«تحجيم وتدمير»... قصة الحرب ضد «داعش» من أوباما إلى ترمب

المالكي كان يخشى «سحل جثته» كالقذافي... وترمب للعبادي: أريد النفط... وصل الأميركيون لإنقاذ الإيزيديين فسبقهم أكراد سوريا

الرقة... «عاصمة داعش» في سوريا ما زالت مدمَّرة بعد سنوات من تحريرها (رويترز)
الرقة... «عاصمة داعش» في سوريا ما زالت مدمَّرة بعد سنوات من تحريرها (رويترز)
TT

«تحجيم وتدمير»... قصة الحرب ضد «داعش» من أوباما إلى ترمب

الرقة... «عاصمة داعش» في سوريا ما زالت مدمَّرة بعد سنوات من تحريرها (رويترز)
الرقة... «عاصمة داعش» في سوريا ما زالت مدمَّرة بعد سنوات من تحريرها (رويترز)

في كتابه المشوّق «تحجيم وتدمير Degrade and Destroy»، يأخذك مايكل غوردون إلى كل ما تريد معرفته عن خفايا الحرب ضد تنظيم «داعش» في سوريا والعراق، بدءاً بولاية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ثم ولاية خلفه دونالد ترمب. يتنقل القارئ، خلال تقليب صفحات الكتاب، بين جبهات المعارك كأنه جزء منها. يعيش نكساتها، مآسيها، وأيضاً انتصاراتها. يدخل الاجتماعات المغلقة التي يعقدها القادة الأميركيون لمناقشة الحرب. يطّلع على محاضرها السرية، ويستمع إلى روايات المشاركين فيها، فيكتشف حروباً موازية للحرب ضد «داعش» كانت تدور بين المسؤولين الأميركيين أنفسهم، وبين «حلفائهم الأعداء»، حول طريقة هزيمة التنظيم الإرهابي: خلافات أميركية - أميركية. خلافات بين بغداد وأربيل. خلافات كردية - كردية. خلافات بين الأكراد والأتراك... وكل ذلك يأتي في ظل دخول إيران على خط «الحرب على داعش»، من خلال محاولات قام بها قائد «لواء القدس» في الحرس الثوري، قاسم سليماني، لتوسيع دائرة الحلفاء لبلاده في كلٍّ من سوريا والعراق وتثبيت نفوذها فيهما.

يبدأ «تحجيم وتدمير» روايته للحرب على «داعش»، بالعودة إلى خلفيات الانسحاب الأميركي من العراق عام 2011، بناءً على رغبة أوباما في إنهاء انخراط بلاده في حروب خارجية لا تنتهي، حسبما قال خلال حملته الرئاسية عام 2008. كان هدفه الخروج من «مستنقعات» حروب الشرق الأوسط كي يتمكن من التركيز على التحدي الاقتصادي الآتي من آسيا، وكذلك للاهتمام بالمشكلات الداخلية التي تعاني منها أميركا. يكشف غوردون، هنا، أن جنرالاً أميركياً يدعى مايكل باربيرو كُلّف تقديم تقييم لقدرة الجيش العراقي على تولي الأمن في حال انسحاب الأميركيين، فجاء تقييمه بأن العراقيين لا يمكنهم ذلك بحلول الموعد المحدد، وهو ديسمبر (كانون الأول) 2011. يتذكر باربيرو أنه تحدث مع رئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري المالكي ومع الكثير من القادة العراقيين السنّة والشيعة والأكراد وشرح لهم الوضع، فكان ردهم: «جنرال، يجب أن تبقوا إذن».
لكن البقاء لم يكن بالأمر السهل. فعلى مدى شهور من ذلك العام، لم يكن معروفاً هل أوباما مستعد أصلاً لتمديد بقاء القوات. ثم جاءت مشكلة الاتفاق على وضع القوات الأميركية في بلد سيّد. أبرم هذا الاتفاق الرئيس السابق جورج بوش مع المالكي عام 2008، لكن مفعوله ينتهي بنهاية 2011. بعد فترة من النقاشات، وافق البيت الأبيض على طلب «البنتاغون» تمديد بقاء القوات الأميركية، فبدأ الجدل حول عددها، وحول نوع الاتفاق الذي سينظم وجودها في العراق. في نهاية المطاف، وافق أوباما على إبقاء 5000 جندي فقط، منهم 3500 يبقون في العراق بشكل دائم، والبقية يتم نقلهم إليه دورياً. وهنا أصرّ البيت الأبيض على أن البرلمان العراقي يجب أن يوافق على أي اتفاق لتنظيم انتشار القوات الأميركية. ينقل السفير الأميركي في العراق آنذاك جيمس جيفري عن المالكي قوله: «لا أريد في الحقيقة أن أذهب إلى البرلمان. ماذا عن البديل؟ نوقّع اتفاقاً فقط»، مضيفاً أن المالكي قال له إن الرئيس الأسبق صدام حسين استضاف سابقاً آلاف المستشارين الروس دون أي اتفاق قانوني بهذا الشأن.
في النهاية، انهار الاتفاق الأميركي – العراقي، عقب اتصال فيديو بين أوباما والمالكي (كان ثاني اتصال مباشر بينهما فقط)، وبات على الأميركيين سحب قواتهم (40 ألفاً) بنهاية ديسمبر 2011، قبل ثلاثة أسابيع من الموعد، سافر المالكي إلى واشنطن للاتفاق على نوع العلاقة المستقبلية بين الطرفين، فقال أوباما وقتها: «حرب تنتهي... ويوم جديد يحل علينا».

- نهاية حرب؟
هذا ما تم علناً. لكنَّ شيئاً آخر كان يُطبخ سراً. فقد استضاف رئيس وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ديفيد بيترايوس، ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، بموافقة أوباما، المالكي على عشاء خلال زيارته لواشنطن وعرضا عليه «الخطة ب». قضت الخطة بأن يبقى في العراق عشرات من عناصر القوات الخاصة بعد نقلهم إلى مُلاك «سي آي إيه». وبموجب الاتفاق، يتولى العراقيون القتال ضد المتطرفين، فيما يقدم الأميركيون المساعدة في التجسس على اتصالات العدو وتحليل معلومات الاستخبارات والرصد وحتى التخطيط للعمليات.
لم يكن المالكي شخصية يسهل التعامل معها، رغم أن الأميركيين ساعدوه في الوصول إلى السلطة. فقد كان الأميركيون يريدون التخلص من رئيس الوزراء آنذاك إبراهيم الجعفري، بعدما رأوا أنه لا يتعامل بجدية لوقف التوتر الطائفي في البلاد. وبعدما قرأ السفير الأميركي آنذاك، زلماي خليل زاد، تقريراً لـ«سي آي أيه» عنه، وفيه أنه كان من قادة حزب «الدعوة» المنفيين في سوريا، وليس في إيران، بدا له أن المالكي شخص يمكن التعامل معه، من بين خيارات أخرى كانت بعيدة عن أن تكون مثالية.
جاء بيترايوس إلى بغداد قبيل عيد الميلاد في ديسمبر 2011 لإبرام اتفاق «الخطة ب». لكنّ الوضع فيها كان مختلفاً. فقد كان المالكي يعتقد أن هناك مؤامرات تُحاك ضده للتخلص منه بعد الانسحاب الأميركي. يروي الكتاب أن المالكي تساءل علناً خلال لقاء لمسؤولين عراقيين وأميركيين في أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام، عما إذا كان هناك أشخاص سيغتالونه ثم يتم سحل جثته في الشوارع كما حصل مع العقيد الليبي معمر القذافي في ذلك الشهر.
في أي حال، وعد المالكي بيترايوس بتوقيع ورقة تطلب مساعدة «سي آي إيه» في مكافحة الإرهاب. لكن الطلب لم يأتِ. انسحب الأميركيون، لكنَّ تقييم الجنرال الأميركي في شأن قدرة القوات العراقية سرعان ما تبين أنها صحيحة. فالمتطرفون، بقيادة أبو بكر البغدادي، سرعان ما استفادوا من الثورة ضد نظام الرئيس بشار الأسد في دمشق وبدأوا يتوسعون في سوريا، قبل بدء حملة واسعة في العراق تمثلت في هجمات واسعة على السجون (حملة هدم الأسوار) وتحرير آلاف السجناء منها.

- زيباري للمالكي: قادتك يكذبون عليك
ويروي غوردون هنا قصة لافتة عن القيادي الكردي هوشيار زيباري الذي قدّر أن القوات العراقية قد لا تكون قادرة على التعامل مع التهديد الإرهابي المتصاعد. ولا شك أن زيباري يعرف معنى التهديد شخصياً، فقد فجّر إرهابيون عام 2009 مقر وزارة الخارجية التي كان يقودها آنذاك، ما أدى إلى مقتل عشرات من موظفيه. بعد ذلك بأربع سنوات، شكك زيباري في قدرة العراقيين على التعامل مع التهديد المتصاعد. فسعى إلى إقناع المالكي بطلب مساعدة الأميركيين: بضع غارات من الطائرات المسيّرة (درون). تدريب للقوات العراقية. لكنّ إقناع المالكي لم يكن سهلاً. فكيف يمكن للأخير أن يطلب مساعدة الأميركيين بعد سنتين من انسحابهم؟ ذهب زيباري إلى واشنطن لمفاتحة الأميركيين بحاجة العراق إلى مساعدة منهم، وأبلغ بذلك الجنرال مارتن ديمبسي الذي سأله: هل هذا الطلب يمثل الحكومة العراقية أم موقفه فقط؟ فقال زيباري إن الطلب من الحكومة العراقية. عندها طلب ديمبسي رسالة تطلب ذلك رسمياً. كما طلب الجنرال الأميركي أيضاً تغيير قيادات عراقية رأى أنها لا تقدّر خطورة الوضع. عاد زيباري إلى بغداد وأبلغ المالكي بأن الأميركيين منفتحون على المساعدة، لكنهم يريدون تغييرات أيضاً. لم يُظهر المالكي بوادر للموافقة على ذلك. قال إن قادته العسكريين واثقون من قدرتهم على مواجهة التهديد، فرد زيباري قائلاً: «هؤلاء القادة يكذبون عليك. لا يخبرونك حقيقة الوضع».

- سقوط الموصل
لم يخطئ زيباري في توقعاته. فتنظيم «داعش» كان يحقق ضربات متتالية وفي أجزاء واسعة من مناطق البلاد. في يونيو (حزيران) 2014، بلغت الأوضاع حداً كبيراً من الخطورة، فتم إعلان حظر التجول في مدينة الموصل التي يؤمّن حمايتها عادةً فرقتان من الجيش العراقي وآلاف من عناصر الشرطة المحلية والشرطة الاتحادية. لم يكن الأميركيون على دراية بمدى خطورة الوضع، كما يقول غوردون.
لم يكن سراً أن المناطق السنية في العراق كانت مستاءة من سياسات المالكي الذي لم يَزُر الموصل، مثلاً، سوى مرة واحدة عام 2008، لكن وصول «داعش» إلى أبواب الموصل استدعى تحركاً عاجلاً، حتى من القيادات السنية، لتفادي كارثة. فبدأ قادة المدينة مناشدة الأميركيين التدخل. ناشدوا الأكراد أن يرسلوا «البيشمركة». طلبوا تدخل أي طرف يمكن أن يوقف زحف التنظيم الإرهابي. لكن لم تكن المهمة سهلة، خصوصاً في ظل حالة انعدام الثقة بين المالكي والقيادة الكردية. فطلب السفير روبرت بيكروفت في بغداد من المسؤول في وزارة الخارجية بريت ماكغورك التدخل. وبالفعل، عُقد اجتماع بين فؤاد حسين، كبير مساعدي الزعيم الكردي مسعود بارزاني، وطارق نجم كبير موظفي المالكي. وافق نجم على نقل مسألة تدخل «البيشمركة» لرئيس الوزراء، لكنه طرح سؤالاً بدا مهماً للمالكي والمحيطين به في بغداد: إذا تقدمت القوات الكردية إلى شرق الموصل، فهل ستنسحب منه؟
قبل الحسم في هذا الموضوع، تقدم مقاتلو «داعش» في شرق الموصل يوم 9 يونيو 2014، وسرعان ما انهار الجيش العراقي أمامهم. في 29 يونيو، أعلن أبو محمد العدناني الشامي قيام دولة «الخلافة» المزعومة، وفي 4 يوليو (تموز) ظهر «الخليفة» أبو بكر البغدادي في مسجد النوري. محافظ الموصل قبل سقوطها أثيل النجيفي، كان يشاهد من ملجئه في أربيل ظهور البغدادي. «داعش» صادر ممتلكاته وقتل جياده وخرّب بيته... والآن يرى في يد البغدادي ساعة الـ«رولكس» التي تركها في بيته بالموصل قبل فراره منها.

- تردُّد أوباما... وتحرُّك قاسم سليماني
كيف يمكن لأميركا الآن مساعدة العراق؟ سارع «البنتاغون» فوراً إلى إعداد أهداف محتملة يمكن ضربها في حال قرر أوباما ذلك. لكن الرئيس الأميركي كان مصراً على أنه لا يريد التدخل ما دام البلد محكوماً من «حكومة طائفية» يتزعمها أشخاص كالمالكي.
وفيما كانت واشنطن تأخذ وقتها قبل تقرير ماذا ستفعل، استغل الإيرانيون بطء الأميركيين وتحركوا فوراً. كان قاسم سليماني، قائد «لواء القدس»، قد أكد للمالكي سابقاً أن إيران ستساعد حكومة العراق إذا كانت في خطر، حسب تقرير للاستخبارات الأميركية. وبالفعل، بدأت طائرات الشحن الإيرانية تطير في رحلتين يومياً إلى بغداد حاملة تجهيزات ومعدات عسكرية (70 طناً في كل رحلة) لدعم ميليشيات تابعة لها في العراق. بالإضافة إلى ذلك، أقام جنود إيرانيون مركز قيادة صغيراً في قاعدة الرشيد العسكرية ببغداد، وبدأوا في إطلاق مسيّرات «أبابيل» لجمع معلومات استخباراتية ميدانية. أرسل الإيرانيون أيضاً وحدة استخبارات مختصة بالإشارة لرصد اتصالات «داعش». أرسلوا كذلك شحنات أسلحة للأكراد، وحشدوا قواتهم على الحدود للتدخل في العراق إذا طلب المالكي ذلك أو مثّل «داعش» تهديداً لمدينة سامراء. كان ذلك جزءاً من «استراتيجية بعيدة المدى» لتدخل إيران في العراق.

- سنجار... والتدخل الأميركي
في وقت كانت إدارة أوباما تعمل على تشكيل تحالف دولي واسع للتصدي لـ«داعش» وسط خلافات محتدمة بين جنرالات جيشها، كانت الأحداث تتسارع في شكل يفرض على الأميركيين التحرك بشكل عاجل. ففي 8 أغسطس (آب)، اندفع مقاتلو «داعش»، المنتشين بانتصارهم في الموصل، نحو سنجار حيث فتكوا بالأقلية الإيزيدية. قتلوا الرجال وسبوا النساء وخطفوا الأطفال. اجتمع مجلس الأمن القومي الأميركي لبحث الوضع، حيث فر من نجا من الإيزديين من المذبحة إلى جبال سنجار حيث كان يُخشى أن يلاحقهم «الدواعش» للقضاء عليهم. عرض مسعود بارزاني إرسال «البيشمركة» لمرافقة المحاصرين ونقلهم إلى دهوك. حضّر الأميركيون طائرات للتوجه إلى المنطقة ونقل المحاصرين جواً قبل وصول «داعش» إليهم، أو دعمهم بمؤن تُرمى لهم من الجو.
لكن «سنتكوم» (القيادة الأميركية الوسطى) كانت تريد إذناً من أوباما بضرب نقاط «داعش» لتأمين عملية الإجلاء. اعترضت سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي. قالت إنها تخشى أن يكون ضرب حواجز «داعش» مقدمة لانخراط عسكري أكبر. لكن أوباما حسم أمره: يمكن إطلاق مهمة إنقاذ الإيزديين وضرب «داعش» إذا تطلب الأمر ذلك. حاولت رايس مجدداً الاعتراض، فقاطعها أوباما معطياً الإذن ببدء العملية. وبالفعل، انطلقت طائرات أميركية ورمت مؤناً للإيزيديين المحاصرين وقصفت بعض مواقع «داعش». لكنّ الأميركيين الذين كانوا قد بدأوا في التجمع في أربيل (قوات «دلتا») لبدء عملية الإنقاذ سرعان ما اكتشفوا أن هناك من سبقهم إلى سنجار. فقد وصل مقاتلون من تنظيم كردي سوري يُدعى «وحدات حماية الشعب» (المدعوم من السليمانية، المتنافسة مع أربيل) وبدأوا في نقل المحاصرين بشاحنات إلى داخل سوريا ومنها إلى دهوك بكردستان العراق. وبالفعل طار مسؤول في الخارجية الأميركية مع جنود من قوات «دلتا» إلى جبال سنجار وتأكد أن أعداد المحاصرين هبطت إلى بضع مئات من الذين أصروا على الصمود هناك في مواجهة «داعش».
كان الأكراد قد استغلوا انشغال بغداد بتحضير نفسها لمواجهة «داعش»، وتقدموا نحو مناطق متنازع عليه مع الحكومة المركزية، مثل كركوك. لكن «داعش» لم يكن ليميز بين خصومه سواء كانوا من الأكراد أو الشيعة (أو السنة العرب). في 8 أغسطس، بالتزامن مع هجومه على سنجار، بدأ «داعش» في التقدم أيضاً نحو أربيل. فتحركت طائرات أميركية وبدأت في قصفه.
في سبتمبر (أيلول)، تشكلت حكومة عراقية جديدة برئاسة حيدر العبادي، الذي حل محل المالكي. في 10 من ذلك الشهر، أعلن أوباما، في خطاب إلى الأمة، إطلاق استراتيجية لمكافحة الإرهاب هدفها «تحجيم وفي النهاية تدمير» تنظيم «داعش».

- العلاقة مع الأكراد السوريين: الأميركيون أم الإيرانيون؟
يروي الكتاب قصة نشوء العلاقة بين الأميركيين والقوات الكردية في سوريا (وحدات حماية الشعب). يقول غوردون إن هناك علاقة قديمة بين قوة مكافحة الإرهاب التي يقودها لاهور طالباني في السليمانية، إذ إنها تعود إلى عام 2003 عندما ضرب الأميركيون فصيل «أنصار الإسلام» الذي أسسه أعضاء سابقون في «القاعدة» بشمال العراق. والآن، أتاحت الحرب ضد «داعش» لطالباني فتح قناة اتصال بين الأميركيين والأكراد السوريين. فقد كانت قوات طالباني تدرب مجموعة من نحو 100 مقاتل من «وحدات حماية الشعب» في السليمانية قبل إرسالهم من جديد إلى سوريا لقتال قوات «أبو بكر البغدادي». دعا طالباني الأميركيين إلى التعامل مع الأكراد السوريين أيضاً، وهو ما تم. فبعد يوم واحد من استعادة «سد الموصل» من أيدي «داعش»، اجتمع الجنرال الأميركي كريس دونيهيو، مع قيادي كردي سوري ينشط تحت اسم حركي هو «مظلوم عبدي». سأله دونيهيو عن قواته وأهدافه، فشرح أنه قام لسنوات بـ«عمل سياسي» في تركيا وأوروبا لمصلحة القضية الكردية قبل العودة إلى سوريا، حيث ساعد في تأسيس «وحدات حماية الشعب» وتعرّض للسجن على أيدي النظام السوري. لكنّ الأتراك قالوا إن اسمه «فرحات عبدي شاهين» وإنه من أنصار عبد الله أوجلان، مؤسس «حزب العمال الكردستاني»، وإنه سُجن في تركيا في التسعينات.
على أي حال، قدم دونيهيو لمظلوم مطالب كثيرة للانخراط معاً في حملة ضد «داعش». لكنّ الأميركيين لم يكونوا وحدهم من يتودد للقيادي الكردي. فمظلوم كان قد التقى لتوّه الجنرال الإيراني قاسم سليماني الذي كان يسعى إلى بناء تحالفات ضد «داعش». عرض سليماني أسلحة ودعماً مالياً، علماً بأن الأميركيين لم يكونوا بعد قد حصلوا على إذن بعرض أسلحة على أكراد سوريا. بعد أيام، عاد مظلوم مع عدد من قادته العسكريين للقاء الجنرال الأميركي في السليمانية. حسم أمره. فهو سيتعاون مع الأميركيين وليس مع الإيرانيين.
في الواقع، كان خيار التعاون مع الأكراد هو الأسهل للأميركيين. فقد كانت خططهم للتعاون مع فصائل عربية سورية «معتدلة» قد تعرضت لنكسة. فهذه الفصائل التي تم تدريبها في الأردن وتركيا، سرعان ما انهارت أمام تنظم «جبهة النصرة» في شمال غربي سوريا.
لم يكد الأميركيون يبدأون التعاون مع الأكراد حتى وجدوا أنفسهم أمام أزمة طارئة. مقاتلو «داعش» كانوا يتقدمون نحو مدينة عين العرب التي يسميها الأكراد كوباني في ريف حلب الشمالي على الحدود مع تركيا. تدخل الأميركيون عسكرياً لوقف هجوم «داعش». وفي نهاية المطاف، وافق الأتراك على السماح لقوات من «البيشمركة» (قوات طالباني – الاتحاد الوطني) بعبور الحدود التركية ودخول كوباني لمنع سقوطها، وهو ما تم.
- ترمب: أريد النفط
يروي الكتاب بالتفصيل كيف دارت معارك الجبهات المختلفة: يتوقف طويلاً عند معركة تحرير الموصل وكيف تم تنفيذها خطوة بخطوة، بدءاً بمعركة شرق المدينة التي كانت أسهل من معركة غربها. ورغم أن الأكراد ساعدوا في هجوم شرق الموصل ومهَّدوا الطريق لتقدم القوات العراقية، فإن الأكراد كانوا لا يريدون الموت من أجل قطعة أرض لن تكون جزءاً من كردستان في المستقبل. ورغم حرص الأميركيين على إبعاد الفصائل الشيعية عن معركة الموصل، كي لا تثور حساسيات طائفية، فإنهم اكتشفوا لاحقاً أن هناك مقاتلين شيعة قاموا بإعدامات ضد أشخاص يُشتبه في انتمائهم إلى «داعش». ويلفت غوردون إلى أن الاتفاق، بهدف إبعاد فصائل «الحشد الشعبي» عن معركة الموصل، قضى بأن يُعطى «الحشد» مهمة تنظيف المناطق حول تلعفر والحدود مع سوريا –رغم أن ذلك سيأتي بثمن هو فتح طريق يربط مناطق سيطرة الفصائل العراقية الشيعية بمناطق سيطرتها داخل سوريا.
أعلن العبادي تحرير الموصل يوم 10 يوليو 2017، لكن ثمن تحريرها كان ضخماً جداً؛ آلاف الضحايا... ومدينة مدمَّرة. في اليوم التالي لإعلان التحرير، جلس الرئيس دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للتحدث مع العبادي وتهنئته بالنصر. وكما في كل المكالمات بين القادة، تم تحضير «نقاط حديث» من فريق مسؤولي مجلس الأمن القومي. لكنّ ترمب ليس من النوع الذي يلتزم بما هو محدد أمامه. بعدما أشاد الرئيس الأميركي بهزيمة «داعش» في الموصل، سعى العبادي إلى شرح أن المهمة لم تنتهِ: القتال ما زال دائراً لاستعادة الحويجة ومعاقل «داعش» الأخرى قبل أن يمكن الحديث عن القضاء على التنظيم الإرهابي. لكن ترمب الذي خشي طلب مزيد من المساعدات من الأميركيين، سارع إلى القول إنه يريد شيئاً في المقابل: «أريد النفط». ثم زاد متهماً العراق بتهريب صادرات نفطية لإيران.
أثار طلب ترمب بخصوص النفط استياء العبادي. وكان على مستشار الأمن القومي الجديد، إتش آر ماكماستر، إصلاح الوضع. قال ماكمساتر للعبادي إن ما قصده ترمب هو أن هناك علاقة أمنية قوية بين الولايات المتحدة والعراق وإن البلدين الآن عليهما إقامة علاقة اقتصادية قوية تخدم الشركات الأميركية وتساعد الاقتصاد العراقي على النمو.
ويروي الكتاب أيضاً تفاصيل عن كيف تفاجأ الأميركيون بالتدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015، وكيف حاولوا التدخل لمنع عبور الطائرات الروسية إلى سوريا عبر بلغاريا، وكيف تأقلموا لاحقاً مع هذا الوضع وبدأوا رسم خطوط تقسيم مناطق النفوذ في سوريا (شرق الفرات وغربها). ويروي أن الروس أعلنوا فجأة دائرة بقطر 55 كلم حول مدينة تدمر يُمنع الاقتراب منها، فردّ الأميركيون بفرض دائرة قطرها 55 كلم حول قاعدة التنف على الحدود السورية - الأردنية - العراقية.
يتناول غوردون أيضاً تفاصيل معركة الرقة وكيف تمكن الأكراد من هزيمة «داعش» ولكن بعدما تحولت المدينة إلى ركام. ويروي قصة ملاحقة «داعش» حتى هزيمته في آخر معاقله في الباغوز بريف دير الزور. ويروي أيضاً السباق الذي دار بين الأميركيين وحلفائهم، وبين الروس وحلفائهم السوريين، للسيطرة على حقول النفط والغاز شرق الفرات، وهو سباق انتصر فيه الأميركيون. ويسرد، في هذا الإطار، تفاصيل الارتباك الذي سببه ترمب بإعلانه سحب قواته من سوريا وترك «الأكراد والأتراك» يحلّون خلافاتهم مباشرةً، ولو بالحرب. ويشير إلى أن القرار الأميركي بترك الأكراد لمصيرهم أمام الجيش التركي أثار استياءً واسعاً بين الأكراد الذين شعروا بأن الأميركيين تخلّوا عنهم بعد كل التضحيات التي قدموها في الحرب ضد «داعش».
في الكتاب أيضاً تفاصيل عن الضربات الإسرائيلية التي استهدفت «فصائل إيران» في سوريا والعراق، وفيه إشارة إلى أن الطائرات الإسرائيلية كانت تأخذ الإذن من الأميركيين قبل تنفيذ هجماتها، وأن الأميركيين نادراً ما اعترضوا عليها. ويشير في هذا الإطار إلى أن ضربة استهدفت فصائل شيعية داخل العراق أثارت استياء الأميركيين (بعد غضب عراقي كبير)، فطالبوا الإسرائيليين بمعرفة سبب عدم إبلاغهم بها مسبقاً، فقيل لهم إن «الموساد» نفّذها بتنسيق مع وكالة الاستخبارات المركزية، وبالتالي لم يتم التشاور مع الجيش الأميركي في شأنها. كما يتناول قصة أمر ترمب باغتيال قاسم سليماني في بغداد، ورد إيران بقصف قاعدة عين الأسد.
ويقدم الكتاب تحليلاً لمدى نجاح أو فشل الاستراتيجية الأميركية القائمة على العمل «عبر، مع، ومن خلال by, with, and through» شركاء محليين، كالجيش والبيشمركة الكردية في العراق، و«قوات سوريا الديمقراطية» في سوريا، عوض إرسال الجيش الأميركي لخوض القتال مباشرةً.


مقالات ذات صلة

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

المشرق العربي انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

راجت أنباء عن وقوع محاولة لقتل مسؤول كردي سوري بارز في السليمانية بشمال العراق مساء اليوم الجمعة. فقد أورد موقع «صابرين نيوز» القريب من الحرس الثوري الإيراني، نقلاً عن «مصادر كردية»، أن قصفاً استهدف قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي «في محاولة اغتيال فاشلة بواسطة طائرة مسيّرة». من جهتها، أعلنت مديرية قوات الأمن (آسايش) في مطار السليمانية أنها تحقق في انفجار وقع قرب سياج مطار السليمانية دون أن يسفر عن خسائر بشرية أو مادية، مشيرة إلى أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحريق الناجم عنه سريعاً، بحسب موقع «رووداو» الكردي.

المشرق العربي مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

في إحدى الكنائس في الأردن، تخيط العشرينية سارة نائل قميصاً ضمن مشروع أتاح لعشرات النساء اللواتي فررن من العنف في العراق المجاور، مهارات لكسب لقمة العيش. نجت نساء عديدات بصعوبة من العنف المفرط الذي مارسته «دولة الخلافة» التي أعلنها تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا، قبل أن ينتهي بهن المطاف في الأردن يعانين للحصول على عمل. تنكب سارة نائل (25 عاماً)، وهي لاجئة مسيحية عراقية من بلدة قرقوش تعلمت مهنة الخياطة في الطابق الثالث في كنيسة مار يوسف في عمان، على ماكينة الخياطة في طرف المكان لتخيط قطعة قماش مشرقة زرقاء اللون تمهيداً لصنع قميص. وتقول سارة التي وصلت إلى الأردن عام 2019 وبدأت تعم

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي «الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

«الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة، أمس (الاثنين)، لصالح الدفع قدماً بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة تأكيد دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال. وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتاً، أي تجاوز الستين صوتاً اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو، مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة أمس (الاثنين) لصالح الدفع قدما بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة التأكيد على دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال، وفقاً لوكالة «رويترز». وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتا أي تجاوز الستين صوتا اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع. وجميع الأصوات الرافضة كانت لأعضاء في الحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي 20 عاماً على الزلزال العراقي

20 عاماً على الزلزال العراقي

تحلُّ اليومَ، الأحد، الذكرى العشرون للغزو الأميركي للعراق، وهو حدثٌ كان بمثابة زلزال ما زالت المنطقة تعيش تداعياتِه حتى اليوم. لم يستمع الرئيسُ الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، لتحذيراتٍ كثيرة، غربيةٍ وعربية، سبقت إطلاقَه حرب إطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003، وحذرته من أنَّ خطوتَه ستفتح «باب جهنم» بإدخال العراق في فوضى واقتتال داخلي وستسمح بانتشار التطرفِ والإرهاب. أطلق بوش حملةَ إطاحة صدام التي أطلق عليها «الصدمة والترويع» ليلة 19 مارس (آذار) بقصفٍ عنيف استهدف بغداد، في محاولة لقتل الرئيس العراقي، قبل إطلاق الغزو البري.


لبنان وإسرائيل يقتربان من أول جولة تفاوض... ولم يحسما الترتيبات

ناشطون في باريس يرفعون لافتة تدعو لوقف الحرب في لبنان خلال حراك ضد الحرب في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
ناشطون في باريس يرفعون لافتة تدعو لوقف الحرب في لبنان خلال حراك ضد الحرب في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل يقتربان من أول جولة تفاوض... ولم يحسما الترتيبات

ناشطون في باريس يرفعون لافتة تدعو لوقف الحرب في لبنان خلال حراك ضد الحرب في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
ناشطون في باريس يرفعون لافتة تدعو لوقف الحرب في لبنان خلال حراك ضد الحرب في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

اقترب لبنان وإسرائيل خطوة باتجاه عقد أول اجتماع، ضمن جولة مفاوضات لإنهاء الحرب في لبنان، لكن لم يجرِ الاتفاق على الترتيبات بعد، وسط تأكيد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، السبت، من بيروت بأن «القنوات الدبلوماسية» متاحة لوقف الحرب.

وقالت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن الاتفاق على عقد اجتماع تم، لكن لم يتم تحديد موعد اللقاء ولا مكانه، وذلك بوجود دعوتين لاستضافة الاجتماع من قبرص وفرنسا. وقالت المصادر إنه لم يُحسم بعد ما إذا كان الرئيس نبيه بري سيوافق على إرسال مندوب شيعي إلى الاجتماع، بالنظر إلى أن وفد المفاوضات لا يتضمن أي ممثل شيعي.

لكن الرئيس بري ربط في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أي إيجابية من قبله في موضوع التفاوض ومبادرة رئيس الجمهورية جوزيف عون بتحقيق شرطين أساسيين: «أولهما وقف إطلاق النار، وثانيهما عودة النازحين»، رافضاً الخوض في أي تفاصيل «قبل أوانها».

ويرفض بري المشاركة في مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بالتزامن مع وقف الحرب، داعياً إلى تثبيت وقف إطلاق النار قبل الشروع بأي خطوة أخرى. ونُقل عن بري أنه متمسك بآلية «الميكانيزم»، والقرار «1701» لإنهاء الحرب.

جنود إسرائيليون في دبابات على الحدود مع جنوب لبنان في الجليل الأعلى (إ.ب.أ)

ونقلت قناة «إم تي في» التلفزيونية عن برّي قوله إنّ موقفه إيجابي تجاه مبادرة رئيس الجمهورية جوزيف عون ومساعيه، وقال: «أمّا تسمية شيعي في الوفد المفاوض من عدمه، فرهن وقف إطلاق النار».

فرصة وقف إطلاق النار

في غضون ذلك، قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، السبت، من بيروت إن «القنوات الدبلوماسية» متاحة لوقف الحرب في لبنان بين «حزب الله» وإسرائيل، داعياً في الوقت نفسه المجتمع الدولي إلى مضاعفة جهوده في دعم الدولة اللبنانية.

وأكد غوتيريش الذي بدأ زيارة للبنان، الجمعة، خلال مؤتمر صحافي: «لا يوجد حلّ عسكري، بل الحل فقط في الدبلوماسية والحوار» للحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، مضيفاً: «لا تزال القنوات الدبلوماسية متاحة، بما في ذلك عبر المنسقة الخاصة للبنان... وكذلك من خلال الدول الأعضاء الرئيسية».

وتابع: «رسالتي إلى المجتمع الدولي بسيطة: ضاعفوا جهودكم، ومكّنوا الدولة اللبنانية، وقدّموا إليها الدعم».

وقال الأمين العام للأمم المتحدة: «نفعل ما في وسعنا حالياً للتوصل إلى خفض فوري للتصعيد ووقف الأعمال العدائية»، لافتاً إلى أن المنسقة الخاصة للبنان في الأمم المتحدة، جانين هينيس - بلاسخات، «تعمل... على التواصل مع جميع الأطراف على مدار الساعة لجلبهم إلى طاولة الحوار، فيما تبقى قوات حفظ السلام التابعة لــ(اليونيفيل)... في مواقعها».

أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال مؤتمر صحافي في بيروت (إ.ب.أ)

وندّد غوتيريش بالهجمات على قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان ومواقعها، معتبراً أنها «أمر غير مقبول إطلاقاً، وينبغي أن يتوقف، ويشكّل خرقاً للقانون الدولي، وقد يعدّ (ذلك) جرائم حرب»، وذلك بعيد إصابة ثلاثة عناصر من الكتيبة الغانية في قوة «اليونيفيل»، بجروح جراء إطلاق نار، الأسبوع الماضي، في جنوب لبنان.

وانتقد غوتيريش كذلك أوامر الإخلاء التي يصدرها الجيش الإسرائيلي منذ بدء الحرب، في مناطق «تضم أعداداً كبيرة من الفئات السكانية الأكثر ضعفاً»، معتبراً أنها «لا توفر حماية كافية للمدنيين، وكل ما لا يوفّر قدراً كافياً من الحماية للمدنيين يُعدّ حتماً انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي».


تحركات لتطويق مسار تصعيد الحرب الإيرانية مع مؤشرات على وساطة ثلاثية

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)
الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)
TT

تحركات لتطويق مسار تصعيد الحرب الإيرانية مع مؤشرات على وساطة ثلاثية

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)
الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

يلوح في بداية الأسبوع الثالث من حرب إيران حراك دبلوماسي محتمل، بقيادة مصر وتركيا وسلطنة عمان، وسط اعتداءات إيرانية على دول بالمنطقة، وفي ظل تداعيات اقتصادية عالمية وعدم استقرار بالمنطقة.

هذا الحراك المحتمل، تحدثت عنه صحيفة إسرائيلية، جاء غداة عرض القاهرة على طهران بدء وساطة، وينظر إليه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، على أساس أنه قد يؤدي إلى خلق تفاهمات أولية، حتى لو كانت في حدود التهدئة أو منع توسع نطاق الحرب، في ضوء ثقل الدول وعلاقاتها، وشبكة اتصالاتها مع الأطراف جميعاً، مشيرين إلى الحاجة لضمانات وقبول الأطراف بهذا المسار، وإلا فسيستمر التصعيد مدة أكبر.

حراك محتمل للتهدئة

أفادت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، عن مصدر إقليمي، لم تسمه السبت، بأن «تركيا ومصر وسلطنة عمان تسعى لقيادة عملية دبلوماسية لإنهاء الحرب مع إيران»، والتي تخوضها تل أبيب منذ 28 فبراير (شباط) الماضي رفقة واشنطن.

هناك جهود وساطة «تُبذل مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وإلى حد ما مع الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني»، وفق المصدر نفسه، الذي كشف أن ممثلي الدول الوسيطة «على تواصل أيضاً مع الجانب الأميركي، ولا يعلم إن كان أي منهم على اتصال بإسرائيل».

ولم تؤكد طهران تلك الأنباء ولا تركيا أو سلطنة عمان التي كانت تقود مفاوضات بين طهران وواشنطن قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي.

غير أن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أكد خلال اتصال هاتفي تلقاه من نظيره الإيراني، مسعود بزشكيان، الجمعة، «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مشدداً على «إدانة مصر القاطعة، ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مقابل تأكيد بزشكيان «تقديره لجهود مصر والرئيس السيسي في سبيل وقف التصعيد»، وفق بيان للرئاسة المصرية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

ويرى أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الشؤون الدولية، الدكتور طارق فهمي، أن الأطراف الثلاثة المؤهلة بالفعل للقيام بدور الوساطة في الوقت الراهن لإنهاء الحرب هي مصر وتركيا وسلطنة عمان.

ويعتقد رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، والخبير في الشؤون الإيرانية، الدكتور محمد محسن أبو النور أن «الوساطة الثلاثية المحتملة تحمل قدراً من فرص التأثير، نظراً لطبيعة الأدوار التي تلعبها الدول الثلاث.

وأوضح أبو النور أن «مصر تمتلك شبكة علاقات واسعة مع القوى الإقليمية والدولية، بينما تحتفظ تركيا بقنوات اتصال مباشرة مع طهران والغرب في الوقت نفسه، في حين تتمتع سلطنة عمان بسجل طويل في لعب أدوار الوساطة الهادئة بين إيران والولايات المتحدة»، لافتاً إلى أن «هذا التنوع في قنوات التواصل هو الذي قد يمنح هذه الوساطة قدرة على نقل الرسائل، وخلق تفاهمات أولية، حتى لو كانت في حدود التهدئة، أو منع توسع نطاق الحرب».

من جهته، أكد المحلل السياسي التركي، طه عودة أوغلو، وجود فرص لنجاح هذه الدول في قيادة الوساطة قائلاً: «تركيا لديها علاقاتها مع (الناتو) ومع الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يؤهلها لأن تلعب دور الوساطة وتنجح فيه، وكذلك سلطنة عمان التي تلعب دائماً دور الوسيط في المفاوضات الأميركية - الإيرانية على مدى السنوات الماضية، ومصر من خلال الثقل والوزن الاستراتيجي لمصر، هي الأخرى مؤهلة للعب هذا الدور والقيام بخطوات مهمة».

سيناريوهات الحراك

منذ اندلاع الحرب، كررت مصر وتركيا وسلطنة عمان أهمية وقف تلك الحرب، ورفض الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والعراق والأردن.

وقال مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط» في 5 مارس (آذار) الحالي إن القاهرة لم توقف اتصالاتها بأطراف الأزمة العسكرية الحالية، والأطراف ذات الصلة القادرة على معالجة هذه الأزمة، لافتاً إلى أن «الاتصالات ما زالت جارية مع إيران رغم المعارك، ومعظم الجهود المصرية تركز على فكرة الوصول إلى مائدة التفاوض وإيقاف التصعيد، وعدم توجيه ضربات للدول العربية، على أساس أن هذا الأمر سيكون له انعكاسات سلبية على مستقبل العلاقات بين الجانبين».

وفي اليوم التالي، أكد الرئيس المصري أن بلاده «لا تزال تحاول القيام بجهود وساطة مخلصة وأمينة لوقف الحرب في منطقة الشرق الأوسط»، وبعدها بأيام جرى اتصال هاتفي بين وزير خارجية مصر بدر عبد العاطي ونظيره الإيراني عباس عراقجي.

وأوضح فهمي أن نجاح أطراف الوساطة يتطلب ضمانات أولية، وتقبلاً من الأطراف الأخرى، خصوصاً أن هناك مشكلة تتمثل في التشكك في طبيعة ونوايا الجانب الإيراني، تحديداً وأن سلطنة عمان قد تعرضت أراضيها لضربات إيرانية.

ويظل نجاح هذه التحركات، بحسب الدكتور محمد محسن أبو النور، «مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف المتصارعة لخفض مستوى المواجهة العسكرية مؤقتاً، وفتح المجال أمام مسار سياسي؛ لأن أي وساطة دبلوماسية تحتاج في الأساس إلى بيئة تسمح بالحوار وليس التصعيد».

وحال استمر التصعيد، قد تتحول هذه الجهود الثلاثية إلى مجرد محاولة لإدارة الأزمة وليس حلها، أما إذا ظهرت مؤشرات على رغبة الأطراف في تجنب حرب مفتوحة، فقد تفتح هذه الوساطة الباب أمام مسار تفاوضي غير مباشر، يهدف إلى احتواء الأزمة، وإعادة ضبط قواعد الاشتباك في المنطقة، وفق تقديرات أبو النور.

ويرى طه عودة أوغلو أيضاً أن نجاح هذه المساعي يعتمد بشكل كبير على قدرة استيعاب الأطراف لمخاطر هذه الحرب، لافتاً إلى أن تلك المساعي لن تصل إلى حل نهائي، بل هي تحركات لاحتواء الأزمة، خصوصاً أن التوتر الأميركي الإيراني صراع مستمر منذ عقود طويلة.


التوغل الإسرائيلي بجنوب لبنان يعدل قائمة أولويات القتال لدى «حزب الله»

دبابتان إسرائيليتان تنتشران بمحاذاة الجدار الفاصل مع لبنان خلال قتال مع «حزب الله» (إ.ب.أ)
دبابتان إسرائيليتان تنتشران بمحاذاة الجدار الفاصل مع لبنان خلال قتال مع «حزب الله» (إ.ب.أ)
TT

التوغل الإسرائيلي بجنوب لبنان يعدل قائمة أولويات القتال لدى «حزب الله»

دبابتان إسرائيليتان تنتشران بمحاذاة الجدار الفاصل مع لبنان خلال قتال مع «حزب الله» (إ.ب.أ)
دبابتان إسرائيليتان تنتشران بمحاذاة الجدار الفاصل مع لبنان خلال قتال مع «حزب الله» (إ.ب.أ)

تراجعت عمليات قصف «حزب الله» لعمق إسرائيل؛ إذ ركزت الجهود الحربية على مواجهة التوغلات الإسرائيلية المتزايدة داخل الأراضي اللبنانية، في مقابل توسعة إسرائيلية لقائمة الأهداف في الداخل اللبناني، والتي شملت مسعفين تعرضوا لثلاثة مجازر في الجنوب، بينما أصدرت تل أبيب أمر منع للشاحنات المغلقة من العبور إلى الجنوب على الطريق الساحلي.

وأصدر «حزب الله» حتى بعد ظهر السبت، 22 بياناً يتبنّى فيها إطلاق عمليات عسكرية ضد إسرائيل، تركز معظمها حول قصف تجمعات عسكرية على الحدود مع لبنان، وقصف منظومات دفاع جوي ورصد، فضلاً عن قصف المستوطنات الشمالية على الحدود. وقال في بياناته إنه استهدف جنوداً وآليات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، مثل استهداف جنود في محيط بلديّة مدينة الخيام، وفي بلدة مارون الراس، وموقع بلاط المُستحدث والموقع المستحدث في نمر الجمل مقابل بلدة علما الشعب الحدوديّة، وداخل معتقل الخيام ومحيطه وغرب بلدة بليدا وتلة الخزّان في بلدة العديسة.

دبابتان إسرائيليتان تنتشران بمحاذاة الجدار الفاصل مع لبنان خلال قتال مع «حزب الله» (إ.ب.أ)

وبدا أن جهود صد التوغلات البرية، تتصدر قائمة الأولويات لدى «حزب الله»، بعد بدء الجيش الإسرائيلي بتوغل واسع على 4 محاور على الأقل، حسبما قالت مصادر في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»، وقالت إن الحزب حشد قواته منذ بدء الحرب للتعامل مع المعركة البرية.

واتخذ الجيش الإسرائيلي إجراءات لمحاولة عرقلة وصول تعزيزات عسكرية من مقاتلين وعتاد، إلى مقاتلي الحزب في الجنوب؛ إذ قطع القصف الإسرائيلي أوصال المنطقة بقصف جسرين وعبّارتين توصلان جنوب الليطاني بشماله، إضافة إلى ضربات بين القرى لمنع وصول المقاتلين. وقالت المصادر إن هذه الإجراءات الإسرائيلية، هي بمثابة توسعة لقائمة الأهداف، «كما تريد إسرائيل أن تفرغ المنطقة من خلال قصف الإسعاف والدفاع المدني في الجنوب».

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن الطائرات الحربية الإسرائيلية شنت بعيد منتصف الليل غارتين جويتين متتاليتين استهدفتا طريق وجسر الخردلي اللذين يربطان النبطية بمرجعيون قبيل حاجز الجيش اللبناني. وأدت الغارات إلى إحداث حفرة كبيرة في وسط الطريق وقطعها بالكامل؛ ما جعل المرور عبرها خطراً وصعباً للغاية.

استهداف المرافق الطبية

وأدت غارات إسرائيلية على مراكز للهيئات الإسعافية والمرافق الطبية، منذ بدء الحرب، إلى مقتل 22 مسعفاً، وكان أعنفها يوم الجمعة، حين استهدفت مركزاً للرعاية الصحية الأولية التابع لوزارة الصحة العامة في بلدة برج قلاويه، وأدت الغارة إلى استشهاد 12 من الأطباء والمسعفين والممرضين. ووصفت وزارة الصحة الغارة بأنها«اعتداء صارخ على شبكة الرعاية الصحية الرسمية المنتشرة في البلاد». كما استهدفت غارة نقطة تجمع مشتركة لجمعيتي «الهيئة الصحية» و«كشافة الرسالة» في بلدة الصوانة؛ ما أسفر عن سقوط قتيلين.

ذخائر محمولة على متن شاحنة ينقلها الجيش الإسرائيلي إلى الحدود مع لبنان في الجليل الأعلى (إ.ب.أ)

وبعد الاستهدافات، قال الجيش الإسرائيلي إن «حزب الله» يستخدم سيارات الإسعاف والمرافق الطبية لأغراض عسكرية، مطالباً بالتوقف عن استخدامها في ما وصفه بأنشطة عسكرية. كما قال إن «حزب الله» يقوم بتمويه نقل الصواريخ ووسائل قتالية عبر شاحنات مدنية في منطقة الساحل اللبناني، محذراً من أن أي شاحنة تسير بالقرب من الساحل اللبناني قد تعرّض نفسها للخطر نتيجة ما وصفه بتموضع الحزب في المنطقة.

ولم تقتصر التدابير الإسرائيلية على التحذيرات وسيارات الإسعاف واستهداف الشاحنات، فقد تصاعدت وتيرة الغارات الإسرائيلية على مناطق لبنانية عدة، مستهدفة شققاً سكنية في ضواحي بيروت الشرقية وجنوب البلاد، بالتزامن مع قصف بلدات حدودية واشتباكات على محاور الجنوب. واستهدفت غارة إسرائيلية شقة سكنية في منطقة حارة صيدا، حيث سارعت فرق الإسعاف إلى الموقع المستهدف. وأفادت المعلومات الأولية بمقتل 4 أشخاص من عائلة الترياقي جراء الغارة، في حين لا تزال الحصيلة غير نهائية.

غارات مكثفة على بلدات الجنوب

ميدانياً، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن الطيران الحربي الإسرائيلي شنّ سلسلة غارات على بلدات عدة في جنوب لبنان، بينها مجدل زون، وياطر، والطيبة، وسجد في إقليم التفاح، وزوطر الشرقية في قضاء النبطية، حيث استهدفت إحدى الغارات منزلاً يعود إلى أحد أبناء آل حرب ودمرته بالكامل.

كما شنّ الطيران الإسرائيلي غارتين عنيفتين على بلدة الخيام في قضاء مرجعيون، بينما تعرضت بلدة الناقورة لقصف مدفعي، وأغار الطيران الحربي على بلدة الخرايب. وفي قضاء حاصبيا، قصفت مدفعية الجيش الإسرائيلي خراج بلدة شبعا بعدة قذائف.

وليلاً، استهدفت القوات الإسرائيلية بلدات بنت جبيل، عيناثا، عيترون وأطراف مارون الراس، بالتزامن مع اشتباكات عنيفة بين عناصر «حزب الله» والجيش الإسرائيلي على محاور مارون الراس وبنت جبيل وعيتا الشعب، بينما تعرض وادي الحجير لقصف مدفعي.

رجل يقف قرب الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت في أعقاب قصف إسرائيلي بالغارات الجوية (أ.ب)

كما أفادت الوكالة بأن غارة إسرائيلية على برج قلاوية أدت إلى مقتل طبيب. وشملت الانتهاكات، قوات «اليونيفيل» التي أعلنت المتحدثة باسمها كانديس آرديل أن أحد مواقع القوة الدولية بالقرب من بلدة ميس الجبل تعرّض لإصابة يُرجّح أنها ناجمة عن نيران رشاش ثقيل. وأوضحت آرديل أن الحادثة تسببت باندلاع حريق داخل الموقع، بينما أصيب أحد جنود حفظ السلام بجروح طفيفة في أثناء توجهه إلى الملجأ.

وأكدت أن «اليونيفيل» باشرت تحقيقاً في الحادثة، مجددة تذكير جميع الأطراف بضرورة الالتزام بضمان سلامة وأمن جنود حفظ السلام في جميع الأوقات.