ثقافة الانتظار لا تحب المعارك

بحلول منتصف القرن الـ20 أصبح الجدل السياسي محرماً والجدل الأدبي مكروهاً(2-2)

فرج فودة - سليمان فياض - صنع الله إبراهيم
فرج فودة - سليمان فياض - صنع الله إبراهيم
TT

ثقافة الانتظار لا تحب المعارك

فرج فودة - سليمان فياض - صنع الله إبراهيم
فرج فودة - سليمان فياض - صنع الله إبراهيم

بصرف النظر عن أهميتها أو مردودها الثقافي، يبدو القلق من غياب المعارك منطقياً ومشروعاً، فالحياة الثقافية التي تفقد وجهها الجدلي هي حياة في خطر.
ولا يمكن عزل المعارك الثقافية عن الظروف الاقتصادية والسياسية التي تحدد قدرة الكاتب على الاستقلال، والتي تحدد كذلك درجة استقلال القنوات الحاملة للمعارك، وقد كانت الصحافة حتى وقت قريب الوسيلة الأهم في الحراك الثقافي؛ فحتى المعارك التي كانت تبدأ من كتاب سرعان ما تذهب إلى الصحافة.
ولذلك، فإن تاريخ المعارك الأدبية هو بالضبط تاريخ الصحافة. وإذا عدنا إلى جذور الصحافة في القرن التاسع عشر فسنجدها كانت في معظمها صحافة سجالية، لا يمكن فصل الثقافة عن السياسة فيها، بحكم أن النخبة المثقفة هي ذاتها النخبة السياسية، وقد دخلت الصحافة القرن العشرين تتنازعها اتجاهات سياسية مختلفة؛ بين وطنية تسعى إلى الاستقلال، وأخرى تتمسك بفكرة الخلافة، وثالثة تتبنى خطاب الاحتلال، وطبقاً لهذه التقسيمات كان اصطفاف الأدباء وكانت معاركهم بالدرجة الأولى قبل المعارك الفنية. كما كانت هناك الغارات التي تُشن ضد المفكرين بتحريض من السلطة ولصالحها في أحيان كثيرة.
كانت صحافة تلك الفترة مستقلة، وكان المجتمع في تلك الفترة ومن ضمنه مجتمع النخبة الثقافية، أقوى من السلطة. ومع ذلك كانت هناك مخصصات من الورق وإعلانات الحكومة التي تستطيع أن تمنحها أو تمنعها طبقاً لرضاها عن هذه الصحيفة أو تلك، وكان لهذا أثره في قيام وانهيار الصحف.
بحلول منتصف القرن العشرين تحولت أنظمة الحكم في دول الثقل الصحافي والأدبي: مصر والعراق وسوريا إلى جمهوريات عسكرية المنشأ، وبدأت المسيرة المعاكسة باتجاه نموذج دولة السلطة القوية والمجتمع الضعيف. وفي إطار هذا المسعى سيطرت السلطة على الصحف، وأصبح الجدل السياسي محرماً والجدل الأدبي مكروهاً، فخفت صوت المعارك الأدبية في كل دولة، حسب درجة السيطرة على المجال العام، وإلى جوار هذا كانت صحافة بيروت تتمتع باستقلالية أوسع بفضل ضعف السلطة فيها، ولكن بهشاشة أكبر بسبب عدم استقرار مصادر التمويل، وقد بدت هذه الهشاشة في السنوات الأخيرة عندما انقطعت خطوط الإمداد فتبخرت معه صحف بيروتية مهمة.
إذا اتخذنا من مصر حالة للتأمل، فلم تمض الأمور على وتيرة واحدة؛ ففي الطريق إلى الدولة الجديدة تساقط الكثير من المجلات الثقافية الكبيرة مثل «الرسالة» وما تبقى من صحف ومجلات تعرض للتأميم، ومن ضمنه «دار المعارف» التي لها في كل قلب عربي ذكرى، وعلى رفوف كل كاتب عربي كتب من إصداراتها، ثم فُرضت عليها مجلة «أكتوبر» التي استنزفتها.
بعكس بغداد ودمشق، اختارت القاهرة صيغة ملكية «نصف حكومية» للصحف المؤممة، فقد وضع المشرع تلك الصحف تحت ملكية «الشعب» وتمارس حقوق الملكية عليها هيئة شعبية هي «الاتحاد الاشتراكي»، ومع إنشاء مجلس الشورى في عهد السادات انتقل الإشراف على الصحافة إلى هذا المجلس النيابي، وقاد السادات عملية انفتاح سياسي شهدت انفراجاً في حرية القول محدوداً، كما شهدت تأسيس أحزاب أصدرت صحفها، وساهمت في صنع حيوية في النقاش الاقتصادي والسياسي، وتحديداً حول الانفتاح والصلح مع إسرائيل، وللمفارقة كانت مجلات وزارة الثقافة أقل حرية وتقف عثرة في وجه التجديد، الذي كان يأتي من اليسار، بينما تولى هذه المجلات نقاد من اليمين، وهذه المفارقة تستحق مقالاً وحدها، وتكشف عن عملية ثأر من اليمينيين لاستبعادهم في سنوات الناصرية!
كانت مسيرة تأميم الخطاب العام عبر تأميم الصحافة تالية لميلاد وزارة الثقافة «الإرشاد القومي» كان اسمها في البداية، ولنا أن نتأمل الاسم، ونشأت جوائز الدولة، ومؤسسة النشر الحكومية الكبرى «هيئة الكتاب» ولم يقتصر النشر على هذه الهيئة المتخصصة، بل أصدرت هيئات الوزارة الأخرى كتبها.
مضى النظام نحو القوة، واتجه المجتمع نحو الضعف. وأصبح الكاتب على أرض السلطة يرى وجهها أينما اتجه. ينشر كتابه في دار حكومية ويُنقد في صحيفة حكومية والجائزة ستمنحها جهة حكومية. وأخذت الحكومة تبتكر مع الممارسة تعديلات جديدة في إجراءات منح الجوائز حتى صارت أغلبية المصوتين فيها من موظفي وزارة الثقافة، وأدمنت تلك الجوائز الاختيارات الخطأ، وتغليب الموالاة السياسية حتى انتهت اليوم إلى أن أحداً لا يتذكر موعد تلك الجوائز باستثناء الموعودين بها!
ولأن الحياة تأبى الفراغ، فقد استمرت المعارك الأدبية محدودة الخطر، تتكرر بشكل دوري، مثل جدل الفصحى والعامية، جدل الأجيال الشعرية، وقضية «الالتزام في الفن» التي يتمسك بها اليسار في مقابل نظرية «الفن للفن» التي حمل لواءها رشاد رشدي. ومن يراجع قضية كهذه الآن لا يعرف هل كان ما ينادي به رشاد رشدي انحيازاً فنياً صرفاً أم داخله دعم للتحول السياسي من خط عبد الناصر إلى خط السادات، وما مدى تمسكه برؤيته؛ لأنه في بعض مساجلاته يعود فيقر بأن الأدب لا يمكن أن يخلو من الوظيفة الاجتماعية.
لم ينفصل الجدل الثقافي عن الحالة السياسية بأي حال، أو لنقل لا ينفصل عن توازن القوة بين النظام والمجتمع. هذا سيجعلنا نتذكر هبَّات ثقافية قليلة معطوفة على أحداث سياسية. أولها عندما تجمع عدد من أدباء جيل الستينات وأصدروا مجلة «جاليري 68» المستقلة، وشارك بها اثنان من الكتاب العرب هما: غالب هلسا ومحمد الشارخ، وصدر منها 8 أعداد بين عام 1968 وعام 1971، ولنلاحظ التوقيت بعد الهزيمة العسكرية المروعة، توقفت المجلة بسبب التمويل في العام نفسه مع مجلة «سنابل» التي صدرت عام 1969 وصودرت في عام 1971، ثم كانت بعد ذلك حركة مجلات «الماستر»، فقيرة الطباعة منتصف السبعينات ممثلة في «إضاءة 77» و«أصوات»، وكانتا تمثلان جماعتين شعريتين من شعراء السبعينات، جاءتا بعد مرحلة من الغضب بسبب عدم الحسم في الحرب وانهيار المشروع القومي، وما صاحب ذلك من انتفاضات من يناير (كانون الثاني) 1972 وحتى انتفاضة الخبز 1977، كانت هذه هي الأجواء التي تفتحت فيها عيون هؤلاء الشعراء، لكن مجلاتهم كانت رداً على سيطرة اليمين على مجلات الدولة، ووقوف هذا اليمين في وجه التجديد.
وبعد انتهاء الحقبة الناصرية بتيارها الواحد، والحقبة الساداتية في الاتجاه المعاكس، دخلت مصر مع بداية الثمانينات إلى مرحلة مبارك الأطول عمراً من سلفيه، وتميزت السلطة فيها بالحذر وتحسس الخطى، والعمل على تفتيت الحجر ببطء من خلال انتظام نزول قطرات الماء عليه.
فاروق حسني أطول وزراء الثقافة المصريين عمراً في منصبه أعلن بصراحة إنجاز وزارته «إدخال جميع المثقفين إلى الحظيرة»، وبعد ذلك بسنوات كان رفض صنع الله إبراهيم المدوي لجائزة الرواية العربية عبر بيان سياسي ناري على مسرح حفل ختام مؤتمر الرواية العربية عام 2003.
لا يُعدم الاستقلال بالطبع في أي زمان، لكن صار ثمنه مكلفاً، وسط مناخ ثقافي لا يطلب من الكاتب سوى الرضا والانتظار، وفي ظل هذه السكونية بُنيت قداسات أدبية وثقافية ترتكز على السن والدماثة وعدد الجوائز التي فاز بها الكاتب أو المفكر، لا أحد يستطيع الإساءة إلى هذه المقدسات، لكن الزمن يستطيع بإسقاطه كتاباتها.
في كل الأحوال، بدا عنف الحوار الثقافي على صفحات الصحف والمجلات شيئاً من الماضي، وانتقلت الاتهامات الكبيرة إلى المشافهة في جلسات النميمة بين الأصدقاء أو في كتابات مرموزة كما في كتاب سليمان فياض «كتاب النميمة... نبلاء وأوباش»، وقد حظي الكتاب بترحيب سري شديد وتجاهل علني.
في المقابل، فإن الغارات على الأدب والفكر من خارج الجماعة الأدبية تحكمها آليات أخرى، لذلك لم تتوقف. وقد عادت في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين كأحد تجليات الصراع بين المجتمع الضعيف (غير المحصن ثقافياً) والنظام الضعيف!
وهي غارات خطرة تتجاوز غارات النصف الأول من القرن العشرين التي كانت محصورة في تجريدة من النخبة الدينية ضد فرد أو تيار من النخبة الأدبية. صارت للاتجاهات المتطرفة قوى على الأرض، تنفذ مشيئتها.
بعض الهجمات كانت موجهة ضد الكاتب نفسه، مثل اغتيال فرج فودة 1992، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ 1995، وبعضها بدأ اختبار قوة مع النظام السياسي مثل أزمة تكفير نصر حامد أبوزيد في العام نفسه التي استخدم فيها التيار الديني كل الأسلحة من الخطب على المنابر والكتابة في الصحف والقضاء، حيث صدر حكم بالتفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس في دعوى حسبة ومظاهرات في الشارع، ولم تضع هذه الأزمة نصر وحده في دائرة الخطر، بل أبرزت عجز النظام عن حمايته وتسلل التطرف في مؤسسات الدولة، بالمظاهرات.
وهناك موجة من التجريدات ضد الكتب، هجمتان منها استهدفتا «ألف ليلة وليلة»، أولاهما عام 1995 ضد الناشر محمد رشاد صاحب «الدار المصرية اللبنانية»، والثانية ضد «هيئة قصور الثقافة» عام 2010، وهي الهيئة التي كانت من قبل هدفاً لمظاهرات عارمة ضد نشرها رواية حيدر حيدر «وليمة لأعشاب البحر» 1999، وبعدها أزمة الروايات الثلاث، التي صدرت عن الهيئة ذاتها عام 2001.
من بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين حتى اليوم، صار الوضع مختلفاً عن كل ما سبق. وقد تداعى على الساحة الأدبية والفكرية حصار القديم والجديد: ثقافة الرضا والانتظار التي تعد بها الجوائز، ترسخ وسائل التواصل التي ولدت في العقد الأول من القرن، حتى صارت في العقد الثاني بديلاً عن الصحافة، ويستطيع كل القراء أن يبدوا آراءهم في الكتب والكتّاب، ويستطيعون تشكيل حركة النشر. هذه الوسائل الجديدة بوابة من دون حراس، والكاتب فيها «خبير متطوع» يكتب وينشر في الحال، بعكس الكتابة في الصحف التي تمر عبر حراس بوابات وتوجد فرص للتراجع عن رعونة أو خطأ بين كتابة المقال ونشره. ومع ذلك لا يأتي الخطر من معارك التواصل الاجتماعي بقدر ما يأتي من صلتها بثقافة الرضا والإرضاء؛ فمنشورات المديح المجاني أكثر من منشورات الذم، والحفلات أكثر من المعارك.
شخصياً، لست ممن يتحسرون على غياب المعارك، ولست متأكداً من دورها، لكن المؤكد أن هذا القدر من الاحتفالات يجافي روح الإتقان والتقدم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

متحف فاروق حسني بمصر يراهن على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»

متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)
متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)
TT

متحف فاروق حسني بمصر يراهن على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»

متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)
متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)

مراهناً على «حكمة اللون» و«سرّ التشكيل»، افتتح وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، مساء السبت، متحفاً فنياً يحمل اسمه في حيّ الزمالك الراقي بقلب القاهرة، بحضور لافت لنجوم الفن والسياسة.

جاء الافتتاح ليُحقق وعداً قديماً قطعه وزير الثقافة المصري الأسبق بتحويل منزله إلى متحف، غير أن الأحداث التي أعقبت 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وخروجه من الوزارة، أسهمت في تأجيل تنفيذ المشروع وتغيير موقعه. ولم تُوضع اللبنة الأولى لحلم حسني إلا عام 2019، مع افتتاح مؤسسة «فاروق حسني للثقافة والفنون»، التي قدّمت على مدار السنوات الماضية جوائز لدعم شباب الفنانين في مجالات متعددة، قبل أن يتوسّع مقرّها في الزمالك ليغدو متحفاً يضم عدداً من لوحات فاروق حسني، إلى جانب مقتنياته الخاصة من إبداعات فنانين آخرين.

حسني مع وزير الثقافة المصري (وزارة الثقافة المصرية)

ويراهن فاروق حسني على أن يتيح المتحف لزوّاره «فرصة مناسبة للحديث الداخلي، وللإصغاء إلى حكمة اللون، وسر التشكيل، وبراءة الرؤية»، فالمتحف يجسد «إيمانه بالفن بوصفه حقيقة كبرى لا يدرك حكمتها إلا مَن يُحسن الإصغاء»، وفق تعبيره خلال افتتاح المتحف.

يصحب المتحف زوّاره في جولة فنية روحية تبدأ منذ اللحظات الأولى، عقب عبور بواباته الحديدية والولوج إلى حديقته التي تُشكل الأشجار والديكورات فيها جزءاً من سيناريو العرض، ويُضيف الضوء سحراً على أعمال نحتية وضعت بعناية وسط الحديقة، وقبل الصعود إلى شرفة تقود إلى قاعة العرض الرئيسية التي تضم نحو مائة لوحة من أعمال فاروق حسني الشخصية، إضافة إلى نحو 20 عملاً لفنانين آخرين تتراوح بين النحت والتصوير الزيتي.

يضم المتحف مكتبة متخصصة تحتوي على أهم المراجع الفنية والأدبية (مؤسسة فاروق حسني)

تتوزع اللوحات على جدران القاعة الصغيرة وفق تنسيق بصري ينقل الزائر بين مساحات لونية مختلفة وأشكال فنية متعددة تتراوح ما بين التجريد والتشخيص، مستعرضاً مراحل مختلفة من مسار فاروق حسني ورحلته الفنية عبر لوحات اختيرت بدقة، بعضها سبق عرضه في متاحف ومعارض دولية وإقليمية.

ولا يغفل هذا المسار عن عرض جانب من اهتمامات فاروق حسني الفنية، من خلال مجموعة من المقتنيات لفنانين من مصر والعالم، بينهم أنطوني تابيس، وجورج دي كيركو، وبوسان، ومحمود مختار، ومحمود سعيد، وآدم حنين، وسيف وانلي، ومنير كنعان، وغيرهم، تتشابك جميعها في حوار فني يربط بين مدارس وتجارب مختلفة.

أعمال متنوعة يحتوها متحف فاروق (مؤسسة فاروق حسني)

وعدّ وزير الثقافة المصري أحمد هنو المتحف «نموذجاً حياً للترابط بين الإبداع الفني والعمل الثقافي المجتمعي»، مشيراً، في كلمته خلال الافتتاح، إلى أن «المتحف بؤرة ثقافية ومعرفية كبيرة، تخدم قطاعاً كبيراً من طلاب الفنون والبحث العلمي في مختلف مجالات الفنون التشكيلية والبصرية».

وأشاد هنو بدور فاروق حسني بوصفه وزيراً وفناناً، قائلاً: «فاروق حسني... اسم ونسق كبير جداً، وبحكم منصبي فإنه صعّب الأمور علينا جداً بما قدّمه»، في إشارة إلى صعوبة مجاراة وزراء الثقافة لما أنجزه حسني خلال نحو 23 عاماً في المنصب، وما زال يواصل دعم العمل الثقافي والفني، رغم مغادرته المنصب الرسمي عام 2011.

المتحف الجديد يضم أعمال فاروق حسني إضافة إلى مقتنياته من أعمال فنانين آخرين (مؤسسة فاروق حسني)

وأكد وزير الثقافة المصري تقدير مؤسسات الدولة والمجتمع الثقافي لمسيرة فاروق حسني الفنية الثرية التي امتدت لعقود، وشاركت في إثراء الحركة التشكيلية المصرية والعربية، موضحاً أن «المتحف يُتيح مساحة للاطلاع على تجربة فنية متفردة شكّلت أحد ملامح الفن المعاصر في مصر، مدللاً على عمق هذه المسيرة، وتجذرها بحجم ونوعية الحضور في افتتاح المتحف».

أعمال الفنان فاروق حسني تدعو للتأمل (مؤسسة فاروق حسني)

وشهد حفل افتتاح المتحف حضوراً لافتاً لرموز الفن والثقافة والسياسة، من بينهم؛ الشيخة مي آل خليفة، رئيس هيئة الثقافة والآثار بمملكة البحرين سابقاً، والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، ووزيرا الخارجية السابقان عمرو موسى وسامح شكري، ومستشار الرئيس المصري للأمن القومي فايزة أبو النجا، ورئيس الوزراء المصري الأسبق أحمد نظيف، ونجل الرئيس المصري الأسبق جمال مبارك، وعدد من الوزراء والمسؤولين السابقين، ورجال الأعمال والفنانين والنقاد.

وأعربت الشيخة مي آل خليفة عن «اعتزازها بهذا الحدث الثقافي البارز»، مشيدةً بمسيرة حسني وإسهاماته العميقة في المشهد الثقافي المصري والعربي.

بينما أكد رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، نائب رئيس مجلس أمناء «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون»، أن «المتحف سيكون فضاءً مفتوحاً أمام الجمهور، خصوصاً الشباب ومحبي الفنون»، موجهاً الشكر لحسني على إهداء المتحف ومقتنياته لخدمة العمل الثقافي.

فاروق حسني يفتتح متحفه ويحقق وعداً قديماً قطعه على نفسه (مؤسسة فاروق حسني)

وإلى جانب اللوحات والمنحوتات يضم المتحف مكتبة متخصصة تحتوي على أهم المراجع الفنية والأدبية، ومكتبة موسيقية وغرفة ميديا مخصصة لعرض الأفلام والأعمال التسجيلية، في تكامل معرفي يجمع بين الصورة والنص والصوت.

ووفق مؤسسة «فاروق حسني للثقافة والفنون» فإن «افتتاح المتحف تتويج لمسيرة فنية استثنائية امتدت لعقود، قدّم خلالها فاروق حسني تجربة تشكيلية متفرّدة تفاعلت مع مفردات الثقافة المصرية والعالمية، وخلّفت بصمة بصرية مميزة قائمة على البحث والتجريب والسعي الدائم نحو المعنى والإلهام».


مكملات غذائية قد تضعف تأثير الدواء

بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية في الجسم (جامعة أوكلاهوما ستيت)
بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية في الجسم (جامعة أوكلاهوما ستيت)
TT

مكملات غذائية قد تضعف تأثير الدواء

بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية في الجسم (جامعة أوكلاهوما ستيت)
بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية في الجسم (جامعة أوكلاهوما ستيت)

حذّر خبراء الصحة من أن بعض المكملات الغذائية الشائعة قد تتداخل مع الأدوية التي تتناولها وتقلل من فعاليتها. وبينما تُباع هذه المكملات عادةً دون وصفة طبية، فإن تناولها دون استشارة طبية قد يكون له آثار صحية خطيرة.

ويشير اختصاصي الطب الطبيعي الأميركي جاكوب وولف إلى أن بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية، أو ترتبط بها، فتمنع الجسم من الاستفادة منها، أو تُستقلب عبر نفس مسارات الأدوية في الجسم؛ ما قد يؤثر على صحتك بشكل خطير، وفق موقع «EatingWell».

ومن أبرز هذه المكملات المعادن، مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والحديد؛ فهي قد تتفاعل مع أدوية، مثل «ليفوثيروكسين» المستخدم لعلاج قصور الغدة الدرقية، وكذلك مع بعض المضادات الحيوية، مثل «التتراسيكلين» و«الفلووروكينولون». ولضمان عدم تأثير هذه المعادن على امتصاص الأدوية، يُنصح بفصل تناولها عن أوقات الدواء بساعات، ويفضل الانتظار 4 ساعات على الأقل عند استخدام «ليفوثيروكسين».

ورغم أهميتها لصحة الجهاز الهضمي وتنظيم نسبة السكر والكوليسترول، يمكن لمكملات الألياف أن تقلل من امتصاص أدوية، مثل «الميتفورمين» لمرض السكري، وأدوية القلب مثل «ديجوكسين» و«ليفوثيروكسين». ولذلك من الضروري استشارة الطبيب لتحديد التوقيت المناسب لتناول المكملات والأدوية، لضمان استفادة الجسم من كليهما بشكل كامل.

أما مكملات الفحم النشط، فتستخدم عادة في حالات الطوارئ لعلاج التسمم، لكن عند تناولها كمكمل غذائي دون استشارة طبية قد تمتص الأدوية وتقلل من فعاليتها. لذلك يُنصح بتجنبها تماماً إذا كنت تتناول أدوية ضرورية للحياة.

تقليل فعالية علاجات السرطان

وبالنسبة لمكملات الفيتامينات، فإن فيتامين «سي» يعتبر مضاد أكسدة مهماً لدعم المناعة، لكنه قد يقلل من فعالية بعض علاجات السرطان الكيميائية إذا تم تناولها خلال فترة العلاج، وينطبق الشيء نفسه على مكملات فيتامين «E». أما فيتامين «K»، فإنه يلعب دوراً مهماً في تخثر الدم وصحة العظام، لكن يمكن لمكملات فيتامين «K» أن تقلل من فعالية أدوية السيولة، مثل «الوارفارين»، ما يزيد خطر الجلطات القلبية أو السكتات الدماغية. لذلك، يجب الحفاظ على كمية ثابتة منه سواء من الطعام الغني بفيتامين «K»، مثل السبانخ والكرنب والبروكلي، أو المكملات عند استخدام «الوارفارين».

ولتناول المكملات بأمان، ينصح الخبراء باستشارة طبيبك قبل إدخال أي منتج جديد إلى روتينك اليومي. كما يُنصح باختيار مكملات مختبرة وموثوقة للتأكد من محتواها وخلوها من المعادن الثقيلة أو المواد الضارة، والتأكد من الجرعة المناسبة لك، لأن الجرعات المُعلنة على الملصق قد تختلف بين المنتجات.


«المسرح العربي» يحتفي بـ«النجوم القدامى» ويركز على ورش التمثيل

مهرجان المسرح العربي يشهد منافسة 14 عرضاً من عدة دول (وزارة الثقافة المصرية)
مهرجان المسرح العربي يشهد منافسة 14 عرضاً من عدة دول (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«المسرح العربي» يحتفي بـ«النجوم القدامى» ويركز على ورش التمثيل

مهرجان المسرح العربي يشهد منافسة 14 عرضاً من عدة دول (وزارة الثقافة المصرية)
مهرجان المسرح العربي يشهد منافسة 14 عرضاً من عدة دول (وزارة الثقافة المصرية)

شهد حفل افتتاح الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي»، التي تقام هذا العام في مصر، حضوراً مؤثراً لنخبة بارزة من نجوم «المسرح المصري» الذي احتفى بهم المهرجان، ورحب بتكريمهم الجمهور بشكل واسع، من بينهم فردوس عبد الحميد، وأحمد بدير، ومراد منير، والدكتورة سميرة محسن، والمخرج ناصر عبد المنعم، ومهندسة الديكور نهى برادة، والمخرج عصام السيد، والكاتب بهيج إسماعيل، والدكتور جلال حافظ، والناقدة عبلة الرويني، والكاتبة فاطمة المعدول.

من جانبها، أعربت رائدة الديكور المسرحي المهندسة نهى برادة، عن سعادتها بالتكريم الذي منحها فرصة الالتقاء بالجمهور مجدداً، لافتة إلى أنه كان مفاجأة بالنسبة لها، خصوصاً بعد توقفها وابتعادها عن العمل منذ سنوات، بعدما قدمت مسرحيات ما زالت حاضرة في أذهان الناس، من أبرزها «سيدتي الجميلة»، و«مدرسة المشاغبين»، و«ريا وسكينة»، و«الجميلة والوحشين»، وغيرها.

وأضافت نهى برادة لـ«الشرق الأوسط»: «عملي بالديكور المسرحي كان أشبه بالقبطان الذي يقود السفينة، ومنحني الفرصة لتقديم أشكال منوعة من الفنون التي زينت خشبته، من بينها (التشكيلي والمعماري)»، مضيفة: «كل جزء بالمسرح له ذكرى في وجداني وعقلي، والحديث عن جولاتي في أروقته وذكرياتي معه تطول، وأمس استرجعت الكثير منها وشعرت بسعادة بالغة لأن المهرجان تذكرني».

تكريم مهندسة الديكور المسرحي نهى برادة (وزارة الثقافة المصرية)

وبجانب تكريم النجوم القدامى كرّم المهرجان 5 جهات مسرحية، هي: «الجمعية المصرية لهواة المسرح»، و«المسرح الكنسي»، و«فرقة الورشة»، و«مركز الإبداع الفني»، و«نوادي المسرح بالثقافة الجماهيرية».

وتزامن افتتاح الدورة الـ16 من المسرح العربي، التي تقام فعالياتها خلال الفترة من 10 وحتى 16 يناير (كانون الثاني) الجاري، مع الاحتفاء باليوم «العربي للمسرح»، وذلك تحت شعار «نحو مسرح عربي جديد ومتجدد».

حضر حفل الافتتاح الذي أقيم بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح»، وبرعاية وزارة الثقافة المصرية، الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة المصري، والكاتب إسماعيل عبد الله مدير المهرجان وأمين عام الهيئة، والمخرج خالد جلال المنسق العام للمهرجان ومخرج حفل الافتتاح، وعدد كبير من المسرحيين والنقاد والمتخصصين من مصر والعالم العربي، وشهد أيضاً فقرات فنية غنائية واستعراضية.

وخلال الحفل الذي أقيم بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية وقدمته الفنانة رانيا فريد شوقي، أكد الدكتور أحمد فؤاد هنو، أن «انعقاد المهرجان على أرض مصر يؤكد مكانة القاهرة بوصفها عاصمة دائمة للثقافة العربية وحاضنة للفنون والإبداع، ويجدد الإيمان بدور المسرح».

تكريم الفنان المصري أحمد بدير (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف هنو أن نسخة المهرجان لهذا العام تضم عدداً كبيراً من المبدعين العرب، مؤكداً «حرص وزارة الثقافة على دعم الحراك المسرحي العربي، وتوفير المناخ الملائم لازدهاره»، إيماناً بأن الفنون وفي مقدمتها المسرح، ركيزة أساسية في بناء الإنسان وترسيخ قيم الجمال والتسامح والانفتاح.

ويتنافس في الدورة الـ16 من المهرجان 14 عرضاً مسرحياً على «جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي»، وذلك بمشاركة دول المغرب وقطر وتونس والإمارات ولبنان والعراق والأردن والكويت ومصر، بينما اعتذر الفريق الجزائري عن عدم المشاركة.

لقطة جماعية للمكرمين (وزارة الثقافة المصرية)

وفي كلمته، أكد الكاتب إسماعيل عبد الله أن «الهيئة العربية للمسرح هي بيت كل المسرحيين العرب»، كما أرادها صاحب الفكرة، موضحاً أن «أصعب الأمنيات والتفاصيل في مسألة تبدو للبعض سهلة، ألا وهي حضور المهرجان، والمساهمة في إيقاد أنواره وإشعاعه، وفي رسم صورته، فكل مسرحي يطمح إلى أن يكون صانعاً أو مشاركاً في صناعة الحدث الذي يريده كما يتمنى».

فردوس عبد الحميد بعد تكريمها بالمهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

وتشهد الدورة الـ16 من المهرجان، إقامة 6 ورش تدريبية في التمثيل والإخراج، في محافظات الإسكندرية والإسماعيلية وأسوان، بجانب إقامة الدورة الـ5 من «الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة»، على هامش المهرجان لأول مرة في مصر خلال الفترة من 21 إلى 23 يناير الحالي، بمشاركة مصرية وعربية واسعة تنوعت بين الجلسات الفكرية وعروض العرائس.