قضايا خرجت من مساراتها... وسجالات بأدوات أكثر تقنية

المعارك الأدبية وحيوية الاختلاف (2-2)

عباس محمود العقاد - محمود حسن إسماعيل - إبراهيم ناجي
عباس محمود العقاد - محمود حسن إسماعيل - إبراهيم ناجي
TT

قضايا خرجت من مساراتها... وسجالات بأدوات أكثر تقنية

عباس محمود العقاد - محمود حسن إسماعيل - إبراهيم ناجي
عباس محمود العقاد - محمود حسن إسماعيل - إبراهيم ناجي

يمكن أن نرى المعارك الأدبية في لحظتنا الراهنة، من مداخل متعددة، فثمة معارك اتكأت بنيتها على قضايا متجددة باستمرار، من قبيل معركة الفصحى والعامية في أدبنا الحديث، والتي أشرنا إليها في المقال السابق، وثمة معارك أدبية أخرى اعتمدت في بنيتها على أطروحات نظرية قدمها نقاد ومفكرون بارزون، من قبيل ما طرحه طه حسين في كتابه «في الشعر الجاهلي»، وطرحه الإشكالي حول قضية الانتحال في الشعر العربي، وثمة معارك ثالثة اتخذت مسارات أخرى تتمحور حول قضايا عمومية تتصل بنزعات التجديد، في مقابل التمترس حول القديم، وقد اتخذ هذا النمط من المعارك شكولاً متعددة، من قبيل المعركة بين الشعر العمودي، والشعر الحر، أو بين بعض رواد قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وثمة نمط رابع ينتمي إلى الآن وهنا، يعززه الفضاء الافتراضي، يتحول في ظاهره إلى فضاء للتلاسن؛ لكنه لم يخلُ في جانب منه من إطار موضوعي يتصل بالجوائز الأدبية، وحدود التلاص والتناص وغيرها.
يبرز طه حسين بكتابه الإشكالي «في الشعر الجاهلي» الذي لم يكتفِ فيه بإلقاء حجر في المياه الثقافية؛ لكنه مثّل نسقاً لآلية التفكير النقدي القائم على المساءلة والمراجعة النقدية المستمرة، وأياً ما كان الأمر، فإن ما طرحه طه حسين كان جديراً بالمناقشة، وهذا عين ما كان، وإن اشتط مهاجموه كثيراً في التعبير عن رفضهم الذي تحول في بعضه إلى سباب لا يليق بهم، ولا بالمفكر التنويري البارز في ثقافتنا العربية المعاصرة.
أصدر طه حسين كتابه «في الشعر الجاهلي» في عام 1926، وقد استخدم الكتاب آليات العقل النقدي؛ حيث جعل الأشياء جميعها محلاً للسؤال، اعتماداً على منهج الشك الديكارتي (أنا أفكر، إذن أنا موجود)، ومثلت بعض الفقرات داخله مركزاً في طرح الفكرة الرئيسة التي انطلق منها، من قبيل: «شككت في قيمة الأدب الجاهلي، وألححت في الشك، وانتهيت إلى أن الكثرة المطلقة مما نسميه أدباً جاهلياً، ليست من الجاهلية في شيء، إنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام»، ثم قطع برأيه قائلاً: «فالشعر الذي يُنسب إلى امرئ القيس، أو إلى الأعشى، أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين، لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون لهؤلاء الشعراء»، وحظيت هذه الفقرة ومثيلاتها بانتقادات واسعة، سواء من بعض الأدباء والباحثين، أو من المؤسسات الدينية، وربما لم تحظَ قضية نوعية بمثل ما حظيت به قضية «في الشعر الجاهلي» من مساجلات تواترت طيلة القرن العشرين، وربما حتى لحظتنا الراهنة؛ حيث لم تزل مثاراً للبحث الأكاديمي التقليدي الذي يسعى في جله إلى الانتصار لنقيض الفكرة التي طرحها طه حسين، ومن جهة أخرى كانت هذه المعركة من أولى القضايا التي دخل فيها القضاء على خط التماس. وجميعنا يذكر تلك المرافعة المستنيرة التي قدمها رئيس نيابة مصر آنذاك السيد محمد نور، مبرئاً طه حسين مما نسب إليه.
وقد بدأت المعركة عقب صدور الكتاب مباشرة، من خلال عدد من البلاغات التي قدمها أزاهرة، وصولاً إلى شيخ الأزهر نفسه محمد أبو الفضل الجيزاوي. وقد دخل البرلمان المصري على الخط أيضاً؛ حيث هاجم النائب الوفدي عبد الحميد البنان، ومن خلفه حزبه ذو الشعبية الواسعة آنذاك، طه حسين، في حين وقف «الأحرار الدستوريون» موقفاً داعماً لطه حسين، وخصوصاً النخبة المثقفة التي انتمت إليه وقتها، أو في فترات سابقة، من قبيل: أحمد لطفي السيد، وعلي عبد الرازق، ومصطفى عبد الرازق، ومحمد حسين هيكل.
توفرت قضية الصراع بين القديم والجديد على مناحٍ عدة، كان من أبرزها منحى الأسلوب الذي شهد جولات مختلفة من الصراع الفكري بين مؤيدي اللغة القشيبة التي تعيد إنتاج الماضي، والأخرى ابنة عصرها التي تحتفظ بالجزالة الواجبة دون تقعر. وقد بلورت المعركة الأدبية بين مصطفى صادق الرافعي والدكتور محمد حسين هيكل هذا التباين، في طبيعة النظرة إلى اللغة ودورها في الخطاب. وقد عبر محمد حسين هيكل عن تلك المعركة تعبيراً دالاً في مؤلفه «في أوقات الفراغ»، الذي انتقد فيه بموضوعية شديدة أسلوب الرافعي في مؤلفه «تاريخ آداب العرب» لائماً عليه استحضاره الغريب والمهجور من اللفظ، مبيناً أثر ذلك في عدم دقة المعنى. وقد أبان هيكل عن المرجعيات التي اعتمد عليها الرافعي في صدوره في الكتابة عن هذا المنحى الأسلوبي القديم الذي يراه لصيقاً بالعربية، والأكثر تماهياً مع جذورها. فالرافعي يرى أن الرجل متى سكن المدن ذهبت فصاحته «وبدأت سليقته تتحضر، فكأنما انصدع مفصل العربية من لسانه»، وهي نظرة جامدة ترى اللغة في ثباتها، وتنطلق من تصور سكوني بإزائها، متجاهلة أن نماءها الحقيقي في تجددها، وقدرتها على التغير الزمكاني، دون أن تفقد سلامتها اللغوية، وبلاغتها العميقة المتجددة هي أيضاً بتجدد العصر ومفرداته المختلفة.
وقد ثارت قضية القديم والجديد على مستوى الأسلوب مرة أخرى، عبر طرفين مركزيين، هما: طه حسين، والرافعي. فقد كتب الرافعي في مجلة «الرسالة»: «رسالة في العتب» بأسلوبه الموغل في القدم المشار إليه، وقد استرعى هذا الأمر انتباه طه حسين الذي رد على رسالته بمقال أورده في «حديث الأربعاء» ذكر فيه نصاً: «أما أنا فأعتذر للكاتب الأديب؛ إذ أعلنت مضطراً أن هذا الأسلوب الذي ربما راق أهل القرن الخامس والسادس للهجرة، لا يستطيع أن يروقنا في هذا العصر الحديث الذي تغير فيه الذوق الأدبي، لا سيما في مصر، تغيراً شديداً». وكان الرافعي قد احتج بأن الأسلوب الذي كتب به رسالته في العتب هو «موضع الانفراد، والغاية التي تتقاصر دونها الأعناق منذ القرن الرابع إلى آخر التاسع»؛ بل وزاد على ذلك بأن اتهم معارضيه -ومن أبرزهم طه حسين- بالضعف في سلوك هذا المنحى «وتقصيرهم عن حده»، فرد طه حسين بعبارته الشهيرة: «لا حاجة لنا إلى أن نجيد هذا الأسلوب، وإننا لا نريد أن نجيده».
شهد ملف السرقات الأدبية سجالات متعددة، كان أكثرها اشتعالاً متصلاً بما كتبه عباس العقاد حول الشاعر إبراهيم ناجي، والردود التي صنعها الشاعر محمود حسن إسماعيل الذي كتب قائلاً: «نقد الشاعر المعروف عباس محمود العقاد في مقاله (دواوين شعرية) المنشور بالعدد الصادر في 13 يونيو (حزيران) سنة 1934 من (الجهاد)، ديوان (وراء الغمام) للشاعر الوجداني الدكتور ناجي، وقد كان من أثر الضغط الشديد في التحامل وإنكار الناحية الفنية في الديوان، أن زل قلمه بما فضح نقده، ومكَّن الظن في إشباع نقده بالعداء الشخصي، ذلك أنه نسب إلى الدكتور ناجي انتزاعه بعض المعاني من شعره».
وقد ضرب العقاد مثالاً شعرياً لبيت إبراهيم ناجي: «مر الظلام وأنت ملء خواطري... ودنا الصباح ولم أزل مشغولاً». ثم ذكر أن البيت السابق مأخوذ من شعره، وتحديداً في بيت العقاد الذي يقول فيه: «فإذا صحوت فأنت أول خاطري... وإذا غفا جفني فأنت الآخر».
ومن الطريف أن البيت الذي احتج العقاد بأنه مأخوذ من شعره، قد ارتد عليه، فبعد أن ذكر محمود حسن إسماعيل أن ملاحظة العقاد فاسدة، وأنه «لا أثر للانتزاع مطلقاً»، أردف قائلاً بأن هذا البيت الشعري للعقاد محمول على بيت البارودي: «فإذا صحوت فأنت أول ذكرتي... وإذا غفوت فأنت آخر زادي»، وأنه لو كان ثمة سطو، فهو ها هنا.
وربما يمكن النظر إلى هذه المعركة في إطار المعارك الأدبية بين التيارات الأدبية المختلفة، فالعقاد رأس جماعة «الديوان»، وناجي أحد أبرز وجوه جماعة «أبوللو». وقد تدور المعارك الأدبية داخل التيار الأدبي الواحد، من قبيل الإقصاء الذي مارسه العقاد والمازني ضد رفيقهما في جماعة «الديوان» عبد الرحمن شكري، وهو ما استفز الناقد رمزي مفتاح ليكتب كتاباً كاملاً سمَّاه «رسائل النقاد... قراءات في جاهلية العقاد»، مهاجماً فيه عباس العقاد بشكل أساسي، ومدافعاً عن شكري.
تعددت المعارك بين طه حسين والعقاد، وكان من أبرزها الخلاف الذي دار حول أبي العلاء المعري؛ حيث عدَّ العقاد «رسالة الغفران» فقيرة الخيال، وهو ما رد عليه طه حسين متسائلاً عن هذا الفهم المغلوط الذي تلبَّس العقاد تجاه أبي العلاء.
وقد خرجت بعض المعارك الأدبية عن نطاقاتها الموضوعية إلى مسارات شخصية، من قبيل ما حدث بين زكي مبارك وطه حسين؛ حيث بدأت المعركة فكرية بالأساس؛ حيث اختلف الاثنان على زمنية وجود النثر الفني في الثقافة العربية، ففي حين رآه زكي مبارك يعود إلى العصر الجاهلي، رأى طه حسين أنه يعود إلى العصر الأموي. كذلك عارض زكي مبارك فكرة طه حسين بالعودة إلى حضارة اليونان، وتَمَثُّل فلسفة وثقافة اليونان. وقد خرجت المعركة عن غايتها الأدبية حين رفض طه حسين تجديد عقد زكي مبارك في الجامعة، فيما عُرف في التاريخ الأدبي بمعركة «لقمة عيش» التي نُسب فيها لزكي مبارك قولته المشهورة: «ولو جاع أولادي لشويت طه حسين وأطعمتهم لحمه».
وفي اللحظة الراهنة، ليس ثمة مكان في عالمنا العربي دون أن يشهد سجالاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ففي عالم من السيولة اللانهائية، يشهد ما يعرف باهتزاز المعنى، ستكون عبارة إمبرتو إيكو صالحة إلا قليلاً، للتعبير عن جوهر الفضاء الافتراضي: «إن أدوات مثل (تويتر) و(فيسبوك) تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى»، يعتقدون بأنهم حاصلون على جائزة «نوبل»، فيما سمَّاه إيكو «غزو البلهاء»، وربما إشكالية العبارة هنا كونها عمومية.
وقد جعل الفضاء الافتراضي بتنويعاته المتعددة للمعارك الأدبية أدوات أخرى، أكثر تقنية، غير أنه أربك المشهد الثقافي العربي، باستحضاره الخفة، وتعزيره قيم السوق، وباتت الآليات نفسها متعددة، فيكفي أن يكتب أي شخص منشوراً من خمس جمل أو أقل لتتواتر التفاعلات، من قبيل ما حدث بعد وفاة الروائي الكبير بهاء طاهر، وإن أظهر هذا السجال إمكانية أن يتشارك قراء عاديون مع الكُتاب والمثقفين في الدفاع عن المعنى، وبما يمنح معارك الفضاء الافتراضي طزاجة هائلة، وراهنية مستمرة في التماس مع ذلك الآن وهنا.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
TT

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الأول «حين يسقط الضوء» يقترب المخرج الألماني ساشا فايدر من أكثر اللحظات إنسانية وهشاشة في حياة أي أسرة، وهي لحظة انتظار الفقد. لا يذهب الفيلم إلى الميلودراما ولا يعتمد على مشاهد صاخبة أو انفعالات حادة، بل يختار منطقة الصمت الذي يسبق الوداع، والإنكار الذي يسبق الاعتراف.

تدور أحداث الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، في أطراف العاصمة الألمانية، حيث يعيش «إيلاي»، فتى في السادسة عشرة، حياة تبدو عادية في ظاهرها، يعمل في مركز لوجيستي، يؤدي خدمة مجتمعية، يلتقي أصدقاءه عند البحيرة، ويتصرف كما لو أن العالم يسير بإيقاعه الطبيعي، لكن داخل البيت، هناك زمن آخر، والدته «ماريا» ترقد في أيامها الأخيرة، جسدها يضعف بهدوء، بينما يرفض الابن أن يمنح الفكرة اسمها الحقيقي.

الفيلم لا يلاحق المرض بوصفه حدثاً طبياً، بل يلاحق أثره النفسي، «إيلاي» لا يبكي ولا ينهار، بل يتعامل بشكل مغاير، يسهر ليلاً، يتجول في المدينة بلا هدف، كأنه يحاول أن يهرب من جدران البيت التي تذكّره بما يحدث. في لحظة اندفاع، يسرق كلباً في تصرف يبدو عبثياً، لكنه في العمق محاولة للتشبث بالحياة، أو لإثبات أن شيئاً ما زال تحت سيطرته.

ركز العمل على جوانب إنسانية عدة - الشر(الشركة المنتجة)

لا يقتصر البناء الدرامي على علاقة الأم بابنها، بل يمنح مساحة شديدة الأهمية لشخصية «آنا»، الممرضة المكسيكية التي تتولى رعاية ماريا في أيامها الأخيرة، فهي عنصر توازن إنساني بين طرفين يتعاملان مع الموت بطريقتين متناقضتين.

«ماريا» تقترب من النهاية بهدوء مستسلم، و«إيلاي» يهرب منها بإنكار صامت، بينما تقف «آنا» في المنتصف، تعرف الحقيقة، تعترف بها، لكنها تحاول أن تجعلها أقل قسوة، فهي الشاهد الأكثر قرباً على التحول البطيء في الجسد، وعلى التصدع الذي يصيب الابن من الداخل.

يقول المخرج الألماني ساشا فايدر لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة الفيلم انطلقت من تجربة شخصية، بعد وفاة والدته التي كانت لحظة فاصلة في حياته، لكنها لم تتحول إلى حكاية مباشرة على الشاشة، مشيراً إلى أن ما شغله لم يكن حدث الرحيل ذاته، بل الأيام التي سبقته، حين يعيش الإنسان بين تصديق الحقيقة ورفضها في الوقت نفسه.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وأوضح أن فقدان والدته جعله يعيد التفكير في معنى الزمن، لأن الساعات الأخيرة لا تُقاس بالدقائق، بل بثقلها العاطفي، معتبراً أن أصعب ما مرَّ به لم يكن إعلان الوفاة، بل الشعور بالعجز أمام معاناة شخص يحبه، وهو إحساس حاول أن ينقله إلى شخصية «إيلاي» من دون مبالغة أو خطاب مباشر.

وأضاف أن الإنكار في الفيلم ليس موقفاً فكرياً، بل رد فعل إنساني غريزي، لأن كثيرين، خاصة في سن المراهقة، لا يعرفون كيف يواجهون فكرة الفقد، فيختارون الهروب أو التصرف بعدوانية صامتة، مشيراً إلى أن «إيلاي» لا يرفض أمه، بل يرفض فكرة غيابها، ولهذا يتمسك بإيمانه بأن الموت ليس نهاية حاسمة.

وفاة والدة المخرج سبب إلهامه بفكرة العمل (الشركة المنتجة)

وأشار فايدر إلى أنه تعمَّد الابتعاد عن المشاهد العاطفية التقليدية، لأن الحزن الحقيقي غالباً ما يكون هادئاً وأكثر اللحظات صدقاً في حياته لم تكن تلك التي انفجر فيها بالبكاء، بل تلك التي شعر فيها بفراغ داخلي عميق، لا يجد له تفسيراً. لذلك ترك مساحات واسعة للصمت في الفيلم، معتبراً أن الصمت أحياناً أبلغ من أي حوار.

وتحدث المخرج عن علاقته بوالدته، قائلاً إنها «لم تكن فقط مصدر إلهام، بل كانت سبباً في إعادة صياغة نظرته إلى الحياة»، لافتاً إلى أن السينما منحته فرصة لفهم مشاعره بدلاً من الهروب منها، وأن «حين يسقط الضوء» هو محاولة لمصالحة داخلية أكثر منه استعادة لذكرى شخصية.

يؤكد ساشا فايدر أن العمل مع ممثلين غير محترفين كان أحد أكبر التحديات في فيلمه، إذ يعتمد بشكل أساسي على اختيار وجوه من الشارع بدلاً من الأسماء المعروفة، وهي عملية لا تتم بسرعة، بل تمتد لما يقارب سنة ونصف إلى عامين، وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمثابرة.

المخرج الألماني (مهرجان برلين)

ويشير فايدر إلى أن اختيار الممثلين يتم عبر عملية منظمة تشمل تجارب أداء وبروفات متعددة، إلى جانب فريق متخصص في البحث عن مواهب جديدة في أماكن مختلفة، من الشارع إلى المؤسسات مثل المستشفيات، حيث تم اختيار إحدى المشاركات في الفيلم. بعد ذلك يخضع المتقدمون لاختبارات وتدريبات قبل أن يُحسم القرار النهائي بناء على مدى الانسجام بينهم وقدرتهم على الاندماج في العالم الذي يبنيه الفيلم، وهو مسار يتطلب دقة وحساسية كبيرة في التعامل مع أشخاص يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى.


خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
TT

خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)

أكد الممثل المصري، خالد سرحان، أن وجوده في الدراما الرمضانية بتجربتين مختلفتين أمر لم يكن مخططاً له في البداية، لكنه جاء بالمصادفة، لحماسه للمشاركة في «المداح 6»، و«وننسى اللي كان»، مع اختلاف طبيعة الدورين اللذين يقدمهما.

وعن مشاركته في مسلسل «وننسى اللي كان»، قال خالد سرحان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل عُرِض عليَّ من السيناريست عمرو محمود ياسين، الذي أحب الاشتراك في التجارب التي يكتبها، كما اشتركتُ من قبل مع ياسمين عبد العزيز في عدة أعمال بين السينما والتلفزيون، وتربطنا نجاحات متميزة».

وأضاف أن «ياسمين ممثلة محترفة، ولديها حضور جماهيري كبير بالعالم العربي، والتمثيل أمامها يكون فرصة لتقديم تجربة متماسكة فنيّاً، وهو ما يعززه وجود المخرج محمد الخبيري الذي يمتلك رؤية إخراجية واعية للتعامل مع سيناريو العمل».

وأوضح أنه وجد في المسلسل تجربة درامية تتوفَّر فيها عناصر النجاح، على جميع المستويات منذ قراءة السيناريو للمرة الأولى، مشيراً إلى أن شخصية شاهر الجبالي التي يقدمها من الأدوار المركَّبة التي جلس للنقاش بشأنها مع المؤلف.

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حاول العمل على الدور من عدة جوانب، بهدف إبراز سلسلة من الصراعات النفسية والمهنية المعقدة التي يمر بها في حياته وتنعكس على تصرفاته وسلوكياته بشكل واضح، لافتاً إلى أن الدور بعيد عن التصنيف التقليدي للشر أو الخير، لكونه يتحرك بدوافع إنسانية متناقضة تتقاطع فيها الرغبة في السيطرة مع الخوف من الخسارة والانكسار.

وأكد أنه كان حريصاً على التحضير للدور من الناحية الجسدية، بما يتناسب مع طبيعته، مما دفعه لاتباع حمية غذائية، وإنقاص وزنه، لكونه يرتدي بدلة رسمية، ويظهر في مناسبات اجتماعية وفنية عدة، بجانب العمل على فهم الدوافع الموجودة لدى الشخصية للقرارات التي يتخذها حتى يقدمها، حتى لو كان غير مقتنع على المستوى الشخصي بالمبررات التي تسوقها لنفسها.

وحول المشاهد الصعبة في التصوير، قال خالد سرحان إن «العمل مليء بالمشاهد المهمة التي تشكل محوراً مهمّاً في الأحداث، لكن المناقشات التي سبقت التصوير وروح التفاهم والتناغم بين فريق العمل ساعدت على التعامل مع جميع الصعوبات بشكل سهل، حتى مع استمرار التصوير لساعات طويلة يومياً».

ولفت إلى أنه، بالرغم من كون العمل سيعرض في 30 حلقة، فإن الأحداث مليئة بالمفاجآت التي ستظهر تباعاً، مع تصاعد درامي لن يجعل المشاهد يشعر بالملل، مؤكداً أن «الواقعية والمحافظة على الإيقاع اللذين تميز بهما السيناريو من أهم نقاط قوة العمل»، على حد تعبيره.

الملصق الترويجي لمسلسل «المداح 6 » (حسابه على «فيسبوك»)

وقال خالد إن وجوده في «المداح 6» أمر طبيعي لاستكمال دور «حسن» الذي يعتز به كثيراً، وبالنجاح الذي حققه في الأجزاء السابقة مع الجمهور، لكن هذه المرة التحولات الحادة التي يمر بها، والتي ستتصاعد خلال الحلقات المقبلة تحمل كثيراً من المفاجآت.

وأضاف أن فريق كتابة العمل نجح في تقديم «ملحمة درامية» متميزة فنياً، عبر التطرق إلى مساحات مختلفة درامياً، وتكثيف للأحداث وتناول عميق، وهو أمر جعله لا يشعر بالتردد في الموافقة على استكمال الدور بعد الإعلان عن تقديم الجزء الجديد.

وأوضح أن «من أسباب تميُّز الجزء السادس التصاعد الدرامي الذي كتب به السيناريو، والتصرف في الأحداث بناء على تراكمات الأجزاء السابقة، مع إدراك عمق التفاصيل في كل دور، وعودة شخصيات مؤثرة، على غرار دور (سميح) الذي يقدمه فتحي عبد الوهاب، وشكّل نقطة قوة مؤثرة في العمل».

وفسَّر خالد سرحان تعاطف الجمهور مع شخصية «حسن»، لكون الأمر مرتبطاً بتركيبته الإنسانية الملتبسة، وباعتباره شخصاً مأزوماً ويعيش صراعات إنسانية داخلية تصل لدرجة التناقض، وهو ما يجعله قريباً من الجمهور.


الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
TT

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)

أفاد مشاركون في برنامج تجريبي للدراجات الكهربائية في نيوزيلندا بأنّ ركوب الدراجات حسَّن صحتهم البدنية والنفسية، وساعدهم في إدارة حالات مرضية مزمنة مثل السكري، والربو، والشعور بالأرق، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة أوتاغو في ويلينغتون النيوزيلندية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة الرئيسية والمحاضِرة في قسم الصحة العامة بكلية الطب في جامعة أوتاغو، الدكتورة إيما أوزبورن، إنّ «المشاركين وجدوا أنّ ركوب الدراجات الكهربائية حسَّن صحتهم النفسية والبدنية بشكل عام»، وأضافت في بيان، الجمعة: «كما ساعد ركوب الدراجات في التخفيف من عوارض بعض الأمراض المزمنة، بما في ذلك داء السكري من النوع الثاني، والنقرس، وارتفاع ضغط الدم، والأرق، والربو، وآلام المفاصل، وخصوصاً آلام الورك والركبة».

وبالنسبة إلى مشاركين عدّة، كانت فوائد الصحة النفسية شديدة الأهمية. علَّق أحدهم قائلاً: «تمنحك هذه التجربة لحظات من الراحة لا تفكر فيها بالعمل، ولا بمشكلات العالم. بالطبع تحصل على فوائد بدنية، ولكن الأهم هو تأثيرها في صحتي النفسية».

استكشف الباحثون تأثير ركوب الدراجات الكهربائية في 26 شخصاً ممّن سجلوا للمشاركة في برنامج «هيكو (HIKO)» التجريبي للدراجات الكهربائية في واينويوماتا، بمنطقة ويلينغتون، عام 2023.

ووفق الدراسة التي نُشرت نتائجها في «المجلة الطبية النيوزيلندية»، وُزّعت على المشاركين في البرنامج دراجات كهربائية وخوذات وملابس عاكسة للضوء، وتلقّوا تدريباً على مهارات ركوب الدراجات ودعماً فنّياً، قبل أن تُجرى معهم مقابلات في بداية البرنامج، ثم على فترات بعد 6 أشهر و12 شهراً.

وكانت لدى بعض المشاركين أهداف صحّية محدّدة عند انضمامهم إلى البرنامج، مثل إنقاص الوزن أو الإقلاع عن التدخين. ووجد أحدهم أنّ ركوب الدراجة الكهربائية مكّنه من الإقلاع عن التدخين دون زيادة في الوزن: «لقد ساعدني ذلك في تبنّي نمط حياة صحي، وساعدني على التخلُّص من الرغبة الشديدة في التدخين».

ووجد كثيرون أنّ ركوب الدراجات الكهربائية وسيلة جيدة للحفاظ على النشاط في منتصف العمر وكبار السنّ. قال أحد راكبي الدراجات: «ركبتاي على وشك الانهيار؛ لذا فهذه وسيلة للحفاظ عليهما من دون إجهاد الجسم كثيراً».

من جهتها، تقول الأستاذة المساعدة كارولين شو، من قسم الصحة العامة، وهي إحدى مؤلّفي البحث، إنه رغم جهود الحكومة لزيادة مستويات النشاط البدني لدى النيوزيلنديين، فإنّ مقدار التمارين التي يمارسها الناس مستمر في الانخفاض.

وتوضح أنّ «التحوّل إلى الدراجات الكهربائية للتنقل أو قضاء الحاجات اليومية يُعدّ وسيلة سهلة لزيادة النشاط البدني وتحسين الصحة العامة».

وأضافت أنّ بإمكان المتخصصين في الرعاية الصحية أن يلعبوا دوراً مهمّاً في التوصية بالدراجات الكهربائية لمرضاهم؛ إذ أبدى عدد ممّن سجّلوا في البرنامج التجريبي استعدادهم للمشاركة عندما اقترحها عليهم شخص مُلمّ بحاجاتهم الصحية.

لكنها تشير إلى أنّ الحكومات ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات إذا ما أُريد أن يرتفع معدل استخدام الدراجات إلى مستوى يؤثر إيجاباً في مستوى النشاط البدني بين عامة السكان.