عقوبة الإعدام أداة لترهيب المحتجين في إيران

إيرانيون في تركيا يرفع أحدهم صورة نويد أفكاري المصارع الذي أعدمته السلطات، خلال وقفة احتجاجية بالقرب من القنصلية الإيرانية في اسطنبول (رويترز)
إيرانيون في تركيا يرفع أحدهم صورة نويد أفكاري المصارع الذي أعدمته السلطات، خلال وقفة احتجاجية بالقرب من القنصلية الإيرانية في اسطنبول (رويترز)
TT

عقوبة الإعدام أداة لترهيب المحتجين في إيران

إيرانيون في تركيا يرفع أحدهم صورة نويد أفكاري المصارع الذي أعدمته السلطات، خلال وقفة احتجاجية بالقرب من القنصلية الإيرانية في اسطنبول (رويترز)
إيرانيون في تركيا يرفع أحدهم صورة نويد أفكاري المصارع الذي أعدمته السلطات، خلال وقفة احتجاجية بالقرب من القنصلية الإيرانية في اسطنبول (رويترز)

حذر نشطاء من أن إيران، إحدى الدول الأكثر تطبيقاً لعقوبة الإعدام في العالم، تخطط لاستخدامها اليوم أداة لقمع الحركة الاحتجاجية عبر إشاعة مناخ من الخوف.
ثبّت القضاء حتى الآن 6 أحكام إعدام على صلة بالاحتجاجات، بينما ذكرت منظمة العفو الدولية أنه بناء على تقارير رسمية، تجري محاكمة 21 شخصاً على الأقل بتهم مرتبطة بجرائم قد تفضي إلى إعدامهم.
وتعدم إيران سنوياً في الوقت الحالي عدداً أكبر من الأشخاص مقارنة بأي دولة أخرى باستثناء الصين، بحسب مجموعات حقوقية.
وتفيد منظمة العفو الدولية بأن إيران أعدمت 314 شخصاً على الأقل في 2021، بينما تشير منظمة حقوق الإنسان في إيران ومقرها أوسلو، إلى أن عدد الإعدامات هذه السنة بات أعلى بكثير منذ الآن، إذ بلغ 482 شخصاً.
ويحذّر ناشطون من أن السلطات تخطط لإعدام متظاهرين إثر تهم غامضة مرتبطة بـ«أعمال الشغب» والهجمات المفترضة على قوات الأمن خلال الاحتجاجات، ولزيادة الإعدامات التي لا علاقة لها بالحركة الاحتجاجية، خصوصاً لسجناء مدانين بتهم تتعلّق بالمخدرات.
وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية نقلاً عن منظمة العفو، بأن استخدام السلطات عقوبة الإعدام «مصمم لترهيب المشاركين في الانتفاضة الشعبية... وردع آخرين من الانضمام للحراك». وأكدت أن الاستراتيجية تهدف إلى «إشاعة الذعر في أوساط الناس»، بينما دانت «التصعيد المثير للذعر في استخدام عقوبة الإعدام أداة للقمع السياسي والانتهاك الممنهج لحقوق المحاكمة العادلة في إيران».

****رسالة قوية*****
وفي خطوة لافتة، امتنعت السلطة القضائية الإيرانية عن نشر أسماء المدانين الستة الذين حُكم عليهم بالإعدام، فيما يعتقد أنها محاولة لتجنّب استخدام المحتجين أسماءهم خلال التظاهرات أو انتشارها على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأدينوا جميعاً إما بتهمة «محاربة الله» أو «الإفساد في الأرض»، وهي جرائم تحمل عادة العقوبة القصوى في إيران التي لطالما عبّر الناشطون الحقوقيون عن قلقهم من استخدامها ضد معارضي النظام.
لكن منظمة العفو الدولية تفيد بأن طبيعة التهم تتيح استنتاج أسماء المحكومين حتى الآن. من بين هؤلاء، محمد غوبادلو، وهو شاب أصدرت والدته مناشدة مؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي للمطالبة بالحفاظ على حياة ابنها.
ومن بين الأشخاص الـ21 الذين يواجهون عقوبة الإعدام امرأة عرّفت عنها منظمة العفو على أنها فرزانة غاري حسنلو وزوجها حميد، وهو طبيب.
ويواجه آخرون عقوبة الإعدام بينهم سامان صيدي، المعروف أيضاً باسم سامان ياسين، وهو مغني راب في طهران متحدر من الأقلية الكردية أيّد الاحتجاجات على وسائل التواصل الاجتماعي، ويواجه تهمة إطلاق النار في الهواء وتقويض الأمن القومي.
وتطالب المجموعات الحقوقية، المجتمع الدولي، بالتحرّك بشكل منسّق لمنع تنفيذ عمليات الإعدام، خصوصاً أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة سيعقد جلسة خاصة نادرة من نوعها لبحث ملف إيران الخميس.
ولاحظ الناشطون بالفعل زيادة مقلقة في عمليات الإعدام هذه السنة، حتى قبل انطلاق الحركة الاحتجاجية، إذ عاودت إيران إعدام أعداد كبيرة من المدانين بتهم تتعلّق بالمخدرات، رغم الخطوات الأخيرة للحد من هذا النوع من عمليات الإعدام.
كما تشتكي مجموعات حقوقية من أن أعداداً كبيرة بشكل غير متناسب من أفراد الأقليات العرقية في إيران يتم إعدامهم، بما في ذلك الأكراد، لكن خصوصاً البلوش المتحدرّين من جنوب شرقي البلاد الذي يعاني من الفقر.
وقال مدير منظمة حقوق الإنسان في إيران محمود أميري مقدّم، أمام المؤتمر العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام في برلين: «ما لم يبعث المجتمع الدولي رسالة قوية جداً جداً إلى سلطات الجمهورية الإسلامية، فسنواجه عمليات إعدام واسعة النطاق».
وتحدّث أميري مقدم الذي تراقب منظمته حالات الإعدام في إيران عن كثب، قائلاً: «ليس عن الإعدامات السياسية فحسب، بل تلك التي تؤثر على من ليست لهم صفة سياسية، خصوصاً بتهم تتعلّق بالمخدرات».

- حاجز الخوف
تحوّلت الاحتجاجات التي أثارتها وفاة مهسا أميني التي أوقفتها شرطة الأخلاق في طهران إلى أكبر تحدٍ يواجه «الجمهورية الإسلامية» في إيران منذ ثورة 1979.
ووصفت السلطات في إيران معظم الاحتجاجات، بأنها «أعمال شغب»، بينما أكد رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، أن الأشخاص الذين يخضعون للمحاكمة «ارتبطوا بأفراد مناهضين للثورة»، وستتم معاقبتهم «وفق القانون».
وفي وقت سابق هذا الشهر، صوّت 227 من النواب الإيرانيين البالغ مجموعهم 290 لصالح إجراء يحض على استخدام عقوبة الإعدام بحق المدانين على صلة بالتظاهرات، داعياً القضاء إلى تطبيق العدالة بموجب مبدأ «العين بالعين».
وشهد العام الماضي بالفعل تعبئة ضد استخدام عقوبة الإعدام، بينما انتشر وسم على وسائل التواصل الاجتماعي يطالب بوقف الإعدامات.
ومن بين الأشخاص الذين يقبعون في السجن حالياً المخرج محمد رسولوف الذي تم توقيفه قبل الاحتجاجات ونال جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي عام 2020 عن فيلمه المناهض لعقوبة الإعدام «لا وجود للشيطان».
وقال أميري مقدّم إن «الجمهورية الإسلامية استخدمت عقوبة الإعدام للمحافظة على حاجز الخوف على مدى 43 عاماً». وأضاف أن «الاحتجاجات الحالية شهدت انهيار هذا الحاجز الذي تحاول السلطات الإيرانية الآن إعادة بنائه مع القمع وأحكام الإعدام الحالية».


مقالات ذات صلة

مقتل قائد شرطة برصاص مسلحين في بلوشستان الإيرانية

شؤون إقليمية مقتل قائد شرطة برصاص مسلحين في بلوشستان الإيرانية

مقتل قائد شرطة برصاص مسلحين في بلوشستان الإيرانية

قُتل شرطي إيراني، وزوجته، برصاص مسلَّحين مجهولين، أمس، في محافظة بلوشستان، المحاذية لباكستان وأفغانستان، وفقاً لوسائل إعلام إيرانية. وقال قائد شرطة بلوشستان دوست علي جليليان، لوكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، إن رئيس قسم التحقيقات الجنائية، الرائد علي رضا شهركي، اغتيل، في السابعة صباحاً، أثناء قيادته سيارته الشخصية، مع أسرته، في أحد شوارع مدينة سراوان. وذكرت وكالة «إرنا» الرسمية أن زوجة شهركي نُقلت إلى المستشفى في حالة حرجة، بعد إطلاق النار المميت على زوجها، لكنها تُوفيت، متأثرة بجراحها. وقال المدَّعي العام في المحافظة إن السلطات لم تعتقل أحداً، وأنها تحقق في الأمر.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية 24 هندياً على متن ناقلة نفط احتجزتها إيران في خليج عمان

24 هندياً على متن ناقلة نفط احتجزتها إيران في خليج عمان

أعلنت الشركة المشغلة لناقلة نفط كانت متّجهة نحو الولايات المتحدة، واحتجزتها إيران في خليج عمان أن السفينة كانت تقل 24 هندياً هم أفراد الطاقم، وأضافت اليوم (الجمعة) أنها تعمل على تأمين الإفراج عنهم. وأوضحت شركة «أدفانتج تانكرز» لوكالة «الصحافة الفرنسية»، أن حالات مماثلة سابقة تُظهر أن الطاقم المحتجز «ليس في خطر»، بعد احتجاز الناقلة (الخميس). وذكرت الشركة، في بيان، أن البحرية الإيرانية نقلت السفينة «أدفانتج سويت»، التي ترفع علم جزر مارشال، إلى ميناء لم يُكشف عن اسمه، بسبب «نزاع دولي». وقالت «أدفانتج تانكرز» إن «البحرية الإيرانية ترافق حاليا أدفانتج سويت إلى ميناء على أساس نزاع دولي».

«الشرق الأوسط» (دبي)
شؤون إقليمية كوهين يلتقي علييف في باكو وسط توتر مع طهران

كوهين يلتقي علييف في باكو وسط توتر مع طهران

أجرى وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين مشاورات في باكو، مع كبار المسؤولين الأذربيجانيين، قبل أن يتوجه إلى عشق آباد، عاصمة تركمانستان، لافتتاح سفارة بلاده، في خطوة من شأنها أن تثير غضب طهران. وتوقف كوهين أمس في باكو عاصمة جمهورية أذربيجان، حيث التقى الرئيس الأذربيجاني ألهام علييف في القصر الرئاسي، وذلك بعد شهر من افتتاح سفارة أذربيجان في تل أبيب. وأعرب علييف عن رضاه إزاء مسار العلاقات بين البلدين، وقال، إن «افتتاح سفارة أذربيجان في إسرائيل مؤشر على المستوى العالي لعلاقاتنا»، مؤكداً «العلاقات بين بلدينا تقوم على أساس الصداقة والثقة المتبادلة والاحترام والدعم»، حسبما أوردت وكالة «ترند» الأذربيج

شؤون إقليمية إيران تبدأ استخدام الكاميرات الذكية لملاحقة مخالفات قانون الحجاب

إيران تبدأ استخدام الكاميرات الذكية لملاحقة مخالفات قانون الحجاب

بدأت الشرطة الإيرانية اليوم (السبت)، استخدام الكاميرات الذكية في الأماكن العامة لتحديد هويات مخالِفات قانون ارتداء الحجاب، بحسب وكالة «تسنيم» الإيرانية للأنباء. وسوف تتلقى النساء اللاتي يخالفن القانون رسالة تحذيرية نصية بشأن العواقب، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وتقول الشرطة إن الكاميرات التي تتعقب هذه المخالفة لن تخطئ.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية إيران: تركيب كاميرات في الأماكن العامة لرصد من لا يلتزمن بالحجاب

إيران: تركيب كاميرات في الأماكن العامة لرصد من لا يلتزمن بالحجاب

أعلنت الشرطة الإيرانية اليوم (السبت) أن السلطات تركب كاميرات في الأماكن العامة والطرقات لرصد النساء اللواتي لا يلتزمن بالحجاب ومعاقبتهن، في محاولة جديدة لكبح الأعداد المتزايدة لمن يقاومن قواعد اللباس الإلزامية، وفقاً لوكالة «رويترز». وقالت الشرطة في بيان إن المخالفات سيتلقين بعد رصدهن «رسائل نصية تحذيرية من العواقب». وجاء في البيان الذي نقلته وكالة أنباء «ميزان» التابعة للسلطة القضائية ووسائل إعلام حكومية أخرى أن هذه الخطوة تهدف إلى «وقف مقاومة قانون الحجاب»، مضيفا أن مثل هذه المقاومة تشوه الصورة الروحية للبلاد وتشيع انعدام الأمن.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إسرائيل تعلن مقتل قائد «فيلق القدس» الإيراني في لبنان بغارة جوية على طهران

عمود من الدخان بعد ضربة عسكرية أميركية إسرائيلية في طهران بإيران يوم 3 مارس 2026 (أ.ب)
عمود من الدخان بعد ضربة عسكرية أميركية إسرائيلية في طهران بإيران يوم 3 مارس 2026 (أ.ب)
TT

إسرائيل تعلن مقتل قائد «فيلق القدس» الإيراني في لبنان بغارة جوية على طهران

عمود من الدخان بعد ضربة عسكرية أميركية إسرائيلية في طهران بإيران يوم 3 مارس 2026 (أ.ب)
عمود من الدخان بعد ضربة عسكرية أميركية إسرائيلية في طهران بإيران يوم 3 مارس 2026 (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه هاجم في وقت سابق، الثلاثاء، منطقة طهران، وقضى على داود علي زاده، الذي شغل منصب القائم بأعمال قائد «فيلق لبنان» التابع لـ«فيلق القدس» الإيراني، خلفاً لحسن مهدوي، الذي قُتل في غارة إسرائيلية. ووصف البيان علي زاده بأنه أرفع قائد إيراني مسؤول عن النشاط الإيراني في لبنان.

وكتب المتحدث باسم الجيش أفيخاي أذرعي على منصة «إكس»: «يُشكّل (فيلق لبنان) همزة الوصل بين (حزب الله) والنظام الإيراني، ويُعدّ جهة داعمة لتعاظم قوة (حزب الله) وبنائه العسكري. كما عمل بوصفه حلقة وصل بين كبار قادة (فيلق القدس) وقيادة (حزب الله)».

وأضاف أن علي زاده في الماضي شغل عدة مناصب من بينها «قائد فيلق الوسائل القتالية الاستراتيجية في فيلق القدس، حيث أشرف على عملية تعاظم أذرع (حزب الله) في مجال الوسائل القتالية الاستراتيجية. وقد شكّل مرجعاً معرفياً بارزاً في مجال قدرات (حزب الله) والوكلاء الآخرين».

وأوضح البيان أن زاده تولى منصبه مع انتهاء عملية سهام الشمال، وكان ضالعاً في إعادة إعمار «حزب الله» واستخلاص العبر لإدارة النشاطات المعادية ضد إسرائيل.

وقال إنه لعب في الفترة الأخيرة دوراً في دفع «حزب الله» لتنفيذ عمليات ضد دولة إسرائيل.

وكتب المتحدث باسم الجيش، في منشور آخر على «إكس»، أن داود علي زاده، المسؤول عن النشاط الإيراني في لبنان، أوعز إلى «حزب الله» بمهاجمة إسرائيل دفاعاً عن إيران.


بعد 4 أيام على اندلاع الحرب: هل يهتزّ نظام طهران أو يتكيّف؟

الدخان يتصاعد يوم الثلاثاء فوق مبانٍ في طهران بعد غارات أميركية - إسرائيلية (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد يوم الثلاثاء فوق مبانٍ في طهران بعد غارات أميركية - إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

بعد 4 أيام على اندلاع الحرب: هل يهتزّ نظام طهران أو يتكيّف؟

الدخان يتصاعد يوم الثلاثاء فوق مبانٍ في طهران بعد غارات أميركية - إسرائيلية (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد يوم الثلاثاء فوق مبانٍ في طهران بعد غارات أميركية - إسرائيلية (أ.ف.ب)

بعد 4 أيام على بدء الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تسقط إيران كدولة؛ لكن لا يبدو أنها لا تزال كما كانت قبل الضربة الافتتاحية التي قتلت المرشد علي خامنئي.

ورغم أن اغتيال الرقم الأكبر في السلطة الإيرانية أحدث فراغاً سياسياً ورمزياً هائلاً؛ فإن ذلك لم يُسقط تلقائياً منظومة الحكم التي صُمّمت على ما يبدو لتحمّل الصدمات، عبر طبقات متداخلة من المؤسسات الأمنية - العسكرية والبيروقراطية والشرعية الدينية.

وبينما لا يُعد دقيقاً افتراض أن موت المرشد يعني انهياراً فورياً، فإنه لا يبدو صحيحاً كذلك افتراض أن النظام الإيراني قادر على المرور السلس إلى «اليوم التالي» من دون ارتجاجات.

الحدث الأكثر دلالة على أن الحرب تتجاوز استهداف القدرات العسكرية إلى اختبار آليات الخلافة، كان ما أُفيد به عن ضرب مواقع مرتبطة بمؤسسة اختيار المرشد الجديد. ونقلت التقارير تعرُّض مقر اجتماعات مجلس خبراء القيادة/هيئة الخبراء (المخوّلة دستورياً بتعيين المرشد) للاستهداف في طهران، ثم التعرّض لموقع مرتبط بأمانته في قم، وسط روايات متقاطعة عن توقيت الضربة ومَن كان حاضراً.

هذه الضربة، حتى لو لم تُنهِ عملية الخلافة، تزرع في قلب النظام سؤالاً قاتلاً: كيف يمكن اختيار قائد أعلى جديد في بيئة باتت فيها «غرفة القرار» نفسها هدفاً، ومعها كل من يقترب منها؟ ومن هنا تبدأ التشققات: ليس فقط بين تيارات سياسية، بل أيضاً بين مدارس أمنية داخل بنية السلطة حول الأولويات: الانتقام، أم تثبيت البيت الداخلي، أم شراء وقت، أم فتح باب تفاوض مشروط.

«إيران ليست فنزويلا» ومعضلة ما بعد الضربة

في واشنطن، تتعايش روايتان: الأولى خطابية - تعبوية للرئيس دونالد ترمب تقول إن «الأوان قد فات على الحوار»، والثانية عملياتية تحاول ضبط الحرب ضمن أهداف قابلة للقياس: الصواريخ، البحرية، ومنع «مظلّة» ردع تقليدية تتيح لطهران إعادة بناء برنامجها النووي لاحقاً. التناقض بين الروايتين ظهر بوضوح في الأيام الماضية، مع تقارير عن تذبذب المبررات العلنية، وتبدّل ترتيب الأهداف.

ضمن هذه الفجوة يعود التشبيه الفنزويلي ليُستدعى ويُفشل نفسه. فحتى داخل المقاربة الأميركية، ثمة إدراك متزايد بأن إيران «ليست فنزويلا»؛ فلا «خليفة» واضحاً يمكن الرهان عليه سريعاً، ولا توجد بنية سلطة رئاسية مبسطة يمكن إعادة تدويرها بعد إزاحة رأسها.

وهنا تبرز أهمية ما قاله الباحث في الشأن الإيراني بمعهد واشنطن فرزين نديمي لـ«الشرق الأوسط» عن طبيعة الخيارات الأميركية: إن الحشد العسكري - بغضّ النظر عن اللغة السياسية - يشير عادةً إلى ضربات محدودة ومركّزة أو حملة «مخفّفة» الأهداف، لا إلى غزو شامل، لكن الحرب الحالية، وقد دخلت يومها الرابع مع اتساع ساحاتها، تدفع هذا التقدير إلى اختبار قاسٍ: فكلما اتسع الرد الإيراني إقليمياً، قلّت واقعية «الحملة المحدودة» زمنياً، حتى لو بقيت محدودة بغياب قوات برية.

في تقدير آخر لنديمي، نبّه إلى أن «اليوم التالي» في إيران أكثر تعقيداً من نموذج «غارة خاطفة» أو «تبديل رأس» ثم ترتيب تفاهمات. وهذا بالضبط ما يجعل الحديث عن انهيار قريب للنظام، بعد 4 أيام فقط، أقرب إلى أمنية سياسية منه إلى قراءة بنيوية.

خطة الحرب الأميركية

من زاوية عسكرية – سياسية، تبدو الخطة الأميركية أقرب إلى حرب مراحل: أولاً تحييد الدفاعات وإثبات تفوق جوي/ناري، ثم توسيع بنك الأهداف باتجاه البنية الصاروخية والبحرية ومراكز القيادة والسيطرة، وصولاً إلى مرحلة «الأصعب» التي لوّح بها وزير الخارجية ماركو روبيو علناً بقوله إن «الضربات الأقسى لم تأتِ بعد». وترافقت هذه الإشارة مع الحديث عن أن الحملة قد تمتد أسابيع، لا أياماً، حتى لو استمرّت الإدارة في نفي نية الانجرار إلى حرب طويلة.

مقاتلة تستعد للإقلاع من سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» الأحد (أ.ف.ب)

لكن «المراحل» لا تُقرأ فقط في عدد الطلعات والأهداف، بل في كيفية تسويق الغاية السياسية. فبينما يلمّح بعض مسؤولي الإدارة إلى أن مصير النظام «عرضي» قياساً بهدف منع إيران من امتلاك قنبلة نووية، تظهر في الخلفية مقاربة أخرى أكثر براغماتية: ليست «تغيير النظام» بالضرورة، بل «تغيير سلوكه». وهذا الفارق ليس لغوياً: إنه يحدد شكل النهاية الممكنة. فإذا كان الهدف «السلوك»، يمكن نظرياً إنهاء الحرب بتفاهم قاسٍ مع ما تبقّى من السلطة في طهران. أما إذا أصبح الهدف «النظام»، فستطول الحرب لأن إسقاط أنظمة من الجو - من دون قوات على الأرض - ليس وصفة مضمونة، بل وصفة للفوضى أحياناً.

وفي الميدان، الحرب تُنتج ضغطاً متصاعداً على النظام بطريقتين: الأولى ضرب قدرات الردع التقليدية (الصواريخ/المسيّرات/البحرية)، والثانية ضرب «الإيقاع» المؤسسي للنظام عبر استهداف حلقات القرار والرمزية، وصولاً إلى استهداف مؤسسة الخلافة نفسها.

حرب المحاور وتوسيع «الفوضى»

في المقابل، تتصرف طهران - أو ما تبقّى من مركزها - على قاعدة أن أفضل دفاع هو توسيع دائرة النار، لا حصرها داخل إيران. الهجمات على دول خليجية ومرافق حساسة، وضربات/تهديدات على الملاحة والطاقة، ليست فقط «تخبطاً»، بل قد تكون جزءاً من استراتيجية محسوبة لرفع تكلفة الحرب على واشنطن وحلفائها، وربط النهاية بأثمان اقتصادية وأمنية دولية.

الدخان يتصاعد من ميناء جبل علي في دبي عقب هجوم إيراني في أعقاب غارات أميركية وإسرائيلية على إيران (رويترز)

هنا تتقاطع قراءة طهران مع ما قاله الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ديفيد داود لـ«الشرق الأوسط»، إذ رأى أن التدخل - ولو المحدود - من «حزب الله» ومحور «المقاومة» يعكس تزايد تقدير داخل المحور بأن النظام قد يواجه خطراً وجودياً إذا استمر تجاه الحرب وشدتها؛ ما يخلق دافعاً لتوسيع المواجهة، وتقسيم القدرات الإسرائيلية والأميركية على جبهات عدة لإبطاء أثر الحرب على بقاء النظام «قبل فوات الأوان».

وفي الوقت نفسه، شدد داود على أن هذا لا يعني أن سقوط النظام بات محسوماً، بل إن المسار جعل احتمال الوصول إلى تلك النقطة أكثر قابلية للتصوّر.

هذه المقاربة تضيء على مفارقة: توسيع الحرب قد يمنح النظام «هوامش مناورة» عبر التشتيت ورفع التكلفة، لكنه قد يفتح أيضاً باب ردّ أعنف، ويُسرّع انتقال الحملة الأميركية من «تحييد» القدرات إلى «معاقبة» بنية الحكم، خصوصاً مع تصاعد ضغط الرأي العام الأميركي والخسائر البشرية، بعد مقتل جنود أميركيين في ضربات خلال الأيام الأولى للحملة.

إلى أين تتجه الحرب؟

بعد 4 أيام، يمكن استشفاف 3 مسارات واقعية، كلّها قاسية:

المسار الأول: «صفقة تحت النار» حيث تتصاعد الضربات، وتزداد الأخطار على الداخل الإيراني، فتقبل دوائر في الحكم - أو قيادة انتقالية - بتفاهم يحقق «تغيير السلوك»، قيوداً صارمة على الصواريخ/المسيّرات، آليات رقابة وتفكيك مفاصل محددة، وضبط عمل الوكلاء إقليمياً، مقابل وقف الحملة، وترك «شكل النظام» قائماً ولو مشوهاً. هذا المسار ينسجم مع لغة «السلوك» لا «النظام».

المسار الثاني: تآكل من الداخل، لا صفقة سريعة، لكن الضربات المتدرجة على القيادة والمؤسسات الحساسة - خصوصاً الخلافة - تُفاقم انقسامات داخلية، وتنتج مراكز قوة متنافسة (عسكرية/أمنية/دينية). هنا لا يكون السقوط فورياً، بل يكون تفككاً بطيئاً، غالباً مع فوضى أمنية. وإشارات الاستهداف المرتبط بمجلس الخبراء تعني أن هذا السيناريو لم يعد نظرياً.

الدخان يتصاعد خلف برج آزادي (الحرية) عقب غارة عسكرية أميركية - إسرائيلية في طهران يوم الثلاثاء (أ.ب)

المسار الثالث: حرب إقليمية ممتدة؛ حيث ينجح النظام في تجنيد ساحات متعددة، فتُستنزف المنطقة: طاقة وملاحة وأسعار، واحتكاكات على أراضي دول تستضيف قواعد أميركية؛ ما يرفع ضغطاً دولياً لوقف إطلاق النار من دون حسم واضح. التحركات التي أصابت منشآت/مصالح في الخليج، وارتدادها على أسواق الطاقة، هي مؤشرات مبكرة لهذا المسار.

أيّاً يكن المسار، فإن «نهاية الحرب» لن تُقرأ فقط في عدد الأيام والأسابيع، بل في تعريف واشنطن للنصر: هل يكفي تعطيل قدرات محددة، أم تُريد تغييراً سياسياً لا تملك له «خريطة تسليم«؟ حتى الآن، الإجابة تتأرجح - وهذا التأرجح نفسه قد يكون أخطر عنصر في حرب بدأت بصدمة كبرى، ولم تقل كلمتها الأخيرة بعد.


آثار قصف على سجن إيفين الإيراني تثير مخاوف على سلامة محتجزين بريطانيين

مدخل سجن إيفين في طهران - إيران 17 أكتوبر 2022 (رويترز)
مدخل سجن إيفين في طهران - إيران 17 أكتوبر 2022 (رويترز)
TT

آثار قصف على سجن إيفين الإيراني تثير مخاوف على سلامة محتجزين بريطانيين

مدخل سجن إيفين في طهران - إيران 17 أكتوبر 2022 (رويترز)
مدخل سجن إيفين في طهران - إيران 17 أكتوبر 2022 (رويترز)

أفاد زوجان بريطانيان مسجونان في إيران بوقوع انفجارات هزت سجن إيفين، حيث يُحتجزان، ووقوع أضرار في الجناح الخاص بهما مع اشتداد الصراع حول طهران، وذلك وفقاً لابن المحتجزة الذي تحدّث لوكالة «رويترز» بعد التواصل معهما الثلاثاء.

وأشار جو بينيت، الذي يتواصل بانتظام مع والدته لينزي فورمان، إلى تدهور الأوضاع داخل السجن مع استمرار القصف في العاصمة لليوم الرابع على التوالي.

وحُكم على لينزي وكريغ فورمان بالسجن 10 سنوات في إيران بتهمة التجسس بعد أن اتهمتهما إيران بجمع معلومات في عدة أجزاء من البلاد. ونفى الزوجان، اللذان اعتُقلا في يناير (كانون الثاني) 2025 خلال سفرهما عبر إيران في رحلة عالمية على دراجة نارية، التهم الموجهة إليهما.

وقال بينيت: «إنهما يسمعان صوت الطائرات تحلق فوقهما. ويسمعان صوت القنابل التي تقع في المناطق المحيطة خارج إيفين... كانت إحدى القنابل قريبة جداً من السجن لدرجة أنها... أحدثت ثقوباً في النوافذ والسقف».

وقال إن والدته وزوجها، كريغ فورمان، خائفان، ووصف الأجواء في السجن بأنها متوترة بشكل متزايد، مع وصول المزيد من المعتقلين بعد الاحتجاجات التي شهدتها المدينة.

وتابع: «نشعر بقلق على سلامتهما - الوضع يمثل تهديداً حقيقياً لحياتهما لأن البلاد في حالة حرب»، مضيفاً أن الاتصال يقتصر على مكالمات قصيرة من هاتف أرضي مشترك ينتظر السجناء دورهم لاستخدامه.

ويأتي تحذيره في الوقت الذي تُشير فيه تقديرات مدافعين عن حقوق الإنسان إلى احتجاز ما لا يقل عن ستة مواطنين أميركيين أو مقيمين دائمين بإيران، بينما يُحتمل وجود آلاف من حاملي الجنسيتين الأميركية والإيرانية في البلاد، ما يثير مخاوف من إمكانية استخدامهم كورقة مساومة في الصراع.

مخاوف بشأن الحصول على الطعام والماء

تخشى عائلة فورمان أيضاً على قدرة الزوجين على الحصول على الإمدادات الأساسية داخل سجن إيفين، فعلى الرغم من أن متجر السجن لا يزال مفتوحاً فإن هناك حالة من عدم يقين بشأن المدة التي ستستمر فيها المواد الغذائية والمياه، حيث يعطل الصراع حركة الموظفين وعمليات التوصيل.

وقال بينيت إن الحكومة البريطانية كانت حريصة على التواصل مع العائلة، لكن لم يكن هناك أي تواصل قنصلي لمدة ثلاثة أشهر، وكان الدعم «ضئيلاً»، دون وجود «خطة أو استراتيجية» لضمان إطلاق سراح الزوجين.

وأضاف: «الدعم الوحيد الذي يهمنا هو خطتهم لإعادة والديّ إلى المنزل».