ميا موتلي... «محامية الفقراء» تحلم بإنقاذ كوكب الأرض

ضمن أقوى 100 شخصية عالمياً ومرشحة لقيادة الأمم المتحدة

ميا موتلي... «محامية الفقراء» تحلم بإنقاذ كوكب الأرض
TT

ميا موتلي... «محامية الفقراء» تحلم بإنقاذ كوكب الأرض

ميا موتلي... «محامية الفقراء» تحلم بإنقاذ كوكب الأرض

عندما دُعيت ميا موتلي، رئيسة حكومة دولة باربادوس، لم يستوعب كثيرون من متابعي الجلسة الافتتاحية للقمة العالمية للمناخ (Cop27)، التي استضافتها مدينة شرم الشيخ المصرية، السبب وراء اعتلاء تلك السيدة التي لا تشغل منصباً دولياً رفيعاً ولا تقود دولة عظمى، منصة الحديث ضمن الجلسة الرئاسية، وفي مرتبة متقدمة على العديد من قادة العالم المتقدم والدول الكبرى الذين احتشدت بهم القاعة، وجلسوا ينتظرون دورهم في الحديث. لم تقتصر دهشة المتابعين على الترتيب المتقدم لكلمة موتلي، عقب الرئيس المصري باعتباره ممثل الدولة المستضيفة والأمين العام للأمم المتحدة منظمة الحدث، بل كان الأكثر إدهاشاً الإنصات التام الذي خيّم على القاعة إبان إلقاء تلك السياسية - المجهولة لمعظم المواطنين العرب - خطابها بصوت عميق ونبرات حادة وكلمات مختارة بعناية، لم تخل من انتقادات حادة للسياسات العالمية في التعامل مع الفقراء والدول النامية، وضمّنته بعض كلمات الأغاني الثورية والعبارات الشعرية. وبدا أن كثيرين يتساءلون عن سر قوة السيدة التي تقود باربادوس، الدولة - الجزيرة الصغيرة الواقعة بأقصى شرق البحر الكاريبي ولا يقطنها أكثر من 300 ألف مواطن. فما هو سر قوة تلك السيدة التي يبدي قادة العالم المتقدم في حضورها مظاهر التقدير البالغ، ويلتف حولها كثير من نشطاء قضية المناخ في العالم، ويُقال، إن طموحها السياسي يتجاوز ملف المناخ؛ إذ يرشحها لتصدر ترشيحات الشخصيات لقيادة الأمم المتحدة في عام 2026، عقب انتهاء الولاية الثانية لأنطونيو غوتيريش الأمين العام الحالي للمنظمة الأممية.

اسمها الكامل ميا أمور إرنست ديتون موتلي، ويُقال إنها استمدت جينات القوة والقدرة الفائقة على التفاوض العنيد من جدها إرنست (1907 - 1973) الذي كان سمساراً ناجحاً للعقارات، واستطاع أن يوظف قدراته التفاوضية الهائلة ليقتحم عالم السياسة في منتصف القرن الماضي. إلا أنه لم يكن يتصور أن حفيدته الصغيرة «ميا» ستكتب تاريخاً كبيراً لبلدها الصغير باربادوس، وستقود الجزيرة العائمة بين عالمين متباينين: القارة الأميركية المتقدمة في الشمال، ونظيرتها الجنوبية الغارقة في مشاكل جمة تبدو لصيقة بكل ما هو جنوبي في عالم اليوم.
- محامية ومعارضة عنيدة
اكتشفت ميا موتلي قوة شخصيتها منذ سنوات الطفولة، واختارت بعدما فرغت من دراستها في مدرسة الأمم المتحدة الدولية، أن تواصل مسارها في الحياة عبر دراسة القانون، وحصلت على شهادتها الجامعية من إحدى أعراق جامعات العالم... مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.
كان القانون – وبالذات - حلمها الدائم في إرساء العدالة مفتاحها نحو عالم السياسة الذي ارتمت بين أمواجه لأكثر من ثلاثة عقود كاملة، شغلت فيها مناصب في الحكومة لم تتوفر لامرأة قبلها في باربادوس، التي اعتمدت تاريخياً كمستعمرة بريطانية على زراعة قصب السكر وتصدير منتجاته، وكانت ككل المستعمرات البريطانية رقماً هامشياً في دفاتر «الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس».
دخلت موتلي عالم السياسة الباربادوسية لأول مرة عام 1991 عندما خسرت الانتخابات بفارق أقل من 200 صوت عن منافسها، فانضمت إلى المعارضة بين عامي 1991 - 1994. غير أنها ذاقت طعم السلطة عندما فاز حزبها «حزب العمال الباربادوسي» بالانتخابات العامة عام 1994. وعُيِنت على الأثر وزيرة للتعليم وشؤون الشباب والثقافة، وأصبحت في سن التاسعة والعشرين واحدة من أصغر الباربادوسيين الذين تولّوا حقائب وزارية.
يومذاك اتخذت من قضايا التعليم ودعم الشباب والقضايا الاجتماعية كارتفاع معدلات العنف والسرقة وتدني جودة التعليم، ملفات حيوية في فترة وزارتها الأولى، وهو ما حشد لها دعماً شعبياً دفع بها نحو تولي مناصب أعلى، منها منصب النائب العام ووزيرة الداخلية في أغسطس (آب) 2001، لتغدو بذلك أول امرأة تشغل هذا المنصب في باربادوس. وبفضل كفاءاتها القانونية والتشريعية استحقت لقب «مستشار الملكة»، فقد كانت البلاد حتى ذلك الحين دولة تابعة للتاج البريطاني. ولكن بعد 20 سنة، قادت السيدة السمراء باربادوس لتكون آخر الخارجين من «عقد» الملكية البريطانية في عهد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية.
لم تكن مسيرة موتلي طوال سنوات عملها السياسي سوى إضافات جديدة في سيرة ذاتية استثنائية. إذ شغلت مناصب رئيسة مجلس النواب وكانت عضواً في مجلس الأمن القومي ومجلس دفاع باربادوس ومجلس الملكة الخاص. يضاف إلى ذلك دورها الرائد في برنامج تحسين قطاع التعليم، الذي مثّل نقطة تحول حقيقية في تاريخ بلادها، وساهم في تحسن إسهام الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة للجزيرة الصغيرة، عبر الاستخدام واسع النطاق لتقنيات المعلومات والاتصالات للمساعدة في تحسين جودة عملية التعليم والتعلم. فلقد أسهمت رؤيتها «الثورية» في مجال التعليم باحتلال باربادوس المرتبة الـ51 من بين أغنى بلدان العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد. وهي اليوم تمتلك اقتصاداً مختلطاً متطوّراً ومستوى معيشة عالياً نسبياً، فوفقاً لبيانات البنك الدولي، تأتي بربادوس في المرتبة الـ66 من بين الاقتصادات الأعلى دخلاً في العالم.
- تحقيق حلم «الجمهورية»
ولأن أمواج السياسة لا تعرف استقراراً، عادت موتلي لصفوف المعارضة مجدداً، لكن هذه المرة من موقع القيادة. ومن ثم صارت أول امرأة تقود حزباً وأول امرأة معارضة في بلادها. وحينذاك، أقسمت كقائدة للمعارضة في 7 فبراير (شباط) من عام 2008 على أن يكون حزب «العمال» الذي تقوده معارضة قوية وموحّدة تحارب من أجل حقوق جميع المواطنين. وبالفعل قادت المعارضة مرتين في مجلس النواب: المرة الأولى بين عامي 2008 و2010 والثانية بين عامي 2013 و2018، إلى أن حقق حزبها العمالي بقيادتها انتصاراً تاريخياً ساحقاً في الانتخابات العامة التي أجريت في 24 مايو (أيار) عام 2018، باحتكاره جميع المقاعد الثلاثين في مجلس النواب.
وهكذا، أصبح الحزب الأول الذي يحقق مثل هذا الاكتساح في تاريخ البلاد، علماً بأنه حصد أيضاً 72.8 في المائة من الأصوات الشعبية، وهي أعلى نسبة يحققها حزب على الإطلاق في الانتخابات العامة.
في هذه الأثناء، ظل حلم موتلي القديم بتحويل بلادها إلى جمهورية حياً. وطبعاً أهلها تفويضها الشعبي الكاسح لتحقيق ذلك الحلم الذي عبّر عنه إيرول بارو، أول رئيس وزراء لباربادوس بعد حصولها على الاستقلال عام 1966، عندما قال «لا يجوز لباربادوس أن تظل تتسكع في المرحلة الاستعمارية». وهذا ما حصل، عندما قادت الزعيمة الطموحة بلادها، التي تشتهر بشواطئها الجميلة وبلعبة الكريكيت، وبتراث مزدوج يجمع بين التقاليد الإنجليزية العريقة والتراث الأفريقي الذي ينعكس في موسيقاها ورقصها، إلى ارتداء ثوب الجمهورية.
وفي الانتخابات العامة التي أجريت في 19 يناير (كانون الثاني) 2022، وهي الأولى في «العهد الجمهوري»، كرر حزب موتلي إنجازه التاريخي بحصوله على كل المقاعد للمرة الثانية، إلا أن الزعيمة التي جربت العمل في صفوف الحكومة والمعارضة على حد سواء، أصرت على ألا يكون غياب المعارضة في عهدها مبرراً لتغييب صوت القوى السياسية الأخرى، فحافظت على إرث سياسي منفتح. وراهناً، تخلو وسائل الإعلام في الجزيرة من الرقابة وسيطرة الدولة، فجميع الصحف مملوكة للقطاع الخاص، وثمة مزيج من المحطات الإذاعية الخاصة والعامة، وتدار المحطة التلفزيونية الوحيدة من قِبل هيئة الإذاعة الكاريبية المملوكة للحكومة، وتعرض مجموعة كبيرة من الآراء السياسية.
- قضية «حياة أو موت»
لم يكن ظهور ميا موتلي على الساحة الدولية وليد إنجازها المحلي، ونجاحها في قيادة تحول تاريخي لبلادها الصغيرة فحسب، بل لأنها أيضاً استطاعت أن تضع اسمها بين أكثر المؤثرين عالمياً في قضية باتت تشغل الاهتمام الدولي في العقود الأخيرة، وهي قضية المناخ.
وجاء اهتمام موتلي بتلك القضية نابعاً من انشغالها بمستقبل بلادها التي يهددها الخطر من كل اتجاه. فباربادوس تنجو أحياناً من أسوأ آثار العواصف الاستوائية والأعاصير خلال موسم الأمطار، حيث موقعها في أقصى شرق البحر الكاريبي يضعها خارج بؤرة الأعاصير الرئيسية. لكن ذلك لا يضمن لها البقاء بمأمن من تغيرات المناخ الصاخبة، وارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات، الأمر الذي يمثل بالنسبة لباربادوس قضية «حياة أو موت»، وهو التعبير الذي تحرص موتلي على ترديده في خطاباتها ذات النبرة القوية في منتديات المناخ.
ولعل الخطاب الذي ألقته موتلي أمام قمة غلاسغو للمناخ باسكوتلندا العام الماضي، هو ما لفت إليها الأنظار. إذ استحوذ خطابها القاسي أمام الجمهور الذي ضم الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون، على اهتمام قادة العالم، وفيه حذرت من أن ارتفاع درجات الحرارة يشكل «عقوبة إعدام مخيفة» للدول الجُزرية من أنتيغوا وباربادوس إلى فيجي وجزر المالديف.
الخطاب الحماسي تصدّر عناوين الصحف في جميع أنحاء العالم، وبالنسبة لكثيرين كان بمثابة مقدمة للتعرف على شخصية موتلي، التي حازت في العام نفسه جائزة «أبطال الأرض» في فئة السياسات والقيادة هذا العام، وهي أعلى تكريم بيئي تمنحه الأمم المتحدة لمن يكون لأعمالهم تأثير جوهري على البيئة. وورد في حيثيات منح الجائزة، أن موتلي «أمضت سنوات في شن حملات ضد التلوث وتغير المناخ وإزالة الغابات؛ ما جعل بربادوس رائدة في الحركة البيئية العالمية».
- نضال بروح «بوب مارلي»
استفادت موتلي من شعبيتها، وفهمها الدقيق للتمويل الدولي، وقدرتها غير العادية على تلخيص القضايا الاقتصادية المعقدة بلغة واضحة لانتزاع إعجاب المشاركين، وبخاصة من الأجيال الشابة المتحمسة لقضايا المناخ، والأشد انتقاداً لتقاعس الدول المتقدمة عن التعاطي بجدية مع شواغل الدول الأقل نمواً. ولم تقتصر براعة موتلي الخطابية على قدراتها التبسيطية لقضايا بالغة التعقيد، بل استغلت أيضاً قوة الأغنية، فنسجت كلمات أشهر المغنين الكاريبيين، بما في ذلك الجامايكي الراحل بوب مارلي (أشهر مغني «ريغي» في العالم) في مناشداتها من أجل النضال الدولي لتحقيق المساواة العالمية وتوحيد القرار الإنساني. ونجحت، كما نجحت كلمات مارلي البسيطة والعميقة حول التمرد على الظلم، ودعم العدالة والحرية والسلام، ومحاربة الفقر، ونشر الحب بكل أنواعه، أن تجذب لفنه الملايين من كل الأجناس والأعراق.
لقد استطاعت دعوة موتلي البيئية تحويلها من قائدة لدولة جُزرية صغيرة إلى قوة عالمية معنية بتغير المناخ. وهو ما دفع اسمها لتصدر الترشيحات لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة في عام 2026، كأول امرأة يمكن أن تتولى منصب الأمين العام. ويذكر أن مجلة «تايم» الأميركية الشهيرة اختارتها ضمن قائمة أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم للعام 2022، إلى جانب الرؤساء جو بايدن وفلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي. وثمة اعتراف بين الساسة حالياً بأنها بلغت مستويات عالية من الشهرة والتأثير عالمياً، لدرجة أنه بات من المفيد للقادة الظهور إلى جوارها حتى وإن لم يشاركوها الاتفاق في رؤيتها العالمية. ويدلل أصحاب هذا الرأي على هذا، بأنه رغم معارضة الرئيس الأميركي بايدن، في قمة المناخ العام الماضي، للمقترحات التي تدعمها موتلي لتحميل الدول ذات الدخل المرتفع المسؤولية عن الدمار الناجم عن تغيرات المناخ، فإنه أمسك بيدها أثناء سيرهما معاً؛ الأمر الذي كان له وقع خاص على المهتمين بقضايا المناخ في العالم.
- أكبر من قضية مناخ
الواقع، أن نضال موتلي من أجل العدالة العالمية، يتجاوز في شموله وعمقه قضية المناخ. وحقاً، عبرت موتلي (57 سنة) عن تلك الرؤية بوضوح في «COP27»، عندما دعت إلى إعادة النظر في النظام المالي الذي وُلد في بريتون وودز (الولايات المتحدة) بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وحثت المانحين والبنوك إعطاء الأولوية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ومساعدة البلدان الأكثر تضرراً من الانحباس الحراري على امتصاص الصدمات.
وفي كلمتها أمام قمة شرم الشيخ، طرحت موتلي تساؤلاً منتقداً للسياسات المالية العالمية عندما قالت «كم من الدول ننتظر أن تخفق وتتردى لمعاناتها من تبعات الحرب والتضخم، والعجز عن التصدي للتحديات المرتبطة بإيجاد الموارد المالية لتمويل مشاريع لبلوغ صافي صفر من الانبعاثات، خاصة في ظل أن دول الشمال تقترض بفائدة تتراوح بين 1 و4 في المائة، بينما تقترض دول الجنوب بفائدة 14 في المائة، أين الشراكات؟ ولماذا لا تنجح؟».
ومن ثم، أكدت الزعيمة الباربادوسية على ضرورة الالتزام بإطلاق العنان للتمويل الميسّر والتمييزي للبلدان الهشة والنامية، فلا فرصة لهم في الارتقاء دون هذا التمويل التمييزي، كما تحدثت عن الخسائر والأضرار المناخية التي تمس الدول النامية.


مقالات ذات صلة

«منظمة التجارة العالمية» تدعو لإصلاح النظام وتحذر من تكلفة الانقسام

الاقتصاد شعار «منظمة التجارة العالمية» على مقرها في جنيف بسويسرا (رويترز)

«منظمة التجارة العالمية» تدعو لإصلاح النظام وتحذر من تكلفة الانقسام

دعت «منظمة التجارة العالمية، الثلاثاء، أعضاءها لإصلاح قواعد التجارة العالمية، محذرة بأن الفشل في ذلك قد يدفع بالاقتصاد العالمي نحو مزيد من الانقسام والتشرذم...

«الشرق الأوسط» (جنيف)
يوميات الشرق أدمغة الأطفال الذين يعيشون في فقر بدت كأدمغة المتعبين والمجهدين (بكسلز)

«فيل في الدماغ»... دراسة ضخمة تكشف بصمة الفقر على عقول الأطفال

أكبر دراسة أميركية طولية لتصوير أدمغة الأطفال والمراهقين كشفت ما يفعله الفقر بأدمغة الأطفال في سنوات النمو.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

يرى باحثون أن موجة الهجرة إلى جيب سبتة لا تنبع فقط من عوز وبطالة بل تنطلق من تراجع للثقة بالمستقبل لدى طبقات أخرى.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الاقتصاد صورة جوية بطائرة مسيّرة لمنطقة المارينا في لاغوس (رويترز)

صندوق النقد الدولي: إصلاحات نيجيريا تعزز الاستقرار لكن الفقر لا يزال مرتفعاً

قال صندوق النقد الدولي إن حزمة الإصلاحات الاقتصادية التي نفّذتها نيجيريا أسهمت في تعزيز الاستقرار الكلي واستعادة ثقة المستثمرين.

«الشرق الأوسط» (لاغوس)
الاقتصاد تنتشر المراهنات الإلكترونية بشكل واسع في جميع أنحاء أفريقيا حيث من المتوقع أن تصل إيرادات الألعاب الإجمالية إلى 13.5 مليار دولار خلال العام الجاري أي أكثر من ضعف مستواها في 2023 (إكس)

شركات أفريقية تحذِّر من استنزاف المراهنات الإلكترونية ميزانيات الأسر

حذَّر قادة كبريات الشركات في أفريقيا، من أن ازدياد انتشار المراهنات الإلكترونية في أفريقيا يؤدي إلى استنزاف ميزانيات الأسر المخصصة عادة لشراء المواد الغذائية.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ (جنوب أفريقيا))

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.