أحفاد تولستوي ودوستويفسكي يواجهون حرباً ثقافية ساخنة

صار الأدب الروسي ما بعد الاتحاد السوفياتي ثقباً أسود للقارئ العربي

أحفاد تولستوي ودوستويفسكي يواجهون حرباً ثقافية ساخنة
TT

أحفاد تولستوي ودوستويفسكي يواجهون حرباً ثقافية ساخنة

أحفاد تولستوي ودوستويفسكي يواجهون حرباً ثقافية ساخنة

لا أظنُّ أنّ نابوكوف جانَب الصواب أو كان منقاداً انقياداً أعمى لإملاءات جيناته الروسية أو فروض نوستالجيا الطفولة والشباب عندما وصف الأدب الروسي بأنّه «الألعاب النارية التي أضاءت عالم الأدب العالمي بأنوارها المبهرة». هذا استحقاق كامل ومنصفٌ تماماً للأدب الروسي.
يتّفق معظم النقّاد والمشتغلين في حقول الأدب والرواية وتاريخ الأفكار والثقافة، على أنّ الأدب الروسي - وبخاصة في الحقبة القيصرية – هو أحد الروافد الحيوية التي ساهمت في تشكيل الرواية العالمية. كلّ الكُتّاب العالميين (حتى لو كانوا من أولئك الموصوفين بغُلاة مروّجي فكر ما بعد الحداثة) صرّحوا بأنهم شرعوا في القراءة الأدبية الجادة المقترنة بالمتعة بعد أن وقعت أعمال الكُتّاب الروس العظام (تولستوي، دوستويفسكي، غوغول، تشيكوف،،،) بين أيديهم. أظنُّ أننا نتفقُ في أنّ هؤلاء الكتّاب يمثلون الجوهرة في تاج الأدب الروسي الذي طاله الكثير من العبث الايديولوجي في إطار ما يسمى «الواقعية الاشتراكية» في حقبة الاتحاد السوفياتي. المثال العالمي يصحُّ في عالمنا العربي؛ إذ من النادر للغاية أن نعثر على محبّ للأدب في العالم العربي لم يبدأ سلسلة قراءاته الأدبية بقراءة أحد روائع الترجمات العربية للأدب الروسي. هل بيننا من يمكن أن ينسى الجهود العظيمة لمترجمي الأدب الروسي إلى العربية من أمثال سامي الدروبي وضياء نافع وحياة شرارة وغائب طعمة فرمان،،،؟
كثيرون منّا قرأوا في - شبابهم الأوّل أو فيما بعد - الأدب العالمي بكلّ كلاسيكياته المعروفة؛ لكن تبقى للأدب الروسي في الحقبة القيصرية سطوته الكبرى ولذّته السحرية. إذا كان كلّ الأدباء الروس قد خرجوا من معطف غوغول فلن يكون من قبيل المبالغة أنّ القرّاء العالميين خرجوا من جبة تولستوي. ثمّة عنصر روحي غريب في الأدب الروسي إبان الحقبة القيصرية يجعل هذا الأدب عصياً على التجاوز بفعل مقادير الزمن، كما يجعل من القراءات الأولى لذلك الأدب لصيقة بالروح والعقل. هل يمكن أن ننسى «آنا كارينينا»؟ هل يمكن أن نتغافل عن «راسكولنيكوف» دوستويفسكي؟ حتى لو أعدنا قراءة أعمال الأدب الروسي الأولى التي قرأناها من قبل فسنقرأها بكلّ الشغف الروحي والانغماس الكامل في عوالمها كما فعلنا من قبل. ربما لهذا السبب صارت هذه الأعمال شاخصاً رئيسياً في صناعة روح الأمة الروسية التي ما كان في استطاعة المتغيرات السياسية اللاحقة أن تدجّنها أو تدخلها عنوة في إطار آيديولوجي ضيق لا يسعها ولا ترتاحُ إليه.
عانت روسيا – الأمّة استحالات جيوسياسية كبرى نجمت عن سطوة الاتحاد السوفياتي الجبارة لكونه قوة عظمى أعادت رسم المشهد العالمي على كلّ الصعد، ثمّ حصل ما حصل في بداية تسعينات القرن الماضي عندما تفكّكت المنظومة السوفياتية (أو جرى تفكيكها بالأصح) بفعل ألاعيب عتاة السياسة العالمية وتخاذل بعض الروس من داخل قلب الأمة الروسية. يلاحظ المتابع لشأن الأدب الروسي، أنّ ترجمات إبداعات الأدب الروسي إلى العربية إبان الحقبة السوفياتية كانت معقولة وإن انطوت على أسماء محدّدة ذوات توجهات تخدم الرؤية الفلسفية والسياسية لمنظومة الحكم (وهذا ما تفعله كلّ منظومات الحكم بأساليب مختلفة حتى لو تلفّعت بمسميات من قبيل الليبرالية)، فضلاً عن تخصّص بعض المترجمين العرب في ترجمة الأدب الروسي؛ لكنْ حصلت قطيعة ترجمية مع حقبة ما بعد الاتحاد السوفياتي بحيث صار الأدب الروسي ثقباً أسود للقارئ العربي الذي ما عاد يعرفُ كيف انعكست مفاعيل انكفاء الاتحاد الروسي إلى حدود «فيدرالية روسية» على طبيعة العيش وتفكير الروس ورؤيتهم للعالم، وكذلك كيف انخذلت أرواحهم التي كانت تتوق لخطف لذّات العالم بدل الوقوف في طوابير طويلة لنيل بعض «الزبدة» مثلاً، ثم اكتشفوا الحقيقة الصارخة: سياسات السوق الحرة أكذوبة كبرى مثل كلّ الآيديولوجيات، وأنّ غير القادرين على صناعة حياة فضلى لهم بإرادتهم الذاتية لن يقدّم لهم الآخرون سوى أكياس من «الملابس المستعملة» بعد أن أوهموهم بفراديس موعودة ما كانت إلا سراباً.
لا بد في هذا الشأن من التنويه بجهود مترجمين عرب معاصرين للأدب الروسي، ولعلّ في مقدّمتهم الدكتور تحسين رزاق عزيز، الذي يعمل بجهود حثيثة في ترجمة عيّنات منتخبة من الأدب الروسي المعاصر بما يمكن أن يقدّم صورة معقولة عن طبيعة الحراك السائد في هذا الأدب الذي نشرت دار «المدى» العراقية أعمالاً عديدة ممثلة له، منها «صبية من متروبول» للروائية لودميلا بيتروشفيسكايا، «ميديا وأبناؤها» و«الجنازة المرحة» للكاتبة لودميلا أولينسكايا، «لاوروس» و«الطيار» للكاتب يفغيني فودولازكين، «ذهبُ العصيان» للكاتب أليكسي إيفانوف.
قراءة أعمال أحفاد تولستوي المعاصرين تجربة رائعة، وأراها تتقدّمُ كثيراً على أعمال روائية عالمية معاصرة بدت لي عقب الانتهاء من قراءتها ضرباً من ملاعبة العبث؛ لأنها تفتقد ذلك الزاد الروحي المُشبِع الذي مكّن الروائيين الروس المعاصرين من الجلوس إلى مائدة تولستوي العظيم ومشاركتنا بأطايب الصنائع الأدبية.
في مقابل أحفاد تولستوي وديستويفسكي، المخلصين لجماليات الفن الروائي، شاع في العقديْن الأخيرين من الحقبة السوفياتية نمطٌ روائي يمكن وصفه بالانتماء إلى ثقافة القيعان المجتمعية Underground Culture. يختصُّ هذا النمط الروائي بخصيصتين مميزتين: محاولة الإيغال في تعتيم صورة العوالم الديستوبية للمجتمع السوفياتي بما يجعل الفن الروائي منطوياً على حمولة سياسية مباشرة، وتكثيف المفردات اليومية السائدة وعدّها بديلاً موضوعياً وجمالياً عن اللغة الرفيعة. ربما يكون فلاديمير سوروكين Vladimir Sorokin، مهندس النفط الروسي المولود عام 1955، الممثل الأخلص لهذه الثقافة. لا ينفي سوروكين إخلاصه وتمثيله للثقافة الديستوبية الحالكة، وتسويغه لفعلته هذه أنّ تاريخ القرن العشرين يضمّ الكثير من الكليشيهات الثقافية الجاهزة التي يمكن أن تضبب وقائع التاريخ الحقيقية.
يرى سوروكين أنّ روسيا لم تدفن ماضيها كما فعلت ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية، وأنّ من أهمّ واجباته هو تعرية الماضي السوفياتي تمهيداً لدفنه، وهذا ما اعتمده في رواياته الأولى وبخاصة في ثلاثية الثلج Ice Triology، ثم في يوم أوبريتشنيك Day of the Opritechnik، ثم في العاصفة الثلجية The Blizzard، وكلها ذات محمولات سياسية معارضة للسياسة الرسمية الروسية (ومنها السياسة البوتينية).
جاءت الحملة العسكرية الروسية على أوكرانيا لتعجّل في وتيرة ضخّ الزيت على نار الحرب «الثقافية» الباردة التي عاودها الغرب بالضد من روسيا، وكان من نتائج هذه الحرب الثقافية تسريع وتيرة ترجمة بعض الأعمال الروائية الروسية (المعارضة للسياسة البوتينية) إلى الإنجليزية، وهكذا شهدنا في بضعة أشهر قليلة من بدء النزاع الروسي – الأوكراني ترجمة عمليْن لسوروكين إلى الإنجليزية:
- العمل الأول عنوانه «تيلوريا» Telluria، وهو رواية مستقبلية - فنتازية - ديستوبية - كولاجية تضمّ خمسين فصلاً لا رابطة روائية بينها، يتراوح طول الفصل الواحد من بضع كلمات في مقطع واحد مفرد إلى عشرة أو عشرين صفحة. يمثل مركّب التيليريوم - ذي المواصفات شبيهة عقار LSD الذي يعدُّ أحد المكيفات العقلية الفعالة – العنصر الرابط بين كلّ أجزاء الرواية.
- العمل الثاني عنوانه قلوبهم الأربعة Their Four Hearts، وهو عمل روائي ساخر يحكي عن مناسيب العنف والطاقة الجنسية المخبوءة في أرواح مواطني الدولة السوفياتية «الشمولية». ثمة أربعة أبطال روائيين: رجل عجوز، شاب يافع، رجل، امرأة، يجمع هؤلاء مسعى غامض ينطوي على أفعال جنسية وحشية ذات طبيعة عشوائية تشملُ غرباء غير معروفين لهؤلاء الأربعة وحتى أعضاء من أسَرِهِم، وفي ثنايا هذه الأفعال العنفية يتحاور الأربعة بشأن قضايا كثيرة تخصُّ الحياة داخل الدولة السوفياتية.
في مقابل هذا التيسير واسع النطاق لأعمال سوروكين صرنا نشهدُ نوعاً من التعتيم المقصود على أدب تولستوي ودوستويفسكي وأحفادهم. هل يسعى الغربيون لإحلال سوروكين محلّ أعاظم الأدباء الروس؟ أظنّهم يسعون لذلك. هم لا يبتغون الجدارة الأدبية ولا يلتفتون إليها بقدر ما يريدون تحجيم القدرة الروسية على كلّ الجبهات (الاقتصادية والعسكرية على وجه التخصيص). هل سينجح الغربيون في مسعاهم؟ أظنّ الأمر رهيناً بقدرتهم ورغبتهم في دفع فواتير الزمّار*، وقبل هذا بوجود روسٍ يرغبون في القيام بدور الزمّار.
* الإشارة هنا إلى كتاب «من الذي دفع للزمّار: المخابرات المركزية الأميركية والحرب الباردة الثقافية) Who Paid the Piper?: CIA and the Cultural Cold War لمؤلفه فرانسيس ستونر سوندرز.
الكتاب منشور عام 2000، وقد ظهرت ترجمته العربية عن المركز القومي للترجمة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«إلى العمق»... معرض يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة

علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
TT

«إلى العمق»... معرض يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة

علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

يحتفي معرض «إلى العمق» للفنان المصري ناثان دوس بالحضارة المصرية القديمة من خلال مجموعة من الأشكال الطقوسية، والطوطمية التي تعود إلى فترة الأم الكبرى، تلك الفترة العتيقة التي كانت تتمركز حول الأرض بوصفها موئل الكائنات، ويتجلى ذلك في كثير من التماثيل التي تشير لميلاد البشر، والبذور، وحتى الأساطير.

ويتضمن المعرض أيضاً تماثيل من خامات متنوعة تعبر عن أفكار شتى حول الخير، والشر، والكفاح، والبحث عن الحقيقة، وضغط اللوائح، والقوانين، والشرائع على النفس البشرية منذ القدم، وكأننا أمام مشاهد يومية تحتوي على فلسفة كاملة تعيد صياغة الفكر الإنساني، وترسم مستقبل البشر من جديد.

تمثال أخناتون تحية للمتحف المصري الكبير (الشرق الأوسط)

ويضم المعرض الذي تستضيفه قاعة الزمالك للفن، ويستمر حتى 12 أبريل (نيسان)، أكثر من 20 عملاً كبيراً بخامات متنوعة من الأحجار، مثل الكوارتز والديوريت، وهي من أكثر الأحجار صلابة، وخاض بها الفنان تجربة جديدة مليئة بالأفكار والرموز التي تعود للعصور القديمة حين كانت الأرض –الأم– الأنثى هي مركز الوجود.

تمثال لقسطنطين كفافيس ضمن المعرض (الشرق الأوسط)

وعن هذه التجربة يقول ناثان: «استخدمت عدداً من الخامات في هذا المعرض، فبالإضافة إلى البرونز، هناك الكوارتز الذي صنعت منه تمثال أخناتون، ولأول مرة أقدم أعمالاً من الديوريت الذي يعد من أصعب الخامات، وقدمت من خلاله مجموعة كبيرة من الأشكال التي تمثل طقوساً قديمة، ورموزاً طوطمية، تتحدث عن فلسفة الخلق، والميلاد، والأرض الأم».

جانب من مجموعة الأشكال الطوطمية في المعرض (الشرق الأوسط)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «من بين الأعمال التي قدمتها بالديوريت تمثال صغير لضفدعة ترمز إلى أسطورة قديمة من أساطير الخلق، كما أنها بالنسبة لي تمثل قفزات في التعامل مع الخامات من البوليستر إلى الغرانيت، والبازلت، وغيرها، وأكثر خامة عملت عليها هي الديوريت».

وعن علاقة هذا الضفدعة بنظريات الخلق الأولى يوضح دوس أن الأساطير المصرية القديمة تتحدث عن الإله خنوم، وهو يبدأ عملية الخلق على دولاب من الفخار، ومن كان يشهد عملية الخلق ضفدعة سماها «حجت».

وأكد أنه خاض تجربة العمل على الديوريت بمجموعة تتكون من 50 قطعة، أطلق عليها مجموعة من الأدوات، والأشكال الطقسية، والطوطمية. وفترة البداية، أو ما يسمونها في الأنثروبولوجيا والتاريخ القديم «فترة الأم القديمة»، تتضمن أشكالاً متنوعة للمرأة بوصفها رمزاً للخصوبة، والولادة، وكذلك الأرض، والبذور التي تنبت فيها.

لوحة مستوحاة من الفن المصري القديم تمثل الفنان وزوجته خلال نحت تمثال أخناتون (الشرق الأوسط)

ويتضمن المعرض تماثيل متنوعة لشخصيات تاريخية، ومألوفة، من بينها تمثال «بورتريه» لأخناتون، الملك المصري من الأسرة الثامنة عشرة، وصاحب دعوة التوحيد الشهيرة، وعدّه الفنان تحية لافتتاح المتحف المصري الكبير، وإلى كل من ينتصر للهوية المصرية. كما يوجد أيضاً تمثال لأسطورة سيزيف، وهي أسطورة يونانية عن شخص يواجه لعنة أبدية تجعله يصعد بالصخرة فوق جبل فتسقط الصخرة من الطرف الآخر، ويعاد الصعود بها إلى ما لا نهاية، لكن ناثان دوس يضع سيزيف في قالب عصري، فهو يصعد بالصخرة، ويثبتها بطريقة بدائية فوق الجبل، ويحمل هاتفاً جوالاً، ويلتقط صورة «سيلفي» مع الصخرة، وكأنه أراد مشاركة معاناته مع الجميع.

أعمال الفنان ناثان دوس تطرح أسئلة حول واقع البشرية (الشرق الأوسط)

يقول ناثان: «أعشق الفن المصري القديم، وأعتبر نفسي امتداداً له»، وربما لهذا ظهرت لوحة جدارية ضخمة تصور الفنان يرتدي ملابس المصري القديم، وخلفه زوجته نيفين ناثان تؤازره وهو ينحت تمثال أخناتون، هناك أيضاً تمثال صنعه الفنان لزوجته الفنانة نيفين ناثان من خامة الغرانيت، كما أهدى إليها المعرض في مقدمة الكتاب التعريفي بعبارة «إلى نيفين زوجتي التي أقتسم معها الحلم».

جانب من افتتاح المعرض (فيسبوك)

ويضم المعرض تمثالاً نصفياً لشاعر الإسكندرية الأشهر المصري اليوناني قسطنطين كفافيس، وحضر السفير اليوناني في القاهرة إلى المعرض مثنياً على التمثال، كما يضم المعرض أفكاراً متنوعة عن فكرة الأرض، وعلاقتها بالميلاد، فهناك جنين قابع في باطن الأرض، وفوقه أو من خلاله تخرج نباتات خضراء، وهناك أيضاً العديد من التماثيل البرونزية التي تجسد أفكاراً فلسفية عن علاقة الإنسان بالطبيعة، وكفاحه للوصول إلى الجوهرة -الحقيقة الكامنة في باطن الأرض.

رمزية الأرض والميلاد ضمن المعرض (الشرق الأوسط)

وعن فلسفة المعرض يقول ناثان إنه يسعى دائماً لتقديم أعمال تحمل أفكاراً تمس الإنسان وعلاقته بالواقع المعاش، ولكنه يبحث دائماً عما وراء هذا الواقع من تجليات، ورؤى، وأبعاد نفسية قد تسيطر على بعض البشر، وتحدد سلوكهم، وتؤطره، من هنا جاءت فكرة «إلى العمق» بحثاً عن معنى أعمق للوجود البشري. ومن الأعمال المهمة في المعرض وسادة من الغرانيت ملقاة على الأرض وفوقها كل الأدوات تقريباً التي يحتاجها النحات، وكأنه يقول إنه وقت الراحة، ويعلق على هذا العمل: «ينام المتعب على وسادة من الحجر ليستريح، أما الكسول فلن يجد الراحة ولو على وسادة من الريش».


كتاب جديد عن معارك عبد الحليم حافظ الفنية

عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
TT

كتاب جديد عن معارك عبد الحليم حافظ الفنية

عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)

بينما يوحي عنوان كتاب «نصف حليم الآخر» بأنه يستعيد قصة حب «العندليب الأسمر» عبد الحليم حافظ التي لم تكتمل ومثَّلت جانباً مؤلماً في مسيرته، غير أنه في الحقيقة يتناول معارك عبد الحليم عبر مسيرته الفنية ويركز أكثر على مواقفه الإنسانية.

ويذكر أن، الكتاب الذي صدر في القاهرة عن دار نشر «بتانة» للكاتب عادل السنهوري، يتزامن مع الذكرى 49 لرحيل «العندليب الأسمر»، ويقول المؤلف في مقدمته: «حليم لم يكن فقط وجهاً واحداً لعملة ذهبية فنية، كان هناك وجه آخر غاية في الروعة وفي التضحية والحب لكل من حوله، هذا الوجه هو نصف حليم الآخر الذي قد لا يعرفه الكثيرون»، مؤكداً أن «حليم ما زال أسطورة الغناء العربي وحامل لواء الرومانسية في حياة أجيال عديدة منذ الخمسينات وحتى الآن وربما في أجيال قادمة»، لافتاً إلى أن «العندليب خاض معارك فنية كثيرة لها ما يبررها على الرغم من أنها أغضبت الكثير من الفنانين حتى أقرب أصدقائه لكنها انتهت جميعها بالصلح لأنها دارت حول الفن والغناء».

البقاء في القمة أصعب من الوصول إليها، هذه حقيقة أدركها عبد الحليم مبكراً ويشير المؤلف إلى أن العندليب قد خاض معارك كي يبقى متصدراً قمة الغناء في مصر والعالم العربي، فقد دخل في معارك مع أم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد رشدي ووردة ومع أقرب أصدقائه إلى قلبه الملحنين كمال الطويل ومحمد الموجي، مشيراً إلى أنه لا يزال هناك بُعدٌ غائبٌ في تفسير هذه المعارك ولو من الجانب النفسي.

ويستشهد المؤلف بما ذكره الكاتب الراحل محمود عوض صديق عبد الحليم في كتابه «بالعربي الجريح» الذي قال فيه إن «حليم قد خاض مشوار نجاحه مرتين، أولاً لكي يصل إلى القمة وثانياً لكي يستمر فيها، وقد وجد في الأول من شاركوه وكانوا جزءاً من نجاحه، ووجد من حاربوه أيضاً، فلا يمكن أن نفهم ظاهرة عبد الحليم دون أن نفهم أساساً مشاركة كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي في الوصول إلى قلوب الجماهير بلون جديد وسط أسماء كبيرة لها قاعدتها الجماهيرية العريضة».

الكتاب تناول مواقف كثيرة في حياة عبد الحليم (الشرق الأوسط)

ويلفت عوض إلى الاختراق الأول الذي حقَّقه حليم في قلوب الجماهير حين وجد من يتبنون صوتاً بديلاً لمطرب جديد هو كمال حسني وأنَّ أقلاماً بارزة وصحفاً كاملة حشدت نفسها لتقديم كمال حسني بديلاً لعبد الحليم، وتعاقد على أفلام سينمائية وقدم له كبار الملحنين ألحاناً عذبة لكنه في النهاية توارى واستمر عبد الحليم.

وتبدو قصة منع عبد الحليم لصديقه كمال الطويل من السفر، أقرب لـ«مقلب» أو خلاف بين صديقين وليست معركة، ويسوقها المؤلف في الكتاب، حيث أراد الطويل السفر قبل أن ينتهي من آخر أغنيات فيلم «حكاية حب» وهي «في يوم في شهر في سنة»، فقد أراد كمال الطويل السفر على أن يُنهي لحن الأغنية بعد عودته، لكن حليم طلب منه إنهاء الأغنية أولاً قبل سفره، فوقع خلاف وشجار بين حليم والطويل الذي أصر على السفر وخلال إنهاء سفره بمطار القاهرة استوقفه ضابط الجوازات لصدور قرار بمنعه من السفر، انفعل الطويل فأخبره ضابط كبير أن سيارة تنتظره لتوصيله إلى أحد الأماكن السيادية، وإذا به أمام مسؤول أمني كبير طمأنه وتبادل معه الضحك واتصل بعبد الحليم ليخبره أن كمال الطويل موجود في مكتبه، ثم أعطاه السماعة ليسمع ضحكات عبد الحليم وهو يقول له «مش قلت لك يا كمال لحن الأغنية أولاً وبعدين سافر».

وفسر الطويل لمؤلف الكتاب الذي التقاه قبل سنوات من رحيله موقف عبد الحليم ومعاركه الفنية، بقوله: «لقد كان عبد الحليم طوال الوقت يتملكه إحساس يصل لحد اليقين بأنه سيموت صغيراً وأنه لن يتزوج ولن يكون له أولاد يخلدون اسمه من بعده، لذا اعتبر فنه هو أسرته وزوجته وأطفاله، وأنه ما يستحق أن يقاتل من أجله، فقد عاش يبحث عن الأفضل دائماً لنجاح مشروعه الغنائي ولم يغمض عينيه عن تجارب الآخرين».

ويتضمن الكتاب حكايات وتفاصيل عن خلافات وقعت بين عبد الحليم ونجوم الغناء في عصره، ومن بينها خلافه مع المطربة نجاة، الذي بدأ من خلال إعجابه بالأغاني التي غنتها، وكان قد غنى أغنيتها «غريبة منسية» خلال استضافته ببرنامج إذاعي، وقال إنه تمنى أن يغني اللحن بكلمات تناسب مطرباً لا مطربة، وتكرر الموقف بعد أغنية «لا تكذبي» التي غنتها نجاة في فيلم «الشموع السوداء» وكتب كلماتها كامل الشناوي ولحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب وأعجب بها عبد الحليم كثيراً وقام بغنائها في إحدى حفلاته دون أن يستأذن نجاة، وكان عبد الوهاب قد قام بتغيير بعض الجمل اللحنية لتناسب صوت حليم، وغضبت نجاة وحاول أن يعتذر لها لكنها رفضت قبول اعتذاره وظلت الأجواء متوترة بينهما ليستمر خلافهما خمس سنوات.

ويتطرق الكتاب إلى كثير من المواقف الإنسانية ومنها إنقاذه للطفل شريف عامر «الإعلامي البارز حالياً» من الموت حيث ربطت عبد الحليم صداقة بوالده الصحافي منير عامر وعلم من مقال كتبه والده أن طفله شريف تعرض لإصابة بالتهاب رئوي وعمره 12 يوماً فقط، وتطلب علاجاً لم يكن متوفراً بمصر، فطلب عبد الحليم الدواء من لبنان، ليُفاجأ منير عامر بطرد يصله من بيروت بالدواء المطلوب، كما تجلَّت مواقف العندليب الإنسانية في علاقته مع أعضاء الفرقة الموسيقية والكورس الذي يصاحبه في الغناء وأفراد الكومبارس في أفلامه ورعايته لكثير من أبناء قريته (الحلوات) بالشرقية، وفي تدخله لإعادة الكاتب الراحل مفيد فوزي لعمله الصحافي بعد فصله من مجلة «صباح الخير»، وغيرها من المواقف الإنسانية التي لم يعلنها العندليب الأسمر في حياته ورواها آخرون عنه.


تقنية جديدة تسرّع علاج التهاب المسالك البولية

الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)
الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)
TT

تقنية جديدة تسرّع علاج التهاب المسالك البولية

الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)
الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)

طوّر باحثون في جامعة ريدينغ البريطانية اختباراً سريعاً للبول، يمكنه تحديد المضاد الحيوي المناسب لعلاج التهابات المسالك البولية خلال ساعات، بدلاً من أيام، كما هي الحال في الطرق التقليدية.

وأوضح الفريق أن هذا التسريع في اختيار العلاج، يقلل بشكل كبير من خطر تطور العدوى إلى مضاعفات خطيرة؛ مثل تعفن الدم، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Journal of Antimicrobial Chemotherapy».

والتهابات المسالك البولية عدوى شائعة تصيب أي جزء من الجهاز البولي، بما في ذلك الكلى والمثانة والحالبان. وتظهر أعراضها عادة على شكل حرقة عند التبول، وكثرة التبول، وأحياناً ألم في أسفل البطن أو الحوض، وتكثر هذه الالتهابات بين النساء. وإذا لم تُعالج بشكل مناسب، يمكن أن تنتشر العدوى لتصل إلى الكلى، وتسبب مضاعفات خطيرة مثل الحمى أو تعفن الدم. وغالباً ما تكون البكتيريا، خصوصاً الإشريكية القولونية، السبب الرئيسي لهذه الالتهابات، ويحتاج المريض في معظم الحالات إلى تناول المضادات الحيوية لعلاج العدوى والسيطرة على الأعراض.

وتعتمد الطرق التقليدية على زراعة البكتيريا في المختبر لليلة كاملة قبل اختبار حساسيتها للمضادات الحيوية، وهي عملية تستغرق من يومين إلى 3 أيام. أما الاختبار الجديد فيتجاوز هذه المرحلة تماماً، حيث تُغمس شريحة تحتوي على أنابيب دقيقة محملة بمضادات حيوية مختلفة مباشرة في عينة البول، ثم تُراقب البكتيريا باستخدام التصوير البصري.

وإذا توقف نمو البكتيريا في أحد الأنابيب، فهذا يدل على فاعلية المضاد الحيوي الموجود فيه، أما استمرار النمو فيشير إلى عدم جدواه، مما يمكّن الطبيب من اختيار العلاج المناسب خلال أقل من 6 ساعات.

وشملت الدراسة تحليل 352 عينة بول مأخوذة من مرضى يشتبه في إصابتهم بالتهابات المسالك البولية. وتمكّن الأطباء من تحديد المضاد الحيوي المناسب خلال متوسط زمن بلغ 5.85 ساعة فقط، مقارنة بالطرق التقليدية التي تستغرق من يومين إلى 3 أيام. وأظهرت النتائج توافقاً بنسبة 96.95 في المائة مع الطرق المرجعية عند اختبار 7 مضادات حيوية تُستخدم بوصفها خطاً أول للعلاج.

كما أظهرت دراسة ثانية على 90 عينة مزدوجة، تم جمعها وتخزينها مع ومن دون مادة حافظة، توافقاً بلغ 98.75 في المائة، ما يؤكد أن استخدام المواد الحافظة لا يؤثر على دقة الاختبار المباشر.

وأشار الباحثون إلى أن الطرق الحالية قد تؤدي أحياناً إلى انتهاء المريض من تناول المضاد الحيوي قبل ظهور النتائج، أو تلقيه علاجاً غير فعّال، ولذلك، يسهم الاختبار السريع في تقليل خطر مقاومة البكتيريا للأدوية، ومنع تطور العدوى إلى حالات خطيرة مثل تعفن الدم، ما يمثل خطوة مهمة في مواجهة التحدي العالمي المتمثل في مقاومة المضادات الحيوية.

وأكد الفريق أن الحصول على العلاج الصحيح من المرة الأولى قد يكون منقذاً للحياة، مشيرين إلى أن الاختبار السريع يعطي نتائج في اليوم نفسه، ما قد يغير طريقة التعامل مع هذه العدوى في الممارسة الطبية، ويُحدث تحولاً ملموساً في تشخيص وعلاج التهابات المسالك البولية خلال السنوات المقبلة.