أزمة دبلوماسية بين «الوحدة» الليبية واليونان

ديندياس رفض النزول من طائرته في طرابلس... والمنقوش تستدعي «السفيرين»

المشير خليفة حفتر مستقبلاً وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس (مكتب الإعلام بالقيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مستقبلاً وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس (مكتب الإعلام بالقيادة العامة)
TT

أزمة دبلوماسية بين «الوحدة» الليبية واليونان

المشير خليفة حفتر مستقبلاً وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس (مكتب الإعلام بالقيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مستقبلاً وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس (مكتب الإعلام بالقيادة العامة)

فجّر قرار نيكوس ديندياس، وزير الخارجية اليوناني، إلغاء زيارته التي كانت مقررة إلى العاصمة الليبية، أمس، أزمة دبلوماسية بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وبلاده، وذلك بعدما رفض النزول من طائرته، ليغادر بعدها مطار معيتيقة الدولي بطرابلس (غرباً) على نحو مفاجئ، متجهاً إلى مدينة بنغازي (شرقاً).
وحطت طائرة ديندياس في مطار معيتيقة صباح أمس، لكنه لم يمكث به سوى 15 دقيقة فقط، ورفض مغادرتها اعتراضاً على وجود نجلاء المنقوش، وزيرة الخارجية بحكومة الدبيبة، في انتظاره، وهو الأمر الذي وصفته الأخيرة بأنه «موقف يدعو للاستياء»، واعتبرته «إجراء غير دبلوماسي». غير أن وسائل إعلام يونانية اعتبرت أن ديندياس تفادى بذلك «خطأ دبلوماسياً» من جانب حكومة الدبيبة.
وفي أول ردّ فعل من حكومة «الوحدة» على تصرف ديندياس، استدعت المنقوش السفير الليبي لدى اليونان للتشاور، كما استدعت السفير اليوناني في ليبيا لتوضيح خلفيات ما حدث.
وكانت وزارة الخارجية اليونانية قد أعلنت أول من أمس عن زيارة ديندياس إلى ليبيا «لتعزيز التعاون في منطقة البحر الأبيض المتوسط». وقد غرّد الوزير اليوناني بعد اندلاع أجواء الغضب السياسي في طرابلس، بعد دقائق من إقلاع طائرته إلى بنغازي: «ألغيت زيارتي إلى طرابلس؛ حيث كان من المقرر أن ألتقي رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، لأن وزارة الخارجية خرقت اتفاقاً بعدم الاجتماع بها». في إشارة إلى حكومة «الوحدة»، التي ترى اليونان أنها باتت «منتهية الولاية».
وقال الدبيبة، الذي التقى المنقوش في مكتبه أمس للتباحث بشأن موقف الوزير اليوناني، إن «الاحترام المتبادل أساس العلاقة الدبلوماسية مع دولة اليونان»، مضيفاً أنه «لن يتم السماح بهذه التصرفات تجاه دولة ليبيا وسيادتها». ومن جهتها، أكدت المنقوش «عدم السماح لأي دولة بالتعامل مع ليبيا، دون احترام لسيادتها وهيبتها، لأن هذه مهمة أساسية في مجال عملها». وقالت عبر حسابها على «تويتر»: «في عالم مليء بالتهديدات المعقدة، يعتمد أمننا وقيادتنا على جميع عناصر قوتنا، بما في ذلك الدبلوماسية القوية والمبدئية».
وقبل أن تصل طائرة ديندياس إلى بنغازي صباح أمس، قالت خارجية الدبيبة إنه «بناء على طلب من اليونان مُنحت للوزير اليوناني الموافقة على زيارة طرابلس، وكانت الوزيرة نجلاء المنقوش في استقباله، وفق الأعراف الدبلوماسية». موضحة أنه «رغم السياسات والمواقف الفجّة التي انتهجها وزير خارجية اليونان خلال الأيام الماضية، تجاه مصالح الدولة الليبية، والتي عكستها تصريحاته غير المتزنة فيما يتعلق بسيادة ليبيا، وحقها في العلاقات التي تحقق تطلعات شعبها، فإنها وافقت على استقباله في طرابلس... لكن في موقف مفاجئ يدعو للاستياء، رفض الوزير اليوناني النزول من طائرته، وعاد من حيث أتى دون أي إيضاحات». كما عبّرت الخارجية الليبية عن «استهجانها» من تصرف الوزير اليوناني، وتوعدت بأنها «سوف تتخذ الإجراءات الدبلوماسية المناسبة، التي تحفظ لدولة ليبيا هيبتها وسيادتها».
وكانت الخارجية اليونانية قد صرحت بأن زيارة ديندياس «تستهدف لقاء المنفي، وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي، وعدد من المسؤولين، لبحث تعزيز التعاون بين البلدين، على أساس احترام القانون الدولي، خاصة قانون البحار، والعلاقات بين الاتحاد الأوروبي وليبيا، وكذلك تطورات منطقة المتوسط، كما يناقش الأساس الدستوري لإجراء الانتخابات في ليبيا في أقرب وقت ممكن، هذا بالإضافة إلى تقديم مساعدات تشمل لقاحات (كوفيد 19)».
وبعض ظهر أمس، حطت طائرة الوزير اليوناني في مطار بنينا الدولي بمدينة بنغازي، والتقى قيادات محلية بالبلاد، وسلّمهم مساعدات طبيبة. كما استعرض مساهمة بلاده في إعادة إعمار ميناء بنغازي البحري. وتحدث الوزير اليوناني عن أهمية الميناء لتوصيل المساعدات الغذائية والإنسانية إلى المنطقة الواسعة في شمال أفريقيا ودول الساحل. كما التقى وزير خارجية اليونان عدداً من أعضاء ورؤساء اللجان الدائمة بمجلس النواب، وتناول اللقاء، الذي عُقد بمقر المجلس في بنغازي، العلاقات الثنائية بين البلدين، وسُبل تعزيزها بما يخدم مصلحة الشعبين الصديقين.
في سياق ذلك، أعلن مكتب القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» أن المشير خليفة حفتر التقى في مكتبه ببنغازي وزير الخارجية اليوناني، والوفد المُرافق له، وبحثا سبل تحقيق الاستقرار في ليبيا والمنطقة.
وتشهد العلاقات الثنائية بين طرابلس وأثينا توتراً منذ عام 2020. وذلك عندما وقّعت حكومة «الوفاق» السابقة مع أنقرة اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بينهما، لم تلق قبولاً من اليونان، التي رفضت أيضاً مذكرة التفاهم، التي تم توقيعها قبل شهرين بين حكومة الدبيبة في طرابلس وأنقرة، وهي المذكرة التي تمنح الإذن ببدء تركيا عمليات الاستكشاف، والتنقيب في المياه الليبية، ضمن الحدود البحرية المرسومة بين الطرفين.


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

الفنلندي بيكا هافيستو يعود إلى السودان من جديد مبعوثاً أممياً بديلاً للعمامرة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام الأمم المتحدة)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام الأمم المتحدة)
TT

الفنلندي بيكا هافيستو يعود إلى السودان من جديد مبعوثاً أممياً بديلاً للعمامرة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام الأمم المتحدة)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام الأمم المتحدة)

رحَّب مدنيون سودانيون بتعيين وزير الخارجية الفنلندي السابق بيكا هافيستو، الذي يعود إلى السودان من جديد، مبعوثاً شخصياً للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للسودان، بعد أن كان قد شغل في وقت سابق منصب مبعوث الاتحاد الأوروبي إلى مفاوضات دارفور، وذلك خلفاً للجزائري رمطان لعمامرة الذي ظل يشغل المنصب منذ أكثر من ثلاث سنوات.

رمطان لعمامرة (الأمم المتحدة)

وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ذلك التعيين. وقال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة» (صمود)، في بيان، إنه يأمل أن يكون ذلك «فرصة جديدة أمام الأمم المتحدة لتضطلع بدور أكثر فعالية في إنهاء الحرب في السودان، التي تعدّ أكبر كارثة في العالم».

وأبدى التحالف الذي يقوده رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، استعداده لما أطلق عليه «التعاون الإيجابي» مع المبعوث هافيستو وفريقه «من أجل الدفع بجهود إحلال السلام في السودان، لضمان تنسيق المبادرات، والضغط على أطراف الحرب من دون انحياز للقبول بهدنة إنسانية فورية غير مشروطة».

ودعا إلى تعزيز «جهود إطلاق عملية سياسية بقيادة وملكية سودانية، تستجيب لتطلعات الشعب السوداني، التي عبر عنها بوضوح في ثورة ديسمبر المجيدة، وبناء دولة مدنية، تخلص البلاد من هيمنة النظام السابق، وكل أشكال عسكرة السلطة، وتعلي من قيم الحرية والسلام والعدالة»، وفق ما جاء في البيان.

وجاء إنهاء مهمة مبعوث غوتيريش السابق، على خلفية مطالبة قوى سياسية ومدنية سودانية، بإعفائه وتعيين مبعوث شخصي بديل..

وكان غوتيريش قد عين الدبلوماسي الجزائري لعمامرة مبعوثاً له في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، لكن مهمته في السودان واجهت صعوبات عديدة، بما في ذلك اعترافه بفشله في إقناع أطراف القتال بالتفاوض ووقف إطلاق النار، فيما واجه انتقادات واتهامات «بعدم استقلاليته وانحيازه لأحد أطراف القتال»، الأمر الذي أفشل مهمته.

عبد الفتاح البرهان يستقبل لعمامرة في بورتسودان خلال زيارة سابقة (أرشيفية - مجلس السيادة السوداني)

ووفقاً لإعلام الأمم المتحدة، فإن هافيستو ظلّ طوال 40 عاماً يعمل في مجال السياسة والشؤون الدولية، وشغل مناصب عديدة، من بينها وزير خارجية بلاده فنلندا، وفي الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وهو حالياً عضو في البرلمان الفنلندي.

وحسب النشرة، يتمتع المبعوث الشخصي الجديد «بخبرة واسعة في عمليات الوساطة والتفاوض في منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط، كما يمتلك خبرة في العمل مع الأمم المتحدة».

ولا يعد عمل الرجل في ملفات «الحروب السودانية» جديداً، فقد شغل في 2006، منصب مبعوث الاتحاد الأوروبي لمحادثات السلام بين الحكومة السودانية، وحركات دارفور المتمردة وقتها، والحليفة للحكومة الآن، وذلك إبان عمل مبعوث الأمم المتحدة الشهير للسودان يان برونك، الذي أنهيت مهمته بطلب من الخرطوم.


«الاحتجاجات الفئوية»... ملاذ الليبيين حيال أوضاع معيشية خانقة

وقفة احتجاجية للموظفين في محاكم ونيابات زليتن بغرب ليبيا (نقابة العاملين بالهيئات القضائية)
وقفة احتجاجية للموظفين في محاكم ونيابات زليتن بغرب ليبيا (نقابة العاملين بالهيئات القضائية)
TT

«الاحتجاجات الفئوية»... ملاذ الليبيين حيال أوضاع معيشية خانقة

وقفة احتجاجية للموظفين في محاكم ونيابات زليتن بغرب ليبيا (نقابة العاملين بالهيئات القضائية)
وقفة احتجاجية للموظفين في محاكم ونيابات زليتن بغرب ليبيا (نقابة العاملين بالهيئات القضائية)

تصاعدت في ليبيا وتيرة الدعوات إلى «إضرابات» و«احتجاجات فئوية» بين موظفين في عدة قطاعات حكومية، بوصفها «ملاذاً أخيراً» للتعبير عن وطأة ضغوط معيشية خانقة، بل وصل الأمر إلى تداول سيناريو إضراب عام محتمل، احتجاجاً على السياسات الاقتصادية في شرق البلاد وغربها.

وخلال الأيام القليلة الماضية، أطلق المعلمون دعوة الإضراب عبر نقابتهم، التي أعلنت أن تحركها سيطول جميع المؤسسات التعليمية، احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية للمعلم، وسط أزمة اقتصادية تعيشها البلاد.

ويشير قاضي ضيف الله الحسنوني، المسؤول الإعلامي باللجنة التسييرية لنقابة المعلمين الليبية في شرق البلاد، لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الدعوة للإضراب لها مشروعيتها في ظل أوضاع معيشية خانقة، وعدم تنفيذ أحكام قضائية تخص زيادات في مرتبات المعلمين».

في السياق ذاته، أعلن موظفون في وزارة العدل والهيئات القضائية، عبر بيان صادر عن نقابتهم، الدخول في اعتصام وإضراب عام منذ يوم الأحد، مع تعليق العمل في مختلف أنحاء البلاد، للضغط على السلطة التنفيذية لتنفيذ قانون أصدره مجلس النواب العام الماضي لزيادة مرتباتهم.

وقفة احتجاجية لعمال الشركات المنسحبة والمتعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)

من جهته، يقول الطاهر كشير، رئيس اللجنة التسييرية للنقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية بمحاكم الاستئناف بلييبا، إن الدعوة للإضرابات تبدو منطقية في قطاعهم وقطاعات حكومية أخرى في ضوء سوء الأوضاع المعيشية، وعدم استجابة الحكومة لمطالبهم المتكررة، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» عن استجابة للإضراب في محاكم بمدن في شرق البلاد وغربها.

كما يلوح شبح الإضرابات في قطاع الكهرباء، وهو مرفق حيوي، حيث يدور حراك بين موظفي الشركة للمطالبة بصرف مرتبات متوقفة، ومستحقات وعلاوات متراكمة.

وسبق أن قال موظفون، في تسجيل مصور، إن إيقاف صرف المرتبات منذ بداية العام الحالي قد يدفعهم إلى «وقف العمل بالشركة» في حال عدم الاستجابة.

وفي خضم هذه التطورات، يتجه الاتحاد الوطني لعمال ليبيا إلى اتخاذ خطوة تصعيدية خلال اجتماعه المقرر السبت المقبل في طرابلس. ولم يستبعد رئيسه، محمد رويحة، إعلان إضراب عام يشمل مختلف المؤسسات، في ظل تردّي الأوضاع الاقتصادية. كما يعتزم الاتحاد تنفيذ وقفة احتجاجية أمام مصرف ليبيا المركزي للمطالبة بوقف «الإنفاق الموازي» خارج الميزانية من جانب الحكومتين في شرق وغرب البلاد.

وقال رئيس الاتحاد الوطني لعمال ليبيا المكلّف، لـ«الشرق الأوسط»، إن الدعوة إلى الإضرابات «لها ما يبررها» في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، مشيراً إلى تفاقم الأزمة المعيشية نتيجة ارتفاع سعر الدولار، وفساد الاعتمادات المستندية، واستمرار الإنفاق الموازي غير المنضبط في شرق البلاد وغربها.

يأتي ذلك بينما تواجه ليبيا تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة، تشمل قفزة جنونية في سعر الدولار مقابل الدينار، وموجات غلاء واسعة، وتآكل القدرة الشرائية، ونقص السيولة، واضطراب الخدمات، وتثقل هذه الأزمات كاهل المواطنين وسط تعثر الإصلاحات واستمرار الانقسام السياسي.

رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب رئيس الحكومة)

ولم يستبعد مدير «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، اتساع نطاق هذه الإضرابات والدعوات لها، التي قد تصل - وفق مؤشرات رصدها - إلى «إعلان عصيان مدني، رفضاً لقرارات مجلس النواب ومصرف ليبيا المركزي، التي ستفاقم زيادة الأسعار وتكلفة أعباء المعيشة على كاهل المواطن»، حسبما ذكر في تصريح لـ«الشرق الأوسط».

وخلال العامين الأخيرين، لم تشهد ليبيا إضرابات فئوية واسعة النطاق بالزخم الذي طبع المشهد في خريف 2023، حين مثّل اعتصام وإضراب أعضاء هيئة التدريس في 22 جامعة حكومية آخر موجة احتجاج مهني كبيرة ومنظمة، تمحورت مطالبها حول تحسين الأوضاع المعيشية، وزيادة المرتبات وتسوية الحقوق الوظيفية.

ومنذ ذلك الحين، ظلّ الحراك العمالي محدوداً وموسمياً دون تحولات تصعيدية شاملة، حتى استجدت التحركات الأخيرة للمعلمين والموظفين في الجهات العدلية.

ومع هذا الزخم من المطالبات، تظهر مخاوف من هذه الإضرابات «الفئوية»، التي تركز على ملف المرتبات، وقد عد رويحة أن «الأزمة الاقتصادية تتطلب معالجة شاملة تتجاوز المطالب القطاعية».

من جانبه، حذّر المحلل السياسي، خالد الشارف، من أن وجود حكومتين في دولة واحدة يفتح الباب أمام نمط «خطير» في إدارة الأزمات، قائم على الاستجابة الانتقائية للمطالب الاجتماعية. وأوضح أن «كل طرف قد يلجأ إلى منح زيادات وامتيازات سريعة لقطاعات محددة، ثم توظيفها سياسياً لإظهار نفسه بعدّه الأقرب للمواطنين».

تواجه ليبيا تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة تشمل قفزة جنونية في سعر الدولار وموجات غلاء واسع (أ.ف.ب)

وأشار الشارف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أن هذا السلوك يعكس «منافسة على شراء الشرعية»، محذراً من «آثار مؤسسية عميقة، من بينها تعميق الانقسام، وخلق توقعات مرتفعة لبقية القطاعات، إضافة إلى سباق إنفاق غير مستدام»، منتهياً إلى أن «الزيادات غير المرتبطة بإصلاحات هيكلية ترفع كتلة الأجور، وتضغط على العملة، وتفاقم العجز وتوسّع الاقتصاد الموازي».

وتعيش ليبيا على وقع انقسام حكومي بين حكومة في غرب البلاد، يترأسها عبد الحميد الدبيبة، وأخرى تسيطر على شرق وجنوب البلاد برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم البرلمان و«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.


الليبيون يئنون تحت وطأة الغلاء وصدمة ارتفاع سعر الدولار

بسبب ارتفاع سعر الدولار وجد الليبيون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء جديدة تنذر بمزيد من الضغوط المعيشية (أ.ف.ب)
بسبب ارتفاع سعر الدولار وجد الليبيون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء جديدة تنذر بمزيد من الضغوط المعيشية (أ.ف.ب)
TT

الليبيون يئنون تحت وطأة الغلاء وصدمة ارتفاع سعر الدولار

بسبب ارتفاع سعر الدولار وجد الليبيون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء جديدة تنذر بمزيد من الضغوط المعيشية (أ.ف.ب)
بسبب ارتفاع سعر الدولار وجد الليبيون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء جديدة تنذر بمزيد من الضغوط المعيشية (أ.ف.ب)

يعيش الليبيون على وقع صدمة ارتفاع جديد وقياسي في سعر صرف الدولار، مقابل الدينار في السوق السوداء خلال 48 ساعة الماضية، ما أشعل الشارع وأثار قلق النخب السياسية، فيما عده مراقبون «انهياراً خطيراً للعملة الوطنية».

ولم تبق القفزة المفاجئة للدولار في إطار الأرقام، رغم اقترابه من حاجز 11 ديناراً في السوق الموازية، بعدما حلق إلى مستوى 10.85 دينار مقابل 10.03 دينار مطلع الأسبوع، بل تحولت إلى جدل سياسي واسع وتبادل للاتهامات بين أطراف الأزمة. فيما وجد المواطن نفسه في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء جديدة للسلع الأساسية، تنذر بمزيد من الضغوط المعيشية.

* التهاب الأسعار

في طرابلس، عبّرت هديل محمد، وهي أرملة تعول أربعة أبناء، عن قلقها في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، قائلة إن «ارتفاع الدولار أشعل أسعار السلع المستوردة وغيرها، بما في ذلك الخضراوات والفاكهة». وأشارت إلى أنها قد «تتمكن بهذا النهج من توفير وجبات إفطار وسحور متواضعة، بلا لحوم أو حلويات خلال أيام رمضان المتبقية».

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى في لقاء مع مسؤولين باتحاد الصناعة في طرابلس (الصفة الرسمية للمصرف)

ولم تقتصر تداعيات تراجع الدينار تدريجياً خلال السنوات الماضية، وصولاً إلى الأزمة الراهنة، على محدودي الدخل، مثل المتقاعدين الذين يتقاضون نحو 900 دينار شهرياً، بل طالت العمل الخيري أيضاً. وفي هذا السياق، يشكو رئيس جمعية «أم المؤمنين الخيرية»، فرج عمر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، من «شح التبرعات لمؤسسته المعنية بمساعدة الأرامل والأيتام، مقارنة بما كانت تتلقاه سابقاً من شحنات غذائية».

ويرى خبراء أن تدهور سعر الصرف كان متوقعاً في ظل استمرار الانقسام السياسي، وتنازع حكومتين على السلطة: الأولى حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في الغرب، والثانية حكومة مكلّفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في الشرق وبعض مدن الجنوب. ويشير هؤلاء إلى الخلاف المتكرر حول مخصصات «التنمية» في الميزانية، وتبادل الاتهامات بتوظيفها في مشاريع إعمار، تستهدف كسب الولاءات وترسيخ النفوذ.

في المقابل، حاول الدبيبة الدفاع عن حكومته أمام سيل الاتهامات، التي تحمّله مسؤولية ارتفاع الدولار وأسعار السلع والخدمات، مقراً بغضب المواطنين وتفهمه له، وحمّل خصومه المسؤولية. وقال عبر حسابه على منصة «إكس»: «هناك إنفاق موازٍ بقيمة 70 مليار دينار خلال عام واحد، ما خلق طلباً إضافياً على الدولار، وتسبب في ارتفاعه»، في إشارة إلى نفقات حكومة حماد وصندوق «التنمية وإعادة إعمار ليبيا» بقيادة بلقاسم حفتر.

عناصر شرطة في سوق المشير للعملات بالعاصمة طرابلس (الصفحة الرسمية للسوق)

وسارعت أصوات محسوبة على خصوم الدبيبة في شرق البلاد إلى مهاجمة حديثه، حيث كتب رئيس المؤسسة الوطنية للإعلام، محمد بعيو، موضحاً أن «الإنفاق الموازي، الذي يُنسب إليه سبب أزمة الدينار كعامل وحيد، هو إنفاق تنموي وتسييري يتم من خلال الحكومة الليبية، ومؤسسات وأجهزة التنمية التابعة لها، وهو إنفاق واضح في كل مكان وظاهر للعيان». وتساءل بعيو عن «إنجازات حكومة الوحدة في مشاريع الإعمار»، وفق إدراج عبر حسابه على «فيسبوك».

بدوره، اتهم الإعلامي الليبي خليل الحاسي «رجال المال والتجار بمضاعفة ثرواتهم عبر فرق العملة»، في إشارة إلى الفارق الواسع بين السعر الرسمي للدولار (6.3 دينار)، وسعره في السوق الموازية الذي تجاوز 10.85 دينار.

أما النشطاء والمدونون عبر منصات التواصل الاجتماعي، فقد طالبوا بإقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، بعد قرارات خفض قيمة الدينار مرتين خلال أقل من عام، وهو ما عدّه كثيرون تخبطاً في السياسات النقدية. وفي الوقت نفسه، لا تزال وسوم «لا لفرض الضرائب» و«سعر الدولار دقيقة بدقيقة» تتصدر المنصات الليبية.

* غياب الرقابة

ألقى الناشط المدني مفتاح مكراز باللائمة على من وصفهم بـ«التجار المتحكمين في الدولة»، منتقداً غياب الرقابة الفعلية، وتساءل: «كيف يُسمح للتاجر بشراء الدولار بالسعر الرسمي واستيراد سلع، ثم بيعها وفق سعر السوق الموازية؟». وتحدث في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن «شبهات غسل أموال مرتبطة بعمليات بيع وشراء الدولار»، مقللاً من مساهمة «المنح الحكومية في التغلب على الأزمة الراهنة، كونها تتبدد سريعاً مع ارتفاع الدولار»، ولافتاً إلى احتياجات المواطنين للعلاج والتعليم في الخارج.

من جهته، رأى عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، أن «تعدد وتضارب مراكز القرار هما السبب الرئيسي للفساد وارتفاع أسعار الدولار»، مشيراً إلى «توسع الحكومتين في الإنفاق بما يفوق الإيرادات النفطية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «غضب الشارع لم يكن فقط بسبب سعر الدولار، بل أيضاً بسبب ما نُقل وتردد عن بدء تطبيق ضرائب على بعض أصناف السلع المستوردة»، منتقداً «هشاشة المشهد التنظيمي» في ظل غياب بيانات رسمية توضح الموقف.

مقر مصرف ليبيا المركزي في العاصمة طرابلس (الصفحة الرسمية للمصرف)

وحذر بن شرادة من استمرار «سياسات معالجة العرض الظاهر عبر إجراءات نقدية طارئة، دون تشكيل حكومة موحدة وميزانية موحدة، ومكافحة تهريب الوقود والسلع التموينية»، مؤكداً أن ذلك «قد يرفع الدولار إلى 25 ديناراً»، داعياً جميع الأطراف إلى «الانتباه إلى أن الأزمة لن تستنزف إمكانيات الدولة فقط، بل ستستنزف أيضاً شعبيتهم».

وتمتد المخاوف إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة، لتطول مستقبل الدينار، في ظل توقعات متشائمة ببلوغ الدولار مستويات أعلى. فقد حذر محافظ مصرف ليبيا المركزي السابق الصديق الكبير من احتمال صعوده إلى 30 ديناراً، إذا استمر ما يُعرف بـ«الإنفاق الموازي»، فيما وصف أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة عبد الحميد الفضيل أي تنبؤ بسعر الصرف حالياً بأنه «ضرب من الخيال».

غير أن المخاوف من الأوضاع النقدية في ليبيا تذهب ببعض المراقبين نحو مخاوف وسيناريوهات مغرقة في التشاؤم، حيث نبه أستاذ العلاقات الدولية الليبي إبراهيم هيبة إلى أن «استمرار الأزمة الحالية والانقسام السياسي، قد يؤدي لزيادة الجريمة المنظمة والإرهاب»، وقد يفضي إلى «ثورة جياع».