محادثات جزائرية - كوبية لرفع المبادلات إلى مستوى العلاقات السياسية

بعد 6 أشهر من احتفال البلدين بمرور 60 سنة على تأسيس علاقاتهما

الرئيس عبد المجيد تبون مستقبلاً نظيره الكوبي أمس في العاصمة الجزائرية (الرئاسة)
الرئيس عبد المجيد تبون مستقبلاً نظيره الكوبي أمس في العاصمة الجزائرية (الرئاسة)
TT

محادثات جزائرية - كوبية لرفع المبادلات إلى مستوى العلاقات السياسية

الرئيس عبد المجيد تبون مستقبلاً نظيره الكوبي أمس في العاصمة الجزائرية (الرئاسة)
الرئيس عبد المجيد تبون مستقبلاً نظيره الكوبي أمس في العاصمة الجزائرية (الرئاسة)

بحث الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، اليوم، في قصر الرئاسة مع رئيس كوبا، ميغيل دياز كانيل برموديز، في تطوير العلاقات الثنائية في جوانبها الاقتصادية والتجارية، خارج قطاع المحروقات. وجاءت هذا المحادثات بعد ستة أشهر من احتفال البلدان بمرور 60 سنة على تأسيس علاقاتهما، التي طغت عليها في سنواتها الأولى الجوانب الآيديولوجية، والاصطفاف أيام الحرب الباردة.
وقالت الرئاسة الجزائرية إن الرئيس الكوبي زار اليوم «متحف المجاهد» بأعالي العاصمة، وهو مَعْلم تاريخي يخلِّد ثورة التحرير (1954 - 1962)، والنضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، «حيث طاف بمختلف أقسامه، واستمع إلى شروحات وافية، قُدمت له حول مختلف الحقب والمراحل التاريخية للجزائر، لا سيما تلك المتعلقة بالكفاح المسلح من أجل استرجاع السيادة الوطنية». ووصل برموديز إلى الجزائر مساء أول من أمس، وكان في استقباله الوزير الأول أيمن بن عبد الرحمن، ووزير الخارجية رمطان لعمامرة، وأعضاء آخرون من الطاقم الحكومي. وتستمر زيارته 3 أيام، حسب الرئاسة الجزائرية.
وقالت مصادر حكومية إن زيارة الرئيس الكوبي «تهدف إلى تجسيد الإرادة السياسية المشتركة لتعزيز التعاون الاقتصادي، واستغلال فرص الاستثمار في القطاعات ذات الأولوية، كالزراعة والصناعة الغذائية والأدوية والتجهيزات الطبية والسياحة». علماً بأن التعاون في المجال الطبي والعلاج قطع أشواطاً كبيرة في العشريات الأخيرة، وباتت التجربة الكوبية في الطب مطلوبة بكثرة في الجزائر.
وفي مارس (آذار) الماضي، صرح صالح قوجيل، رئيس «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية الثانية)، والرجل الثاني في الدولة حسب الدستور، لدى حديثه مع السفير الكوبي عن العلاقات الثنائية، بأن «النظام العالمي الموروث عن الحرب العالمية الثانية ولَّى، وبات العالم على عتبة تحولات جيواستراتيجية عميقة، تتطلب من دول العالم الثالث استعداداً أمثل». مبرزاً أن «المرحلة التي نعيشها تُظهر أهمية الاستلهام من مبادئ عدم الانحياز الأصيلة، بمفهومها الحضاري الواسع، الذي يدعو إلى تكريس السلام والأمن الدوليين، بعيداً عن ضيق الأفق الذي ساد أيام الحرب الباردة».
وقررت الحكومتان التوقيع على مذكرة تفاهم تشمل تعزيز التعاون الطبي، في يناير (كانون الثاني) المقبل بكوبان، وذلك بمناسبة انعقاد «اللجنة العليا المشتركة للتعاون الجزائري - الكوبي». كما ستحيي العاصمتان العام المقبل الذكرى الستون لإيفاد بعثة طبية كوبية إلى الجزائر، قصد مساعدة حكومتها على بناء نظام صحي بعد الاستقلال. وكتبت وكالة الأنباء الجزائرية أن العلاقات بين الجزائر وكوبا «حققت عدة مكاسب، كان آخرها تنصيب المجموعة البرلمانية للصداقة الجزائرية - الكوبية في شهر فبراير (شباط) الماضي، لتكون فرصة للانطلاق نحو عهد جديد من التعاون الثنائي، وتعزيز التبادل في جميع المجالات، وذلك بما يعكس العلاقات الوطيدة بين البلدين والشعبين». مبرزةً أن البلدين «يمتلكان إمكانيات كبيرة لترقية التعاون الاقتصادي والتجاري بينهما، تم استعراضها خلال انعقاد اجتماع اللجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والفني والثقافي، على مستوى الخبراء في فبراير 2019».
كما وقَّع البلدان قبل خمس سنوات اتفاقاً لتنصيب مجلس أعمال جزائري - كوبي، والاتفاق على خريطة طريق تكون بمثابة أرضية للتعاون الاقتصادي. وأشارت الوكالة الحكومية إلى الاتفاق الذي عقده وزيرا الصحة الجزائري عبد الحق سياحي، والكوبي خوسيه أنخيل بورتال ميرلندا، خلال لقاء جمعهما الاثنين الماضي، تناول البحث عن فرص شراكة جديدة لتعزيز التعاون، وتوسيعه إلى مجالات أخرى، ودراسة ثلاثة مشروعات للشراكة، وهي: التكوين المتواصل لفائدة الأطباء العامين الجزائريين في طب النساء والتوليد والأشعة والإنعاش، وتكوين متخصص في طب العيون، إلى جانب التعاون وتبادل الخبرات مع «معهد باستور الجزائر” في مجال تطوير وإنتاج اللقاحات.


مقالات ذات صلة

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

شمال افريقيا الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

أكد وزيران جزائريان استعداد سلطات البلاد لتجنب سيناريو موسم الحرائق القاتل، الذي وقع خلال العامين الماضيين، وسبّب مقتل عشرات الأشخاص. وقال وزير الفلاحة والتنمية الريفية الجزائري، عبد الحفيظ هني، في ندوة استضافتها وزارته مساء أمس، إن سلطات البلاد أعدت المئات من أبراج المراقبة والفرق المتنقلة، إضافة لمعدات لوجيستية من أجل دعم أعمال مكافحة الحرائق، موضحاً أنه «سيكون هناك أكثر من 387 برج مراقبة، و544 فرقة متنقلة، و42 شاحنة صهريج للتزود بالمياه، و3523 نقطة للتزود بالمياه، و784 ورشة عمل بتعداد 8294 عوناً قابلاً للتجنيد في حالة الضرورة القصوى».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

التمست النيابة بمحكمة بالجزائر العاصمة، أمس، السجن 12 سنة مع التنفيذ بحق وزير الموارد المائية السابق، أرزقي براقي بتهمة الفساد. وفي غضون ذلك، أعلن محامو الصحافي إحسان القاضي عن تنظيم محاكمته في الاستئناف في 21 من الشهر الحالي، علماً بأن القضاء سبق أن أدانه ابتدائياً بالسجن خمس سنوات، 3 منها نافذة، بتهمة «تلقي تمويل أجنبي» لمؤسسته الإعلامية. وانتهت أمس مرافعات المحامين والنيابة في قضية الوزير السابق براقي بوضع القضية في المداولة، في انتظار إصدار الحكم الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مقر القصر الرئاسي بالجزائر، الثلاثاء، الدكتور عبد الله آل الشيخ، رئيس مجلس الشورى السعودي الذي يقوم بزيارة رسمية؛ تلبية للدعوة التي تلقاها من رئيس مجلس الأمة الجزائري. وشدد آل الشيخ على «تبادل الخبرات لتحقيق المصالح التي تخدم العمل البرلماني، والوصول إلى التكامل بين البلدين اللذين يسيران على النهج نفسه من أجل التخلص من التبعية للمحروقات، وتوسيع مجالات الاستثمار ومصادر الدخل»، وفق بيان لـ«المجلس الشعبي الوطني» الجزائري (الغرفة البرلمانية). ووفق البيان، أجرى رئيس المجلس إبراهيم بوغالي محادثات مع آل الشيخ، تناولت «واقع وآفاق العلاقات الثنائية الأخوية، واس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

قضت محكمة الاستئناف بالعاصمة الجزائرية، أمس، بسجن سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الراحل، 12 سنة مع التنفيذ، فيما تراوحت الأحكام بحق مجموعة رجال الأعمال المقربين منه ما بين ثماني سنوات و15 سنة مع التنفيذ، والبراءة لمدير بنك حكومي وبرلماني، وذلك على أساس متابعات بتهم فساد. وأُسدل القضاء الستار عن واحدة من أكبر المحاكمات ضد وجهاء النظام في عهد بوتفليقة (1999 - 2019)، والتي دامت أسبوعين، سادها التوتر في أغلب الأحيان، وتشدد من جانب قاضي الجلسة وممثل النيابة في استجواب المتهمين، الذي بلغ عددهم 70 شخصاً، أكثرهم كانوا موظفين في أجهزة الدولة في مجال الاستثمار والصفقات العمومية، الذين أشارت التحقيقات إلى تو

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

أزمة اللجوء السودانية... وطنان في قلب طفل واحد

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

أزمة اللجوء السودانية... وطنان في قلب طفل واحد

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

وصلت الطفلة ندى إلى أوغندا مع أسرتها بعد أشهر من اندلاع الحرب في السودان، تاركة وراءها مدرستها وأصدقاءها وحياتها التي كانت تعرفها. بدأت الطفلة ذات الثلاثة عشر ربيعاً حياة جديدة في بلد لم تكن تعرف عنه شيئاً من قبل.

قالت ندى عبد المنعم لـ«الشرق الأوسط» إنها كوّنت صداقات جديدة في المدرسة، وتطوّرت لغتها الإنجليزية بصورة ملحوظة، كما تعلّمت بعض الكلمات من اللغات المحلية.

وحين سُئلت متى تعود إلى بلادها، قالت بثقة: «لن أعود إلى السودان». وأضافت: «هنا لم أشعر يوماً بأنني مختلفة عن بقية الأطفال». وتابعت مبتسمة: «الطقس هنا ألطف، والمدرسة أفضل، والأصدقاء أكثر لطفاً، والناس أكثر ترحيباً، فلماذا أعود؟».

وعلى المقعد المجاور، كانت شقيقتها لين، البالغة من العمر 9 أعوام، تنظر بطريقة مختلفة تماماً. جلست وهي تمسك بيد والدها الذي لا يزال يعمل في السودان ويزور أسرته في أوغندا بين حين وآخر، ولم تتحدث عن المدارس أو الأصدقاء أو البلدان، بل قالت بهدوء: «أكون مع أبي».

وعندما سمعت لين شقيقتها تعلن أنها لن تعود إلى السودان، حاولت الاعتراض على حديثها، فردت الأخيرة بالإنجليزية: «هذا ليس شأنك». وخلال المقابلة، كانت الطفلتان تتنقلان بسهولة بين العربية والإنجليزية في أثناء الحديث مع بعضهما.

بين الشقيقتين تتجسد صورة مصغرة لما قد تعيشه آلاف الأسر السودانية التي دفعتها الحرب إلى اللجوء، حيث بدأ الأطفال ينظرون إلى الوطن والانتماء والعودة بعيون مختلفة عن عيون آبائهم.

من مشاهد الحرب السودانية (أ.ف.ب)

أما في كينيا فتبدو الصورة مشابهة، لكنها بتفاصيل أخرى، فآمنة أمين، البالغة من العمر 11 عاماً، وشقيقها علي، البالغ من العمر 10 أعوام، لا يتحدثان كثيراً عن الحرب، بل عن المدرسة والأصدقاء والمستقبل.

والدتهما، تهاني عباس، قالت إنها لاحظت تغيّراً كبيراً في طريقة تفكير الطفلين منذ وصول الأسرة إلى العاصمة الكينية نيروبي، قبل نحو ثلاث سنوات. وتضيف: «اندمجا بسرعة في المدرسة والمجتمع، وتعلما اللغة الإنجليزية والسواحلية بسرعة، وصار لهما أصدقاء من جنسيات مختلفة، ويشاركان في الأنشطة كأنهما وُلدا هنا». وتتابع: «أكثر ما لفت انتباهي أنهما لا يشعران بأنهما غريبان، فلا أحد يسألهما عن جنسيتهما باستمرار، ولا يعاملهما أحد بوصفهما مختلفين عن بقية الأطفال».

وتوضح أن الطفلين بمرور الوقت صارا يتحدثان كثيراً عن أحلامهما وخططهما للمستقبل، وعن الدراسة والمهن التي يرغبان في العمل بها عندما يكبران.

ورغم تعلّق الطفلين بقريتهما الصغيرة «حسين آدم» في شرق ولاية الجزيرة بوسط السودان، فإن حديثهما عن العودة يدور حول الرغبة في زيارة القرية والأهل، ثم العودة مجدداً إلى كينيا لمواصلة الدراسة.

تضيف تهاني عباس: «لا يخفي علي وآمنة تعلقهما بحياتهما الجديدة التي بنياها هنا، فهما يتحدثان دائماً عن الطقس الجميل، وعن أصدقائهما في المدرسة، وعن التفاصيل الصغيرة التي جعلت كينيا جزءاً من حياتهما اليومية».

وتكشف مثل هذه القصص جوانب أقل ظهوراً لآثار الحرب. فبينما ينظر الكبار إلى الوطن بوصفه الأرض والذكريات والعائلة الممتدة، يربط الأطفال إحساسهم بالانتماء بالمكان الذي يشعرون فيه بالأمان، حيث يذهبون إلى مدارسهم ويعيشون حياتهم اليومية مع أصدقائهم الجدد، ولذلك قد يظهر «هذا التعلّق» ببلدان اللجوء عند بعضهم.

جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم من جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

لكن هذا الإحساس يثير مخاوف الأسر. فمع اعتماد الأطفال على الدراسة والتواصل باللغة الإنجليزية واللغات المحلية، يخشى الأهل من تراجع اللغة العربية لديهم، ومن ضعف ارتباطهم بالثقافة السودانية، ويبدي أحد الآباء السودانيين المقيمين في كينيا قلقه هذا بقوله: «أخشى أن يفقدوا قدرتهم على التواصل باللغة العربية، وألا يرتبطوا بثقافتنا».

وتزداد مخاوف الأسر كلما طال أمد الحرب وابتعدت فرص العودة القريبة. فتعلق بعض الأطفال ببلدان اللجوء قد لا يكون أمراً مفاجئاً في نظر المختصين الذين لا يرون بالضرورة في تعلق الأطفال بالمجتمعات الجديدة فقداناً لارتباطهم بوطنهم الأصلي، بل إنه يعكس قدرة طبيعية على التكيّف مع البيئة التي يعيشون فيها.

ويلخص هذه المفارقة الطفل «علي» الذي يعيش في نيروبي مع أسرته، عندما سُئل عن السودان، فقال إنه يشتاق إلى قريته وأقاربه وأصدقائه، ويريد زيارتهم عندما تُتاح له الفرصة. وعند سؤاله عن المكان الذي يرغب في العيش فيه بشكل دائم، أجاب: «سأزور قريتي وأهلي وأرجع إلى كينيا».

ولا تمثل قصص ندى ولين وآمنة وعلي حالات فردية معزولة، فإثر اضطرار الناس إلى الفرار من ديارهم، كانت بينهم أعداد كبيرة من الأطفال، وجدوا أنفسهم في بيئات جديدة، ومجتمعات لم يعرفوها، ولغات لم يتحدثوا بها قط.

وأعداد اللاجئين السودانيين، حسب تقديرات منظمات الأمم المتحدة، بلغت منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، نحو أربعة ملايين شخص، النسبة الأكبر منهم أطفال. وتقول بعض التقديرات غير الرسمية إن الأطفال يشكلون نحو 60 في المائة من أعداد اللاجئين، ليرسموا واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم حالياً.

وهكذا قد تبدو عبارة الطفل «علي» بسيطة، لكنها تكشف عن تحول عميق أحدثته سنوات الحرب في حياة جيل كامل من الأطفال السودانيين، فبالنسبة إلى الكبار قد تكون العودة إلى الوطن حلماً مؤجلاً ينتظر نهاية الحرب. أما لبعض الأطفال الذين أمضوا سنوات التكوين الأولى في أوغندا وكينيا فإن السؤال لم يعد متى العودة، بل «أين الوطن حقاً؟».

Your Premium trial has ended


«فاتورة الدعم» تُعيد جدل ملف المحروقات إلى الواجهة في ليبيا

اصطفاف سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا (من تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية)
اصطفاف سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا (من تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية)
TT

«فاتورة الدعم» تُعيد جدل ملف المحروقات إلى الواجهة في ليبيا

اصطفاف سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا (من تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية)
اصطفاف سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا (من تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية)

أعادت أزمة تدفق المحروقات التي عانت منها ليبيا الأيام الماضية، قضية الدعم إلى الواجهة مجدداً، مع اتساع عمليات تهريب الوقود، ووعود حكومية بمواجهة الظاهرة.

ويرى مراقبون أن أزمات الوقود المتكررة باتت من أقسى التحديات المعيشية في بلد نفطي، وسط مشهد يزداد تعقيداً مع تجدد طروحات رفع الدعم باعتباره الخيار الأبرز لمعالجة الاختلالات الهيكلية، وما صاحب ذلك من انقسام حول المنافع والمخاطر.

ويستند المدافعون عن رفع الدعم إلى أن انخفاض سعر الوقود مقارنة بدول الجوار «يمثل المحرك الرئيسي لعمليات التهريب»؛ حيث تحولت الدولة، وفق تقديراتهم، إلى «ممول غير مباشر لشبكات تستنزف جزءاً كبيراً من واردات الوقود التي تقترب فاتورتها السنوية من 9 مليارات دولار»، مطالبين باستبدال «بدل نقدي للمواطنين» بالدعم.

في المقابل، يقر المعارضون بضرورة إصلاح منظومة المحروقات، لكنهم يحذرون من أن رفع الدعم دفعة واحدة في ظل تراجع قيمة العملة وارتفاع التضخم، قد «يقود إلى موجة غلاء واسعة».

زحام أمام إحدى محطات الوقود بجبل نفوسة غرب ليبيا في مشهد متكرر (وسائل إعلام محلية)

ويُعدّ رجل الأعمال الليبي، حسني بي، من أبرز المطالبين بإلغاء الدعم واستبدال بدل نقدي لإيقاف التهريب به.

وسبق واستشهد في تدوينة على صفحته بـ«فيسبوك»، بتصريحات رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، بشأن تجاوز فاتورة استيراد المحروقات مليار دولار خلال شهر مايو (أيار) الماضي وحده، محذراً من أن «استمرار الدعم يهدر نحو 30 في المائة من الإنتاج النفطي، ويغذي صراع المجموعات المسلحة، خصوصاً بمدن المنطقة الغربية التي تتنازع حول حصتها من الوقود المدعوم ومسارات تهريبه خارج الحدود».

دعوة لرفع «تدريجي»

تصنف ليبيا بين أرخص دول العالم في أسعار البنزين؛ إذ يبلغ سعر اللتر نحو 0.15 دينار؛ غير أن هذا لا ينعكس على الواقع الميداني مع تكرار أزمات نقص الوقود وظهور طوابير طويلة أمام المحطات. (الدولار يساوي 6.36 دينار ليبي في السوق الرسمية).

ويدعو الناشط السياسي جعفر الأنصاري، أحد سكان مدينة أوباري بالجنوب الليبي، إلى رفع الدعم عن المحروقات، ولكن «بشكل تدريجي للحد من التهريب وضمان توافر الوقود في عموم البلاد»، مشيراً إلى أن مناطق الجنوب «عانت خلال عيد الأضحى من شح حاد أجبر المواطنين على شراء اللتر الواحد من السوق السوداء بعشرة دنانير».

وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إصلاح ملف المحروقات سيسهم في استقرار إمدادات الكهرباء أيضاً وتفادي تكرار المعاناة مع طرح الأحمال»، لافتاً إلى ضرورة «مراعاة الأوضاع المعيشية قبل تحريك السعر الراهن، وإيجاد بديل نقدي مناسب، مع الانتباه إلى خصوصية المناطق الصحراوية، حيث تمتلك كل أسرة أكثر من سيارة».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد التي تدير شرق البلاد وأجزاء من الجنوب بدعم من القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.

شاحنتان تحملان كمية من الوقود المُهرب إلى السوق السوداء في ليبيا (مكتب النائب العام)

في المقابل، أرجع رئيس حزب «التجديد الليبي» سليمان البيوضي، حماس البعض لمقترح رفع الدعم، إلى «الالتزام بتوصيات المؤسسات المالية الدولية»، محذراً من أن النتيجة «ستكون زيادة الضغوط على الفئات محدودة الدخل».

وخلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، انتقد «غياب رؤى جادة لمعالجة أزمة الوقود التي تكمن جذورها في الفساد والتهريب، لا في مستوى الدعم نفسه».

ورغم مهاجمة حماد دعوة الدبيبة مطلع عام 2024 لرفع الدعم عن الوقود، وهو ما عدّه مراقبون انعكاساً لحالة التنافس بين الحكومتين، فإن حكومته في شرق ليبيا تبنت لاحقاً التوجه ذاته.

غلاء وضعف رقابة

من جانبه، أقر عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، بأن غالبية الليبيين «يرغبون في إنهاء تهريب المحروقات، لكنهم يطالبون بمعالجة الاختلالات الاقتصادية والأمنية قبل المساس بأسعار الوقود، لتفادي تحميل المواطن أعباء إضافية».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «رفع سعر البنزين إلى مستويات تقارب الأسعار العالمية سيؤدي إلى زيادة تكاليف النقل وأسعار السلع الأساسية، وربما ينعكس على سعر الصرف، في وقت يعاني فيه المواطنون من الغلاء وضعف الرقابة على الأسواق».

ولفت إلى وجود أزمة سيولة متكررة؛ وقال: «قد يعجز قطاع واسع من المواطنين عن شراء الوقود لسياراتهم إذا رُفع الدعم، فالمبلغ الذي سيتحصلون عليه حينذاك لن يكفي. وفي ظل غياب شبكة مواصلات عامة، فإن حركة هؤلاء ستصاب بشلل»، منتقداً «غياب رؤية واضحة بشأن قيمة البدل النقدي وآليات صرفه وضمانات استمرار صرفه».

جانب من سيارات محمّلة بـ«وقود مهرّب» (جهاز البحث الجنائي بشرق ليبيا)

ومع استمرار النقاش والجدل بين سياسيين واقتصاديين، توحدت مطالب مواطنين بمنصات التواصل الاجتماعي بشأن ضرورة الدراسة المعمقة لأي تجربة جديدة تستهدف رفع الدعم تجنباً لتحميلهم تكلفتها وحدهم، خصوصاً أن الوقود المدعم يمثل آخر ميزة يتمتعون بها بوصفهم أبناء دولة نفطية.

وبشأن ارتفاع فاتورة واردات الوقود، تساءل بن شرادة عن أسباب تزايدها من نحو 3 مليارات دولار خلال الفترة ما بين 2016 و2019، إلى نحو 9 مليارات دولار في عام 2024، معتبراً أن الزيادة في الكميات المستوردة لا تعكس الاستهلاك الفعلي فقط بالنظر لمحدودية عدد سكان ليبيا مقارنة بدول جوارها، وبالتالي تعزز الشكوك بشأن تهريب ما بين 30 و40 في المائة منها.

ودعا إلى «الاستفادة من تجارب دول اعتمدت الرفع التدريجي للدعم، وربطته بمنظومات رقمية وحصص مدعومة للموكلين والمواطنين».

وتنتج ليبيا نحو 1.43 مليون برميل نفط يومياً.


«أرض الصومال» يعيد فتح بوابة البحر لإثيوبيا... والتوتر مع مقديشو يتسع

محادثات سابقة بين الرئيس الصومالي ورئيس الوزراء الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)
محادثات سابقة بين الرئيس الصومالي ورئيس الوزراء الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

«أرض الصومال» يعيد فتح بوابة البحر لإثيوبيا... والتوتر مع مقديشو يتسع

محادثات سابقة بين الرئيس الصومالي ورئيس الوزراء الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)
محادثات سابقة بين الرئيس الصومالي ورئيس الوزراء الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

بعد خفوت يقترب من العامين لشرارة أزمة بين الصومال وإثيوبيا بسبب توقيع أديس أبابا اتفاقاً مبدئياً مع إقليم «أرض الصومال» بشأن منفذ بحري، عاد الإقليم الانفصالي لتقديم الطرح ذاته، بعد أشهر من نيل اعتراف من إسرائيل.

ويرى خبير في الشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا سيعيد التصعيد مرة أخرى خصوصاً بين مقديشو والإقليم الانفصالي، وتوقع أنه في حال تجاوب أديس أبابا سيكون هناك موقف عربي وإقليمي رافض بقوة.

ويملك الإقليم الانفصالي ساحلاً بطول 740 كيلومتراً على خليج عدن، ويحتل موقعاً استراتيجياً عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي، غير أنه لا يحظى باعتراف دولي منذ انفصاله عن جمهورية الصومال الفيدرالية عام 1991، إلا من إسرائيل التي اعترفت به في ديسمبر (كانون الأول) 2025. ولا يزال ميناء بربرة الاستراتيجي التابع للإقليم، محل صراع إقليمي ودولي على النفوذ في تلك المنطقة.

وقال وزير خارجية «أرض الصومال» والتعاون الدولي، عبد الرحمن طاهر آدم، في مقابلة مع صحيفة «ذا ريبورتر» الإثيوبية، الأحد، إن «لإثيوبيا الحق في الوصول إلى منفذ بحري».

وأضاف: «ندرك أهمية وصول إثيوبيا إلى البحر. نحن على استعداد لمناقشة احتياجات الحكومة الإثيوبية فيما يتعلق بالميناء أو الممر البحري. نحن نتفهم احتياجاتهم، فهم إخوتنا، وإذا كان هناك سبيل لمساعدتهم، فنحن على أتم الاستعداد».

وبحسب الصحيفة، وقعت إثيوبيا والإقليم الانفصالي في 1 يناير (كانون الثاني) 2024، مذكرة تفاهم تمنح إثيوبيا، الدولة غير الساحلية، منفذاً بحرياً مقابل اعتراف محتمل بسيادة الإقليم يشمل استئجار 20 كيلومتراً من الساحل وإنشاء قاعدة بحرية.

ووسط رفض صومالي - عربي، أدت الجهود الدبلوماسية التركية اللاحقة إلى «إعلان أنقرة» في ديسمبر 2024، مواصلة المحادثات الفنية بشأن الوصول البحري مع احترام وحدة أراضي الصومال، إلا أن تلك المحادثات لم تُحرز تقدماً يُذكر، بحسب الصحيفة.

وكان اتفاق تركيا يتضمن «بدء مفاوضات تقنية بحلول نهاية فبراير (شباط) 2025، بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي في غضون 4 أشهر»، دون أي جديد حتى الآن.

وأكد آدم في حديثه الصحافي: «صحة وجود جمود بشأن وساطة تركيا»، قائلاً: «لا، لم يطرأ أي تغيير»، لافتاً إلى أن ميناء بربرة «جاهز للاستخدام من قبل إثيوبيا في أي وقت، وإذا أرادت الاستفادة منه بشكل كامل، فلا مانع لدينا على الإطلاق»، متهرباً من الإجابة عن سؤال بشأن استمرار العمل بمذكرة التفاهم أم أنه تم إلغاؤها، قائلاً: «مذكرة التفاهم ليست كل شيء».

ويرى المحلل السياسي الصومالي والخبير في الشأن الأفريقي، عبد الوالي جامع بري، أن «إعادة طرح أرض الصومال فكرة منح إثيوبيا منفذاً بحرياً، ترجع لأن الإقليم يعدّ العلاقة مع إثيوبيا ورقة استراتيجية مهمة يسعى منها للحصول على اعتراف دولي عبر بناء شراكات مع قوى إقليمية مؤثرة، والاستفادة الاقتصادية من ميناء بربرة، والاستثمارات المرتبطة به».

ويعتقد أن الوساطة التركية نجحت في نقل الخلاف من مرحلة التصعيد للحوار، وأن إثيوبيا تجاوبت «لأنها لا تريد فتح مواجهة إقليمية واسعة والصومال لا يريد الانجرار لحرب، لكن جذور الخلاف لم تُحل بشكل نهائي، والحديث الدائر حالياً قد يعيد التصعيد للواجهة».

وترفض مقديشو أي تحرك من «أرض الصومال»، ولا تزال تعدّها جزءاً من أراضي البلاد، وأصدرت أكثر من موقف رافض لمسارها.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وعقب توقيع إثيوبيا اتفاقاً مع إقليم «أرض الصومال»، اتخذت مقديشو عدة إجراءات؛ منها إعلان وزير الدفاع الصومالي آنذاك عبد القادر محمد نور، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، استبعاد القوات الإثيوبية المقدرة بنحو 4 آلاف جندي من بعثة حفظ السلام المقبلة، بسبب «انتهاكها الصارخ لسيادة واستقلال الصومال»، ثم طلبه في الشهر التالي مغادرتها البلاد «وإلا فسيُعد بقاؤها احتلالاً».

وسبق أن حذر الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، في مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست»، في فبراير 2025، من أن بعض المقربين من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يسعون لدفعه للاعتراف رسمياً بـ«أرض الصومال»، مؤكداً أن «هذا قد يشكل تهديداً لتغيير حدود القارة الأفريقية».

ومع الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، توالت المواقف الصومالية الرافضة لهذا المسار.

وباعتقاد الخبير في الشأن الأفريقي، فإن مقديشو «ستواصل رفض هذه التحركات، وتعتبر أن أي تفاوض حول موانئ أو قواعد أو منافذ بحرية مع دولة أجنبية هو اختصاص حصري للحكومة الفيدرالية، وبالتالي تعتبر هذه التحركات مساساً بالسيادة الوطنية، مقابل تمسك الإقليم الانفصالي بموقفه بأنه صاحب صلاحية اتخاذ قراراته الخارجية. ومن ثم سيتحول الأمر إلى توتر سياسي جديد يضاف لأزمة اعتراف تل أبيب».

وهو يرى أن أي تحرك إثيوبي معلن فيما يخص بربرة «سيشعل الأزمة من جديدة بقوة أكبر، خصوصاً مع تمسك أديس أبابا بالوصول إلى منفذ بحرى»، متوقعاً موقفاً عربياً، خصوصاً من مصر التي تتابع من كثب أي تطورات بهذا الملف والتي ترفض وجود أي دول غير مشاطئة للبحر الأحمر، مثل إثيوبيا، على البحر.