أفلام عربية تتمنى وغربية تنتظر توقعات متساوية

«الشرق الأوسط» في مهرجان القاهرة (5)

«رحلة يوسف» (سوريا)
«رحلة يوسف» (سوريا)
TT

أفلام عربية تتمنى وغربية تنتظر توقعات متساوية

«رحلة يوسف» (سوريا)
«رحلة يوسف» (سوريا)

‫كما كان متوقعاً، أحدثت الدورة الرابعة والأربعون التي تخطو خطواتها صوب حفل الاختتام اليوم (22 الحالي) الاهتمام الشعبي الكبير الذي توخّته وربما أكثر منه. ‬
الصالات في معظم العروض كانت ممتلئة. الاهتمام بالمخرجين والحوارات معهم بعد عرض أفلامهم كانت، حسب مخرجين عديدين، ثرية والأسئلة جادة وتعكس حباً للسينما وللأفلام. وإدارياً، أحدثت إدارة حسين فهمي تغييراً أوقف هدر الأوقات وفوضى المواعيد وبعض المشاكل السابقة التي كانت تتكرر من عام لآخر.
في لقاء آخر مع رئيس المهرجان تم قبل يومين سألته عما أراد تغييره عندما تسلم مهامه، فأجاب بأن الاهتمام الأول كان توجيه المهرجان للجمهور، «الجمهور كان شاغلي الأول، والإدارات السابقة كانت معنية بذلك، لكني أعتقد أننا خطونا صوب تطوير هذا الرغبة عبر توسيع رقعة العروض في القاهرة بحيث لا يعد لزاماً على هاوي السينما أو المُشاهد عموماً اجتياز مسافات طويلة لكي يأتي إلى دار الأوبرا».

فيلم «السد» (السودان)

هذا كان معمولاً به سابقاً بالطبع، لكن ربما على نطاق أضيق مما هو عليه الآن. سألته عما إذا كانت لديه شروط لقبول المنصب عندما اختارته وزارة الثقافة له «أبداً. هو طلب واحد فقط: رفع الميزانية إلى ما يمكن معه تمكين المهرجان من الإيفاء بمصاريفه وعلى نحو كامل».
• الميزانية الممنوحة من قِبل الوزارة هي 40 مليون جنيه مصري (قرابة مليونَي دولار). صحيح؟
- صحيح. لكن الاعتماد كذلك كان على المساهمين والرعاة. هنا ارتفع عدد الرعاة واستعادوا الثقة والرغبة في المساعدة على استكمال الميزانية أو توفير الإمكانيات المطلوبة.
- لماذا انتقد البعض اختيارك لإدارة المهرجان؟
‫• ‬بصراحة لا أدري ولا يهمني كثيراً ما قيل في هذا الصدد. العمل هو الذي علينا في النهاية الحكم له أو عليه. لكن النقد لم يتوقف فقط عند مرحلة ما قبل بداية المهرجان. استمر ومستمر (يضحك).
يحكي حسين فهمي في هذا المجال عن مخرجة (لم يسمّها) هاجمت اختياره متسائلة «هوا ما فيش حد تاني بمصر غير حسين فهمي؟»، ثم قابلته وكررت اعتراضها. يضحك ويكرر، أن النقد المسبق مشكلة تؤذي أصحابها، ويضيف «لكن تسلمت تهاني كثيرة، وهذا كان تأكيداً لي على أن على هذا المهرجان أن ينجز كل ما يعد به. لكن في الحالتين النتيجة هي التي تعكس الواقع وليس أي شيء آخر».
كيف كنا
على صعيد الأفلام، ومع ختام لجنة التحكيم التي تترأسها المخرجة اليابانية ناوومي كواسي (اختيار ذكي آخر) وتضم ستّة سينمائيين آخرين، بينهم مديرة التصوير نانسي عبد الفتاح، والممثلة الهندية سوارا شهاسكار، والموسيقار راجح داود، والمخرج المكسيكي خواكين دل باسو، ارتفعت التوقعات.
الأفلام المختارة، كانت بمعظمها تستحق هذا الاختيار والمتنافسون العرب (أربعة) وفّروا أفلامهم تبعاً لاختيارات أسلوبية أو درامية متباينة.

من «جزيرة الغفران» (تونس)

من تونس عرض المخرج ذو الباع الطويل رضا الباهي فيلمه الجديد «جزيرة الغفران» الذي يتحدث عن ذكريات بطله الصبي في زمن ساده التعايش بين الأديان، وردد، إنه الفيلم الأقرب إليه في هذه المرحلة التي «يحاول فيها البعض فرض واقع متطرّف جديد». وأضاف «هو فيلم عن مرحلة مثالية ناضجة يذكّر الفيلم بها ويدعو لإعادتها».
من السودان (أو تحت عَلَم السودان، علماً بأن التمويل جاء بقاع أوروبية وعربية مختلفة) شاهدنا «السد» العمل الأول للبناني علي شرّي. يتردد أن إنتاجه تطلّب خمس سنوات من العمل. يُثير ذلك - عند مشاهدة الفيلم - بعض التعجب؛ كون الميزانية لا يمكن أن تكون تجاوزت 800 ألف دولار أو نحوها.
يرصد المخرج مجموعة من العمّال في الصحراء السودانية يصنعون الطوب من الطمي بالقرب من سد على نهر النيل. منطقة بعيدة ومعزولة من دون توفير سبب لاختيار ذلك المكان ولا السبب وراء ركوب ماهر دراجته النارية إلى موقع بعيد آخر بنى فيه (كما يبدو) صرحاً من التراب والطين، ونراه يؤمه لكي يرممه بمزيد من الطين... بعد حين، تمطر السماء بغزارة فيتفتت الطين المضاف، ثم يهوي الصرح وتجرفه المياه. هل لم يفكر ماهر باحتمال حدوث ذلك؟ المَشاهد التي يتألّف منها الفيلم موحية، وحسناً فعل المخرج بتحديد الحوار وعدم بناء أي موقف عليه. لكن هذا ليس كافياً لابتداع فيلم وجداني يستخدم الرمز أو سواه.
يضعنا الفيلم، بمشاهده الطويلة أمام حالات تريد أن تفصح عن حالات. لكن القليل يصل والغالبية تبقى حالات غير مفسّرة حتى ولو لم يكن الغرض تفسيرها على نحو تقليدي. لماذا قتل ماهر الكلب الذي كان يطعمه؟ لماذا مشهد الحريق الكبير قبل نهاية الفيلم؟ وما هو سر الأصوات التي تخرج من الأرض غير مفهومة؟ لا بد أن هناك تفسيراً لكل شيء، لكن اختيار المَشاهد لا يؤدي إليها فتبقى غامضة. تصوير جيد من باسم فيّاض وإنتاج يبقى في نطاق المحدود من الإمكانيات المادية التي تصنع في النهاية عملاً تجريبياً لافتاً أثر منه ناجحاً.
حكاية عَلَم
باسم فلسطين (مع تمويل خارجي شبه كامل) تم تقديم «عَلَم» لفراس خوري. دراما تطفو فيها العاطفة فوق الوقائع على الرغم من النية الحسنة التي تحرّك خطابه.
يختار المخرج فراس خوري، أو ربما آخرون، عدم ترجمة كلمة «علم» للغة الأجنبية، بل إبقاء الاسم الأجنبي كما أعلاه. اختيار يشي بأن «عَلَـم» يتمحور حول الراية التي يدعو إليها الفيلم وما ترمز إليه. هناك، فوق مدرسة تقع (على الأرجح) في القدس المحتلّة (نرى المسجد الأقصى في الخلفية في مشهد واحد) علم إسرائيلي يرفرف فوق السطح. تامر (محمود بكري) ورفاقه يخططون لاستبدال العلم فلسطيني بالعلم الإسرائيلي. «المهمّة عليها أن تبقى سريّة خوفاً من العواقب».
العَلَم بالطبع هو رمز، لكن الحكاية لا تعدو في نهايتها جمع ما بين الموضوع السياسي (القضية والهوية) ومتابعة بيئة شبابية مراهقة موزّعة بين عواطف مختلفة مع علاقة عاطفية تنمو (بتمهّل جيد) بين تامر وميساء (سيرين خاص). يلقي المخرج نظرة عارفة على تلك البيئة والعالم المحدود بين المدرسة والبيت. بين الأستاذ هنا والأب هناك. في أحد المشاهد يخرج معظم التلامذة من الصف تضامناً مع أحدهم حين احتج أن الأستاذ يدرّس تاريخ الاحتلال الإسرائيلي من خلال منهج الاحتلال. ما بعد ذلك، يبدأ تطوير الخطّة ثم الاشتراك في مظاهرة يُقتل فيها أحدهم. تامر نفسه يُضرب. طعم الهزيمة مر. الاحتلال قوي. المناهضة ضعيفة وينتهي الفيلم بلا قرار ذاتي لتامر. هل سينخرط في الرفض أو سيعود إلى موقعه. يمر معظم الفيلم في حوارات بين تامر وأصحابه كاشفة لشخصيات كل منهم، لكن ليس هناك لا من إدارة ولا من معالجة فنيّتان. مشاهد المظاهرات تهدف لرفع مستوى الحماس ما يحيل الفيلم إلى عمل عاطفي آخر مع نهاية هامدة، تلك التي نرى فيها تامر وهو لا يزال بلا قرار والبحث عن هوية حقيقية لنفسه كفلسطيني يمضي بشعور من العبث.
تكرار
في آفاق السينما العربية، وهي مسابقة خاصة بالأفلام العربية، تم عرض الفيلم السوري «رحلة يوسف» وسط احتفاء جماهيري كبير. الجمهور يحب أفلام جود سعيد كما برهن مرّات من قبل، وبدأ المخرج منتشياً من هذه العاطفة التي أحيط بها.
نقدياً، وعند هذا الناقد ربما أكثر من سواه، لا يُضيف الفيلم الكثير لأفلام المخرج السابقة مثل «نجمة الصبح» و«مسافرو الحرب». هي المشاكل ذاتها والشخصيات نفسها والحرب ووقائعها ونتائجها التي لا تتغير.
في «رحلة يوسف» (له عنوان آخر هو «المنسيون») نتعرّف على دافن الموتى يوسف (أيمن زيدان) في مشهد أوّل بديع التصميم. كاميرة وائل عز الدين من موقع بعيد ليوسف وهو عائد إلى القرية الصغيرة التي يعيش فيها. ولاحقاً ما يدير المخرج ومدير تصويره مشاهد جميلة في طبيعتها القاحلة تذكّرنا بإرث من أفلام آسيوية (تركية وإيرانية على الأخص) من حيث التعامل مع المكان وسمائه وثلوجه.
ندلف من هنا إلى حكاية عن البيئة التي يعيش فيها يوسف وحفيده الواقع في حب فتاة يريدها لنفسه أحد «الشبّيحة». القرار المتّخذ هو هروب زياد بمن يحب وبعض عائلتها إلى خيام تشرف عليها منظمّة الصليب الأحمر. لكن هناك تجد العائلة مشاكل جديدة تزداد خطورة عندما يصل من يبحث عن زياد وحبيبته اللذان تزوّجا في تلك الخيام. قصّة حب أخرى بين يوسف وامرأة في مثل سنّه تتكلل بالنجاح ثم تتخللها ذات المصاعب الناتجة من خطورة التوابع والأشرار الذين يقفون ضد حياة هادئة ومزدهرة في تلك الأجواء الصعبة من سوريا اليوم.
شاهدنا هذا النوع من الرحيل والتجاذب حول المرأة التي يرغب فيها أكثر من طرف كل طرف يمثّل اتجاهاً سياسياً معادياً للآخر. شاهدناه في «انتظار الخريف» و«مسافرو الحرب». ليس هناك من فوارق تُذكر على صعيد الدراما التي على الحكايات أن توفّرها ولا على صعيد الشخصيات ومشاربها وتوجهاتها ولا كذلك على صعيد الدعوة لحل إنساني يوحّد ولا يفرّق. ومن تابع أفلام جود سعيد يدرك أن الشخصيات التي يقدّمها كثيرة والخط الأساسي للحكاية سريعاً ما يتفرّع إلى أحداث ذات صياغات متشابهة.
نوايا متوقعة
بالعودة إلى أفلام المسابقة الرئيسية فإن التوقعات متساوية.
هناك من يرغب في أن يرى الفيلم المصري «19 ب» لأحمد عبد الله يخرج فائزاً. لكن قسماً كبيراً من هذا التمنّي عاطفي بطبيعة الحال. الفيلم ذاته، كشأن أفلام المخرج السابقة، يلج مسافة طويلة من حسن العمل والإتقان لكنه لا يحقق، في النهاية ما يلزم.
«السد» و«العلم» يمرّان بطموحات، الأول لفيلم وجداني والآخر لفيلم ذي قضية من دون توقف كثير عند متطلّبات نجاح أي من هذين الوضعين.
الغالب أن نيّة لجنة التحكيم ستتجه إلى اختيار فيلم أجنبي والأكثر استحقاقاً، عند هذا الناقد، «أشياء لم تُقل» للمقدونية إليانورا ڤينينوڤا (يؤازره هذا الاختيار كونه من إخراج امرأة) و«لا أريد أن أستحيل غباراً» للمكسيكي إيڤان لوينبيرغ و»قصّة الحطّاب» للفنلندي ميكو ميليلاهتي.
بين العروض في هذه المسابقة «رجل» لمخرج ياباني من الجيل الجديد هو كي إتشيكاوا. حكاية بسيطة، لكن سردها متعثر على أي حال حول رسّام تفتح القلّة التي تعرّفت عليه تحقيقا لمعرفة ماهيّته. المشاهد في مجملها آسرة لكن التنفيذ متردد في توزيع اهتمامات الفيلم وأسبابه.
كونه يابانياً لن يؤثر على قرار لجنة التحكيم التي تقودها المخرجة كواسي، لكن الإجماع على الفيلم الأول الذي سيفوز بالهرم الذهبي هو المسيرة الشاقة التي تواجه لجنات التحكيم في مهرجانات شتّى.


مقالات ذات صلة

حي «مصر الجديدة» ينبض بالعراقة ويتنفس الحداثة

شمال افريقيا حي «مصر الجديدة» ينبض بالعراقة ويتنفس الحداثة

حي «مصر الجديدة» ينبض بالعراقة ويتنفس الحداثة

يحاكي التاريخ، ويتشح برداء الحداثة، يقف حي «مصر الجديدة» شامخاً في شرق العاصمة القاهرة، مفتخراً بأنه واحد من أرقى أحيائها. وُلد الحي على يد رجل الأعمال البلجيكي إدوارد لويس جوزيف إمبان الذي اشتهر بـ«البارون إمبان»، قبل 128 عاماً، حيث تم إنشاؤه عام 1905. وطوال هذه العقود احتضن زواره وسكانه من المصريين والأجانب، بين بناياته وشوارعه وميادينه التي لكل منها نكهته المميزة التي صنعت للحي سحره الخاص.

محمد عجم (القاهرة)
شمال افريقيا «الأزهر» يؤكد رفضه القطعي لدعاوى «الديانة الإبراهيمية»

«الأزهر» يؤكد رفضه القطعي لدعاوى «الديانة الإبراهيمية»

أعلنت مشيخة الأزهر في القاهرة «رفضها القطعي لدعاوى (الديانة الإبراهيمية)». وأكدت دعمها لـ«التعاون» بين الأديان وليس دمجها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جورجيت جبارة... ذكريات «الباليرينا» العربية الرائدة

جورجيت جبارة... ذكريات «الباليرينا» العربية الرائدة

في وقتٍ كان فيه كل لبناني يغنّي على ليل قضيّته، جعلت جورجيت جبارة من الباليه الكلاسيكي قضيتها. عبرت به خطوط التماس وحواجز المسلّحين بين «شرقيّة» و«غربيّة»، من بيروت المسيّجة بالنيران إلى طرابلس شمالاً. بحذاء «الساتان» الزهري قطعت الأميال بين مدرسة زرعتها في شارع «الحمراء»، وأخرى في عاصمة الشمال، وما بينهما معهد الرقص الذي امتدّ على وسع أحلامها في قضاء كسروان. عمر الباليرينا قصير كحياة فراشة، لكن جورجيت جبارة وهي فوق ثمانينها، ما زالت مسكونة بالرقص. صحيحٌ أن جسدها اعتزله منذ 35 عاماً، إلا إن روحها تنبض به.

كريستين حبيب (بيروت)
شمال افريقيا القاهرة تستضيف النسخة الرابعة  من معرض «طلال تاريخ تقرأه الأجيال»

القاهرة تستضيف النسخة الرابعة من معرض «طلال تاريخ تقرأه الأجيال»

بمناسبة مرور 35 عاماً على تأسيس الأمير طلال بن عبد العزيز، المجلس العربي للطفولة والتنمية، يستضيف المجلس معرض «طلال تاريخ تقرأه الأجيال»، في نسخته الرابعة 2023 في مقرّه بالقاهرة. وقال الأمير عبد العزيز بن طلال بن عبد العزيز، رئيس المجلس، لـ«الشرق الأوسط»: «يتناول المعرض ملامح مسيرة مؤسسه الأمير طلال بن عبد العزيز، وعطاءاته للإنسانية ودوره في حفز الاهتمام بمختلف أبعاد قضايا الطفل العربي، ويسلط الضوء على أسباب إنشاء المجلس، وكذلك أسباب إنشاء المنظمات التنموية المختلفة التي دشّنها الأمير طلال، سواء كانت للمرأة أو للطفل، أو للتنمية المستدامة، أو الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، أو حتى فيما يتعلق ب

نادية عبد الحليم (القاهرة)
شمال افريقيا حريق دار مسنين في القاهرة يعيد أزمة «الحماية المدنية» للواجهة

حريق دار مسنين في القاهرة يعيد أزمة «الحماية المدنية» للواجهة

أعاد حريق دار مسنين في القاهرة الحديث عن «إجراءات الحماية المدنية».

منى أبو النصر (القاهرة)

مصر: مخاوف من عودة «تخفيف الأحمال» ضمن خطة ترشيد استهلاك الطاقة

جانب من العاصمة المصرية القاهرة (هيئة تنشيط السياحة)
جانب من العاصمة المصرية القاهرة (هيئة تنشيط السياحة)
TT

مصر: مخاوف من عودة «تخفيف الأحمال» ضمن خطة ترشيد استهلاك الطاقة

جانب من العاصمة المصرية القاهرة (هيئة تنشيط السياحة)
جانب من العاصمة المصرية القاهرة (هيئة تنشيط السياحة)

في حين قررت الحكومة المصرية اتخاذ حزمة من الإجراءات لترشيد استهلاك الطاقة على ضوء التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة وما صاحبها من ارتفاعات حادة في أسعار الوقود، عادت الهواجس المرتبطة بانقطاعات التيار الكهربائي، حيث أبدى مواطنون تخوفهم من احتمالية العودة لتطبيق خطة «تخفيف الأحمال».

وأعلن مجلس الوزراء المصري، في بيان، الثلاثاء، أنه تقرر البدء في تنفيذ عدد من إجراءات الترشيد داخل الجهات الحكومية وبعض الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما يسهم في خفض استهلاك الوقود والكهرباء خلال الفترة المقبلة، مع مراجعة أنماط التشغيل في عدد من المشروعات والخدمات التي تعتمد بصورة كبيرة على السولار والمازوت والبنزين، وضبط إيقاع العمل بها بما يحقق خفضاً ملموساً في الاستهلاك، دون الإخلال بانتظام الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.

وأشار البيان إلى أنه تم توجيه المحافظين بالمتابعة الميدانية اليومية لملف ترشيد استهلاك الكهرباء، بما يشمل مراجعة أوضاع أعمدة الإنارة في الشوارع والميادين العامة وضبط توقيتات تشغيلها، ومتابعة إضاءة اللوحات الإعلانية واللافتات التجارية للتأكد من الالتزام بضوابط ترشيد الاستهلاك، مع اتخاذ الإجراءات الفورية اللازمة لضبط أي مخالفات في هذا الشأن.

وتأتي هذه الخطوات ضمن استراتيجية حكومية تحوي حزمة من الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية للحفاظ على اقتصاد البلاد ومصالح مواطنيها، وإدارة تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وضمان استقرار الأسواق المحلية.

وتعهد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بعدم «العودة إلى تخفيف أحمال الكهرباء»، رغم التحدي الكبير والتأثر في نقل الطاقة، وفق قوله، بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

ولجأت الحكومة المصرية في السنوات الماضية إلى تطبيق خطة لـ«تخفيف أحمال الكهرباء»، حيث كان يتم قطع الكهرباء بالتناوب، وذلك على وقع أزمة في الوقود والغاز اللازمين لتشغيل محطات الكهرباء، نظراً لزيادة الاستهلاك نتيجة موجات الحر خلال أشهر الصيف.

وأكد وزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت، ووزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي، يوم الاثنين، وجود تنسيق وتعاون بين الجهات المعنية بهما لتأمين التغذية الكهربائية وضمان الاستدامة والاستقرار للتيار الكهربائي، مع تأمين وتلبية الاحتياجات من المنتجات البترولية اللازمة لمحطات توليد الكهرباء.

ورغم هذه التأكيدات، أبدت منصات التواصل الاجتماعي تخوفها من أن تتضمن إجراءات الترشيد عودة «تخفيف الأحمال» مجدداً إلى المنازل، وعدم اقتصارها على الجهات الحكومية.

وطرح متابعون تساؤلات حول احتمالية أن تطولهم ضوابط ترشيد الاستهلاك، لما في ذلك من تأثير عكسي على حياتهم اليومية، خصوصاً مع اقتراب أشهر الصيف، وقرب الامتحانات بالمدارس والجامعات.

كما عبَّر قطاع آخر، لا سيما من أصحاب المحال التجارية، عن مخاوف من تأثرهم سلباً بترشيد استهلاك الكهرباء، الذي يخفّض الإنارة في الشوارع والميادين العامة ويضبط توقيتات تشغيلها.

وانتقد متابعون في تهكم توالي الأزمات على المواطن بتنفيذ عدد من إجراءات الترشيد، بالتزامن مع رفع أسعار الوقود.

منطقة المقطم في القاهرة خلال انقطاع الكهرباء في وقت سابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

ورفعت وزارة البترول المصرية، الثلاثاء، أسعار مجموعة واسعة من المنتجات البترولية، في ظل استمرار معاناة المنطقة من ارتفاع أسعار النفط ​والغاز العالمية وتوقف الإنتاج في الشرق الأوسط نتيجة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وقال عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري، عوض أبو النجا، إنه بصدد التقدم بسؤال برلماني بشأن إعلان الحكومة عن إجراءاتها الأخيرة وتداعيات ذلك على المواطن.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «المعلومات المؤكدة التي وصلت للمسؤولين التنفيذيين في المحافظات تشير إلى تبني استراتيجية الترشيد»، وتابع: «المطلوب حالياً هو الترشيد المسؤول في كافة القطاعات، بدءاً من إضاءة الشوارع والميادين، وصولاً إلى ضبط مواعيد عمل المحال التجارية؛ فهو توجه في جوهره يهدف إلى تقليص استهلاك الوقود والكهرباء، وهو إجراء ضروري في ظل الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي نعيشها».

إلا أنه انتقد غياب التنسيق بين الحكومة والبرلمان بشأن إعلان هذه الإجراءات، قائلاً: «نحن أمام مرحلة تقتضي تكاتف الجميع، والشفافية هي السبيل الوحيد لإقناع الشارع»، معتبراً أن تغييب البرلمان عن تفاصيل إدارة الأزمة يضع النواب في موقف حرج أمام دوائرهم الانتخابية.

وأضاف: «طالبنا الحكومة مراراً، وتحديداً في الجلسات الأخيرة، بتقديم مذكرة تفصيلية توضح رؤيتها لإدارة الأزمة وسيناريوهات التعامل معها. كنا نحتاج إلى خطة واضحة لنشرحها للمواطنين، لنكون شركاء في اتخاذ القرار، وتجنب حالة القلق العام؛ لكن للأسف لم تستجب الحكومة لدعواتنا المتكررة للحضور والمناقشة».

Your Premium trial has ended


غضب وارتباك في مصر بعد زيادة «استثنائية» في أسعار الوقود

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
TT

غضب وارتباك في مصر بعد زيادة «استثنائية» في أسعار الوقود

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)

استقبل محمد ربيع (38 عاماً) خبر زيادة أسعار المحروقات في مصر بمزيج من الحزن والغضب والقلق، خاصة أنه يستعد لاستقبال مولودته الثانية خلال أيام، لتضاف أعباء مالية جديدة إلى أعباء ما زال يجد صعوبة في تدبيرها.

ويقول ربيع، الذي يعمل موظفاً في شركة خاصة: «الزيادة ليست في ميزانية السيارة فقط، بل يتبعها رفع لأسعار كل شيء»، مضيفاً أنه قرر الاعتماد على المواصلات العامة في الفترة المقبلة، لحين عثوره على عمل إضافي لتحسين دخله.

وكانت الحكومة المصرية قد رفعت، في الساعات الأولى من يوم الثلاثاء، أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرة إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، التي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي»، وفق بيان لوزارة البترول.

محافظ القاهرة يتفقد أحد مواقف النقل الجماعي لمتابعة التزام السائقين بالتعريفة الجديدة (محافظة القاهرة)

وتأتي الزيادة الأخيرة بعد 4 أشهر فقط من زيادة أقرّتها الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بنسبة 13 في المائة، ووعدت بعدها بتثبيت الأسعار لمدة عام، ما لم تشهد المنطقة أوضاعاً إقليمية جديدة.

وشملت الزيادة الأحدث جميع أنواع البنزين والسولار، ليرتفع بعدها سعر «بنزين 95» من 21 جنيهاً للتر إلى 24 جنيهاً، بنسبة 14 في المائة، و«بنزين 92» بنسبة 15.5 في المائة. كما ارتفع السولار، الذي تعتمد عليه سيارات نقل البضائع بنسبة 17 في المائة، بينما قفز سعر غاز تموين السيارات من 10 جنيهات إلى 13 جنيهاً، بزيادة نسبتها 30 في المائة.

واستيقظ الشارع المصري على حالة ارتباك واضحة إثر الزيادات «المُفاجئة»، وفق وصف كثيرين، مع الاختلاف على أجرة المواصلات بين الركاب والسائقين، والمصاريف الجديدة لم تكن تضعها الأسر في حسبانها.

وعادة ما تشهد مواقف سيارات النقل الجماعي (الميكروباص) مشاجرات عقب زيادات أسعار المحروقات، مع رفع السائقين الأجرة بصورة يراها البعض مبالغاً فيها.

وشهدت الطالبة الجامعية أمل محمد (21 عاماً) إحدى هذه المشاجرات داخل ميكروباص استقلته من منزل جدتها في الجيزة إلى مترو الأنفاق، وهي مسافة بسيطة، ورغم ذلك ارتفعت الأجرة جنيهين من 6 إلى 8 جنيهات، ما أثار استياء الركاب (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً).

وتفقد محافظ القاهرة إبراهيم صابر، صباحاً، عدداً من مواقف النقل الجماعي «للاطمئنان على حركة نقل الركاب والالتزام بالتعريفة الجديدة لركوب السيارات بعد زيادة أسعار المواد البترولية»، وفق بيان للمحافظة أشار إلى «تكثيف الحملات الرقابية بمختلف المواقف والميادين لمتابعة التزام جميع السائقين بالتعريفة الجديدة».

وتخشى أمل ألا تتمكن من العودة لمنزلها في منطقة المعادي من جامعتها في حلوان بآخر 20 جنيهاً بحوزتها، خصوصاً أنها لم تكن تعلم أن الأسعار ستزيد لتطلب مقدار الزيادة من والدها، الذي يعتمد على معاش حكومي في تدبير نفقات الأسرة.

ومما زاد الغضب من القرار الحكومي أنه جاء بعد 10 أيام فقط من اندلاع الحرب الإيرانية، التي أكدت الحكومة في بدايتها وجود احتياطات من السلع والطاقة تكفي لشهور.

وتساءل مدونون على وسائل التواصل الاجتماعي عن أسباب الزيادة في مصر، وهي ليست طرفاً في الحرب، في حين أن دولاً أخرى متأثرة بها بشكل مباشر لم ترفع الأسعار.

مواطن يشكو لمحافظ الإسكندرية من الزيادات الجديدة في الأسعار (محافظة الإسكندرية)

واستنكر آخرون التوجه الحكومي السريع في زيادة أسعار البنزين، ما ستترتب عليه زيادة في أسعار كل شيء، دون وضع دخول المواطنين الثابتة في الاعتبار، ولا الزيادات التي تشهدها الأسعار بالفعل.

وكتب عضو مجلس نقابة الصحافيين، محمد الجارحي، على صفحته على «فيسبوك»، إن الزيادة ليست مجرد 3 جنيهات في اللتر، بل 3 آلاف جنيه في الميزانية.

وانتقد الحزب «المصري الديمقراطي» الزيادة قائلاً، في بيان، إنه «لا يمكن تفسيرها في إطار تأثير التطورات الجيوسياسية فقط على أسواق الطاقة العالمية، بقدر ما تعكس محاولة لتحميل المواطنين تكلفة اختلالات مالية وهيكلية في الموازنة العامة».

وحاولت الحكومة امتصاص حالة الاستياء بمؤتمر صحافي لشرح الأسباب التي دفعتها لاتخاذ القرار «الاستباقي»، حسب وصف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الذي قال إن الحكومة قررت رفع أسعار المحروقات لحماية إمدادات الغاز والطاقة في المنازل والمصانع، وتحسباً لزيادة أسعار التوريدات المقبلة، مؤكداً أنها قرارات «مؤقتة» لحين انتهاء الحرب وتداعياتها.

ولم تخفف توضيحات مدبولي حالة الاستياء التي ظهرت في التعليقات على البثّ الحي للمؤتمر على «فيسبوك»، إذ طالب أحدهم رئيس الوزراء بالاستقالة، وقال آخر إن «الأسعار حين ترتفع لا تنخفض مرة أخرى»، وطالب ثالث بإيصال كل التعليقات «غير الراضية عن الوضع والزيادات» إلى رئيس الحكومة، مضيفاً أن المواطنين «لم يعودوا حِمل زيادات جديدة».

وتوقع الخبير الاقتصادي والباحث في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، ارتفاع معدلات التضخم بنسب كبيرة نتيجة الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، التي تزامنت مع موسم استهلاكي في شهر رمضان يشهد ارتفاعات في الأسعار بالفعل، واصفاً قرارات الحكومة بأنها «استغلال سلبي للأزمات الخارجية».

وقفز معدل التضخم الشهري في فبراير (شباط) الماضي إلى 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني)، و0.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول).

وأضاف عبد النبي لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعد أيام من الحرب، ومع زيادة أسعار إمدادات الطاقة عالمياً، اضطرت الحكومة إلى خفض قيمة الجنيه أمام الدولار بنسبة 11 في المائة، وإلى زيادة أسعار المحروقات، وهي خطوات سريعة كان يمكن إبطاؤها»، متوقعاً أن تكون الحكومة تحاول بذلك أن تعوض خروج الأموال الساخنة من السوق، «وإن كان الأمر لا يستدعي السرعة في القرارات بهذا الشكل».


مصر: تمديد دعم «الأكثر احتياجاً» وزيادة مرتقبة في الأجور لتخفيف تداعيات الحرب

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: تمديد دعم «الأكثر احتياجاً» وزيادة مرتقبة في الأجور لتخفيف تداعيات الحرب

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

قررت الحكومة المصرية تمديد إجراءات الحماية الاجتماعية الموجهة للأسر «الأكثر احتياجاً» لشهرين إضافيين بعد أن كان مقرراً صرفها فقط في شهر رمضان وعيد الفطر فقط، وأعلنت عن زيادة مرتقبة في أجور العاملين بالجهاز الحكومي الأسبوع المقبل، وذلك ضمن إجراءات أعلنتها، الثلاثاء، لتخفيف تداعيات التصعيد الراهن في المنطقة.

وعقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مؤتمراً صحافياً، الثلاثاء، بحضور عدد من الوزراء لتوضيح أسباب زيادة أسعار الوقود الأخيرة، وكذلك الإعلان عن مجموعة من الإجراءات تنوي الحكومة اتخاذها بعد دخول الحرب الإيرانية أسبوعها الثاني وانعكاس تداعياتها على أسعار النفط العالمية وتأثر سلاسل الإمداد.

وقال مدبولي إن الحكومة قررت تمديد إجراءات الحماية الاجتماعية الموجهة للأسر «الأكثر احتياجاً» حتى عيد الأضحى الذي يحل أواخر مايو (أيار)، وذلك في إطار جهود الدولة لدعم الفئات الأقل دخلاً والأكثر تضرراً من الأوضاع الاقتصادية الحالية.

وأضاف أن الحكومة ستعرض خلال الأيام القليلة المقبلة مشروع الموازنة الجديدة على الرئيس عبد الفتاح السيسي، متوقعاً أن تتضمن الإعلان عن زيادات في الأجور، إلى جانب استمرار الإجراءات الرامية لتعزيز الحماية الاجتماعية.

وأوضح أن الدولة تشدد في الوقت نفسه على تكثيف الرقابة على الأسواق لضبط الأسعار ومنع أي ممارسات احتكارية، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه وتخفيف الضغوط الاقتصادية على المواطنين.

وجاءت تصريحات رئيس الوزراء المصري بعد ساعات من إعلان وزارة البترول والثروة المعدنية رفع أسعار مجموعة واسعة من المنتجات البترولية، قائلة إن الزيادة تأتي «في ضوء الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية».

وبرر مدبولي زيادات الوقود بتأكيده أنها تجيء «في ظل وجود فجوة كبيرة في سعر برميل النفط بسبب التطورات العسكرية الجارية، وهو ما استدعى تشكيل لجنة مركزية للتعامل مع تداعيات الحرب في المنطقة لمتابعة الموقف لحظياً وتأمين الاحتياجات الأساسية»، مضيفاً أن الدولة «لا تزال تتحمل جزءاً كبيراً من أسعار البنزين، والعديد من الدول أقدمت على زيادة أسعار الوقود لديها».

وتشهد أسعار النفط والغاز العالمية ارتفاعاً مستمراً مع توقف صادرات الطاقة من الشرق الأوسط جراء الحرب بعدما شنت إيران هجمات على سفن ومنشآت طاقة.

مدبولي يبرر أسباب رفع أسعار الوقود ويعلن عن تمديد صرف الحزمة الاجتماعية «للأكثر احتياجاً» (مجلس الوزراء المصري)

وقال رئيس الوزراء المصري: «محاولتنا المحافظة على الأسعار، وتحمل التكلفة بالكامل كانا سيكبداننا خسائر هائلة، لذلك لجأنا إلى ذلك الإجراء الاستباقي، وستكون هناك مراجعة للقرارات والزيادات عقب انتهاء الأزمة، وإذا توقفت الحرب غداً ستظل تداعياتها فترة قبل أن تنحسر».

وتابع: «اتخذنا إجراءات عاجلة في ترشيد النفقات والتقشف في بعض البنود، وصدر قرار لكل الجهات في الدولة في هذا الأمر، ونعي أن تلك القرارات لها تداعيات على التضخم وعلى المواطن، ولذلك ناقشنا بعض إجراءات الحماية الاجتماعية خاصة للفئات الأقل دخلاً، والدولة لن تسمح بأي محاولات لاستغلال الأزمة الاستثنائية التي نمر بها».

وتعتقد أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، يمن الحماقي، أن إجراءات الحماية الاجتماعية التي اتخذتها الحكومة قد يكون تأثيرها ضعيفاً مقارنة بموجات التضخم المتوقعة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، والتي سوف يعززها ما كشفت عنه الحكومة بشأن زيادة الحد الأدنى للأجور، حسب قولها.

وأضافت: «زيادة الأجور لن تؤدي لتخفيف تبعات الهزات الاقتصادية».

وواصلت حديثها لـ«الشرق الأوسط» قائلة إن كثيراً من الشركات قد تضطر إلى رفع أسعار منتجاتها حال تحملها زيادات جديدة في الأجور، وأشارت إلى أن زيادة الحد الأدنى للأجور تصاحبها أيضاً زيادة في التأمينات المرتبطة بها.

وتخشى أستاذة الاقتصاد من تأثيرات أكثر سلبية على صغار ومتوسطي المنتجين الذين سيواجهون زيادة في تكاليف الإنتاج خلال الفترة المقبلة في وقت تقول فيه الحكومة إنها تعول على أن يقود القطاع الخاص النمو، لافتة إلى أن «زيادة الحد الأدنى تقود إلى تضخم إذا لم يكن هناك اهتمام بالإنتاج المحلي».

وأكد وزير المالية أحمد كجوك، خلال المؤتمر الصحافي، الثلاثاء، أن الحكومة تستعد للإعلان عن زيادة جديدة في مرتبات العاملين بالقطاع الحكومي الأسبوع المقبل «مع توجيه انحياز واضح لقطاعات الصحة والتعليم»، مضيفاً: «الزيادات ستكون مجزية وتفوق معدلات التضخم، بما يوفر للمواطنين استقراراً مالياً ويحفز الأداء في هذه القطاعات الحيوية».

واستطرد: «معظم الإصلاحات المالية للحكومة تهدف إلى خفض التكاليف والأعباء على المصنعين والمستثمرين ودعم النشاط الاقتصادي»، مشيراً إلى أن الموازنة الجديدة التي ستُعرض على البرلمان تتضمن «تخفيض الأعباء والرسوم الجمركية وتبسيط الإجراءات وتحسين بيئة الاستثمار، بما يسهم في زيادة جاذبية مصر للمستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء».