الذات حين تستنجد عبثاً بالشعر للخلاص من أوهامها والعالم

مصطفى عبادة في ديوانه «بخطى مثالية كالفضيحة»

الذات حين تستنجد عبثاً بالشعر للخلاص من أوهامها والعالم
TT

الذات حين تستنجد عبثاً بالشعر للخلاص من أوهامها والعالم

الذات حين تستنجد عبثاً بالشعر للخلاص من أوهامها والعالم

تهيمن فكرة صناعة الضحية على أجواء ديوان «بخطى مثالية كالفضيحة» للشاعر مصطفى عبادة، الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة. فالذات الشاعرة ضحية لكل شيء حولها، ضحية للزمن وما يتسلل من ثقوب الماضي، ضحية للعواطف والأحلام والأصدقاء ولمحيطها العائلي والاجتماعي الفاتر، ضحية للأنثى ومحاولة مراودتها على مسرح الحب والشعر والجنس، وحين لا يتسنى لها ذلك، يتحول الفعل الشعري إلى التلويح بالانتقام والسخرية والكراهية أيضاً.
فماذا تفعل إذن الممثلة الأميركية «درو باريمور» في الديوان، هل تبحث عن دور جديد، أم هي محض تعبير نيئ عن مراهقة القصيدة والشاعر معاً، في عالم يدعي أنه لا يعرف جماليات الفضيحة، رغم أنه يصنعها كل يوم، ويتفنن في التستر خلفها كقناع. لكن كيف نصدق إذن، وفي هذا العالم المرتبك أن يتحول الشاعر إلى ضحية لكل هؤلاء، ولماذا لا يكون ضحية لنفسه، لقناعه الخاص المضطرب المبعثر، بين طرطشة الإيروتيكا وفوضى الجسد ونزوات الأحلام؟
في النص الأول من الديوان يتحول قناع الممثلة الأميركية إلى شرك، تتعرى الذات الشاعرة تحته، كاشفة - فيما يشبه المفارقة الضمنية - عن مأزقها الخاص، بخاصة في العلاقة العاطفية مع الزوجة والواقع المعيش، لكن الولع بالممثلة البطلة وقناعها الإيروتيكي الفاتن، يظل محض فجوة في الحلم، لا تملك الذات إزاءها سوى أن تعري نفسها وتتمسح كضحية بالجغرافيا والتاريخ، وعبر بعض الرموز والدلالات الشاردة (11 سبتمبر (أيلول)، مأساة مانهاتن - وأسماء لبعض المتهمين فيها، محمد عطا، والحازمي). وعبثاً تستنجد بالشعر في محاولة للخلاص من أوهامها والعالم. في المقابل كان من الممكن سدُّ هذه الفجوة القابعة في الحلم، أو حتى توسيعها، بشكل أكثر حيوية شعرياً وفنياً، لو تحول قناع الممثلة إلى فضاء للحوار، تتأمل الذات من خلاله أدوارها المتنوعة سينمائياً، وطبيعة علاقتها بعشاقها في هذه الأفلام، بل مشكلاتها الصحية، وشكواها من مطاردة الشمس لبشرتها، وغيرها من العلائق التي تجعل المشهد الشعري مفتوحاً على براح الصورة، وفي الوقت نفسه، على مراهقة الحواس والمنظر. بدلاً من الوقوع في نبرة التبرير والاعتذار والرجاء المخاتل، وغيرها من الدلالات الموحية بالرثاء التي تطالعنا في نهاية النص، على هذا النحو:
«أنا أريدك خارج الجغرافيا
بعيداً عن خطط المحافظين
ستذكرين بالتأكيد
آخرَ مكان كنا فيه
وسأنسى تاريخكِ الدمويَّ
أنا صنوك المعقَّدُ
لم أرَ بطن ركبة امرأة
إلا ذكرتك.
الجغرافيا لا تتبدَّلُ كثيراً
أقول: هذا صدرها
لا... هذا يشبه صدرها
وتنقصني الرائحة
لأن الروائح لا تعبر الأوطان
امنحيني رائحتك
ودعي القصيدة تمضي على ضمير المخاطب
لأنني تحللت تحت ضمائر الغياب».
من ثم، نحن في حاجة لإعادة النظر في مفهوم الضحية ليس فقط في الشعر، بل ربما في شتى مناحي الإبداع. فبرأيي أن الضحية ليست مفهوماً طبقياً خالصاً، وعلى غرار ما تعودناه من ثنائيات عقيمة، منها على سبيل المثال الغنى والفقر، هناك من هو ضحية للثراء، وأيضاً هناك من هو ضحية للفقر. لكن أصعب هذه الأدوار أن تكون ضحية لنفسك... ربما لذلك، تهرب الذات الشاعرة إلى تخوم أخرى، تتحايل عليها أحياناً بوشائج من التناص مع شخصيات متنوعة، بينهم كتاب وشعراء وفلاسفة ومناضلون، منهم (نيتشة، وابن حزم، والمعري، وحلمي سالم، وسيمون دي بوفوار وسارتر، أنانييس نن وهنري ميللر)، تستقوي بهم وتتحصن بظلالهم من مغبة الوقوع في شرك الضحية، وهو ما نراه في نص بعنوان «عمر»، فثمة وشيجة من التناص، تومض في تساؤلات خاطفة متخيَّلة ما بين الذات الشاعرة والبطل الليبي عمر مختار، أحد أشهر أبطال المقاومة للاحتلال الإيطالي لبلاده الذين تركوا علامات مضيئة في مسارات التاريخ، تساؤلات عن معنى الرجولة والتضحية والمجد والنضال والخوف من الفناء والمجهول. ولا تملك الذات المتسائلة المتشككة سوى أن ترثي نفسها في مرآة البطل الرمز قائلة:
«يا عمر
المجد كالمال ليس دائماً
ولا طاقة للمحروم
بخفاء التعري
على العشب
في المقابر أحياناً
أو في الأسرة الفاخرة
يا عمر
النضال ليس دائماً
والعدو دائم».
هذه النصيحة المتأرجحة بظلالها الشائكة التي ينتهي بها هذا النص، يقابلها إحساسٌ لاعج بالأسى والمرارة في النص الذي وسم عنوان الديوان «بخطى مثالية كالفضيحة»، حيث تجنح الدلالة إلى المواراة والمواءمة ما بين المحبة والغضب للتخفف من وطأة تواطؤ وخيانة الأصدقاء والرفاق، ونلمح محاولة حثيثة للبحث عن مبررات أخرى للوجود، بعيداً عما ترشح به الوجوه من مشاعر مبتذلة وكاذبة، وأقنعة، تتصنع الصرامة والسخرية.
في مواجهة كل هذا العبث، تنصِّب الذات الشاعرة نفسها قاضياً، يملك مفاتيح الثواب والعقاب، يحذر ويتوعد بالانتقام، لكنها في حقيقة الأمر تحاول أن تواجه نفسها، تستقوي بهشاشتها وضعفها بحثاً عن بقعة ضوء حقيقي في ركام هذا الغبار:
«أريد أن أقدم نفسي للعالم
بقلب متسخ
وحذاء نظيف
وتلالٍ من الكسل الممض
عناية للروح من حمى الحنين
وزحمة الأفخاذ.
سيأتي اليوم الذي أحجب فيه
والساعة التي تندمون
أعرفكم واحداً واحداً
خطاكم وخطاياكم تملأ كوبي
أنتم أيها الأصدقاء القتلة
لا تدركون اتساعي
ولحظة غضبي
أحبكم نعم
وأحنو
لكن عذابي شديد».
بيد أن هذه الصورة الغاضبة تتغير ملامحها ونبرتها في نص «بقوة الغريزة»، فالذات الشاعرة لا تكتفي بالإنصات للطرف الآخر (الأنثى)، إنما تتأمله كمرثية لها، تحفزها على الحيوية والالتصاق جسداً وروحاً بكينونتها الأنقى الهاربة تحت وطأة السذاجة والطيبة ومصادقة العالم. يستحضر النص: عبد القدير خان، الأب الروحي للبرنامج النووي الباكستاني، ونيتشة، وابن حزم، يتكئ عليهم كقوة للمعرفة والصمود، لتصبح الصورة أكثر اتزاناً في فراغ المشهد، مشرَّبة بظلال من الحكمة، وفي الوقت نفسه، تشكل مصفاة لما يعلق بالنص من شوائب ومآزق تخلفها العلاقات الإنسانية والعاطفية الخطرة... يقول في هذا النص (ص 48. 49):
«أنتَ سيئ وقاسٍ
صموت
لألمح في عينيك
نظرة إشفاق عليَّ
حتى وأنا نائمة
ولا تحنُّ إلى
تلك أشياءُ
لا تسعفها
قوة الغريزة
إنها الساق التي بها نصعد الجسد
وتخوننا لحظة الحسم
وهم هناك ينتظرون نتيجة الاختبار
الذي عرضوه علينا
ومنحوننا حرية الاختيار
وديمقراطية الشجن»
يصعد هذا الملمح المغاير على نحو لافت وأكثر درامية في نص بعنوان «زجاج» يختتم الديوان، حيث يمارس الشاعر نوعاً من الانزياح الأسلوبي، فيأخذ اللغة بعيداً عن علاقتها التواصلية المباشرة والمألوفة التي طغت على معظم النصوص، وقبعت تارة تحت قناع البطل، وتارة أخرى تحت قناع الضحية. كما يكشف النص عن ملمح جمالي قادر على مساءلة الأشياء ومواجهتها، وخلق نوافذ إدراك جديدة لها، من خلال جدل النفي والإثبات.
ومن ثم تتسع رمزية الزجاج، وتشف عما يتكسَّر ويتخفَّي في النص والواقع معاً، وتصبح مداراً لرؤية تتحاور من خلالها الذات مع العالم، بأقصى درجات الشغف والمحبة، والكراهية أيضاً، وكما يقول في النص:
أيها الزجاج:
«أنا أكرهك
ليس لأن يدي تنزلق عليكَ
فهي تنزلق على أشياء أخرى
أكثر سخونة منك
وأشدُّ إثارة
وليس لأنك شفافٌ وسطحيٌّ
وبلا عمق
وليس لأن ظهركَ حين يعتم
يفضح الوجوهَ في المرايا
وليس لأن المرايا كاذبة أو صادقة
فأنا لا أستعملها
وليس لأن القاتل دائماً له عينان زجاجيتان
كذلك اللصّ والكذاب وبعض الداعرات
أيها الزجاج:
ليس لأن الجيد منك بلجيكي أو أميركي
ملونٌ أو سادة
محبب أو أملس
وليس لأنك رملٌ
وأنا أرهب الصحراء».
وهكذا... تتواشج العناصر في هذا النص، بإيقاع حي وفي فضاء أوسع، يجر الدلالة إلى ما وراء المعنى المباشر للرمز، بينما تتعدد وظيفته الأسلوبية والجمالية بالقدرة على إثارة الدهشة والأسئلة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

تفاوتات غذائية حادة مرتبطة بالنوع الاجتماعي كانت قائمة قبل عشرة آلاف عام في أوروبا

يتسوق الناس في ممر اللحوم في سوبر ماركت «تيسكو إكسترا» في تشيشونت البريطانية (أ.ف.ب)
يتسوق الناس في ممر اللحوم في سوبر ماركت «تيسكو إكسترا» في تشيشونت البريطانية (أ.ف.ب)
TT

تفاوتات غذائية حادة مرتبطة بالنوع الاجتماعي كانت قائمة قبل عشرة آلاف عام في أوروبا

يتسوق الناس في ممر اللحوم في سوبر ماركت «تيسكو إكسترا» في تشيشونت البريطانية (أ.ف.ب)
يتسوق الناس في ممر اللحوم في سوبر ماركت «تيسكو إكسترا» في تشيشونت البريطانية (أ.ف.ب)

كشف علماء آثار أن تفاوتات غذائية حادة مرتبطة بالنوع الاجتماعي كانت قائمة قبل عشرة آلاف عام في أوروبا، إذ لاحظوا أن النساء كنّ يأكلن البروتينات الحيوانية بكميات تقلّ بصورة ممنهجة عن تلك التي يستهلكها الرجال.

وذكّر معدّو دراسة في هذا الشأن نشرتها مجلة «PNAS Nexus» بأن استهلاك الرجال اللحوم أكثر من النساء «موثَّق تاريخياً وإثنوغرافياً»، وكذلك الارتباط الشديد لهذه الفئة من الغذاء «بمفاهيم السلطة والسيطرة» و«بمكانة اجتماعية أعلى».

وبعد مساواة نسبية اتسمت بها مجتمعات العصر الحجري الحديث الذي شهد ظهور الزراعة وتدجين الحيوانات وامتد آلاف السنين، أدّى تعقُّد النظم الاقتصادية والسياسية في عصر البرونز إلى مفاقمة انعدام المساواة في الثروة.

ولاحظت المُعِدّة الرئيسية للدراسة روزين كولّتر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «أوجه عدم المساواة انخفضت عند سقوط الإمبراطورية الرومانية»، بفعل «إعادة تنظيم السلطة».

وبيّنت الدراسة أن انعدام المساواة في بعض المجتمعات يكون أكبر مما هو لدى غيرها خلال الحقبة الواحدة.

لكنّ المعطى الثابت أن الرجال كانوا باستمرار أكثرية ساحقة بين الأفراد المتاح لهم القدر الأكبر من البروتينات الحيوانية، في حين أن النساء أكثر عدداً في الفئات الأقل استهلاكاً لهذا النوع من الغذاء.

وأشارت عالمة الآثار والأنثروبولوجيا إلى أن «النساء (...) يعانين تغذية أقل (من الرجال)، منذ أولى جماعات الصيادين - الجامعين التي أتيحت دراستها وحتى العصر الحديث».

ولا يمكن تفسير هذه الفوارق باختلافات بيولوجية، لأنها تتغيّر بشكل كبير بحسب الفترات والثقافات، مع تباينات واضحة جداً في العصر الحجري الحديث وفي العصور الوسطى، لكنها أقل بكثير خلال العصور القديمة.


«صلصة خاطئة» تتحول إلى تهديد بالقتل… وسجن شاب في جنوب لندن

رجل يحمل مسدساً (أرشيفية - أ.ف.ب)
رجل يحمل مسدساً (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«صلصة خاطئة» تتحول إلى تهديد بالقتل… وسجن شاب في جنوب لندن

رجل يحمل مسدساً (أرشيفية - أ.ف.ب)
رجل يحمل مسدساً (أرشيفية - أ.ف.ب)

قادت مشادة، بدأت بسبب طلب طعام غير مطابق، إلى واقعة عنف صادمة في جنوب لندن، انتهت بسجن شاب لمدة 3 سنوات، بعد تهديده عامل مطعم دجاج بسلاح مزيّف ليلة عيد الميلاد، وفقاً لموقع «ماي لندن».

وأفادت الشرطة بأن مروان خضير (18 عاماً) دخل في خلاف مع العامل، إثر عدم حصوله على صلصة الثوم التي طلبها. ووفق لقطات كاميرات المراقبة، غادر الشاب المطعم بداية، قبل أن يكتشف في منزله أن الطلب غير صحيح، ليعود لاحقاً وهو في حالة غضب شديد.

وعند عودته، صعّد خضير الموقف سريعاً؛ حيث صرخ في وجه العامل مطالباً بتصحيح الطلب، ثم قفز فوق المنضدة محاولاً الوصول إليه، قبل أن يتم دفعه إلى الخلف. وفي لحظة تصعيد خطيرة، أخرج سلاحاً مقلّداً بدا حقيقياً، ولوّح به مهدداً بالقتل، في مشهد أثار الذعر داخل المكان.

وذكرت الشرطة أن الاعتداء استمر لأكثر من دقيقتين، وتخلله تهديد مباشر بإطلاق النار، إلى جانب اعتداء جسدي على العامل، الذي وجد نفسه في مواجهة موقف مرعب أثناء تأدية عمله.

وعقب الحادث، باشرت الشرطة تحقيقاتها، مستفيدةً من تسجيلات كاميرات المراقبة. وأسفرت الجهود عن تحديد هوية المتهم، الذي تم توقيفه في الثاني من يناير (كانون الثاني) من قبل الشرطة؛ حيث صودِر السلاح المزيّف وذخيرة وهمية كانت بحوزته.

وأقرّ خضير بذنبه في 30 يناير أمام محكمة وولويتش كراون، بتهم حيازة سلاح مقلّد بنية بث الخوف، وتوجيه تهديدات بالقتل، والاعتداء المفضي إلى إحداث أذى جسدي فعلي. وقضت المحكمة بسجنه 3 سنوات.

وتسلّط الواقعة الضوء على كيف يمكن لخلاف بسيط أن يتحول إلى عنف خطير، حين يُترك الغضب دون ضبط، ما يخلّف آثاراً إنسانية تتجاوز لحظة الانفعال، وتمتد إلى ضحايا أبرياء يدفعون الثمن أثناء عملهم اليومي.


مرحاض «أوريون» يثير جدلاً علمياً… و«ناسا» تبحث عن السبب

طاقم «أرتميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)
TT

مرحاض «أوريون» يثير جدلاً علمياً… و«ناسا» تبحث عن السبب

طاقم «أرتميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)

رغم النجاح اللافت الذي حققته مهمة «أرتميس 2» بوصفها أول رحلة مأهولة إلى القمر منذ أكثر من نصف قرن، فإن تفاصيل صغيرة في ظاهرها فرضت نفسها على المشهد، مانحة البعثة بُعداً إنسانياً لا يخلو من الطرافة، وأحياناً من التحدي.

ففي وقت كانت فيه الأنظار تتجه إلى التحليق التاريخي للمركبة «أوريون» حول القمر، برزت مشكلة غير متوقعة تتعلق بمرحاض المركبة، الذي حظي باهتمام واسع منذ انطلاق الرحلة، كونه أول نظام من نوعه يُستخدم خارج مدار الأرض، وفقاً لموقع «أسباس».

وأقرّ مسؤولو وكالة «ناسا» بأن المرحاض «يعمل فعلياً»، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تفريغ الخزان، وهي عملية لم تسرِ وفق ما كان مخططاً لها. وقال مدير الرحلة، ريك هينفلينغ، إن «التهوية أقل بكثير مما توقعنا، ما اضطرّ الطاقم إلى اللجوء إلى وسائل بديلة، بدلاً من الاعتماد الكامل على النظام».

وكان طاقم «أوريون»، المؤلف من أربعة رواد، قد أبلغ في وقت مبكر بعد الإطلاق عن ظهور ضوء تحذيري، تبيّن لاحقاً أنه مرتبط بوحدة التحكم الخاصة بالمرحاض. وقد جرى التعامل مع الخلل بالتنسيق الوثيق مع مركز التحكم في هيوستن، في مشهد يعكس طبيعة العمل الجماعي تحت ضغط استثنائي.

ولم تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ أشار الرواد إلى صعوبة في تصريف البول إلى الفضاء، إضافة إلى رصد رائحة احتراق غامضة داخل النظام، وهي ظاهرة لم تُفسَّر بعد، لكنها وفق «ناسا» لا تشكل خطراً مباشراً على سلامة الطاقم.

وفي محاولة لفهم جذور المشكلة، رجّح الفريق الفني أن تكون التفاعلات الكيميائية المستخدمة لمنع تكوُّن الأغشية الحيوية قد أدّت إلى ترسّبات تسببت في انسداد أحد المرشحات، غير أن هذا التفسير لا يزال قيد التحقق.

من جهتها، أكدت لوري غليز، نائبة المدير المساعد لمديرية تطوير أنظمة الاستكشاف في «ناسا»، أن الوصول إلى إجابة دقيقة لن يكون ممكناً إلا بعد عودة المركبة وفحصها ميدانياً، مشيرةً إلى أن «الدخول إلى أوريون وتحليل مكوناتها مباشرة سيقودنا إلى السبب الجذري».

وكانت «أرتميس 2» قد انطلقت من قاعدة «كيب كانافيرال» في فلوريدا، على متن صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي»، حاملةً رواد الفضاء الأميركيين كريستينا كوك، وفيكتور غلوفر، وريد وايزمان، إلى جانب الكندي جيريمي هانسن، في مهمة تستمر 10 أيام.

ورغم انقطاعٍ مؤقت في الاتصال بعد الإطلاق، سرعان ما استُعيدت الاتصالات، في وقت واصلت فيه المركبة رحلتها بنجاح، مؤكدةً أن التحديات التقنية مهما بدت غير مألوفة تظل جزءاً أصيلاً من مغامرة الاستكشاف.

ومع اقتراب عودة «أوريون» إلى الأرض، تتجه الأنظار إلى ما ستكشفه الفحوصات الدقيقة، ليس فقط لحل مشكلة المرحاض، بل لتعزيز جاهزية المهمات المقبلة. فبين التفاصيل الصغيرة والإنجازات الكبرى، تكتب «أرتميس 2» فصلاً جديداً في تاريخ البشرية... حيث يلتقي العلم بالحياة اليومية، حتى في أدقّ تفاصيلها، تعبيراً صادقاً عن رحلة الإنسان نحو المجهول.