«تحجيم وتدمير»... قصة الحرب ضد «داعش» من أوباما إلى ترمب

«تحجيم وتدمير»... قصة الحرب ضد «داعش» من أوباما إلى ترمب

المالكي كان يخشى «سحل جثته» كالقذافي... وترمب للعبادي: أريد النفط... وصل الأميركيون لإنقاذ الإيزيديين فسبقهم أكراد سوريا
الثلاثاء - 28 شهر ربيع الثاني 1444 هـ - 22 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [ 16065]
الرقة... «عاصمة داعش» في سوريا ما زالت مدمَّرة بعد سنوات من تحريرها (رويترز)

في كتابه المشوّق «تحجيم وتدمير Degrade and Destroy»، يأخذك مايكل غوردون إلى كل ما تريد معرفته عن خفايا الحرب ضد تنظيم «داعش» في سوريا والعراق، بدءاً بولاية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ثم ولاية خلفه دونالد ترمب. يتنقل القارئ، خلال تقليب صفحات الكتاب، بين جبهات المعارك كأنه جزء منها. يعيش نكساتها، مآسيها، وأيضاً انتصاراتها. يدخل الاجتماعات المغلقة التي يعقدها القادة الأميركيون لمناقشة الحرب. يطّلع على محاضرها السرية، ويستمع إلى روايات المشاركين فيها، فيكتشف حروباً موازية للحرب ضد «داعش» كانت تدور بين المسؤولين الأميركيين أنفسهم، وبين «حلفائهم الأعداء»، حول طريقة هزيمة التنظيم الإرهابي: خلافات أميركية - أميركية. خلافات بين بغداد وأربيل. خلافات كردية - كردية. خلافات بين الأكراد والأتراك... وكل ذلك يأتي في ظل دخول إيران على خط «الحرب على داعش»، من خلال محاولات قام بها قائد «لواء القدس» في الحرس الثوري، قاسم سليماني، لتوسيع دائرة الحلفاء لبلاده في كلٍّ من سوريا والعراق وتثبيت نفوذها فيهما.


يبدأ «تحجيم وتدمير» روايته للحرب على «داعش»، بالعودة إلى خلفيات الانسحاب الأميركي من العراق عام 2011، بناءً على رغبة أوباما في إنهاء انخراط بلاده في حروب خارجية لا تنتهي، حسبما قال خلال حملته الرئاسية عام 2008. كان هدفه الخروج من «مستنقعات» حروب الشرق الأوسط كي يتمكن من التركيز على التحدي الاقتصادي الآتي من آسيا، وكذلك للاهتمام بالمشكلات الداخلية التي تعاني منها أميركا. يكشف غوردون، هنا، أن جنرالاً أميركياً يدعى مايكل باربيرو كُلّف تقديم تقييم لقدرة الجيش العراقي على تولي الأمن في حال انسحاب الأميركيين، فجاء تقييمه بأن العراقيين لا يمكنهم ذلك بحلول الموعد المحدد، وهو ديسمبر (كانون الأول) 2011. يتذكر باربيرو أنه تحدث مع رئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري المالكي ومع الكثير من القادة العراقيين السنّة والشيعة والأكراد وشرح لهم الوضع، فكان ردهم: «جنرال، يجب أن تبقوا إذن».

لكن البقاء لم يكن بالأمر السهل. فعلى مدى شهور من ذلك العام، لم يكن معروفاً هل أوباما مستعد أصلاً لتمديد بقاء القوات. ثم جاءت مشكلة الاتفاق على وضع القوات الأميركية في بلد سيّد. أبرم هذا الاتفاق الرئيس السابق جورج بوش مع المالكي عام 2008، لكن مفعوله ينتهي بنهاية 2011. بعد فترة من النقاشات، وافق البيت الأبيض على طلب «البنتاغون» تمديد بقاء القوات الأميركية، فبدأ الجدل حول عددها، وحول نوع الاتفاق الذي سينظم وجودها في العراق. في نهاية المطاف، وافق أوباما على إبقاء 5000 جندي فقط، منهم 3500 يبقون في العراق بشكل دائم، والبقية يتم نقلهم إليه دورياً. وهنا أصرّ البيت الأبيض على أن البرلمان العراقي يجب أن يوافق على أي اتفاق لتنظيم انتشار القوات الأميركية. ينقل السفير الأميركي في العراق آنذاك جيمس جيفري عن المالكي قوله: «لا أريد في الحقيقة أن أذهب إلى البرلمان. ماذا عن البديل؟ نوقّع اتفاقاً فقط»، مضيفاً أن المالكي قال له إن الرئيس الأسبق صدام حسين استضاف سابقاً آلاف المستشارين الروس دون أي اتفاق قانوني بهذا الشأن.

في النهاية، انهار الاتفاق الأميركي – العراقي، عقب اتصال فيديو بين أوباما والمالكي (كان ثاني اتصال مباشر بينهما فقط)، وبات على الأميركيين سحب قواتهم (40 ألفاً) بنهاية ديسمبر 2011، قبل ثلاثة أسابيع من الموعد، سافر المالكي إلى واشنطن للاتفاق على نوع العلاقة المستقبلية بين الطرفين، فقال أوباما وقتها: «حرب تنتهي... ويوم جديد يحل علينا».


- نهاية حرب؟

هذا ما تم علناً. لكنَّ شيئاً آخر كان يُطبخ سراً. فقد استضاف رئيس وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ديفيد بيترايوس، ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، بموافقة أوباما، المالكي على عشاء خلال زيارته لواشنطن وعرضا عليه «الخطة ب». قضت الخطة بأن يبقى في العراق عشرات من عناصر القوات الخاصة بعد نقلهم إلى مُلاك «سي آي إيه». وبموجب الاتفاق، يتولى العراقيون القتال ضد المتطرفين، فيما يقدم الأميركيون المساعدة في التجسس على اتصالات العدو وتحليل معلومات الاستخبارات والرصد وحتى التخطيط للعمليات.

لم يكن المالكي شخصية يسهل التعامل معها، رغم أن الأميركيين ساعدوه في الوصول إلى السلطة. فقد كان الأميركيون يريدون التخلص من رئيس الوزراء آنذاك إبراهيم الجعفري، بعدما رأوا أنه لا يتعامل بجدية لوقف التوتر الطائفي في البلاد. وبعدما قرأ السفير الأميركي آنذاك، زلماي خليل زاد، تقريراً لـ«سي آي أيه» عنه، وفيه أنه كان من قادة حزب «الدعوة» المنفيين في سوريا، وليس في إيران، بدا له أن المالكي شخص يمكن التعامل معه، من بين خيارات أخرى كانت بعيدة عن أن تكون مثالية.

جاء بيترايوس إلى بغداد قبيل عيد الميلاد في ديسمبر 2011 لإبرام اتفاق «الخطة ب». لكنّ الوضع فيها كان مختلفاً. فقد كان المالكي يعتقد أن هناك مؤامرات تُحاك ضده للتخلص منه بعد الانسحاب الأميركي. يروي الكتاب أن المالكي تساءل علناً خلال لقاء لمسؤولين عراقيين وأميركيين في أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام، عما إذا كان هناك أشخاص سيغتالونه ثم يتم سحل جثته في الشوارع كما حصل مع العقيد الليبي معمر القذافي في ذلك الشهر.

في أي حال، وعد المالكي بيترايوس بتوقيع ورقة تطلب مساعدة «سي آي إيه» في مكافحة الإرهاب. لكن الطلب لم يأتِ. انسحب الأميركيون، لكنَّ تقييم الجنرال الأميركي في شأن قدرة القوات العراقية سرعان ما تبين أنها صحيحة. فالمتطرفون، بقيادة أبو بكر البغدادي، سرعان ما استفادوا من الثورة ضد نظام الرئيس بشار الأسد في دمشق وبدأوا يتوسعون في سوريا، قبل بدء حملة واسعة في العراق تمثلت في هجمات واسعة على السجون (حملة هدم الأسوار) وتحرير آلاف السجناء منها.


- زيباري للمالكي: قادتك يكذبون عليك

ويروي غوردون هنا قصة لافتة عن القيادي الكردي هوشيار زيباري الذي قدّر أن القوات العراقية قد لا تكون قادرة على التعامل مع التهديد الإرهابي المتصاعد. ولا شك أن زيباري يعرف معنى التهديد شخصياً، فقد فجّر إرهابيون عام 2009 مقر وزارة الخارجية التي كان يقودها آنذاك، ما أدى إلى مقتل عشرات من موظفيه. بعد ذلك بأربع سنوات، شكك زيباري في قدرة العراقيين على التعامل مع التهديد المتصاعد. فسعى إلى إقناع المالكي بطلب مساعدة الأميركيين: بضع غارات من الطائرات المسيّرة (درون). تدريب للقوات العراقية. لكنّ إقناع المالكي لم يكن سهلاً. فكيف يمكن للأخير أن يطلب مساعدة الأميركيين بعد سنتين من انسحابهم؟ ذهب زيباري إلى واشنطن لمفاتحة الأميركيين بحاجة العراق إلى مساعدة منهم، وأبلغ بذلك الجنرال مارتن ديمبسي الذي سأله: هل هذا الطلب يمثل الحكومة العراقية أم موقفه فقط؟ فقال زيباري إن الطلب من الحكومة العراقية. عندها طلب ديمبسي رسالة تطلب ذلك رسمياً. كما طلب الجنرال الأميركي أيضاً تغيير قيادات عراقية رأى أنها لا تقدّر خطورة الوضع. عاد زيباري إلى بغداد وأبلغ المالكي بأن الأميركيين منفتحون على المساعدة، لكنهم يريدون تغييرات أيضاً. لم يُظهر المالكي بوادر للموافقة على ذلك. قال إن قادته العسكريين واثقون من قدرتهم على مواجهة التهديد، فرد زيباري قائلاً: «هؤلاء القادة يكذبون عليك. لا يخبرونك حقيقة الوضع».


- سقوط الموصل

لم يخطئ زيباري في توقعاته. فتنظيم «داعش» كان يحقق ضربات متتالية وفي أجزاء واسعة من مناطق البلاد. في يونيو (حزيران) 2014، بلغت الأوضاع حداً كبيراً من الخطورة، فتم إعلان حظر التجول في مدينة الموصل التي يؤمّن حمايتها عادةً فرقتان من الجيش العراقي وآلاف من عناصر الشرطة المحلية والشرطة الاتحادية. لم يكن الأميركيون على دراية بمدى خطورة الوضع، كما يقول غوردون.

لم يكن سراً أن المناطق السنية في العراق كانت مستاءة من سياسات المالكي الذي لم يَزُر الموصل، مثلاً، سوى مرة واحدة عام 2008، لكن وصول «داعش» إلى أبواب الموصل استدعى تحركاً عاجلاً، حتى من القيادات السنية، لتفادي كارثة. فبدأ قادة المدينة مناشدة الأميركيين التدخل. ناشدوا الأكراد أن يرسلوا «البيشمركة». طلبوا تدخل أي طرف يمكن أن يوقف زحف التنظيم الإرهابي. لكن لم تكن المهمة سهلة، خصوصاً في ظل حالة انعدام الثقة بين المالكي والقيادة الكردية. فطلب السفير روبرت بيكروفت في بغداد من المسؤول في وزارة الخارجية بريت ماكغورك التدخل. وبالفعل، عُقد اجتماع بين فؤاد حسين، كبير مساعدي الزعيم الكردي مسعود بارزاني، وطارق نجم كبير موظفي المالكي. وافق نجم على نقل مسألة تدخل «البيشمركة» لرئيس الوزراء، لكنه طرح سؤالاً بدا مهماً للمالكي والمحيطين به في بغداد: إذا تقدمت القوات الكردية إلى شرق الموصل، فهل ستنسحب منه؟

قبل الحسم في هذا الموضوع، تقدم مقاتلو «داعش» في شرق الموصل يوم 9 يونيو 2014، وسرعان ما انهار الجيش العراقي أمامهم. في 29 يونيو، أعلن أبو محمد العدناني الشامي قيام دولة «الخلافة» المزعومة، وفي 4 يوليو (تموز) ظهر «الخليفة» أبو بكر البغدادي في مسجد النوري. محافظ الموصل قبل سقوطها أثيل النجيفي، كان يشاهد من ملجئه في أربيل ظهور البغدادي. «داعش» صادر ممتلكاته وقتل جياده وخرّب بيته... والآن يرى في يد البغدادي ساعة الـ«رولكس» التي تركها في بيته بالموصل قبل فراره منها.


- تردُّد أوباما... وتحرُّك قاسم سليماني

كيف يمكن لأميركا الآن مساعدة العراق؟ سارع «البنتاغون» فوراً إلى إعداد أهداف محتملة يمكن ضربها في حال قرر أوباما ذلك. لكن الرئيس الأميركي كان مصراً على أنه لا يريد التدخل ما دام البلد محكوماً من «حكومة طائفية» يتزعمها أشخاص كالمالكي.

وفيما كانت واشنطن تأخذ وقتها قبل تقرير ماذا ستفعل، استغل الإيرانيون بطء الأميركيين وتحركوا فوراً. كان قاسم سليماني، قائد «لواء القدس»، قد أكد للمالكي سابقاً أن إيران ستساعد حكومة العراق إذا كانت في خطر، حسب تقرير للاستخبارات الأميركية. وبالفعل، بدأت طائرات الشحن الإيرانية تطير في رحلتين يومياً إلى بغداد حاملة تجهيزات ومعدات عسكرية (70 طناً في كل رحلة) لدعم ميليشيات تابعة لها في العراق. بالإضافة إلى ذلك، أقام جنود إيرانيون مركز قيادة صغيراً في قاعدة الرشيد العسكرية ببغداد، وبدأوا في إطلاق مسيّرات «أبابيل» لجمع معلومات استخباراتية ميدانية. أرسل الإيرانيون أيضاً وحدة استخبارات مختصة بالإشارة لرصد اتصالات «داعش». أرسلوا كذلك شحنات أسلحة للأكراد، وحشدوا قواتهم على الحدود للتدخل في العراق إذا طلب المالكي ذلك أو مثّل «داعش» تهديداً لمدينة سامراء. كان ذلك جزءاً من «استراتيجية بعيدة المدى» لتدخل إيران في العراق.


- سنجار... والتدخل الأميركي

في وقت كانت إدارة أوباما تعمل على تشكيل تحالف دولي واسع للتصدي لـ«داعش» وسط خلافات محتدمة بين جنرالات جيشها، كانت الأحداث تتسارع في شكل يفرض على الأميركيين التحرك بشكل عاجل. ففي 8 أغسطس (آب)، اندفع مقاتلو «داعش»، المنتشين بانتصارهم في الموصل، نحو سنجار حيث فتكوا بالأقلية الإيزيدية. قتلوا الرجال وسبوا النساء وخطفوا الأطفال. اجتمع مجلس الأمن القومي الأميركي لبحث الوضع، حيث فر من نجا من الإيزديين من المذبحة إلى جبال سنجار حيث كان يُخشى أن يلاحقهم «الدواعش» للقضاء عليهم. عرض مسعود بارزاني إرسال «البيشمركة» لمرافقة المحاصرين ونقلهم إلى دهوك. حضّر الأميركيون طائرات للتوجه إلى المنطقة ونقل المحاصرين جواً قبل وصول «داعش» إليهم، أو دعمهم بمؤن تُرمى لهم من الجو.

لكن «سنتكوم» (القيادة الأميركية الوسطى) كانت تريد إذناً من أوباما بضرب نقاط «داعش» لتأمين عملية الإجلاء. اعترضت سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي. قالت إنها تخشى أن يكون ضرب حواجز «داعش» مقدمة لانخراط عسكري أكبر. لكن أوباما حسم أمره: يمكن إطلاق مهمة إنقاذ الإيزديين وضرب «داعش» إذا تطلب الأمر ذلك. حاولت رايس مجدداً الاعتراض، فقاطعها أوباما معطياً الإذن ببدء العملية. وبالفعل، انطلقت طائرات أميركية ورمت مؤناً للإيزيديين المحاصرين وقصفت بعض مواقع «داعش». لكنّ الأميركيين الذين كانوا قد بدأوا في التجمع في أربيل (قوات «دلتا») لبدء عملية الإنقاذ سرعان ما اكتشفوا أن هناك من سبقهم إلى سنجار. فقد وصل مقاتلون من تنظيم كردي سوري يُدعى «وحدات حماية الشعب» (المدعوم من السليمانية، المتنافسة مع أربيل) وبدأوا في نقل المحاصرين بشاحنات إلى داخل سوريا ومنها إلى دهوك بكردستان العراق. وبالفعل طار مسؤول في الخارجية الأميركية مع جنود من قوات «دلتا» إلى جبال سنجار وتأكد أن أعداد المحاصرين هبطت إلى بضع مئات من الذين أصروا على الصمود هناك في مواجهة «داعش».

كان الأكراد قد استغلوا انشغال بغداد بتحضير نفسها لمواجهة «داعش»، وتقدموا نحو مناطق متنازع عليه مع الحكومة المركزية، مثل كركوك. لكن «داعش» لم يكن ليميز بين خصومه سواء كانوا من الأكراد أو الشيعة (أو السنة العرب). في 8 أغسطس، بالتزامن مع هجومه على سنجار، بدأ «داعش» في التقدم أيضاً نحو أربيل. فتحركت طائرات أميركية وبدأت في قصفه.

في سبتمبر (أيلول)، تشكلت حكومة عراقية جديدة برئاسة حيدر العبادي، الذي حل محل المالكي. في 10 من ذلك الشهر، أعلن أوباما، في خطاب إلى الأمة، إطلاق استراتيجية لمكافحة الإرهاب هدفها «تحجيم وفي النهاية تدمير» تنظيم «داعش».


- العلاقة مع الأكراد السوريين: الأميركيون أم الإيرانيون؟

يروي الكتاب قصة نشوء العلاقة بين الأميركيين والقوات الكردية في سوريا (وحدات حماية الشعب). يقول غوردون إن هناك علاقة قديمة بين قوة مكافحة الإرهاب التي يقودها لاهور طالباني في السليمانية، إذ إنها تعود إلى عام 2003 عندما ضرب الأميركيون فصيل «أنصار الإسلام» الذي أسسه أعضاء سابقون في «القاعدة» بشمال العراق. والآن، أتاحت الحرب ضد «داعش» لطالباني فتح قناة اتصال بين الأميركيين والأكراد السوريين. فقد كانت قوات طالباني تدرب مجموعة من نحو 100 مقاتل من «وحدات حماية الشعب» في السليمانية قبل إرسالهم من جديد إلى سوريا لقتال قوات «أبو بكر البغدادي». دعا طالباني الأميركيين إلى التعامل مع الأكراد السوريين أيضاً، وهو ما تم. فبعد يوم واحد من استعادة «سد الموصل» من أيدي «داعش»، اجتمع الجنرال الأميركي كريس دونيهيو، مع قيادي كردي سوري ينشط تحت اسم حركي هو «مظلوم عبدي». سأله دونيهيو عن قواته وأهدافه، فشرح أنه قام لسنوات بـ«عمل سياسي» في تركيا وأوروبا لمصلحة القضية الكردية قبل العودة إلى سوريا، حيث ساعد في تأسيس «وحدات حماية الشعب» وتعرّض للسجن على أيدي النظام السوري. لكنّ الأتراك قالوا إن اسمه «فرحات عبدي شاهين» وإنه من أنصار عبد الله أوجلان، مؤسس «حزب العمال الكردستاني»، وإنه سُجن في تركيا في التسعينات.

على أي حال، قدم دونيهيو لمظلوم مطالب كثيرة للانخراط معاً في حملة ضد «داعش». لكنّ الأميركيين لم يكونوا وحدهم من يتودد للقيادي الكردي. فمظلوم كان قد التقى لتوّه الجنرال الإيراني قاسم سليماني الذي كان يسعى إلى بناء تحالفات ضد «داعش». عرض سليماني أسلحة ودعماً مالياً، علماً بأن الأميركيين لم يكونوا بعد قد حصلوا على إذن بعرض أسلحة على أكراد سوريا. بعد أيام، عاد مظلوم مع عدد من قادته العسكريين للقاء الجنرال الأميركي في السليمانية. حسم أمره. فهو سيتعاون مع الأميركيين وليس مع الإيرانيين.

في الواقع، كان خيار التعاون مع الأكراد هو الأسهل للأميركيين. فقد كانت خططهم للتعاون مع فصائل عربية سورية «معتدلة» قد تعرضت لنكسة. فهذه الفصائل التي تم تدريبها في الأردن وتركيا، سرعان ما انهارت أمام تنظم «جبهة النصرة» في شمال غربي سوريا.

لم يكد الأميركيون يبدأون التعاون مع الأكراد حتى وجدوا أنفسهم أمام أزمة طارئة. مقاتلو «داعش» كانوا يتقدمون نحو مدينة عين العرب التي يسميها الأكراد كوباني في ريف حلب الشمالي على الحدود مع تركيا. تدخل الأميركيون عسكرياً لوقف هجوم «داعش». وفي نهاية المطاف، وافق الأتراك على السماح لقوات من «البيشمركة» (قوات طالباني – الاتحاد الوطني) بعبور الحدود التركية ودخول كوباني لمنع سقوطها، وهو ما تم.

- ترمب: أريد النفط

يروي الكتاب بالتفصيل كيف دارت معارك الجبهات المختلفة: يتوقف طويلاً عند معركة تحرير الموصل وكيف تم تنفيذها خطوة بخطوة، بدءاً بمعركة شرق المدينة التي كانت أسهل من معركة غربها. ورغم أن الأكراد ساعدوا في هجوم شرق الموصل ومهَّدوا الطريق لتقدم القوات العراقية، فإن الأكراد كانوا لا يريدون الموت من أجل قطعة أرض لن تكون جزءاً من كردستان في المستقبل. ورغم حرص الأميركيين على إبعاد الفصائل الشيعية عن معركة الموصل، كي لا تثور حساسيات طائفية، فإنهم اكتشفوا لاحقاً أن هناك مقاتلين شيعة قاموا بإعدامات ضد أشخاص يُشتبه في انتمائهم إلى «داعش». ويلفت غوردون إلى أن الاتفاق، بهدف إبعاد فصائل «الحشد الشعبي» عن معركة الموصل، قضى بأن يُعطى «الحشد» مهمة تنظيف المناطق حول تلعفر والحدود مع سوريا –رغم أن ذلك سيأتي بثمن هو فتح طريق يربط مناطق سيطرة الفصائل العراقية الشيعية بمناطق سيطرتها داخل سوريا.

أعلن العبادي تحرير الموصل يوم 10 يوليو 2017، لكن ثمن تحريرها كان ضخماً جداً؛ آلاف الضحايا... ومدينة مدمَّرة. في اليوم التالي لإعلان التحرير، جلس الرئيس دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للتحدث مع العبادي وتهنئته بالنصر. وكما في كل المكالمات بين القادة، تم تحضير «نقاط حديث» من فريق مسؤولي مجلس الأمن القومي. لكنّ ترمب ليس من النوع الذي يلتزم بما هو محدد أمامه. بعدما أشاد الرئيس الأميركي بهزيمة «داعش» في الموصل، سعى العبادي إلى شرح أن المهمة لم تنتهِ: القتال ما زال دائراً لاستعادة الحويجة ومعاقل «داعش» الأخرى قبل أن يمكن الحديث عن القضاء على التنظيم الإرهابي. لكن ترمب الذي خشي طلب مزيد من المساعدات من الأميركيين، سارع إلى القول إنه يريد شيئاً في المقابل: «أريد النفط». ثم زاد متهماً العراق بتهريب صادرات نفطية لإيران.

أثار طلب ترمب بخصوص النفط استياء العبادي. وكان على مستشار الأمن القومي الجديد، إتش آر ماكماستر، إصلاح الوضع. قال ماكمساتر للعبادي إن ما قصده ترمب هو أن هناك علاقة أمنية قوية بين الولايات المتحدة والعراق وإن البلدين الآن عليهما إقامة علاقة اقتصادية قوية تخدم الشركات الأميركية وتساعد الاقتصاد العراقي على النمو.

ويروي الكتاب أيضاً تفاصيل عن كيف تفاجأ الأميركيون بالتدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015، وكيف حاولوا التدخل لمنع عبور الطائرات الروسية إلى سوريا عبر بلغاريا، وكيف تأقلموا لاحقاً مع هذا الوضع وبدأوا رسم خطوط تقسيم مناطق النفوذ في سوريا (شرق الفرات وغربها). ويروي أن الروس أعلنوا فجأة دائرة بقطر 55 كلم حول مدينة تدمر يُمنع الاقتراب منها، فردّ الأميركيون بفرض دائرة قطرها 55 كلم حول قاعدة التنف على الحدود السورية - الأردنية - العراقية.

يتناول غوردون أيضاً تفاصيل معركة الرقة وكيف تمكن الأكراد من هزيمة «داعش» ولكن بعدما تحولت المدينة إلى ركام. ويروي قصة ملاحقة «داعش» حتى هزيمته في آخر معاقله في الباغوز بريف دير الزور. ويروي أيضاً السباق الذي دار بين الأميركيين وحلفائهم، وبين الروس وحلفائهم السوريين، للسيطرة على حقول النفط والغاز شرق الفرات، وهو سباق انتصر فيه الأميركيون. ويسرد، في هذا الإطار، تفاصيل الارتباك الذي سببه ترمب بإعلانه سحب قواته من سوريا وترك «الأكراد والأتراك» يحلّون خلافاتهم مباشرةً، ولو بالحرب. ويشير إلى أن القرار الأميركي بترك الأكراد لمصيرهم أمام الجيش التركي أثار استياءً واسعاً بين الأكراد الذين شعروا بأن الأميركيين تخلّوا عنهم بعد كل التضحيات التي قدموها في الحرب ضد «داعش».

في الكتاب أيضاً تفاصيل عن الضربات الإسرائيلية التي استهدفت «فصائل إيران» في سوريا والعراق، وفيه إشارة إلى أن الطائرات الإسرائيلية كانت تأخذ الإذن من الأميركيين قبل تنفيذ هجماتها، وأن الأميركيين نادراً ما اعترضوا عليها. ويشير في هذا الإطار إلى أن ضربة استهدفت فصائل شيعية داخل العراق أثارت استياء الأميركيين (بعد غضب عراقي كبير)، فطالبوا الإسرائيليين بمعرفة سبب عدم إبلاغهم بها مسبقاً، فقيل لهم إن «الموساد» نفّذها بتنسيق مع وكالة الاستخبارات المركزية، وبالتالي لم يتم التشاور مع الجيش الأميركي في شأنها. كما يتناول قصة أمر ترمب باغتيال قاسم سليماني في بغداد، ورد إيران بقصف قاعدة عين الأسد.

ويقدم الكتاب تحليلاً لمدى نجاح أو فشل الاستراتيجية الأميركية القائمة على العمل «عبر، مع، ومن خلال by, with, and through» شركاء محليين، كالجيش والبيشمركة الكردية في العراق، و«قوات سوريا الديمقراطية» في سوريا، عوض إرسال الجيش الأميركي لخوض القتال مباشرةً.


العراق سوريا الحرب في العراق الحرب في سوريا داعش كتب

اختيارات المحرر

فيديو