الشغور الرئاسي يحرم لبنان الاحتفال باستقلاله

لقاء مسؤول في «حزب الله» وقائد الجيش لم يتناول الملف الرئاسي

وزير التربية يضع أمس إكليلاً من الزهور في موقع اغتيال الرئيس رينيه معوض (الوكالة الوطنية)
وزير التربية يضع أمس إكليلاً من الزهور في موقع اغتيال الرئيس رينيه معوض (الوكالة الوطنية)
TT

الشغور الرئاسي يحرم لبنان الاحتفال باستقلاله

وزير التربية يضع أمس إكليلاً من الزهور في موقع اغتيال الرئيس رينيه معوض (الوكالة الوطنية)
وزير التربية يضع أمس إكليلاً من الزهور في موقع اغتيال الرئيس رينيه معوض (الوكالة الوطنية)

اقتصر إحياء الذكرى الـ79 لاستقلال لبنان، أمس الثلاثاء، على دعوات لانتخاب رئيس للجمهورية، والحفاظ على السيادة، من غير احتفال رسمي درج لبنان على إقامته في هذه المناسبة، بسبب الشغور في موقع الرئاسة.
ولم ينظّم الجيش اللبناني عرضاً عسكرياً في المناسبة كانت تشارك فيه في العادة كتائب عسكرية تمثل الألوية والأفواج المقاتلة، إلى جانب كتائب من القوى الأمنية والصليب الأحمر، فضلاً عن تلقي الرؤساء التهاني في القصر الرئاسي. وقالت مصادر عسكرية إن العروض لم تُقم في هذا العام، بسبب الشغور الرئاسي، كون الرئيس بحكم القانون هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وعليه لا يمكن تنظيم حفل، ولو كان رمزياً، بسبب هذا الجانب فقط.
ووضع وزير التربية عباس الحلبي إكليلاً من الزهر في الموقع الذي تم فيه اغتيال الرئيس رينيه معوض في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989، وكان معوض أول رئيس للجمهورية ينتخب بعد التوصل إلى اتفاق الطائف.
وفي فترات الشغور الرئاسي السابقة أيضاً، لم تُقم أي عروض عسكرية، بينما أقيم عرضان رمزيان في عامي 2019 و2020 في وزارة الدفاع الوطني، بمشاركة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة ووزراء ومسؤولين آخرين، في ظل الاحتجاجات عام 2019، وأزمة انتشار وباء كورونا في عام 2020.
ومضى 22 يوماً على الشغور في موقع رئاسة الجمهورية، منذ انتهاء ولاية الرئيس اللبناني السابق ميشال عون في 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ويستمر تعذر التوصل إلى توافق بين القوى السياسية الممثلة في مجلس النواب على شخصية واحدة يمكن تأمين أصوات ثلثي البرلمان لها في الدورة الأولى، أو تأمين نصاب ثلثي أعضاء المجلس في الدورة الثانية. ومن المتوقع أن يكون مصير الجلسة التي دعا إليها رئيس البرلمان نبيه بري يوم غد الخميس، شبيهاً بمصير الجلسات الست السابقة.
ولم تتوقف الاتصالات بين القوى السياسية خلال الأيام الماضية للتوصل إلى تفاهم. ويتمسك حزب «القوات اللبنانية» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» وقوى أخرى ومستقلون بترشيح النائب ميشال معوض للرئاسة، فيما يدفع «حزب الله» و«حركة أمل» وقوى أخرى باتجاه ترشيح رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية، فيما يرى آخرون أن هناك فرصاً لاختيار شخصية ثالثة يتوافق حولها معظم المكونات، ومن ضمنها قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون الذي يحتاج انتخابه إلى تعديل دستوري، كون الدستور يمنع انتخاب موظف في الفئة الأولى.
وبعدما تسربت معلومات عن لقاء بين مسؤول وحدة «الارتباط والتنسيق» في «حزب الله» وفيق صفا خلال الأيام الأخيرة بالعماد جوزيف عون، نفت مصادر مواكبة للقاء أن تكون المحادثات قد تطرقت للملف الرئاسي. ووضعت المصادر اللقاء ضمن إطار «اللقاءات الدورية»، موضحة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن اللقاء تناول ملفات مرتبطة بالتنسيق على الأرض، مضيفة أن اللقاء «ليس الأول بين صفا والعماد عون، وعادة ما يجري لأمور تنسيقية ولم يتناول الملف الرئاسي بتاتاً».
وفي سياق اللقاءات بين القوى السياسية التي تتناول التنسيق في ملف رئاسة الجمهورية، التقى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، عضو كتلة «التجدد» النائب أشرف ريفي، الذي أكد أن «الأولوية في هذه المرحلة هو ملف رئاسة الجمهورية، ولأنه همُّنا الأول لإعادة الانتظام العام إلى الحياة السياسية، لا سيما أن البلد لم يعد يحتمل التأخير والمماطلة والألعاب البهلوانية».
وقال: «الشرف أن يكون لنا مرشح للرئاسة بالتعاون مع (القوات اللبنانية) وهو النائب ميشال معوّض، فيما الفريق الآخر يتلطّى خلف الورقة البيضاء ليخفي انقسامه الداخلي وعجزه عن توحيد صفوفه». وتابع ريفي: «إنها المرة الأولى التي لم يفلح فيها (حزب الله) بتوحيد صفه الداخلي». وإذ حمّل «مسؤولية التأخير في إنقاذ البلد لكل من يعطل جلسات انتخاب الرئيس إن كان في الدورة الأولى أو الثانية»، أكد ريفي إصرارهم على «المتابعة يداً بيد مع (القوات) للوصول إلى بر الأمان، باعتبار أن لبنان لنا ولن يكون ولاية إيرانية أو جزءاً من إيران».
عيد الاستقلال
وطغى ملف الشغور في الرئاسة على تصريحات المسؤولين في عيد الاستقلال، وقال رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي: «كلنا أمل بأن يتعاون السادة النواب لانتخاب رئيس جديد؛ إيذاناً بمرحلة جديدة من التعافي والنهوض. كما أننا سنمضي في العمل الوطني والدستوري المطلوب منا، مؤمنين بأن الاستقلال نضال يومي بكل الأشكال، ووليد قناعة من قلب الإنسان وصميم وجدانه».
بدوره، غرد وزير الدفاع الوطني في حكومة تصريف الأعمال موريس سليم عبر «تويتر» قائلاً: «العيد التاسع والسبعون للاستقلال يدعونا جميعاً إلى تحمل مسؤولياتنا لإنقاذ بلدنا مما يواجهه من تحديات غير مسبوقة في تاريخه. وفي هذا اليوم الوطني نجدد ثقتنا المطلقة بقواتنا المسلحة ونقدر تضحياتها الكبرى لحفظ الوطن وصون استقلاله».
من جهته، كتب وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال بسام مولوي على «تويتر»: «الاستقلال… يكون بتحمل المسؤولية؛ دفاعاً عن الوطن، حفاظاً على السيادة ونهائية الكيان، صوناً للمؤسسات وتمسكاً بالشرعية المتمثلة بالقوى الأمنية والجيش اللبناني».
وشدد وزير الأشغال العامة والنقل في حكومة تصريف الأعمال علي حميه، على أن «الإيمان باستقلال الوطن يكمن في كيفية ممارسة المسؤولية في مواقعها كافة»، وقال في بيان: «التبصر بواقع الوطن أولاً، والولوج إلى مكامن القوة فيه ثانياً، ومن ثم اتخاذ القرار السديد في كيفية معالجة مشكلاته ثالثاً، هي أركان نعدّها خارطة استقلالية صرفة تبعدنا عن أي تسول أو خضوع لأي كان».
وإذ أكد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أن «الاستقلال آتٍ لا محالة»، قال رئيس تيار «المردة» الوزير السابق سليمان فرنجية عبر «تويتر»: «كلنا أمام اختبار حقيقي لصون حرية واستقلال لبنان بالوحدة والحوار والانفتاح».
وغرد رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، عبر حسابه على «تويتر»: «الإنسان يكون حرّاً عندما يعبر قراره عن قناعته، والمسؤول يكون سيادياً ومستقلاً عندما ينبع موقفه من ضميره ومن مصلحة شعبه ووطنه». وأضاف: «مصلحة لبنان ومستقبل أجياله الشابّة، فوق كل المصالح والاعتبارات. هكذا نفهم الاستقلال ونعيشه، ولا شيء يحرجنا»، وتابع: «في هذا العام هناك فراغ في ذكرى الاستقلال، وليس فقط في معناه».
وغرّد عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب غياث يزبك عبر «تويتر»: «محزن أن نستفيق صباح الاستقلال على أعلام منكَّسة وقصر جمهوري فارغ، وجيش لا يَستعرِض فخوراً، وأطفال لا يلوِّحون بالأعلام ويُنشدون. أيّها السياديون انتفضوا، أيّها المتردِّدون استفيقوا من غيبوبة الخنوع، لننتخِب رئيساً يشبه أحلامنا وتضحياتنا، لنستعيد الجمهورية».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

عمّان تستدعي القائم بأعمال سفارة إيران بعد الاعتداءات على الأردن ودول عربية

شوارع في العاصمة الأردنية عمان (رويترز)
شوارع في العاصمة الأردنية عمان (رويترز)
TT

عمّان تستدعي القائم بأعمال سفارة إيران بعد الاعتداءات على الأردن ودول عربية

شوارع في العاصمة الأردنية عمان (رويترز)
شوارع في العاصمة الأردنية عمان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأردنية، في بيان، الاثنين، إنها استدعت القائم بأعمال سفارة إيران في عمّان احتجاجاً على «الاعتداءات التي استهدفت أراضي الأردن ودول عربية شقيقة».

ووفق البيان، استدعت الوزارة القائم بأعمال سفارة إيران في عمّان، مساء الأحد، و«أبلغته رسالة احتجاج شديدة اللهجة إلى حكومته على الاعتداءات التي استهدفت أراضي الأردن ودول عربية شقيقة، وإدانتها انتهاكاً صارخاً لسيادته وسيادة الدول العربية».

وحذّر العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، الأحد، من أن «الاعتداء الإيراني» على بلاده وسلطنة عُمان وعدد من الدول العربية «يُنذر بتوسيع دائرة الصراع» في المنطقة، في ظل الهجوم الذي تشنّه الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

وقال بيان صادر عن الديوان الملكي إن الملك شدّد، خلال اتصال هاتفي مع سلطان عُمان هيثم بن طارق، على أن «الاعتداء الإيراني على أراضي المملكة وسلطنة عُمان وعدد من الدول العربية ينذر بتوسيع دائرة الصراع».

كما حذّر الملك، في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، من «تداعيات هذه الاعتداءات على أمن المنطقة واستقرارها»، مؤكداً أن «التطورات الإقليمية الراهنة تتطلب تحركاً فاعلاً من المجتمع الدولي لخفض التصعيد»، وفق بيان ثانٍ للديوان الملكي.


«فصيل عراقي» يعلن قصف قاعدة للجيش الأميركي في مطار بغداد

متظاهر في بغداد يحمل صورة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بعد إعلان مقتله (رويترز)
متظاهر في بغداد يحمل صورة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بعد إعلان مقتله (رويترز)
TT

«فصيل عراقي» يعلن قصف قاعدة للجيش الأميركي في مطار بغداد

متظاهر في بغداد يحمل صورة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بعد إعلان مقتله (رويترز)
متظاهر في بغداد يحمل صورة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بعد إعلان مقتله (رويترز)

أعلن فصيل عراقي يعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم (الاثنين)، أنه شنت هجوما بسرب من الطائرات المسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلح في بيان، أنه «التزاما منا بتكليفنا الشرعي وقصاصا للقائد علي الخامنئي ودعما للجمهورية الإسلامية الإيرانية نفذ مجاهدونا اليوم الاثنين هجوما بسرب من الطائرات المسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».

وكانت سرايا أولياء الدم أعلنت الليلة الماضية قصف مواقع أمريكية في مدينة أربيل في إقليم كردستان.


رحيل البريطاني بول كونروي... شاهد العيان على «مجزرة الصحافيين» في بابا عمرو

الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)
الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)
TT

رحيل البريطاني بول كونروي... شاهد العيان على «مجزرة الصحافيين» في بابا عمرو

الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)
الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)

عاد اسم المصوّر الصحافي البريطاني بول كونروي إلى الواجهة، مع استعادة واحدة من أبرز التجارب الإعلامية التي وثّقت مرحلة مفصلية من تاريخ الثورة السورية، وذلك بعد رحيله، أمس (السبت)، عن عمر ناهز 61 عاماً إثر أزمة قلبية مفاجئة، ومسيرة حافلة في تغطية أخطر الحروب، وبؤر الصراع حول العالم، مثل البلقان، ليبيا، سوريا، أوكرانيا، وغيرها.

استحضار تجربة كونروي اليوم لا يأتي من باب التوثيق فقط، بل بوصفها شهادة حية على الجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحقّ المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء، حتى الصحافيون الذين دفعوا حياتهم ثمناً لكشف الحقيقة، حيث كانت مهمته الصحافية أكثر من مجرد توثيق، كانت مواجهة مباشرة مع آلة القتل، ومحاولة لإيصال الحقيقة إلى العالم رغم الحصار والقصف والتهديد الدائم للحياة، بحسب وكالة «سانا» الرسمية.

المصوّر الصحافي البريطاني بول كونروي رحل عن 61 عاماً إثر أزمة قلبية (إكس)

كونروي كان واحداً من القلائل الذين تمكنوا من دخول حي بابا عمرو في مدينة حمص عام 2012، في وقت كانت فيه الصورة تحاصر كما البشر، وكان الوصول إلى الحقيقة محفوفاً بالموت.

هناك، تحولت مهمته الصحافية إلى مواجهة مباشرة مع آلة القتل، حين تعرض المركز الإعلامي الذي كان يعمل فيه لقصف، أسفر عن مقتل الصحافية الأميركية ماري كولفن، والمصور الفرنسي ريمي أوشليك، فيما أُصيب هو، ونجا لاحقاً بعد إخراجه إلى لبنان في عملية معقدة، شارك فيها ناشطون، وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة.

توثيق الجرائم... من قلب حمص

لم يكن ما وثّقه كونروي في بابا عمرو مجرد مشاهد حرب، بل دلائل حية على حجم الجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحق المدنيين. ووصف كونروي بعد خروجه القصف على حمص بأنه يشبه مذبحة سربرنيتسا (في البوسنة)، «مذبحة عشوائية للرجال والنساء والأطفال»، مشيراً إلى أن آلاف المدنيين ظلوا محاصرين بلا كهرباء أو ماء، وبقليل من الطعام، وسط البرد وتساقط الثلوج.

بول كونروي الصحافي البريطاني يرفع علم الثورة السورية من أمام السفارة السورية في لندن رفقة متظاهرين عام 2012

وقال كونروي وقتها من غرفته في مستشفى لندن: «كيف سمحنا لهذا أن يحدث؟ إنهم يموتون وهم بحاجة إلى المساعدة»، ودعا المجتمع الدولي إلى التدخل لإنقاذ سكان سوريا مما ينتظرهم، لتظل شهادته إحدى أكثر الروايات تأثيراً في نقل معاناة المدنيين إلى العالم.

وفي تلك المرحلة، شكّلت الصور والشهادات التي خرجت من حمص عنصراً أساسياً في كسر العزلة الإعلامية التي حاول النظام البائد فرضها، وكشفت حجم المعاناة الإنسانية الحقيقية.

محاولة لإسكات الحقيقة

في المكان ذاته الذي سقط فيه عدد من الصحافيين، كان استهداف الإعلاميين رسالة واضحة: إسكات الصورة، ومنع الحقيقة من الوصول إلى الرأي العام الدولي.

غير أن تلك المحاولة لم تنجح، إذ تحولت حادثة قصف المركز الإعلامي إلى نقطة تحول في مسار التغطية الإعلامية للأحداث، وساهمت في تسليط الضوء على الانتهاكات التي ارتكبت بحقّ الصحافيين والمدنيين على حد سواء.

بول كونروي أصدر كتاباً في بريطانيا عن تجربته في حي بابا عمرو بسوريا رفقة زميلته الصحافية الفرنسية الأميركية ماري كولفن التي قضت في المجزرة التي ارتكبها نظام الأسد بحق الصحافيين في حمص 2012

بعد خروجه من حمص، لم تتوقف رواية كونروي عند حدود التجربة الشخصية، بل استمر في نقل شهادته عبر وسائل الإعلام والمنابر المختلفة، مستنداً إلى ما عايشه ميدانياً، ومسلطاً الضوء على الانتهاكات التي شهدها.

وشكّلت هذه الشهادات جزءاً من السردية التي نقلت معاناة السوريين إلى الخارج، وأسهمت في إبقاء القضية حاضرة في النقاشات الإعلامية والسياسية على المستوى الدولي.

مسارات العدالة الدولية

ومع مرور السنوات، عادت حادثة استهداف المركز الإعلامي في بابا عمرو إلى الواجهة، في سياق المسارات القضائية الدولية، حيث أصدر القضاء الفرنسي مذكرات توقيف بحقّ عدد من مسؤولي النظام البائد، على خلفية استهداف الصحافيين.

وتعكس هذه الخطوات استمرار الجهود الرامية إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة، والتأكيد على أن استهداف المدنيين والصحافيين لا يمكن أن يمر دون مساءلة.

بين العدسة والرحيل... شهادة لا تموت

رحل المصور الصحافي بول كونروي، لكن إرثه باقٍ، حيث لم تكن عدسته مجرد أداة لتوثيق الأحداث، بل كانت صوتاً يصرخ بالحقيقة حين حاول النظام البائد طمسها، ووسيلة لإنقاذ الإنسانية في لحظات كان الموت فيها قريباً من كل زاوية.

في بابا عمرو، حيث قتل صحافيون ودمرت مبانٍ، ووسط القصف العشوائي الذي وصفه كونروي لاحقاً بـ«مذبحة للرجال والنساء والأطفال»، لم يخف من الاقتراب من الخطر، بل كان يركض نحوه لينقذ من يستطيع، مصوراً كل لحظة من الشجاعة والمعاناة والإنسانية.

صور وحكايات كونروي تبقى شاهدة على الحقائق التي حاول النظام البائد دفنها، وعلى الأطفال والنساء الذين عاشوا تحت الحصار والبرد والجوع، وعلى الصحافيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لكشف الحقيقة.

رحل كونروي، لكن صوته يبقى: في كل صورة نجت، في كل شهادة بقيت حية، وفي كل ذكرى للمدنيين الذين وثق معاناتهم، شهادة لم تمت، لأنها حملت الحقيقة، والحقيقة تبقى حية.