قصائد تتواصل رغم الشعراء «الذين يُبيدون بعضهم بعضاً... بالصمت»

المعتمد بن عباد.. آخر ملوك الطوائف في الأندلس
المعتمد بن عباد.. آخر ملوك الطوائف في الأندلس
TT

قصائد تتواصل رغم الشعراء «الذين يُبيدون بعضهم بعضاً... بالصمت»

المعتمد بن عباد.. آخر ملوك الطوائف في الأندلس
المعتمد بن عباد.. آخر ملوك الطوائف في الأندلس

قبل أيام حين كنتُ مشاركاً في اللقاء الشعري الثالث ضمن فعاليات جامعة المعتمد بن عبّاد، في أصيلة (شمال المغرب)، لفتني قول الشاعر السوري نوري الجراح إن «الشعراء العرب باتوا لا يحب بعضهم أشعار بعض، فالشاعر يخاف من جمال قصيدة يكتبها صديقه!».
كثيراً ما كان الشعر في متخيله العام مرادفاً للحب والسلام والقيم الإنسانية العالية، وهو بهذا المعنى مقترن بالتواصل الإنساني الذي يُتَوقع له أن يبدأ من المبدعين والداعين إليه أولاً. لكن واقع العلاقة بين الشعراء، ليس في هذا الزمن فحسب، بل على امتداد حقب متواترة الأحداث، ينبئ عن حالة التباس مزمنة تشوب ما يربط الشعراء بما يكتبونه، فضلاً عن الروابط التي تجمعهم بعضهم ببعض.
ليس الأمر معقداً على هذا النحو، فالشعراء كثيراً ما اشتبكوا على أساس الرأي أو لتضارب المصالح، وكثيراً ما اختلفوا في رؤاهم الخاصة للشعر والكتابة، لكن الحال الآني لعلاقات الشعراء الملتبسة يبدو أقرب للّامعنى بتعبير حداثي حاسم. لنا أن نسأل عن السبب، لماذا لا يحب الشعراء بعضهم بعضاً إلا قليلاً؟ أو فلنقل بجرأة تناسب السياق؛ لماذا قد يكره بعضهم بعضاً؟ ولماذا لا يحتفلون بما يجمعهم من أواصر الفن؟ أليس الشعر طاقة للمحبة وقودها الجمال؟ فكيف إذن يمكن لاثنين أن يختصما في الجمال؟!
«إن الشعراء يُبيدون بعضهم بعضاً بالصمت». هكذا وصف الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار حال كثير من الشعراء، فالشاعر منهم يدرك أن تجربة الآخر مهمة، لكنه يتفادى أن يعبر له عن إعجابه، في حالات نادرة يثني شاعر عربي على صديقه بعد قراءته في أمسية، وفي الغالب الأعمّ نرى جدلاً حاداً في الحوارات الجانبية، ونلمس أكثر من قطيعة في اللقاء الواحد، إلى هذا الحد وصل الأمر بالشعراء، وهو ما يعني خروج الكاتب في هذه الحالة من صفة المبدع الفنان إلى مجرد مزاول للغة يصنع قصيدته كي يتفوق بها ويتوهج هو، لا هي، لذا، فهو يخاف طبعاً ممن يسرقون سطوة بريقه ويحجبون عنه الضوء بقصائدهم التي قد تبدو بالنسبة إليه أعلى قيمة وأكثر تأثيراً. هذا الخصام الصامت يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً عن معنى التنافس في الإبداع، وفي الشعر الذي شكّل عبر التاريخ أساس الثقافة الإبداعية عند العرب. هل يمكن للشعراء أن يُخلصوا للجمال في أشعارهم، وهم مشغولون، بل مهمومون بجمال قصائد نظرائهم؟ وهل يتنافس الشعراء في شيء هش وهلامي الكينونة هو الشعر... رغبة في إدراكه أم سعياً للاستحواذ عليه، وربما احتكاره؟ لماذا لا يصبح الشعر قصيدة واحدة يكتبها كل شاعر من جانبه، فتصبح اللغة الشعرية من هذا المنطلق سماءً تتخلّلها نوافذُ الرؤى التي منها يطلُّ المبدعون على مجازاتهم؟!
إن أساس المشكل يكمن فيما يختزنه التراث من معانٍ نفسية تقليدية للكتابة الشعرية تختصم فيها الذائقة مع الحضور لمصلحة الصراع، لا الجمال! فالشعر لا يبدو شيئاً آخر سوى الادّعاء بإيقاع ولغة يميزها الحس طوعاً أو كُرهاً، وهو سواء أكان تجربة إنسانية عميقة أم محض تداعيات لتجارب ذهنية يطغى عليها التكلف، يبقى أقرب إلى الاشتباك الهادئ مع الآخر، رغبة في التفوق عليه، وربما طمس وجوده تماماً. ينمو هذا الإحساس المفرط بالذات الشعرية ويتبلور في منظور الكاتب نفسه على شكل نرجسية فجة غير مستندة على إطار فني مقنع، لكنها تحجب عن صاحبها أصوات الآخر ومساهمته الإنسانية في النص المشترك، أي نص القصيدة التي يكتبها الكل بأصابع منفردة هنا وهناك. إن الشاعر في فلكه الموهوم مشغول جداً بنفسه التي تكتب كي تتوهج ويسمع صوتها الآخر، ويكرسها الذوق الخاص والعام، وهي بهذا المسلك الضيق، تصبح عاجزة عن قراءة الشعر قراءة هامسة تتوخى الوصول إليه، وهي عاجزة أيضاً عن الإنصات للقصيدة شعراً وفناً، فهي مكتفية بأصواتها الداخلية الطاغية، وقد فقدت تماماً حاسة الاستمتاع بالشعر حالة إنسانية عميقة.
قديماً ساد نقاش حاد حول ثنائيات الكتابة والممارسة، فالشعر يُكتب بعد أن يعاش، والأقرب للصواب – تقديراً - أن الشعر يوجد في سياقات كثيرة، فهو الحاضر دوماً في الطبيعة والإنسان والحب، لكن اللغة تستضيفه كائناً زئبقياً هشّاً داخل وطن خاص هو القصيدة، إنها تقبض عليه بيُسر وتحتفي به في الإيقاع وتمجده بالإنشاد والقراءة الهامسة. أما الممارسة فهي تبتعد عن هذا المعنى كثيراً لتصبح رهينة المزاولة الوظيفية، إنها امتهان بكيفية ما لحرفة تجمع بين أدوات اللغة والاستعراض المسرحي، وقد تتجاوز ذلك إلى عالم العلاقات العامة، تكريساً لرغبة الشاعر المزاول أو الممارس في الحضور والوجود والبقاء داخل دائرة الضوء، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه يسعى للاستمتاع بالشعر كتابة أو مشاركة.
وبالعودة إلى العلاقة بين الشعراء، وما يجمعهم في الواقع، وبصرف النظر عن اختلاف الرؤى حول قضايا السياسة والدين وترسبات مرحلة الآيديولوجيا وما بعدها، لا يبدو أن الأمر عند الشعراء العرب المعاصرين أكبر من حاجز نفسي يفصل الشاعر عن شقيقه الشاعر. إنه حاجز بعوائق كثيرة، عائق زمني يباعد بين الأجيال، ويجعل التواصل بينهم مفقوداً، فسلفيّة الشعر تشبه ثنائية الشيخ والمريد، وفي أفضل الأحوال التلميذ النجيب وأستاذه، وهناك عائق آخر جوهري، تجسده المظلومية مفهوماً نفسياً واجتماعياً، قلّ أن ينجو منه شاعر عربي معاصر، إضافة إلى حدود الأشكال التي صنعتها أهواء الشعراء، ثم ما لبثت أن تحولت بعد ذلك إلى عقائد يعوض بها الأنصارُ، فراغاً في الروح، وآخر في اللغة.
إن الشعر العربي في صفحاته الحديثة أصبح بحكم الواقع أكثر نخبوية وأقل اتصالاً بالصّخب، وهذا ما خدم باطن النصّ لمصلحة رؤى ثقافية جديدة طارئة على الشعر، أبرزها الفلسفة التي ملأت بأسئلتها الدرامية فراغاً تركه الخطاب السياسي في عدد كبير من قصائد القرن العشرين! اليوم أصبح للشعر حواريّوه الأوفياء ممن أخلصوا بصمتٍ لإعجاز الشعر واعترفوا له بقدراتٍ خلّاقة على استشعار الحالة الكونية للعالم والإنسانية بكثير من الصدق والتأنّي... يقودنا هذا كله إلى إدراك نقطة فارقة، هي أن حدود الشعراء النفسية لم يعد بوسعها أن تمنع التواصل الإنساني للقصائد، ذلك أن الجماهيرية لم تعد مكسباً ولا مطمحاً مجدياً، بل لم تعد أمراً ممكناً أيضاً.
نرى اليوم، كما استشعرتُ ذلك شخصياً في اللقاء الشعري الثالث بموسم أصيلة قبل أيام، كيف تتواصل القصائد رغم القطائع التي يمكن أن تحاصر الشعراء، إنها قصائد تجسد بعمق حالة الاغتراب العميقة التي يعيشها الإنسان المعاصر وهو يحتفل برمزيات كلاسيكية كالمنفى والوطن المفقود والرغبة في العودة إلى ما رسمه المتخيل الخاص من قيم وطبيعة وإنسان داخل هذا الوطن... وانسجاماً مع هذا المناخ الشعري الخصب في قصائد فاضل السلطاني وجميلة الماجري وغيرهما، ارتفع منسوب الإنسانية عالياً في لغة شوقي بزيع، وهو ينتصر بحزنه لأصوات الغياب، غياب الشعراء ورحيلهم أجساداً... تخلُد بعدها الأفكار في ملكوتٍ أبدي من الشعر والأسئلة.

- شاعر وكاتب من المغرب


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السلحفاة «جوناثان» تكشف أحد أسرار العمر المديد

«جوناثان» في منزلها بسانت هيلينا (حكومة سانت هيلينا)
«جوناثان» في منزلها بسانت هيلينا (حكومة سانت هيلينا)
TT

السلحفاة «جوناثان» تكشف أحد أسرار العمر المديد

«جوناثان» في منزلها بسانت هيلينا (حكومة سانت هيلينا)
«جوناثان» في منزلها بسانت هيلينا (حكومة سانت هيلينا)

نجح فريق دولي، بقيادة طبيب أعصاب وخبراء في علم الجينوم من مؤسسة «فاندربيلت هيلث» الأميركية، في كشف أحد أسرار العمر المديد، من خلال دراسة سلحفاة عملاقة تبلغ من العمر 194 عاماً، وتُدعى «جوناثان».

ويكمن سر «جوناثان» في مفهوم يُعرف بـ«الإنتروبيا» (أو الفوضى)، وهو الميل الطبيعي للأنظمة البيولوجية نحو فقدان النظام والوقوع في حالة من الفوضى مع مرور الوقت.

ويُعدّ «الخلل الوظيفي في الميتوكوندريا» إحدى السمات المميزة للشيخوخة؛ إذ ينجم هذا الخلل عن تزايد الإنتروبيا في «المحفزات»، وهي مفاتيح جينية تعمل بنظام التشغيل والإيقاف لتنظيم كفاءة الميتوكوندريا، وهي العضيات المسؤولة عن إنتاج الطاقة.

وعلى الرغم من تقدّمها الكبير في العمر، تمكّنت «جوناثان»، بطريقة ما، من تجنّب الآثار السلبية للإنتروبيا. ومن خلال إعادة تجميع خريطة جينومها بدقة متناهية، اكتشف الباحثون أن محفزات الجينات المسؤولة عن إنتاج الطاقة في الميتوكوندريا حافظت على حالة من «النظام» والترتيب تشبه إلى حدّ كبير تلك الموجودة في الكائنات الشابة؛ إذ بدا، من هذه الناحية، وكأنه لم يتقدّم في العمر تقريباً.

وتشير النتائج التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «ساينس أدفانسز»، إلى إمكانية حماية الميتوكوندريا من العواقب المرتبطة بالشيخوخة والناجمة عن اضطراب التعبير الجيني، مما قد يسهم في إطالة العمر الصحي للإنسان، وذلك وفقاً لما ذكره الدكتور ستيفن كلارك، كبير الباحثين والمؤلف المسؤول عن الدراسة، في بيان صدر الأربعاء.

وأوضح كلارك، وهو كبير العلماء في مؤسسة «كاليل»، وهي منظمة غير ربحية مقرها ناشفيل وتركّز على أبحاث إطالة العمر، أن الدراسات التي أُجريت على الحيوانات على مدى عقود أشارت إلى وجود إمكانات لدى بعض الأدوية العامة لمكافحة الشيخوخة، مثل عقار «راباميسين»، الذي طُوّر عام 1999 لمنع رفض الأعضاء المزروعة.

عمر «جوناثان» 194 عاماً (جو هولينز - سانت هيلينا)

لطالما تساءل كلارك، وهو طبيب متخصص في أورام الجهاز العصبي وعضو سابق في هيئة التدريس بجامعة فاندربيلت، عن سبب تزايد معدلات الإصابة بأورام الدماغ والجهاز العصبي المركزي حتى بلوغ سن الخامسة والثمانين تقريباً، ثم توقفها عن التزايد بعد ذلك؛ فعلى سبيل المثال، نادراً ما تظهر الأورام الأرومية العصبية لدى الأشخاص في التسعينات من العمر. فهل يتمتع المعمّرون بحماية ما ضد هذه الأورام؟

لقد أتاحت تقنيات التسلسل من الجيل التالي (NGS)، التي طُوِّرت قبل نحو 20 عاماً، إمكانية البحث عن إجابات لهذه التساؤلات؛ إذ تتيح هذه الأساليب تحديد تسلسل الجينوم للجسم بالكامل بسرعة فائقة، أو فحص مواقع جينومية محددة ترتبط بها مجموعات «الميثيل» التي تنظّم عمل الجينات.

وأوضح كلارك أن مجموعات الميثيل الكيميائية المرتبطة بالحمض النووي تعمل بمثابة «مفاتيح تشغيل وإيقاف» للجينات؛ فالجينات التي تخضع لعملية «المثيلة» (أي ترتبط بها مجموعات الميثيل) تكون في حالة توقف عن العمل، فيما تظل الجينات الخالية من هذه المجموعات نشطة. وهنا يبرز تساؤل: هل ثمة علاقة بين عملية المثيلة و«الإنتروبيا» وعملية الشيخوخة؟

ويشير كلارك إلى أنه، قبل هذه الدراسة، لم يحاول أحد قياس مستوى الإنتروبيا، أو الاضطراب، في نمط المثيلة لدى حيوان معمّر مثل «جوناثان»، من خلال تحليل تسلسل «فوق الجينوم» الخاص به؛ وهو عبارة عن مجموعة المركبات الكيميائية التي تنظّم التعبير الجيني دون إحداث تغيير في تسلسل الحمض النووي نفسه.

وبمساعدة فريق دولي من الخبراء، من بينهم الدكتور ستيف هورفاث من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، المعروف بتطويره «ساعة» للشيخوخة تعتمد على المثيلة، توصّل الباحثون إلى أن المحفزات المشاركة في وظائف الميتوكوندريا ومعالجة الحمض النووي الريبوزي (RNA) تتميز بـ«انخفاض إنتروبيا المثيلة».

وخلص الباحثون إلى أن «التعبير الجيني عالي الدقة» الناتج في المسارات الحيوية قد حمى «جوناثان» جزئياً من التدهور المرتبط بالتقدّم في السن، وهو ما يعكس نتائج دراسة أُجريت عام 2025، ووجدت «كفاءة استثنائية في وظائف الميتوكوندريا» لدى امرأة تبلغ من العمر 117 عاماً.

وتُعدّ السلاحف العملاقة، مثل سلحفاة «غالاباغوس» و«جوناثان»، من أطول الكائنات الفقارية عمراً؛ إذ تعيش أكثر من 100 عام، وقد تتجاوز أعمار بعضها 170 عاماً، بل 200 عام، في ظروف معينة.


مفاجأة تحت الماء: أسماك القرش تسمع من مسافة 75 متراً

أسنانها ظاهرة... وحواسها أكثر إثارة (أ.ف.ب)
أسنانها ظاهرة... وحواسها أكثر إثارة (أ.ف.ب)
TT

مفاجأة تحت الماء: أسماك القرش تسمع من مسافة 75 متراً

أسنانها ظاهرة... وحواسها أكثر إثارة (أ.ف.ب)
أسنانها ظاهرة... وحواسها أكثر إثارة (أ.ف.ب)

لطالما ساد اعتقاد بأنّ أسماك القرش لا تستطيع التقاط الأصوات إلا من مسافات قريبة، لكنّ دراسة جديدة تُفنّد هذا التصوّر الشائع، وتكشف عن أنّ هذه المفترسات البحرية قادرة على سماع الأصوات من مسافات بعيدة نسبياً تحت الماء، وتحديد الاتجاه الذي تأتي منه.

ووفق الدراسة، يستطيع قرش الطرف الأسود التقاط الأصوات من مسافة تصل إلى نحو 75 متراً، ويستجيب لها بتغيير اتجاهه سريعاً. ونظراً إلى أن هذه القروش تتجمَّع موسمياً قبالة سواحل جنوب شرقي فلوريدا، فإنها تتيح للباحثين فرصة نادرة لمراقبتها وهي تسبح بحرية في مياه ضحلة، وصافية.

وتتجمع أعداد كبيرة من أسماك قرش الطرف الأسود سنوياً على امتداد ساحل مقاطعة بالم بيتش.

وأرسى الباحثون قارباً في المياه الضحلة قبالة شاطئ مقاطعة بالم بيتش، ثم أنزلوا مكبّراً للصوت تحت الماء وتركوه ينجرف مع التيار لمسافة تصل إلى 19 متراً، للحدّ من تأثير القارب في الحيوانات البحريّة.

للصمت في الأعماق آذان (أ.ف.ب)

واختبر الفريق 3 نطاقات من الأصوات منخفضة التردّد، وعالية الشدة، تراوحت بين 100 و200 هرتز، وبين 200 و400 هرتز، وبين 400 و800 هرتز، إلى جانب صوت تجريبي بتردد 10 كيلوهرتز، يقع خارج نطاق السمع المعروف لدى أسماك القرش. وهدفت التجربة إلى إخافة الأسماك، ودفعها إلى الاستجابة، وليس جذبها إلى مصدر الصوت.

ورسم الباحثون خريطة لمستويات الصوت على مسافات مختلفة، للتأكد من طبيعة الأصوات التي كانت أسماك القرش تسمعها عند استجابتها.

وفي الوقت عينه، تولّت طائرة مسيّرة، من ارتفاع يتراوح بين 40 و50 متراً فوق سطح الماء، تتبّع حركة أسماك القرش، فيما استُخدم تحليل تسجيلات الفيديو لقياس المسافات التي بدأت عندها الأسماك بالاستجابة، ورصد التغيّرات في اتجاه سباحتها.

وأظهرت النتائج أنّ أسماك القرش تمكّنت من رصد الأصوات منخفضة التردُّد من مسافة تصل إلى 74 متراً، وهي أبعد بكثير مما أمكن إثباته سابقاً في ظروف مماثلة.

كما غيَّرت الأسماك مسارها سريعاً مبتعدة عن مصدر الصوت، ممّا يشير إلى قدرتها على تحديد اتجاهه.

وقال أحد مؤلفي الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن دورية «إنتغراتيف أورغانيزمَل»، ستيفن كاجيورا: «يشير ذلك إلى أنها تلتقط حركة الجزيئات المرتبطة بالصوت حتى على مسافات كبيرة من مصدره، وهو أمر لم نتمكن سابقاً من إثباته لدى أسماك قرش تسبح بحرّية».

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنّ أسماك القرش، خلافاً لكثير من الأسماك العظمية، لا تمتلك مثانات سباحة مملوءة بالغاز، وهي عضو يمكن أن يساعد الأسماك على رصد ضغط الصوت.

وبدلاً من ذلك، يبدو أنّ أسماك القرش تعتمد على أذنها الداخلية، بما فيها بنية متخصّصة تتيح لها رصد الحركة والاهتزازات التي يولّدها الصوت خلال انتقاله عبر الماء.

ويأمل الباحثون في إجراء مزيد من الدراسات لفهم كيفية تمكين الجهاز الحسي لدى أسماك القرش هذه المفترسات من التقاط الأصوات البعيدة، وتفسيرها.

ويرون أنّ الدراسة تُضيء أيضاً على أهمية دراسة أسماك القرش في بيئتها الطبيعية، بدلاً من الاكتفاء بالتجارب عليها داخل أحواض المختبرات.

وقالت إحدى مؤلفات الدراسة، كارولين سوليفان: «إن إجراء تجارب السمع داخل حوض يؤدّي إلى ارتداد الصوت عن الجدران، ممّا ينتج إشارات معقدة ومربكة». وأضافت: «الأمر يشبه أن تكون داخل منزل مليء بالمرايا».

وختمت الدكتورة سوليفان: «لهذا السبب، من المهم جداً إجراء هذا النوع من التجارب في المحيط، وعلى أسماك قرش برّية، للحصول على استجابة طبيعية».


20 دقيقة بألف دولار... عربات نيويورك السياحية تُثير الغضب

العجلات ثلاث... والأصفار أكثر (أ.ف.ب)
العجلات ثلاث... والأصفار أكثر (أ.ف.ب)
TT

20 دقيقة بألف دولار... عربات نيويورك السياحية تُثير الغضب

العجلات ثلاث... والأصفار أكثر (أ.ف.ب)
العجلات ثلاث... والأصفار أكثر (أ.ف.ب)

ناقش مُشرّعون في نيويورك، الأربعاء، مشروع قانون لتنظيم عربات الدواسات السياحية ذات العجلات الثلاث، المنتشرة بكثافة في المناطق السياحية، مثل تايمز سكوير وسنترال بارك، والتي أثارت انتقادات متزايدة بسبب الازدحام والضوضاء المفرطة والأسعار الباهظة.

وذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أنّ مجلس مدينة نيويورك يناقش سلسلة إجراءات لتنظيم هذه المركبات، التي غالباً ما تُزيَّن بأضواء النيون وتصدح منها الموسيقى، بينما تنقل الزوار في أنحاء مانهاتن.

ويبلغ الحدّ الأقصى لعدد عربات الدواسات المسموح بتشغيلها في نيويورك 840 عربة، لكن أرقاماً عُرضت خلال جلسة استماع للمجلس أظهرت أن نحو 1500 عربة تعمل حالياً في المدينة، لا تحمل التراخيص القانونية منها سوى 330 عربة.

وقد يؤدّي استغلال السياح والمبالغة في الأسعار إلى مطالبة زوار لا يدركون التكلفة بدفع أكثر من 1000 دولار مقابل رحلات لا تتجاوز مدّتها 20 دقيقة.

وقالت عضوة مجلس المدينة غيل بروير، التي تقف وراء جانب كبير من الإجراءات المقترحة، إنّ المدينة تلقّت 172 شكوى تتعلَّق بعربات الدواسات خلال عام 2025.

وأضافت: «نصف هذه الشكاوى، أي 86 شكوى، كانت تتعلَّق بفرض رسوم زائدة، بينما تعلقت 35 شكوى أخرى بمُشغلين غير مرخّصين. وربما كان العدد أكبر، لأنّ السياح في كثير من الأحيان لا يتقدّمون بشكاوى».

وتدفع بروير نحو وضع «قواعد أكثر وضوحاً» لهذا القطاع، وتسعى إلى إخضاعه لإشراف لجنة سيارات الأجرة والليموزين في المدينة.

وقالت: «يحتاج الركاب إلى معرفة المبلغ الذي سيدفعونه، ومعرفة الجهة المسؤولة عن عربة الدواسات التي يستقلونها»، مضيفة أنّ المركبات ينبغي أن تكون مجهَّزة بعدّادات تُظهر تكلفة الرحلة.

ويقترح إجراء تنظيمي آخر تحديد تعرفة ثابتة تُحتسب بالدقيقة.

كما تدعو بروير إلى إخضاع السائقين لتدريب يركّز على القواعد المعمول بها حالياً ومتطلبات السلامة.

وفي السياق نفسه، نقل عضو المجلس هارفي إبستين شكاوى من جهات عاملة في قطاع المسرح بشأن الضوضاء.

وقال: «هذا الأمر لا يصبُّ في مصلحة عروض برودواي التي تتعرض للمقاطعة بسبب الضوضاء الصاخبة المنبعثة من عربات الدواسات خارج مسارحها».

ومن بين القواعد الجديدة المُقتَرحة، حظر توقّف هذه العربات على مسافة تقل عن 15 متراً من مداخل تلك المسارح ومخارجها.