولت دورية عسكرية للقوات الروسية في ريف تل أبيض شمال الرقة، الأربعاء، لتفقد مواقع قوات النظام في قرية متين كوشكار بريف تل أبيض الغربي للوقوف على الوضع في المناطق التي طالها القصف التركي.
في المقابل، دفع الجيش التركي بتعزيزات ضخمة جديدة من ضمنها رتل عسكري مؤلف من 50 آلية من مدرعات وناقلات جند وشاحنات مغلقة محملة بالمواد اللوجيستية والأسلحة إلى النقاط العسكرية التركية في إدلب. وأوضح «المرصد السوري» أن الرتل ضم ضباطاً جاءوا لتفقد النقاط المنتشرة في منطقة خفض التصعيد في إدلب، والاطلاع على جاهزيتها حال وقوع أي طارئ.
- هدوء ميداني
في غضون ذلك، سيطر هدوء حذر على طول خطوط التماس بين القوات التركية وفصائل «الجيش الوطني» الموالية لها، وقوات «قسد» والنظام في أرياف حلب وعين العرب (كوباني) والرقة، وشمال وشمال غربي الحسكة، باستثناء بضع قذائف واستهدافات متبادلة بالأسلحة الفردية بين العناصر. واستهدفت قوات «قسد»، بعد منتصف ليل الثلاثاء - الأربعاء، بصواريخ عدة، نقاط الفصائل في منطقة عنيق الهوى بريف تل تمر، وجرى قصف متبادل لفترة قصيرة. كما نفذت القوات التركية، مساء الثلاثاء، جولة من القصف على مناطق سيطرة «قسد» في شمال وشرق سوريا، شملت قرى شيخ فاطمي وحميدية بريف أبو رأسين الشرقي شمال الحسكة، بالإضافة إلى قرية تل اللبن جنوب غربي تل تمر وقرية الشور بريف أبو رأسين شمال غربي الحسكة. وقصفت القوات التركية أيضاً مناطق في عين العرب شمال شرقي حلب بالمدفعية الثقيلة.
وفي الرقة، استهدفت القوات التركية والفصائل الموالية لها قريتي زنوبيا وأبو صرة غرب عين عيسى.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الجامعة العربية: قضية «الجنوب اليمني» لن تُحل إلا بالحوار

اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في شهر سبتمبر الماضي (الجامعة العربية)
اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في شهر سبتمبر الماضي (الجامعة العربية)
TT

الجامعة العربية: قضية «الجنوب اليمني» لن تُحل إلا بالحوار

اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في شهر سبتمبر الماضي (الجامعة العربية)
اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في شهر سبتمبر الماضي (الجامعة العربية)

شدّد المتحدث باسم الأمين العام لجامعة الدول العربية، المستشار جمال رشدي، على أهمية «الحوار اليمني - اليمني» لمعالجة قضية جنوب اليمن، مؤكداً أن هذا هو السبيل الوحيد لحلها وليس من خلال «فرض الأمر الواقع».

وأشار المستشار رشدي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى ثوابت الجامعة العربية تجاه اليمن، قائلاً: «الأساس هو دعم الشرعية والحفاظ على وحدة اليمن»، إلى جانب «دعم التحالف العربي الذي أنشئ لدعم الشرعية اليمنية». وأضاف: «هذه ثوابت الجامعة العربية منذ أكثر من عقد».

وأشاد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة بتجاوب المملكة العربية السعودية مع دعوة المجلس الرئاسي اليمني لعقد مؤتمر شامل لبحث الحلول العادلة لقضية الجنوب، وقال: «السعودية تعد الطرف الأهم في المعادلة اليمنية، وكان طبيعياً أن ترحب الجامعة العربية بهذا المؤتمر».

وكانت السعودية قد أعلنت، السبت، ترحيبها بطلب رئيس مجلس القيادة اليمني عقد مؤتمر شامل في الرياض يجمع المكونات الجنوبية كافة «لبحث الحلول العادلة للقضية الجنوبية».

وعاد التصعيد للساحة اليمنية في الآونة الأخيرة بعد تحركات عسكرية نفذها المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي حضرموت والمهرة بشرق اليمن، في خطوة أدانتها السعودية التي دعت المجلس الانتقالي للمغادرة العاجلة للمحافظات الشرقية، قبل أن تعود المحافظتان إلى سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، الأحد، عقب عملية «استلام المعسكرات» التي نفذتها قوات «درع الوطن».

قوات «درع الوطن» انتشرت في حضرموت بعد طرد «قوات الانتقالي» من المعسكرات (رويترز)

وأكد رشدي أن «قضية الجنوب اليمني لا يمكن حلها من خلال فرض الأمر الواقع»، وقال: «هذه القضية تنطوي على جوانب عادلة، ولها أبعاد تاريخية معلومة، لكن لا يمكن حلها عبر خطوة انفصالية تُفرض بالقوة على الأرض»، لافتاً إلى أن سياسة الأمر الواقع «ستضر بقضية الجنوب ضرراً كبيراً».

وكان تحالف دعم الشرعية في اليمن قد أعلن استمراره في خفض التصعيد وفرض التهدئة في محافظتي حضرموت والمهرة، ومنع وصول أي دعم عسكري من أي دولة كانت لأي مكون يمني دون التنسيق مع الحكومة اليمنية الشرعية و«التحالف» بهدف إنجاح جهود السعودية والتحالف لتحقيق الأمن والاستقرار ومنع اتساع دائرة الصراع.

وقال رشدي: «الفترة الأخيرة شهدت خفضاً للتصعيد في خطوة إيجابية ومهمة، وكانت مطلوبة أولياً».

وحول فرص تعويل الجامعة العربية على مؤتمر الرياض للتهدئة في الجنوب اليمني، قال إن «التوجه نحو معالجة القضية سياسياً، في إطار حوار شامل لكل أطراف المشهد الجنوبي، بما في ذلك المجلس الانتقالي هو توجه صحيح».

واستطرد قائلاً: «اليمن يعاني أزمة كبيرة في السنوات الأخيرة بسبب الخطر الحوثي، وبالتالي ليس من الصالح الدخول في صراعات وانقسامات جديدة، تؤدي إلى تدهور المشهد اليمني».

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الجامعة العربية)

وكان مجلس الجامعة العربية قد أكد في ختام أعمال دورته العادية بالقاهرة في سبتمبر (أيلول) الماضي على «التزامه الثابت بوحدة اليمن وسيادته واستقلاله، ودعمه الكامل لأمنه واستقراره وسلامة أراضيه، ورفض أي تدخل في شؤونه الداخلية».

وأكد المجلس في قراراته الختامية على «دعمه المستمر للحكومة اليمنية الشرعية بقيادة مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد محمد العليمي، وما تبذله من جهود لتحقيق الأمن والاستقرار ورفع المعاناة عن الشعب اليمني واستعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها وتحقيق السلام الشامل والدائم في اليمن».

وثمَّن مجلس الجامعة العربية موقف الحكومة اليمنية المتمسك بالسلام وفقاً للمرجعيات الثلاث المتفق عليها، وهي المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة وفي مقدمتها القرار رقم «2216» والقرارات الأخرى الداعمة لوحدة اليمن وسيادته.


توجيهات وزارية يمنية لمنع الفوضى الأمنية والإدارية في عدن

المجلس الانتقالي الجنوبي لا يزال يسيطر أمنياً على مدينة عدن (أ.ف.ب)
المجلس الانتقالي الجنوبي لا يزال يسيطر أمنياً على مدينة عدن (أ.ف.ب)
TT

توجيهات وزارية يمنية لمنع الفوضى الأمنية والإدارية في عدن

المجلس الانتقالي الجنوبي لا يزال يسيطر أمنياً على مدينة عدن (أ.ف.ب)
المجلس الانتقالي الجنوبي لا يزال يسيطر أمنياً على مدينة عدن (أ.ف.ب)

في سياق يعكس توجّه الحكومة اليمنية نحو تعزيز هيبة الدولة وحفظ الأمن وترسيخ العمل المؤسسي، أصدرت وزارات عدّة حزمة من التعميمات والبيانات التي شددت على منع خروج السلاح من عدن وعلى الانضباط الإداري، والحياد الوظيفي، وحماية الأمن والاستقرار، وضمان استقرار الأوضاع المعيشية.

وفي هذا السياق، وجّه وزير الداخلية إبراهيم حيدان رسائل حازمة إلى جميع القيادات العسكرية والوحدات الأمنية في العاصمة المؤقتة عدن، شدّد فيها على الالتزام الصارم بالتوجيهات العليا الصادرة عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، والمتضمنة منع إخراج أو نقل أي نوع من أنواع الأسلحة، الثقيلة أو المتوسطة أو الخفيفة، من عدن إلى أي محافظة أخرى.

وأكد حيدان في برقية إلى القيادات العسكرية والأمنية أن أي عملية تهريب أو صرف أو بيع أو عبث بالأسلحة تمثّل انتهاكاً صريحاً للقانون وتهديداً مباشراً للأمن والاستقرار، محذراً من أن كل من يخالف هذه التوجيهات سيكون تحت طائلة المساءلة القانونية، وسيُحال إلى الجهات المختصة لينال العقاب الرادع دون أي تهاون.

وشدد على ضرورة حصر الأسلحة وتسليمها فوراً إلى المؤسسات الرسمية للدولة والجهات المخولة قانوناً بالإشراف عليها، عادّاً ذلك ركناً أساسياً في حفظ السكينة العامة ومنع الانفلات الأمني.

وأشار وزير الداخلية اليمني إلى أن نقل أو تخزين أو توزيع الأسلحة خارج الأطر الرسمية يقوّض جهود الدولة في ترسيخ الأمن والاستقرار، ويهدد السلم الاجتماعي، داعياً المواطنين في العاصمة المؤقتة عدن إلى التحلي بالمسؤولية الوطنية، والتعاون الكامل مع الأجهزة الأمنية، حفاظاً على أمن المدينة وهيبة مؤسسات الدولة وسلطات إنفاذ القانون.

تشديد على الانضباط

وتأتي توجيهات وزير الداخلية اليمني في سياق أوسع من الرسائل الصادرة عن عدد من الوزراء، التي أكدت جميعها ضرورة الالتزام بالعمل المؤسسي واحترام التسلسل الإداري ووحدة القرار الحكومي.

فقد شدد وزير الإعلام والثقافة والسياحة، معمر الإرياني، على انتظام العمل داخل ديوان عام الوزارة وكل الهيئات والمؤسسات التابعة لها، مؤكداً أن أي توجيهات تصدر من خارج الإطار الرسمي المعتمد تُعد ملغاة وغير ملزمة، ولا يترتب عليها أي أثر إداري أو قانوني.

وأوضح الإرياني أن تنفيذ أي تعليمات لا تصدر بشكل مباشر من الوزير أو من يفوّضهم تفويضاً خطياً ومحدداً يُحمّل منفذها كامل المسؤولية القانونية والإدارية، محذراً من أن مخالفة هذه الضوابط ستُعرّض مرتكبيها للمساءلة وفق القوانين واللوائح النافذة. وألزم قيادات الوزارة بتعميم القرار والعمل بموجبه، بما يضمن الحفاظ على هيبة الدولة وانتظام العمل المؤسسي.

وفي السياق ذاته، حذّرت وزارة الأوقاف والإرشاد من ممارسة أي نشاط سياسي أو حزبي داخل مؤسساتها، أو استغلال الوظيفة العامة لخدمة أي توجهات أو انتماءات فئوية أو جهوية.

وأكد وزير الأوقاف محمد شبيبة أن المرحلة الراهنة تتطلّب التحلي بروح المسؤولية باعتبار الوظيفة العامة أمانة دينية ووطنية، محذراً من توظيف الظروف والأحداث لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية.

رسائل متزامنة

تأتي هذه الرسائل الوزارية المتزامنة، بالإضافة إلى تأكيدات وزارة الصناعة والتجارة بشأن استقرار الوضع التمويني، على خلفية تصاعد مساعي مسؤولين موالين للمجلس الانتقالي الجنوبي في العاصمة المؤقتة عدن، لاختطاف قرار الوزارات، وفرض توجيهات خارج الأطر الدستورية والقانونية، في تحدٍّ واضح لسلطة الدولة ومؤسساتها الرسمية.

ويرى مراقبون أن تشديد الوزراء على الانضباط المؤسسي ومنع تجاوز الصلاحيات، يعكس إدراكاً رسمياً بخطورة استمرار حالة الازدواج في القرارَيْن الأمني والإداري، وما تمثّله من تهديد مباشر لاستقرار العاصمة المؤقتة، ولجهود الحكومة في استعادة دورها السيادي وتوحيد مؤسسات الدولة.

الوضع التمويني في اليمن مستقر حسب وزارة التجارة والصناعة (أ.ف.ب)

وفي هذا الإطار، أكدت وزارة الصناعة والتجارة أن الأوضاع التموينية مستقرة، وأن السلع الأساسية متوفرة بكميات كافية، بالتوازي مع تدشين حملة رقابية واسعة لضبط الأسعار ومنع الاحتكار، في رسالة إضافية تؤكد سعي الحكومة لممارسة مسؤولياتها الكاملة تجاه المواطنين، رغم التحديات السياسية والأمنية القائمة.

وحسب مصادر حكومية، فإن هذه الإجراءات والتصريحات تشكل جزءاً من توجه أوسع لإعادة ضبط المشهد الإداري والأمني، والتصدي لأي محاولات للالتفاف على الشرعية، أو فرض أمر واقع يتعارض مع مبدأ الدولة ومؤسساتها، في مرحلة تُوصف بأنها مفصلية لمستقبل الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة خصوصاً بعد طرد قوات «الانتقالي» من حضرموت والمهرة.


العليمي يعد بمرحلة جديدة في حضرموت والمهرة

قوات «درع الوطن» استعادت المعسكرات في حضرموت والمهرة من قوات «الانتقالي» (رويترز)
قوات «درع الوطن» استعادت المعسكرات في حضرموت والمهرة من قوات «الانتقالي» (رويترز)
TT

العليمي يعد بمرحلة جديدة في حضرموت والمهرة

قوات «درع الوطن» استعادت المعسكرات في حضرموت والمهرة من قوات «الانتقالي» (رويترز)
قوات «درع الوطن» استعادت المعسكرات في حضرموت والمهرة من قوات «الانتقالي» (رويترز)

وضع رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، إطاراً واضحاً لمرحلة جديدة في محافظتي حضرموت والمهرة، قوامها تثبيت الأمن وترسيخ السلم الأهلي والانطلاق نحو التنمية والإعمار، بعد اندحار قوات المجلس الانتقالي من المحافظتَين وسيطرة قوات «درع الوطن» الحكومية.

وأكد أن عملية تسليم المعسكرات تمت بسرعة وكفاءة فاقت التوقعات، ولم تكن مجرد إشادة بإنجاز ميداني، بل كانت إعلاناً عن انتقال محسوب من إدارة الأزمات إلى بناء الاستقرار المستدام، في سياق وطني جامع يستند إلى الدولة والقانون.

وفي تهنئته لسكان المحافظتين، قال العليمي إن هذا النجاح يعكس التفاف المجتمعات المحلية حول مؤسسات الدولة، وحكمة القيادات المحلية في تغليب المصلحة العامة وإدارة المرحلة بروح مسؤولة، بما يفتح الباب أمام استئناف الخدمات وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.

وفي هذا السياق، ثمّن العليمي الدور الحاسم للقوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، في تأمين العملية وخفض التصعيد وحماية المدنيين، وإنجاز التسليم وفق القوانين والأعراف الدولية، مجدداً الشكر لقيادة المملكة على استجابتها الكريمة ووقوفها المحوري إلى جانب أمن واستقرار اليمن والمنطقة.

كما وجّه العليمي دعوة صريحة إلى كل المكونات السياسية والمجتمعية إلى تجاوز الصراعات الجانبية، والتفرغ لتنفيذ أولويات المرحلة الانتقالية وفق المرجعيات المتفق عليها وطنياً وإقليمياً ودولياً، وفي مقدمتها إعادة تنظيم القوات تحت مظلتي وزارتي الدفاع والداخلية، وبسط نفوذ الدولة وسيادة القانون على كامل التراب الوطني.

وعبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي عن ثقته بوعي أبناء المحافظات الجنوبية وحسهم الوطني ودورهم التاريخي في بناء مؤسسات الدولة والدفاع عن النظام الجمهوري، مؤكداً أن الجنوب كان وسيظل ركيزة أساسية في مشروع الدولة الحديثة وشريكاً أصيلاً في صناعة مستقبلها.

كما جدّد التزام الدولة بحل عادل وشامل للقضية الجنوبية، يعالج مظالم الماضي ضمن مسار وطني مؤسسي يستند إلى الإرادة الشعبية في ظروف طبيعية، بما يضمن التعايش والأمن والاستقرار، ويحفظ هوية اليمن العربية ونسيجه الاجتماعي.