«السدرة» تمزج الواقعي بالسحري و«تحرر القط الأسود من الخرافة»

الروائية السعودية أسماء بوخمسين في روايتها الأولى

«السدرة» تمزج الواقعي بالسحري و«تحرر القط الأسود من الخرافة»
TT

«السدرة» تمزج الواقعي بالسحري و«تحرر القط الأسود من الخرافة»

«السدرة» تمزج الواقعي بالسحري و«تحرر القط الأسود من الخرافة»

تحاول «السدرة»، وهي الرواية الأولى للكاتبة أسماء بوخمسين، الوصول إلى عقل وقلب قارئها عبر بساطة وسلاسة السرد، ويظهر فيها الميل إلى التسجيل الإثنوغرافي كأنما ثمة رغبة في تأكيد صلتها بالواقع المرجعي الذي تحيل عليه.
تدور أحداث الرواية في «الديرة»، الهفوف خلال الفترة الممتدة من قبيل الحرب العالمية الثانية إلى ما بعد العدوان الثلاثي على مصر.
وفي بؤرة الأحداث، يقف منصور الهنيدي، ابن عبد الرزاق الهنيدي أحد أثرياء «الديرة»، والرواية تروي قصة نمو منصور الروحي والنفسي وتَشَكل وعيِهِ خلال السنوات التكوينية إلى مرحلة النضج والرشد، انتهاءً بتغيره الدراماتيكي من شخص مسالم إلى متسلط. ويتخلل التصوير لتطور شخصيته كشفٌ للعوامل والأشخاص الذين كان لهم تأثير عليه، بالإضافة إلى الظروف القاسية والمعاناة التي يمر بهما كطفل يتيم الأم عهد أبوه برضاعته وتربيته وتعليمه إلى عدد من النساء.
بيد أن حكاية منصور ليست الوحيدة في الرواية، فثمة حكايات أخرى ترويها الساردة، حكايات ثانوية ومهمة، انفتح الخطاب السردي لها مثلما اتسع لاستطرادات الساردة التي كان لها أثر واضح في إبطاء إيقاع السرد وأحياناً إيقافه بتدخلاتها للتعليق أو الشرح أو إبداء وجهة نظرها. تلك حكايات النساء اللاتي عهد إليهن عبد الرزاق الهنيدي تباعاً بمهمة حضانة ورضاعة وتربية وتعليم ابنه منصور الذي فارقت أمه «أم الخير» الحياة بعد ولادته بدقائق. خلال تلك الحكايات، تتجلى الظروف والعزلة والمعاناة القاسية التي خَبرها الطفل اليتيم، بعيداً عن أبيه المنشغل بتجارته أو مع زوجته الثانية.
تستهل الساردة الحكي في الفصل الأول «الحمل الثقيل» بقصة عبد الرزاق الهنيدي وهو يجتاز الأزقة الضيقة في طريقه إلى «فريج اللباني»، حيث تقيم الداية/القابلة أم سليمان التي خرج على يديها منصور من رحم أمه إلى الوجود قبل موتها. يحث الهنيدي خطاه في «الطرق الملتوية والقذرة لدرجة التنفير، ويمني نفسه أن تكون الأخيرة» (5). لقد سار في هذه الطرق المتربة والمغبرة قبل عامين متجهاً إلى بيت أم سليمان حاملاً ابنه «المغمور برائحة دم حار، وإحساس يقطر ألماً وخيبة». دفعته طموحاته التي تستحوذ على كل اهتمامه، وترهقه فكرياً وجسدياً، إلى «جمع حزمة الأحزان والمسؤوليات، وأودعها في مهد الوليد، وألقى بها في عقر دار بفريج اللباني، وأوصد عليها تماماً» (6).
يعود عبد الرزاق إلى بيت الداية بعد أن أرسلت إليه ليأتي ليأخذ ابنه الذي نبتت أسنانه اللبنية، وفطمته المرضعة أم حميدان لفطمها ابنها نويصر بسبب حملها، كما تروي الساردة في الفصل الثاني «أم سليمان الداية»، الذي يتضمن حكاية أم سليمان المرأة المعدمة متعددة الخدمات والمهمات، التي تقول عنها الساردة في لحظة توقف عن السرد لغرض الشرح تبدو فيها وكأنها تتماهى مع أهل الديرة أو كأنها واحدة منهم «هي جزء من الفريج، كما الميزاب الذي يتدفق منه ماء المطر، لا نشعر بأهميته أو وجوده» (13) إلا عند تعطله.
يعود سليمان المكلف بإحضار منصور من بيت المرضعة أم حميدان «حاملاً منصوراً كعصفور هش بين ذراعيه العملاقين» (22). كان منصور شاحباً ومغبراً، ويرتدي ثوباً جديداً، «لكن من ألبسه الثوب»، تُعَلق الساردة، «نسي أن يغسل وجهه المتسخ، ويزيل المخاط الجاف المخضر من جانبي أنفه» (23). لم تدم إقامة منصور في بيت أبيه سوى شهرين، فلم يكد يستقر ويشعر بالطمأنينة لوجوده مع أبيه، حتى يُنتزع من المنزل إلى منزل أخرى، إلى رعاية سعدية العرجي، بعد تذمر زوجة أبيه من مشقة العناية به، ثم لانشغالها بالجنين في رحمها.
سُعدت سعيدة العرجي الأرملة الوحيدة بمنصور لأنها رأت فيه مصدراً للرزق يقيها الفقر، ولم يجد فيها منصور «الأم الرؤوم»؛ كان مجرد سبب لاستلام الأجر الأسبوعي من أبيه، فكانت سعيدة نادراً ما تتحدث إليه، أو حتى تنظر إليه، و«رفضت أن يكون البديل لطفل لم يضمه رحمها» (71). وجدت في دفعه للذهاب إلى «المطوعة» كل صباح فرصة للتخلص منه لبعض الوقت إلى أن عاد للعيش في المنزل الكبير بعد ختمه القرآن وهو في العاشرة.
عاش منصور طيلة سنوات عمره من الطفولة المبكرة إلى نهاية الرواية وحيداً، بلا أصدقاء لا صديق ولا رفيق له سوى قط أسود، وسدرة في بيت أبيه، كانت له الأم الحنون التي تحنو عليه. لم يكن القط مرافقاً فقط بل حارساً يتولى حمايته ويصد عنه الأذى ويتحدث إليه. لا أحد يعرف متى ومن أين جاء القط الأسود ومتى بدأت رفقته لمنصور. لكنه يظهر أول مرة في بيت أم سليمان، عندما يحضر سليمان منصوراً من بيت المرضعة أم حميدان: «التفت عبد الرزاق حيث ينظر صغيره» (23)، فرأى قطاً أسود له عينان بلونين مختلفين. فعندما يسبح عبد الرزاق الله ويتعوذ من الشيطان، تطمئنه أم سليمان بأن هذا القط يرافق «منصوري» دائماً، وهو أنيس، وحتى الفروخ أو الفئران لا تخافه. لكن القط الوديع يتحول إلى قط شرس عندما يحدق أي خطر بمنصور. يحميه من الأطفال المتنمرين عندما يتكالبون عليه؛ ويصد عنه البحارة خلال رحلته البحرية إلى الهند عندما يَهِمُون ليلاً بفعل الفاحشة به في جوف المركب.
لقد اشتغلت الروائية على البعد المحاكي/ المحاكاتي، سواء لعالم القصة في «السدرة» أم للشخصيات ومنها الشخصية الرئيسية، منصور، فمنحته الملامح والتفاصيل الكفيلة بجعله يظهر بصورة شخص محتمل يعيش في عالم يحاكي أو يوهم بكونه واقعاً حقيقياً. لكنها، وفي الوقت نفسه، أدخلت العنصر «الواقعي السحري» المتمثل بالقط الأسود الناطق والسدرة الأم الرؤوم التي تمد أغصانها لتحتضن منصوراً وتمنع سقوطه على الأرض. يكشف «الواقعي السحري» البعد المضاد للمحاكاة لعالم القصة والبعد «التأليفي» لمنصور، مذكراً بأنه شخصية متخيلة تعيش في عالم متخيل، بالإضافة إلى توظيفه في التعبير عن التغير الدراماتيكي في شخصية منصور وذلك بجعل القط الأسود يموء «بحرقة وجزع»، ويخرج تاركاً الباب مشرعاً، والسدرة تغطي رأسها، تحبس شهقة في صدرها وتنوح، عندما يأمر منصور زوجة أبيه وابنه من زوجته الأولى وابنة أخيه بمغادرة البيت الكبير لأنه سينتقل للعيش فيه مع زوجته الهندية. لم يعد منصور بحاجة لمن يحميه أو من يحنو عليه، لقد أصبح منصوراً آخر، هذا ما يدركه القط الأسود وتدركه السدرة.
بفراره بعد تحول منصور إلى كائن قاس ومستبد، تُكمل «بوخمسين» تحريرها للقط الأسود، وفك ارتباطه بالشر كما يظهر دائماً في الخرافة والأسطورة. فلقد قدمت في «السدرة» قطاً أسود خَيراً وطيباً ومسالماً، يهرب من رفيقه عندما يرى الشر وقد تغلغل فيه.
لم يكن تغير منصور مفاجئاً، فقد بدأ تدريجياً بعد وفاة أبيه، وكان من إحدى علامات تغيره توقفه عن زم شفتيه. فهو يزمهما عندما يشعر بالخوف أو يرتبك أو «لا يجد تفسيراً لما يحدث أمامه» (83). ظننت في البداية أن زمة الشفتين خصيصة وصفة مميزة له «كويرك/quirk» إلى أن توقف عنها وبدأ يعبر عما بداخله إيذاناً بدخوله في مرحلة جديدة لإمكان لـ«السحري» فيها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
TT

«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)

ماذا لو أزحنا الإنسان عن مركز اللوحة الفنية، وأفسحنا مكانه لفراغ واسع تتوزع حوله أشكال وخطوط وعناصر تبدو للوهلة الأولى هامشية؟ وإلى أي مدى يمكن لهذا التحول أن يعكس واقع مجتمعات يتقدّم فيها حضور الجماعة على إرادة الفرد واختياراته؟

من هذا السؤال يبدأ الفنان التشكيلي المصري محمد الجنوبي تجربته في معرضه «وهم المركز... التحرك أسفل اللوحة»، المقام حتى 12 نوفمبر (تشرين الثاني) في «مركز الجزيرة للفنون» بالقاهرة، مستكشفاً عبر التكوينات البصرية علاقة الفرد بالجماعة، وما تفرضه من قيود على حريته واستقلاله، في تطلع إلى مجتمع يمتلك فيه الإنسان حق الاختيار وتقرير مصيره؛ حيث ينقل الجنوبي إلى مساحة التصوير تساؤلات تتعلق بموقع الفرد داخل المجتمع، وهيمنة الجماعة على اختياراته، وما يترتب على ذلك من تراجع استقلاليته وحريته.

وعلى امتداد نحو 80 عملاً، موزعة على 3 قاعات تحمل أسماء الفنانين أحمد صبري وراغب عياد والحسين فوزي، بالمركز، يقدم الجنوبي مشروعاً تشكيلياً فلسفياً عمل عليه طوال 4 سنوات، محاولاً من خلاله إعادة النظر في مفهوم المركز والهامش، انطلاقاً من قراءة ثقافية وتاريخية لطبيعة المجتمعات الشرقية، وما يميزها من حضور قوي للعائلة والعشيرة والجماعة في تشكيل حياة الفرد.

ويقول الجنوبي لـ«الشرق الأوسط»: «الأساس في الفن أن الإنسان يكون مركز اللوحة، لكنني أزحته من هذا الموقع ووضعته في الهامش، وتركت المركز فراغاً لونياً أو خطوطاً وأشكالاً هندسية».

يغيب الإنسان عن المساحة الرئيسية في رمز لهيمنة الجماعة (الشرق الأوسط)

ويتابع: «أردت أن أتأمل الفكرة من منظور ثقافتنا؛ فالإنسان الفرد لم يكن دائماً مركز الحياة في مجتمعاتنا، إذ لعبت العائلة والعشيرة والجماعة الدور الأكبر في تشكيل وجوده وفكره، فيما اتخذ الإنسان موقع المركز في الثقافة الغربية، قبل أن تبدأ الحداثة وما بعدها مساءلة هذه الفكرة».

ويضيف الجنوبي: «أنا مع أن يكون الإنسان في المركز، لكنني أريد أن يصل إلى هذا الموقع فعلياً، وأن يمتلك حقوقه وحرياته واستقلاله؛ فالمسألة تتعلق بمدى قدرته على اتخاذ قراراته، واختيار حياته ومستقبله واتجاهاته الفكرية والثقافية. وإلى أن يتحقق ذلك، سأظل أرسمه في الهامش أو أسفل اللوحة».

بهذا المعنى يتخذ عنوان المعرض دلالته الأساسية؛ فـ«وهم المركز» يحيل إلى تصور ثقافي واجتماعي يمنح الجماعة سلطة واسعة على الفرد الذي تظل استقلاليته محدودة.

ويؤكد الفنان أن انشغاله بالهامش لا ينطلق من مقاربة سياسية، وإنما من محاولة فهم جذور هذه العلاقة في التاريخ والثقافة، وكيف يمكن لهيمنة الجماعة أن تحد من ظهور الشخصيات المستقلة وأصحاب الرؤى المختلفة والمبدعة.

ولا يقتصر حضور الهامش على بنية اللوحة، وإنما يمتد إلى الشخصيات والحكايات التي يستحضرها الفنان. فتظهر المرأة في عدد من الأعمال باعتبارها موضوعاً لحكايات يرويها الشريط السفلي، في محاولة لإبراز أدوارها وما تعرضت له ـ رغم ذلك ـ لتهميش داخل بعض الأنساق الاجتماعية والثقافية، وهو ما يتيح قراءة إضافية للعلاقة بين الحضور الفعلي للشخصيات ومكانتها في الذاكرة الجمعية.

تفاصيل لونية وهندسية من تجربة محمد الجنوبي في معرض «وهم المركز» (الشرق الأوسط)

وتحضر الطبيعة بدورها في بعض التكوينات، من خلال نباتات ضخمة تتجاوز أحجامها المعتادة، ويضعها الفنان في علاقة متوترة مع البيئة العمرانية.

ويشرح أن هذه النباتات تبدو في حالة غضب من العشوائيات التي تزاحم المكان وتحتل مساحاته، في إشارة إلى اختلال التوازن بين الطبيعة، وما يطرأ على البيئة من تغيرات.

أما الأشكال الهندسية والتجريدية، فتؤدي دوراً أساسياً في ضبط التكوين، خصوصاً مع اتساع المساحات الخالية وتراجع العناصر البشرية.

ويوضح الجنوبي أن طبيعة المشروع فرضت عليه البحث عن حلول بصرية تحفظ توازن اللوحة؛ بحيث لا يبتلع الفراغ بقية عناصرها، ولا تفقد الأشكال المحدودة قدرتها على بناء إيقاع متماسك.

وتكشف الألوان عن صلة واضحة بذاكرة المكان الذي نشأ فيه الفنان بأسوان؛ إذ تتقدم الدرجات الترابية والبنيات الداكنة، إلى جانب الأصفر ولمسات محدودة من الأخضر.

الفنان محمد الجنوبي داخل معرضه (الشرق الأوسط)

ويقول: إن «طبيعة الجنوب، بما تحمله من صحراء وجبال وبيئة خشنة، تركت أثرها في اختياراتي اللونية، كما انعكست في بعض المفردات التي أستحضرها».

ومع ذلك لا يعد الفنان أن المعرض يُمثل نهاية مشروعه؛ فهو لا يزال يعمل على تطوير التجربة، ويتركها مفتوحة لمزيد من البحث والتجريب.


تمساح يقتحم مخبزاً... وصاحبه: لم أتوقَّع هذا ولو بعد مليون عام

دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
TT

تمساح يقتحم مخبزاً... وصاحبه: لم أتوقَّع هذا ولو بعد مليون عام

دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)

تسلّل تمساح صغير الحجم إلى مخبز في ولاية كارولاينا الشمالية الأميركية، ممّا أثار حالة من الهلع بين العاملين والزبائن.

ووفق صحيفة «نيويورك بوست»، دخل تمساح يبلغ طوله نحو 3 أقدام (91 سنتيمتراً)، مخبز «باجل دوك إكسبريس» بمدينة ساوثبورت عبر باب خلفي كان مفتوحاً.

ورصدته كاميرات المراقبة وهو يتجوَّل في غرفة التخزين، ثم يمرّ بالمطبخ وصولاً إلى المنطقة الأمامية للمخبز، قبل أن يستقرّ خلف منضدة البيع. وما إن لمح مالك المخبز جيسي دريسكول الزائر غير المتوقَّع، حتى انتفض مذعوراً وهرع إلى الخارج، ليعود سريعاً مصطحباً رجلاً آخر ليريه المشهد الصادم.

وقال دريسكول لشبكة «دبليو دبليو إيه واي» الإخبارية: «إنه أمر خارج عن المألوف تماماً بالنسبة إلى مخبز. يمكنك أن تتوقَّع رؤية كثير من الأشياء، مثل دخول الزبائن أو الأصدقاء لإلقاء التحية، لكنني لم أتخيّل طوال حياتي أن أرى تمساحاً هنا، ولو بعد مليون عام».

زائرٌ بأنياب لا تصلح لابتسامة الصباح (فيسبوك)

وأوضح مالك المخبز أنه سارع إلى الاتصال برقم الطوارئ، فتدخّلت شرطة ساوثبورت بالتعاون مع خدمات حماية الحيوانات، ونجحت في الإمساك بالتمساح ونقله بأمان إلى مكان آخر، من دون وقوع إصابات.

ونشرت شرطة ساوثبورت صوراً للزاحف الصغير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقة بتعليق طريف عن وجود تمساح في الممر الأول.

وأشار دريسكول إلى أنه كان منشغلاً بتركيب فرن جديد عندما تسلّل هذا الدخيل المغطَّى بالحراشف إلى المخبز.

بدوره، علّق المخبز مازحاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن أخبار المخبوزات الطازجة التي يقدّمها وصلت، على ما يبدو، إلى المستنقعات، مضيفاً أنّ الحادثة انتهت من دون إصابات، وإنما بزيارة زبون غير مألوف.

وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة «الغارديان» أنّ لجنة موارد الحياة البرّية في كارولاينا الشمالية سبق أن حذّرت السكان والزائرين في المناطق الساحلية من إطعام التماسيح أو الاقتراب منها، في ظل ازدياد اللقاءات بينها وبين البشر.

وأوضح عالم الأحياء جون هنري هارلسون أنّ إطعام التماسيح يجعلها تربط وجود البشر بالحصول على الطعام، وقد يفقدها خوفها الطبيعي منهم، ممّا يزيد احتمالات وقوع مواجهات خطرة. وتوصي السلطات بعدم محاولة الإمساك بهذه الحيوانات أو التعامل معها، وتوخّي الحذر قرب المسطحات المائية.


سرّ نجاح الأطفال المتفوقين... قناعة ينبغي غرسها فيهم منذ الصغر

الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» قد يطوّرون خوفاً شديداً من ارتكاب الأخطاء (بيكسلز)
الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» قد يطوّرون خوفاً شديداً من ارتكاب الأخطاء (بيكسلز)
TT

سرّ نجاح الأطفال المتفوقين... قناعة ينبغي غرسها فيهم منذ الصغر

الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» قد يطوّرون خوفاً شديداً من ارتكاب الأخطاء (بيكسلز)
الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» قد يطوّرون خوفاً شديداً من ارتكاب الأخطاء (بيكسلز)

مع عودة الطلاب إلى المدارس هذا الخريف، يشعر كثير من الآباء برغبة في تقديم المزيد لأبنائهم، سواء من خلال الاستعانة بمعلم خصوصي، أو إضافة حصة أخرى في الرياضيات، أو تسجيلهم في نشاط إضافي بعد انتهاء اليوم الدراسي، وذلك «من باب الاحتياط» فحسب.

وتنبع هذه الرغبة من المحبة والحرص على توفير أفضل الفرص للأبناء، لكن هذه الفرص قد تتحول، في مرحلة ما، مصدراً للضغط عليهم.

وخلال ست سنوات من البحث شملت مئات الطلاب المتفوقين، توصلت جينيفر بريهيني والاس، وهي صحافية ومؤلفة حائزة جوائز، إلى أن المحرك الحقيقي للنجاح على المدى الطويل يتمثل في إيمان الفرد بأن قيمته تنبع من جوهره، ومن قدرته على إحداث تأثير إيجابي في العالم، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

وقالت والاس: «أطلق على هذا المفهوم اسم عقلية الأهمية (Mattering Mindset)».

«القبول المشروط»

يشعر كثير من الشباب اليوم بدافع تحركه المخاوف؛ إذ يخشون أن يؤدي إخفاقهم أو عجزهم عن تلبية التوقعات إلى تراجع ما يحظون به من محبة أو قبول، وكأن قيمتهم الذاتية مرهونة بمستوى أدائهم.

وفي عام 2021، تعاونت والاس مع باحث من جامعة بايلور الأميركية لدراسة تأثير «ثقافة الإنجاز» في الشباب. وكشف استطلاع أجرياه، وشمل نحو 500 طالب، عن نتيجة لافتة؛ إذ يعتقد أكثر من نصف المشاركين أن حب والديهم لهم يتغير تبعاً لمستوى أدائهم.

ويطلق علماء النفس على هذه الظاهرة اسم «القبول المشروط» (Conditional Regard)، أي أن محبة الوالدين وقبولهما يصبحان مرتبطين بتلبية الطفل توقعات معينة، سواء كانت دراسية أو رياضية أو سلوكية.

وقد ينشأ لدى الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» خوف شديد من ارتكاب الأخطاء، إلى درجة أن أي تعثر بسيط قد يهز إحساسهم بقيمتهم الذاتية.

ويمكن أن يؤدي هذا النمط إلى تقويض تقديرهم لأنفسهم، وتسريع تعرضهم للاحتراق النفسي، وإشعارهم بفقدان الغاية في الحياة بمجرد توقف الإشادة والتقدير، فضلاً عن جعلهم أكثر عرضة للاكتئاب عند مواجهة الإخفاقات.

اغرس في طفلك منذ الصغر قناعة بأن له قيمة جوهرية

من المهم مساعدة الأطفال، منذ سنواتهم الأولى، على ترسيخ قناعة بأن لهم «قيمة جوهرية»، وهي الفكرة التي تقوم عليها «عقلية الأهمية» (Mattering Mindset).

فعندما يدرك الأطفال أنهم يحظون بالتقدير بغض النظر عن النتائج التي يحققونها، يصبحون أكثر استعداداً لخوض تجارب تنطوي على مخاطر محسوبة، والتعلم من أخطائهم، وبذل مزيد من الجهد، والتعافي بسرعة أكبر من الإخفاقات.

1. تعمّق في معرفة طفلك وفهم شخصيته

احرص على فهم شخصية طفلك بعمق، وكأنك تسعى للحصول على درجة الدكتوراه في معرفته.

ما الذي يثير حماسه؟ وما التحديات التي يخفيها عن الآخرين؟ وما نقاط القوة التي يمتلكها وقد لا يلاحظها المحيطون به؟ فكلما ازداد فهمنا لسماته الفريدة ومواهبه، شعر بأننا نراه على حقيقته ونقدّره كما هو.

ويُعدّ الشعور بأن الآخرين يفهمونك ويحبونك مصدراً قوياً للدافعية.

2. ذكّره بأن قيمته ثابتة ولا تقبل المساومة

عندما يتعرض طفلك لإخفاق، كأن يُستبعد من فريق رياضي أو يحصل على درجة متدنية في اختبار، ذكّره بأن قيمته الذاتية ثابتة، ولا تخضع للنقاش أو التشكيك.

وتستخدم إحدى الأمهات اللواتي قابلتهن والاس طريقة بسيطة لتوضيح هذه الفكرة؛ إذ ترفع ورقة نقدية من فئة العشرين دولاراً، وتسأل طفلها: «كم تبلغ قيمتها؟».

ثم تجعّد الورقة النقدية وتغمرها في الماء، قبل أن تعيد طرح السؤال: «كم تبلغ قيمتها الآن؟».

وتظل الإجابة عشرين دولاراً؛ فمهما تعرضت الورقة لظروف قاسية، تبقى قيمتها ثابتة، وكذلك قيمة الطفل، مهما واجه من إخفاقات أو صعوبات.

3. تعامل مع الصعوبات بفضول لا بغضب

في نهاية المطاف، يرغب جميع الأطفال في تحقيق النجاح. وإذا كان طفلك لا يحقق التقدم المتوقع، فتراجع خطوة إلى الوراء، وحاول فهم الأسباب.

هل يعاني صعوبة في التعلم لم تُشخّص بعد؟ أم يواجه مشكلة في علاقاته الاجتماعية؟ أم أن أسلوب التدريس لا يتناسب مع احتياجاته؟

فهذه التحديات ليست سوى مؤشرات تستدعي الفهم والاستكشاف.

وعندما نعبّر عن غضبنا تجاه أداء الطفل، فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف الرابطة التي تجمعنا به.

أما التعامل بفضول ورغبة في الفهم، فيساعد على الحفاظ على هذه العلاقة، ويفتح المجال أمام طاقة إيجابية وبنّاءة.

4. احتفِ بالأثر الذي يتركه طفلك في الآخرين

احرص على إخبار طفلك عندما تُحدِث أفعاله فرقاً في حياة الآخرين، سواء من خلال مواساة أحد إخوته، أو إدخال البهجة على يوم صديق، أو ابتكار حل ذكي لمشكلة ما.

وخصص وقتاً لتذكيره بأن قيمته تتجاوز بكثير حدود إنجازاته ونتائجه.