الأرشيف أداة للتعبير البصري في الفن المعاصر

ليس تكويناً مغلقاً ولا يتجه نحو الماضي بقدر ما يتجه إلى المستقبل

من أعمال الفنان اللبناني ريان ثابت
من أعمال الفنان اللبناني ريان ثابت
TT

الأرشيف أداة للتعبير البصري في الفن المعاصر

من أعمال الفنان اللبناني ريان ثابت
من أعمال الفنان اللبناني ريان ثابت

لعل من التوصيفات الدالة على الاستعمال الفني المعاصر للأرشيف، بما هو شكل للتأليف بين مكونات قادمة من مصادر شتى، ذلك الذي يُنظر إليه بوصفه «مُنتَجاً رمزياً»، غير منفصل عن الإخراج الفني للأعمال في بنيتها، كما في مضامينها. ذلك ما تبرزه، التركيبات الفنية المعاصرة، التي اتخذت فيها المواد الأرشيفية (كتب وصحف وملابس وأغراض مكتبية وصور فوتوغرافية ودفاتر دراسية وأجهزة تقنية عتيقة...) تجليات جمالية عديدة، لتبرير تقديمها، أي أن رحلة المادة الخارجة من حيز الاستعمال والحاضرة في شكل وثيقة بجوهر رمزي، لا تشكل سوى منطلق لفهم الذاكرة، ومنحها شكلاً للحضور، الذي يتداخل فيه التأويل بإعادة البناء البصري.
والحق أن الأرشيف ليس تكويناً مغلقاً ولا يتجه نحو الماضي، بقدر ما هو موجه نحو المستقبل وإلى الصيرورة، والرهان في النهاية هو على اختراق هشاشة الممحو والمتلاشي بفعل الزمن، بمنحه صلابة الشيء المحسوس، المنتشل من الشظايا المتبقية، الذي ينفذ أثره لعمق الحواس، ومن ثم إعادة تجميعه ضمن «منجز»، أي صناعة صورة متخيلة لإيحائه، بل وإعادة اكتشافه، لتتجمع في عمقه بقايا المعنى الثاوي في قعر الذاكرة. يمكن أن نستحضر في سياق الانتقال من الأرشيف الجاهز إلى الأرشيف «الرمزي» حكاية النحات الذي صعقته ملاحظة ناظر إلى تحفته، حين علق: «لم أكن أعتقد أن الصخرة كانت تخبئ هذا التمثال»، فالأرشيف المتخلق في إهاب تركيب فني ليس شيئاً آخر إلا قدرة الفنان على إعادة إنتاجه من جديد.
وتبرز أعمال الفنان الفرنسي «كريستيان بولتانسكي»، هذا الشغف بإعادة صناعة الأرشيف واكتشاف عمقه، بما هو أداة لتعرية الماضي وتمثيل الغياب، ليس فقط لدرء النسيان، وإنما لجعل شواهد الذاكرة منتجة لحياة أخرى مصطنعة، بوصفها امتحاناً للتلاشي، وسرعان ما ستتحول الصور العائلية والمتعلقات الشخصية من أوراق وملابس... منطلقاً لتشكيل لوحات وأعمال تجهيز عن طفولة الفنان المتصلة بملاحقة اليهود في الحرب العالمية الثانية من قبل النظام النازي. تبدو الأغراض مغمورة بظلال ما جرى لأصحابها وتحمل معها وقع قدومها من نهايات ملتبسة، بيد أنها تنتعش بجواراتها المستحدثة في زمن وفضاء مختلفين، فتكون ذاتها إنما في انفصال عما جرى، وتوهب للنظر لتجعل الماضي مقترناً ليس بها تحديداً وإنما بذاكرة المشاهد الشخصية، وما تختزنه من صور مشابهة.
في تجهيزات عديدة لبولتانسكي تتخذ الصور الفوتوغرافية للوجوه موضوعاً لعشرات المجاورات، بين شخصيات لا يعرفها المشاهد، تمتد أحياناً على جدران رواق العرض بكاملها، وأحياناً توضع على حوامل من أحجام كبيرة، بعضها متداخلة وأخرى متنائية قليلاً، وغير مرتبة، لتقول العدد والهيئة والغرق في قدر التكرار المأساوي للمحكية ذاتها. في إحدى هذه التجهيزات الفوتوغرافية، بعنوان: «الموتى السويسريون» يعيد بولتانسكي رصف صور من غابوا في ظروف متماثلة من يهود سويسريين زمن الحرب وبقيت صورهم في أرشيف الصحف، أعاد تجميعها لتوضع فيما يشبه إعلان حضور جماعي رمزي بعد التغييب القسري، إن القصد بتعبير الفنان، هو الانتباه، وتركيز النظر في: «الذاكرة الصغيرة العاطفية، التي هي على النقيض من الذاكرة الكبيرة المحفوظة في الكتب، هشة للغاية، وتختفي مع الموت».
تستند التقنية، في تعاطي الفن المعاصر مع كتل الأرشيف أساساً على مبدأ «الكولاج»، وذلك ما تجلى في عمل فنانين عديدين على غرار بولتانسكي، نجده عند آبي واربورغ، في العشرينيات من القرن الماضي، وأنطوني مونتاداس بعد ذلك بسنوات، قبل أن تتحول المادة الأرشيفية عند أمثال فيرونيك غروساي، وبيير ألشينسكي، إلى حوامل للتجهيز أو «اللوحة التركيب»، حيث تستعمل الصناديق والعلب والأدراج الملتقطة من أسواق المتلاشيات والسلع المستعملة، إلى قاعدة لتثبيت رسومات أو تصاوير صباغية أو صور فوتوغرافية، كما تتحول وثائق ورقية إلى سند لتحويرات رسمية أو صباغية على سطح الكتابة، بحيث تطمسها وتبقي على إيحائها، تشوهها وتحيل عليها، في سعي للحفاظ للوثيقة العدلية أو التجارية أو المدرسية أو الدفتر الشخصي، على ذاكراتها الصغيرة، وجعلها أداة في تأليف القصد الفني.
وبمقارنة أعمال فنانين من قبيل اللبناني «ريان ثابت» والمغربي «منير الفاطمي» في السياق العربي، يمكن الوقوف على الطاقة الإيهامية الناجمة عن إحداث المفارقة بين الحامل العتيق وما ألحق به من تدخل تصويري من جهة، والسعي إلى الاسترسال في تمثيل المحتوى الثاوي في السند الأرشيفي من جهة ثانية، وفي الحالتين معاً يبقى المشاهد إزاء حقيقة أن التوسل بالوثيقة كان لأجل توظيف ما تمثله من: مزيج بين الندرة والعراقة والحس الإشكالي، فتاريخ العائلة بات مصدراً لأرشيف مؤسس في عمل ريان ثابت البصري، كان ثمة جد اسمه «فائق بُرخش» عمل قبل قرن وبضع سنوات مساعداً ومترجماً للمستكشف الألماني البارون «ماكس أوبنهايم»، في حيز جغرافي يسمى «تل حلف» بسوريا، ورث عنه الفنان ألبوم صور عائلية ومذكرات، شكلت الخامة المولدة لمشاريع حملت عناوين: «تاريخ قصير للبنان» و«الجثة الأجمل» و«فتات»، في النهاية ما يجمع بين هذه العناوين -المشاريع هو اتصالها بكنه السلالة والذات والجسد المستخلص من الالتباس، في عمل بعنوان: «قبرص» يَمثُل قارب معلَّق، هش، وبادي الشيخوخة، متروك على اليابسة، قارب عائلي نُذر لهجرة ارتكست، لم يصمد الوعاء الخشبي أمام عنفوان الموج، فعادت العائلة إلى مرفئها اللبناني، ثم، لبث هناك، مستكيناً لخيبته، الحكاية يرويها ريان في غير ما معرض للعمل التجهيزي، لكن ما لا يحكيه هو تمثُّل «ما بعد» الوضع المعلق للقارب، الموضوع في ميزان الكابح المعدني، حلمُ العودة الراسخ في القرار العميق، بحيث يماثل رغبة السفر في مخيلة اللبنانيين، الوجود هنا وهناك وعيش العودة ولو تخييلياً، والارتحال ولو على أجنحة الحلم، وضعٌ نادر بين شعوب العالم، حيث الوجود في النهاية يكون في «الما بين».
بينما يعيد منير الفاطمي إلى دائرة الاستعمال، ما انتهت صلاحيته، من الوثائق والصور الشمسية إلى المواد والآليات، سيما تلك المتصلة منها بجوهر الكتابة والطباعة والتسجيل والإرسال والتواصل، من الآلات الكاتبة المعدنية العتيقة، والآليات المطبعية التقليدية، إلى أشرطة الفيديو والأسطوانات إلى الكتب القديمة والأرشيف الوثائقي. ويتحدث الفنان في هذا السياق عن انشغال معرفي قبل أن يكون جمالياً يسمه بـ«أركيولوجيا الوسائط»، ويحتل الكابل المتصل بالأطباق وباللاقطات الهوائية مركزاً ملحوظاً في الاشتغال، إذ يتحول إلى مادة محورية في التركيبات المتصلة بالبورتريهات والصيغ التجريدية والتنصيبات الاستعارية، بحيث ترتصف تنصيبات الكتل المتنامية في غير ما عمل عبر المادة ذاتها، مختصرة عالم ما قبل الفورة اللاسلكية. في هذه التركيبات يبدو اشتغال منير الفاطمي منصباً على استكناه المغزى الثاوي في: «عديم الجدوى» و«المتجاوز»، المستمر في البروز بما هو استعارة على وجود ما، لم ينتهِ كلياً، إنما فقد فعاليته، وتحول إلى ذكاء قاصر، ووجود متحفي يبرهن على نهم التطور، الطاحن والجهنمي، الذي يحول العالم من حولنا تدريجياً إلى ظواهر سريعة الانقراض.
في العمل المسمى «تشريح» الذي قدم بمعرض «وايل غاليري» بجنيف سنة 2019. تتمدد كتلة الكابلات البيضاء والسوداء مشكلة حلقات متشابكة، مثلما أعضاء جسد، على طاولة تشريح معدنية، تتجلى الكتلة في وضع جثة، لم يبق من فائدة لها إلا ما تقدمه من أسرار عن أسباب موتها، يستعير الفنان في هذا السياق تعبير «بروس ستيرلانج» عن «الوسائط الميتة»، في مسعى لتبيين الغواية المتفاقمة في المجتمع المعاصر، للوسائط التي لا تفتأ تنتج بدائل متسارعة في تقنياتها وموادها وإمكاناتها، فتتراكم مخلفاتها مثلما الجثث، أو الأشباح أو الأقنعة، لصور تبقى هي ذاتها في حقيقتها المهيمنة على العالم والموجهة له. ولعله لم يكن مصادفة أن توضع الجثة (الشبح-القناع)، على المشرحة، ما دام الأمر في النهاية يتصل باستلاب لا يخلو من توظيف إجرامي، إنها الذريعة التخييلية ذاتها التي جعلت التكوين البصري للصورة التي أنجزها الفنان لصدام حسين المشكلة من الكابلات (الخاصة بالأطباق اللاقطة)، تتخذ عنوان: «المجرم» ليس لأنه كان دموياً فقط، وإنما لأنه كان مسكوناً بهواجس المراقبة والتبليغ.
هكذا تعكس صلة الأرشيف بأدبيات الأداء في التجهيزات واللوحات المعاصرة والفيديو والفوتوغرافيا وتركيبات الكولاج، صيغاً مستحدثة للتعبير البصري، يستعير قواعد الكتابة اللفظية، فالمدونة اللغوية أرشيف في صلتها بدلالة المحفوظ، سواء استعمل أو خرج من التداول، والأرشيف مدونة للبصري، حيث يحفظ اللقطات والمشاهد والصور خارج سياقاتها التاريخية بوصفها وثائق لبرهنة تشكيلية ذات كنه مفهومي، من هنا يراوح الأرشيف بين كونه شيئاً وظيفياً، خرج من حيز الاستعمال عبر التطور المتسارع للتقنية، وبين كونه سجلاً لوثائق كتابية وسمعية بصرية، مما يجعل من وجوده البرزخي هذا المكون من المادة والتسجيل، موضوعاً للتأويل الفني المعاصر، وأداة للتأليف التصويري داخله، ضمن مستويين، أولهما متصل بالتحول من الاشتغال عل الأرشيف الجاهز، إلى صناعة أرشيف خاص في المشروع الفني، والثاني متصل بجعل الوثيقة أداة وسنداً في الآن نفسه داخل العمل الفني، بحيث لا يتحقق التكوين البصري إلا بوجود الوثيقة وتدخلها في إنتاج الأثر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس «ناسا»، اليوم الثلاثاء، أن وكالة الفضاء الأميركية ستستثمر 20 مليار دولار لتطوير قاعدة على سطح القمر، مع تعليق خططها لإنشاء محطتها المدارية القمرية المعروفة باسم «غايتواي».

وقال جاريد إيزاكمان في بيان أدلى به خلال فعالية استمرت ليوم كامل في مقر وكالة «ناسا» بواشنطن: «تعتزم الوكالة إيقاف مشروع (غايتواي) بشكله الحالي، والتركيز بدلاً من ذلك على البنية التحتية التي تُمكّن من استدامة العمليات على سطح القمر».

وأضاف: «على الرغم من التحديات التي تعترض عمل بعض المعدات الحالية، ستعيد الوكالة توظيف المعدات المناسبة وستستفيد من التزامات الشركاء الدوليين لدعم هذه الأهداف».

وكانت وكالة الفضاء الأوروبية، إلى جانب منظمات دولية أخرى، من بين الشركاء في مشروع «غايتواي».

يأتي هذا التغيير الأخير لخطط «ناسا» بعد تعديلات طرأت على برنامج «أرتيميس» الذي يهدف إلى إعادة رواد فضاء أميركيين إلى القمر، والتأسيس لوجود طويل الأمد هناك، تمهيداً لبعثات مستقبلية إلى المريخ.

وكان من المُفترض أن تكون محطة «غايتواي» المدارية القمرية بمثابة نقطة عبور لرواد الفضاء المتجهين إلى القمر، ومنصة للأبحاث.

لم يكن تعليق المبادرة مفاجئاً، إذ انتقدها البعض باعتبارها تهديداً للموارد أو تشتيتاً للانتباه عن طموحات أخرى متعلقة بالمهام إلى القمر.

وقال إيزاكمان إن «ناسا» تخطط حالياً لإنفاق 20 مليار دولار على مدى السنوات السبع المقبلة لبناء القاعدة القمرية عبر عشرات المهمات، «بالتعاون مع شركاء تجاريين ودوليين لوضع خطة مدروسة وقابلة للتنفيذ».

وأضاف: «سيكون هناك مسار تدريجي لبناء أول قاعدة دائمة للبشرية خارج كوكب الأرض، وسنأخذ العالم معنا في هذه الرحلة».

«أرتيميس 2»

أعلن إيزاكمان الذي تولى قيادة «ناسا» أواخر العام الماضي، على نحو مفاجئ قبل أقل من شهر، إعادة هيكلة برنامج «أرتيميس» الذي شهد تأجيلات متكررة في السنوات الأخيرة، وذلك بهدف ضمان عودة الأميركيين إلى سطح القمر بحلول عام 2028.

وأوضح إيزاكمان أن هذا الهدف لا يزال قائماً، لكن وكالة الفضاء الأميركية تُجري تعديلات على برنامج رحلاتها ليشمل مهمة تجريبية قبل الهبوط النهائي على سطح القمر، وذلك لتحسين «الخبرة العملية» في عمليات الإطلاق.

جاء هذا التعديل الاستراتيجي بعد تأجيلات متكررة لمهمة «أرتيميس 2» التي كان من المقرر إطلاقها في فبراير (شباط)، ولكنها باتت مرتقبة حالياً في أبريل (نيسان). وتهدف المهمة إلى تحقيق أول تحليق قريب من القمر منذ أكثر من نصف قرن.

خلال ولايته الأولى، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رغبته في أن تطأ أقدام الأميركيين سطح القمر مجدداً.

وتواصل الصين المضي قدماً في خططها لأول مهمة مأهولة إلى القمر بحلول عام 2030 على أقصى تقدير.

ويعتمد الجهد الأميركي جزئياً على تقدم شركاء «ناسا» من القطاع الخاص.

وقد تعاقدت «ناسا» مع شركتي الفضاء «سبايس إكس» و«بلو أوريجين»، التابعتين للمليارديرين إيلون ماسك وجيف بيزوس، لتطوير مركبات الهبوط القمرية المستخدمة في برنامج «أرتيميس».


القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر، وأكدت الوزارة في بيان، الثلاثاء، أن المقال المنسوب للمدعو فؤاد الهاشم، الصحافي الكويتي، تضمن إساءات إلى مصر وشعبها والقيم الأخلاقية العربية، إضافة إلى ادعاءات تسيء إلى الجوانب الصحية والسياحية في مصر.

وعدّ البيان «وقوع هذا الشخص في مستنقع البذاءات التي استخدمها تجاه مصر وشعبها أمراً مرفوضاً، وانحطاطاً أخلاقياً قبل أن يكون سقوطاً مهنياً وإعلامياً، وهو تصرف لا يمكن التسامح معه أو الصمت إزاءه».

ووجهت الوزارة التحية للأصوات الكويتية ومن سائر دول الخليج العربية من إعلاميين ومثقفين ومسؤولين ومواطنين شرفاء، سارعوا لإدانة ما اقترفه ذلك الشخص تجاه مصر وشعبها، وعبروا عن المشاعر الوطنية والقومية الطبيعية والمتجذرة لدى الشعبين في مصر والكويت، وما تضمنته مقالاتهم وآراؤهم بما يربط البلدين الشقيقين عبر التاريخ القديم والحديث من روابط اجتماعية وسياسية وثقافية.

وأهاب البيان بالإعلاميين والمواطنين المصريين عدم الوقوع في فخ الخلط بين انحراف هذا الشخص عن كل القيم والأعراف والأخلاقيات، وبين الشعب الكويتي الشقيق المحب لمصر بقيادته ومواطنيه ونخبه الثقافية والإعلامية، والحريص دائماً على العلاقات الطيبة مع مصر وقيادتها وشعبها، وعدم الانسياق وراء الفتنة التي أرادها هذا الشخص المسيء فى هذا التوقيت تحديداً للوقيعة بين الشعبين، فكاتب المقال لا يمثل في نظرنا إلا نفسه، ونربأ بإعلام وشعب الكويت أن يكون معبّراً عنهم».

وقال السفير عزت سعد، المدير التنفيذي للمجلس المصر للشؤون الخارجية، إن «العلاقة بين مصر والكويت لن يؤثر فيها سلباً مثل هذه المقالات، لكن من المناسب الرد وتوضيح علاقتنا بالكويت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الكويتي يقدرون دور مصر في بناء الكويت الحديثة ودورها في تحرير الكويت بداية التسعينات، ومن ثم يجب عدم الالتفات لمثل هذا الرجل الذي كتب كلاماً لا يستحق القراءة فضلاً عن الرد عليه».

ولفت سعد إلى أن إصدار بيان والتحرك قانوناً في مثل هذه المواقف أمر يعود لتقديرات وزارة الدولة للإعلام، مضيفاً: «في مناسبات سابقة كان هناك دائماً ذوو نفوس ضعيفة يكتبون مثل هذه الكلمات غير المسؤولة والتي تحتاج إلى دليل ملموس يدعمها، وهي صغائر لا تستحق الاهتمام».

وأعلنت الوزارة عن إجراءات تم اتخاذها تجاه الموضوع بالتنسيق بين وزارتي الخارجية في مصر والكويت، وإحالة الموضوع برمته إلى النائب العام في الكويت الشقيقة لاتخاذ ما يلزم قانوناً إزاءه، كما قام وزير الدولة للإعلام بمصر بالاتصال هاتفياً بوزير الإعلام بدولة الكويت، للتعبير عن الرفض التام لهذا المقال الذي نُشر في إصدار إعلامي كويتي، وهو تصرف غير مقبول، ويسيء للعلاقات الوطيدة بين البلدين، معرباً عن ثقته بأن الجانب الكويتي لن يتهاون إزاء هذا السلوك.

ويرى العميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة القاهرة، الدكتور حسن عماد مكاوي، أن «المقال المسيء صدر عن شخص ليس له حيثية، وليس له ثقل في المجتمع الكويتي، فهو شخص بلا جنسية (بدون)، وهو كاتب صحافي غير معروف ومحدود القيمة، ولا يستحق الرد على ما قاله من تفاهات وعبث».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «العلاقات بين مصر والكويت أكبر من هذا الأمر، ومثل هذه الكتابات سواء صدرت عن شخص كويتي أو شخص مصري يجب ألا يُعتد بها؛ لأنها لا يمكن أن تؤثر في علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية عبر عشرات السنين الماضية».

وفي الوقت نفسه، جدد وزير الدولة للإعلام خلال الاتصال الهاتفي التأكيد على دعم مصر حكومة وشعباً لدولة الكويت الشقيقة في مواجهة ما تتعرض له من اعتداءات إيرانية غير مبررة. وأكد البيان أنه يتم التنسيق حالياً بين وزارتي الخارجية فى مصر والكويت بشأن ما يمكن اتخاذه من إجراءات قضائية وفق القوانين الكويتية تجاه الشخص المذكور.

وجددت الوزارة عزمها وكل الجهات المصرية المختصة، على إخضاع أي تجاوزات تضر بالمصالح الوطنية، وتسيء للعلاقات مع الدول العربية الشقيقة، للقوانين واللوائح المصرية، وهو الأمر الذي تناشد الجهات المعنية في الدول العربية الشقيقة، القيام به تجاه المتجاوزين في حق مصر وشعبها والساعين إلى الإضرار بعلاقات دولهم الشقيقة معها، وذلك وفقاً لما تتيحه الأنظمة والقوانين في كل منها.

ووصفت المتخصصة في الإعلام والدعاية بجامعة القاهرة، الدكتورة سارة فوزي، البيان الصادر عن وزارة الدولة للإعلام في مصر بأنه «متوازن جداً»، وثمنت خطوات الوزارة في سرعة الرد على كل ما يتم نشره دولياً ومحلياً وما يتم تداوله من شائعات.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أهم ما يميز البيان التفرقة بين الآراء الفردية، والروابط القوية بين الكويت ومصر وغيرها من دول الخليج خصوصاً في وقت الأزمات والحروب».

ولفتت إلى أن «التحرك القضائي وتصعيد الأمر ضد أي شخص يتجاوز أمر مهم جداً، حتى لا نرى كتّاباً آخرين يحاولون التطاول على مصر»، وأكدت أنه «إلى جانب قوة مصر الناعمة يجب أن يعرف المتجاوزون أن مصر يمكنها أن تضرب بيد من حديد على المسيئين والمتجاوزين حتى لا يتكرر الأمر».

وأشارت سارة إلى حوادث عالمية كثيرة تم التحرك فيها قضائياً من قبل الدول ضد مقالات نشرت في دول أخرى تنال من هيبة الدولة المتضررة، وتسيء لها أو لأحد رموزها أو تطلق اتهامات جزافية ضدها.

وكان المقال المنشور في إحدى الصحف الكويتية قد أثار ضجة كبيرة في مصر، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشرت ابنة كاتب المقال وهي المخرجة السينمائية فرح الهاشم بياناً ورسالة موجهة للرئيس المصري على صفحتها بموقع «فيسبوك» تنفي فيه علاقتها بما يصدر عن هذا الشخص الذي وصفته بأنه «والدها البيولوجي»، وقالت في منشورها إن علاقتها به منقطعة منذ أعوام طويلة، وأنها تختلف تماماً مع آرائه، مؤكدة محبتها وتقديرها لمصر وشعبها.


مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان، بجانب تطور النسق المعماري عبر عصور مختلفة.

وأعلنت البعثة الأثرية المصرية المشتركة بين «المجلس الأعلى للآثار» و«كلية الآثار بجامعة القاهرة»، الثلاثاء، عن اكتشاف بقايا مبنى دير أثري يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي، بمنطقة الأديرة المطمورة بوادي النطرون بمحافظة البحيرة، والتي تُعد من أهم مراكز نشأة الرهبنة في مصر والعالم.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والأثار المصرية، «يمثل هذا الكشف مرحلة هامة في تطور الحياة الرهبانية المبكرة، حيث يلقي الضوء على التخطيط المعماري للأديرة الأولى في هذه المنطقة ذات القيمة الدينية والتاريخية الكبيرة».

وتبلغ مساحة المبنى المكتشف نحو 2000 متر مربع، وهو مشيَّد من الطوب اللبن، حيث يصل سُمك الجدران الخارجية إلى متر كامل، بينما يتراوح سُمك الجدران الداخلية ما بين 60 و70 سم، ويتراوح ارتفاعها بين 1.80 و2.20 متر.

ويضم المبنى فناءً مركزياً مكشوفاً يتوسط التخطيط العام، تحيط به مجموعة من الوحدات المعمارية التي تشمل أفنية فرعية تفتح عليها قلالي (حجرات الرهبان) بأشكال ومساحات متنوعة، ما بين المربع والمستطيل. كما تم الكشف عن مجموعة من الملحقات الخدمية في الجزء الغربي من المبنى، تضم مطابخ متكاملة وأفراناً وأماكن لتخزين المؤن.

المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور فنون العمارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي أن الاكتشاف يمثل «إضافة نوعية لفهمنا لبدايات الرهبنة في مصر، والتي انطلقت من أرض مصر لتنتشر في مختلف أنحاء العالم»، وأضاف في إفادة رسمية أن «وادي النطرون يُعد أحد أهم المراكز الروحية والتاريخية في مصر، وهذا الاكتشاف يعزز من مكانته على خريطة السياحة الدينية والثقافية الدولية».

وأسفرت أعمال الحفائر عن اكتشاف عدد من أماكن الدفن داخل المبنى، تحتوي على بقايا عظام بشرية يُرجح أنها تعود لرهبان الدير، في دلالة على الطابع الجنائزي المرتبط بالحياة الرهبانية في تلك الفترة.

ويرى أستاذ الآثار بجامعة القاهرة الدكتور جمال عبد الرحيم أن «الاكتشاف يفتح الباب أمام مزيد من الدراسات العلمية حول حياة الرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الآثار المكتشفة ستسهم في تسليط الضوء على الحياة الاجتماعية واليومية للرهبان، بشكل مغاير وأكثر عمقاً مما ورد في كتب التاريخ، حيث تقدم الحفريات تفاصيل مختلفة عن الروايات التاريخية»، مؤكداً أن «الدير المكتشف يبرز تطوراً كبيراً في العناصر المعمارية الخاصة بالأديرة».

يحتوي على عناصر معمارية فريدة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتضمن الكشف الأثري الجديد تفاصيل معمارية وفنية عدة، حيث تم العثور على عدد من النقوش بالخط القبطي، تتضمن أسماء رهبان أقاموا بالدير، إلى جانب كتابات دينية تتضرع بالرحمة والمغفرة، وهو ما عدته البعثة «يسهم في تأريخ المبنى، وتوثيق الحياة اليومية للرهبان».

ورأى أستاذ الاجتماع بالكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، الدكتور نصيف فهمي أن «اكتشاف الدير الجديد يفتح مجالاً واسعاً لدراسة الحياة الاجتماعية للرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحياة الاجتماعية للرهبان بها تفاصيل غير معروفة للكثيرين، وتوفر الاكتشافات الأثرية معلومات جديدة».

وبحسب وزارة السياحة، أظهرت الدراسات المعمارية استخدام أنظمة تسقيف متنوعة، بمبنى الدير المكتشف، منها الأقبية والقباب المبنية من الطوب اللبن، كما كُسيت الجدران بطبقة من الملاط الأبيض، وزُينت برسومات جدارية تضم عدداً من الصلبان وأشجار النخيل وزخارف نباتية وهندسية متنوعة.

المبنى يعود إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد عميد كلية الآثار بجامعة القاهرة الدكتور محسن صالح أن «البعثة وضعت خطة متكاملة لتوثيق المبنى المكتشف وصيانته وفقاً لأحدث المعايير العلمية، مع مراعاة طبيعة مواد البناء الطينية وتحقيق مبادئ الاستدامة». بينما أكد رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة السياحة الدكتور ضياء زهران، أن المبنى يعد «نموذجاً متكاملاً لمباني الرهبنة المبكرة، حيث يحتفظ بمعظم عناصره المعمارية»، بينما أوضح رئيس البعثة الأثرية الدكتور ياسر إسماعيل عبد السلام، أن هذا الكشف «يمثل دليلاً مادياً هاماً يؤكد الروايات التاريخية حول نشأة الرهبنة في وادي النطرون»، مشيراً إلى أن «المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور العمارة الرهبانية بين القلالي الفردية والأديرة الكبيرة».